الحلقة الحادية والعشرون
الدرس الأول :
سـورة البروج ( 12 –22 )
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
ثم تتوالى التعقيبات ..( إن بطش ربك لشديد ) .. وإظهار حقيقة البطش وشدته في هذا الموضع هو الذي يناسب ما مر في الحادث من مظهر البطش الصغير الهزيل الذي يحسبه أصحابه ويحسبه الناس في الأرض كبيرا شديدا . فالبطش الشديد هو بطش الجبار . الذي له ملك السماوات والأرض .
( إنه هو يبدئ ويعيد ) .. والبدء والإعادة وإن اتجه معناهما الكلي إلى النشأة الأولى والنشأة الآخرة .. إلا أنهما حدثان دائبان في كل لحظة من ليل أو نهار . ففي كل لحظة بدء وإنشاء ، وفي كل لحظة إعادة لما بلي ومات .
( وهو الغفور الودود ) .. والمغفرة .. من الرحمة والفضل الفائض بلا حدود ولا قيود . وهي الباب المفتوح الذي لا يغلق في وجه عائد تائب . ولو عظم الذنب وكبرت المعصية .. أما الود .. فيتصل بموقف المؤمنين ، الذين اختاروا ربهم على كل شيء . وهو الإيناس اللطيف الحلو الكريم .. فماذا تكون الحياة التي ضحوا بها وهي ذاهبة ؟ وماذا يكون العذاب الذي احتملوه وهو موقوت ؟ ماذا يكون هذا إلى جانب قطرة من هذا الود الحلو ؟ وإلى جانب لمحة من هذا الإيناس الحبيب ؟
( ذو العرش المجيد ) العالي المهيمن الماجد الكريم ؟ ألا هانت الحياة . وهان الألم . وهان العذاب . وهان كل غال عزيز ، في سبيل لمحة رضى يجود بها المولى الودود ذو العرش المجيد ..
( فعال لما يريد ) .. هذه صفته الكثيرة التحقق ، الدائبة العمل .. فعال لما يريد .. فهو مطلق الإرادة ، يختار ما يشاء ؛ ويفعل ما يريد ويختاره ، دائما أبدا ، فتلك صفته سبحانه .
يريد مرة أن ينتصر المؤمنون به في هذه الأرض لحكمة يريدها . ويريد مرة أن ينتصر الإيمان على الفتنة وتذهب الأجسام الفانية لحكمة يريدها .. يريد مرة أن يأخذ الجبارين في الأرض . ويريد مرة أن يمهلهم لليوم الموعود .. لحكمة تتحقق هنا وتتحقق هناك ، في قدره المرسوم .
وهاك نموذجا من فعله لما يريد : ( هل أتاك حديث الجنود : فرعون وثمود ؟ ).. ويسميهم الجنود . إشارة إلى قوتهم واستعدادهم .. هل أتاك حديثهم ؟ وكيف فعل ربك بهم ما يريد ؟
وهما حديثان مختلفان في طبيعتهما وفي نتائجهما .. فأما حديث فرعون ، فقد أهلكه الله وجنده ونجى بني إسرائيل ، ومكن لهم في الأرض فترة .. وأما حديث ثمود فقد أهلكهم الله عن بكرة أبيهم وأنجى صالحا والقلة معه حيث لم يكن لهم بعد ذلك ملك ولا تمكين . إنما هي مجرد النجاة من القوم الفاسقين .. وهما نموذجان لفعل الإرادة ، وتوجه المشيئة . وصورتان من صور الدعوة إلى الله واحتمالاتها المتوقعة ، إلى جانب الاحتمال الثالث الذي وقع في حادث الأخدود .. وكلها يعرضها القرآن للقلة المؤمنة في مكة ، ولكل جيل من أجيال المؤمنين .
( بل الذين كفروا في تكذيب ، والله من ورائهم محيط ) ..
فشأن الكفار وحقيقة حالهم أنهم في تكذيب يمسون به ويصبحون . ( والله من ورائهم محيط ) .. وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وعلمه .
( بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ ) .. والمجيد الرفيع الكريم العريق .. وهل أمجد وأرفع وأعرق من قول الله العظيم ؟ وهو في لوح محفوظ .. قوله هو المرجع الأخير ، في كل ما يتناوله من الأمور . يذهب كل قول ، وقوله هو المرعي المحفوظ ..ولقد قال القرآن قوله في حادث الأخدود ، وفي الحقيقة التي وراءه .. وهو القول الأخير .
التقويم
- صور عواقب الطغاة بعد فتكهم بالمؤمنين مع ضرب الأمثلة على ذلك كما جاءت فى الآيات ( أصحاب الأخدود – فرعون وثمود ) .
- اربط بين أحداث هذه الحياة البشرية وتسييرها بإرادة الله وقدرته وعدله .
الدرس الثاني :
جـ- ذِكْر الموت والبِلَى (تحلل الجسد بعد الممات) :
والاستحياء من الله حق الحياء يكون بتذكر الموت والبِلى، والبِلى هو فساد الجسد وتحلله بعد الموت، وتذكر الموت وتحلل الجسد بعد الممات من الأمور التي تعين على تقوى الله نعالى، وتدفع الإنسان إلى التفكر في الحقيقة التي وُجِد من أجلها، يقول نعالى: }أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وأَنَّكُمْ إلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ{[1]، ويقول: }ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ{[2]، فإذا
تذكر الإنسان ذلك ساعده على نمو الحياء في قلبه وسيطرته على جوارحه وفكره.
إن الموت وحده كفيل أن يدفع بأصحاب العقول إلى تحسين صورتهم والسمو بأنفسهم عن الأفعال الدنيئة، فإن الإيمان بالموت هو الحقيقة التي يجب أن تكون مؤدية إلى يأس الإنسان من ارتكاب كل معصية، وتدفع به إلى المسارعة إلى كل فضيلة.
كيف نذكر الموت والبلى؟
1. تذكر أحوال الاحتضار والقبور ومشاهد يوم القيامة دائمًا.
2. احرص على زيارة المرضى والمُبْتَلين للاعتبار والاتعاظ.
[1]- الآية 115 من سورة المؤمنون.
[2]- الآية 56 من سورة الذاريات.