potenCiel Espace éducatif de l'Association Cultures & Citoyenneté

الحلقة 19

الحلقة 19

الحلقة التاسعة عشر

الدرس الأول :

سـورة الإنشقاق ( 16 – 25 )

فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)

 

 

ومن هذه الجولة الكبيرة العميقة الأثر  .. يعود بهم إلى لمحات من هذا الكون الذي يعيشون فيه حياتهم ، وهم غافلون عما تشي به هذه اللمحات من التدبير والتقدير :

( فلا أقسم بالشفق ، والليل وما وسق ، والقمر إذا اتسق .)  ..

وهذه اللمحات الكونية التي يلوح القسم بها.. لمحات ذات طابع خاص . طابع يجمع بين الخشوع الساكن ، والجلال المرهوب ..

فالشفق هو الوقت الخاشع المرهوب بعد الغروب .. وبعد الغروب تأخذ النفس روعة ساكنة عميقة . .

( والليل وما وسق )  .. هو الليل وما جمع وما حمل .. بهذا التعميم ، وبهذا التجهيل ، وبهذا التهويل ..

( والقمر إذا اتسق )  .. وهو القمر في ليالي اكتماله .. وهو يفيض على الأرض بنوره الحالم الخاشع ..

هذه اللمحات الكونية .. يلتقطها القرآن لقطات سريعة ، ويخاطب بها القلب البشري ، الذي يغفل عن خطابها الكوني . ويلوح بالقسم بها ليبرزها للمشاعر والضمائر ..

( لتركبن طبقا عن طبق )  .. أي لتعانون حالا بعد حال ، وفق ما هو مرسوم لكم من تقديرات وأحوال . ويعبر عن معاناة الأحوال المتعاقبة بركوبها .. وكأن هذه الأحوال مطايا يركبها الناس واحدة بعد واحدة . وكل منها تمضي بهم وفق مشيئة القدر الذي يقودها ويقودهم في الطريق .. حتى تنتهي بهم إلى لقاء ربهم .

وفي ظل هذه اللمحات  والمشاهد .. يجيء التعجيب من أمر الذين لا يؤمنون :    ( فما لهم لا يؤمنون ؟ و إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ؟ )  ..  أجل ! فما لهم لا يؤمنون ؟

إن موحيات الإيمان .. تواجه القلب البشري حيثما توجه ؛ وتتكاثر عليه أينما كان . وهي من الكثرة والعمق والقوة والثقل في ميزان الحقيقة بحيث تحاصر هذا القلب لو أراد التفلت منها . .

( فما لهم لا يؤمنون ؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ؟ )  وهو يخاطبهم بلغة الفطرة ، ويفتح قلوبهم على موحيات الإيمان ودلائله في الأنفس والآفاق . ويستجيش في هذه القلوب مشاعر التقوى والخضوع لبارئ الوجود .. وهو السجود.

إنه لأمر عجيب حقا . يضرب عنه  ليأخذ في بيان حقيقة حال الكفار :( بل الذين كفروا يكذبون . والله أعلم بما يوعون )  ..

بل الذين كفروا يكذبون . يكذبون إطلاقا . فالتكذيب طابعهم وميسمهم وطبعهم الأصيل . والله أعلم بما يكنون في صدورهم ..من شر وسوء ودوافع لهذا التكذيب .

ويترك الحديث عنهم ، ويتجه بالخطاب إلى الرسول الكريم :   ( فبشرهم بعذاب )  .. ويا لها من بشرى لا تسر ولا يودها متطلع إلى بشرى من بشير .

وفي الوقت ذاته يعرض ما ينتظر المؤمنين الذين لا يكذبون .. ويجيء هذا العرض في السياق كأنه استثناء من مصير الكفار المكذبين :

( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . لهم أجر غير ممنون )  ..

وهو الذي يقال عنه في اللغة استثناء منقطع . فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يكونوا داخلين ابتداء في تلك البشارة السوداء ثم استثنوا منها .. والأجر غير الممنون .. هو الأجر الدائم غير المقطوع .. في دار البقاء والخلود .

 

التقويم

-       صور مشاهد الانقلاب الكونية كما عبرت عنها الآيات .

-       وضح خطاب الله للإنسان فى هذه السورة .


الدرس الثاني :

التطبيقات العملية لتحقيق مفهوم الحياء

لا شك أن الحياء الكامل يسبقه استعداد فطرى، فإن هناك طبائع تكاد الصفاقة[1] تكون لازمة لهم، في الوقت الذي نرى فيه بعض الناس شديد الخجل مرهف الإحساس إلى حد بعيد، لكن الخجل -مع أنه العنصر البارز في الحياء- يقع في الخير والشر، وقد يجر صاحبه إلى ورطات سيئة، أما الحياء فلا يكون إلا في الحدود المشروعة[2].

 

** الحياء في كلمات أربع :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: ((لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُر الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))[3].

 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يبين لنا حقيقة الحياء في صورتها المُثْلى التي تشمل الحواس الظاهرة والباطنة، فضلاً عن شعور إيماني لو سيطر على سلوك المسلم لجعله متصفًا حقًّا بالحياء الكامل.

يأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يستحيوا من الله حق الحياء، فتأتي إجابة صحابته y إجابة مطابقة لأحوالهم الحقيقية: (إنا نستحيي) فهم أهل العدالة والصدق، وعقبوا بحمد الله نعالى الذي هداهم لذلك ووفقهم إلى وجود الحياء في نفوسهم، وهنا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم المطلوب ويكشف عن الحقيقة: (ليس ذاك)، ثم يستطرد صلى الله عليه وسلم في بيان المطلوب.. حق الحياء.

فقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحياء الحق يتحقق في النفس إذا تحقق فيها أربعة أمور هي:

أ- حفظ الرأس وما وعى.         ب- حفظ البطن وما حوى.

جـ- ذكر الـموت والبلى.         د- تـرك زينـة الدنيـا.

 

أ- حفظ الرأس وما وعى:

فالاستحياء من الله حق الحياء يكون بحفظ الرأس عن استعماله في غير طاعة الله، بألا نسجد لغيره، ولا نخضع به لغير الله، ولا نرفعه تكبرًا، ويكون أيضًا بحفظ ما اشتمل عليه هذا الرأس من لسان وعين وأذن، عما لا يحل استعماله، ويشمل أيضًا العقل وما يودع فيه من معلومات، وما يصدر عنه من إشارات.

 

كيف نحفظ الرأس وما وعى؟

1.  عدم إحناء الرأس إلا لله، وعدم الالتفات في الصلاة.

2.  غض البصر عن المحرمات ، وعدم التجسس.

3.  النظر والتفكر في الكون والتدبر في قدرة الله  نعالى.

4.  البعد عن سماع المحرمات من غيبة ونميمة وفُحش.

5.  عدم استعمال الزينة المحرمة كنمص الحاجبين وتفليج الأسنان[4].

6.  الإعراض عن اللغو، والإقبال على سماع القرآن والعِلم.

7.  الامتناع عن الخمور والمخدرات وكل ما يُعطِّل العقل.




[1]- الصفاقة: الوقاحة وقلة الحياء.

[2] - محمد الغزالي، خلق المسلم، وسيأتي الحديث مفصلاً -إن شاء الله- عن كيفية اكتساب خلق الحياء.

[3]- رواه الإمام الترمذي في سننه، وقال: غريب، وصححه الإمام السيوطي.

[4]- تفليج الأسنان: المباعدة بينها وتفريقها طلبًا للحسن والجمال.

Date de dernière mise à jour : 05/07/2021