الحلقة الثامنة عشر
الدرس الأول :
سـورة الإنشقاق
- الأهداف :
- أن يصور الدارس مشاهد الانقلاب الكونية كما عبرت عنها الآيات .
- أن يوضح الدارس خطاب الله للإنسان فى هذه السورة .
تبدأ السورة ببعض مشاهد الانقلاب الكونية .. ولكنها هنا ذات طابع خاص . طابع الاستسلام لله . استسلام السماء واستسلام الأرض ، في طواعية وخشوع ويسر : ( إذا السماء انشقت ، وأذنت لربها وحقت . وإذا الأرض مدت ، وألقت ما فيها وتخلت ، وأذنت لربها وحقت ) ..
ذلك المطلع الخاشع الجليل تمهيد لخطاب "الإنسان" ، وإلقاء الخشوع في قلبه لربه . وتذكيره بأمره ؛ وبمصيره الذي هو صائر إليه عنده : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه . فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ، وينقلب إلى أهله مسرورا ، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ، ويصلى سعيرا ) ..
سـورة الإنشقاق ( 1- 15 )
|
إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً (11) وَيَصْلَى سَعِيراً (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً (15)
|
إذا السماء انشقت ، وأذنت لربها وحقت . وإذا الأرض مدت ، وألقت ما فيها وتخلت ، وأذنت لربها وحقت ) .. وانشقاق السماء سبق الحديث عنه .. أما الجديد هنا فهو استسلام السماء لربها ؛ ووقوع الحق عليها ، وخضوعها لوقع هذا الحق وطاعتها : ( وأذنت لربها وحقت ).. فإذن السماء لربها : استسلامها وطاعتها لأمره في الانشقاق ، ( وحقت ) .. أي وقع عليها الحق . واعترفت بأنها محقوقة لربها
( وإذا الأرض مدت ) .. وقد يعني هذا مط رقعتها وشكلها ، مما ينشأ عن انقلاب النواميس التي كانت تحكمها..
( وألقت ما فيها وتخلت ) .. وهو تعبير يصور الأرض كائنة حية تلقي ما فيها وتتخلى عنه . وما فيها كثير . منه تلك الخلائق التي لا تحصى ، والتي طوتها الأرض في أجيالها التي لا يعلم إلا الله مداها . ومنه سائر ما يختبئ في جوف الأرض من معادن ومياه وأسرار لا يعلمها إلا بارئها . وقد حملت حملها هذا أجيالا بعد أجيال ، وقرونا بعد قرون . حتى إذا كان ذلك اليوم : ألقت ما فيها وتخلت ..
( وأذنت لربها وحقت ) .. هي الأخرى كما أذنت السماء لربها وحقت . واستجابت لأمره مستسلمة مذعنة ، معترفة أن هذا حق عليها ، وأنها طائعة لربها بحقه هذا عليها .
وفي هذا الجو الخاشع الطائع يجيء النداء العلوي للإنسان :
( يا أيها الإنسان ) .. الذي خلقه ربه بإحسان ؛ والذي ميزه بهذه "الإنسانية .. وقد نفخ فيه من روحه
( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) .. يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحا ، تحمل عبئك ، وتجهد جهدك .. لتصل في النهاية إلى ربك . فإليه المرجع وإليه المآب . بعد الكد والكدح والجهاد ..
يا أيها الإنسان .. إنك لا تجد الراحة في الأرض أبدا . إنما الراحة هناك . لمن يقدم لها الطاعة والاستسلام .. والتعب واحد في الأرض والكدح واحد .. أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك . ولأن هذه اللمسة الكامنة في هذا النداء ، فإنه يصل بها مصائر الكادحين عندما يصلون إلى نهاية الطريق ،ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء :
( فأما من أوتي كتابه بيمينه .فسوف يحاسب حسابا يسيرا. وينقلب إلى أهله مسرورا ) ..
والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرضي السعيد ، الذي آمن وأحسن ، فرضي الله عنه وكتب له النجاة . وهو يحاسب حسابا يسيرا . فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب . والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول وفيها غناء ..
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله : من نوقش الحساب عذب قالت : قلت : أفليس قال الله تعالى : ( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) . قال : ليس ذلك بالحساب ، ولكن ذلك العرض . من نوقش الحساب يوم القيامة عذب ..
وعنها كذلك قالت : سمعت رسول الله يقول في بعض صلاته : اللهم حاسبني حسابا يسيرا .. فلما انصرف قلت : يا رسول الله ، ما الحساب اليسير ؟ قال : أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه . من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك ..
فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتى كتابه بيمينه .. ثم ينجو ( وينقلب إلى أهله مسرورا ) .. من الناجين الذين سبقوه إلى الجنة .
وهو وضع يقابل وضع المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيء ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره :
( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا . ويصلى سعيرا ) ..
فهذه صورة جديدة : صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر . وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك من وراء ظهره . فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة .
فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحا ، وقطع طريقه إلى ربه كدحا - ولكن في المعصية والإثم والضلال - يعرف نهايته ، ويواجه مصيره .. فيدعو ثبورا ، وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء . وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به ، يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه . حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه .. ( ويصلى سعيرا ) .. وهذا هو الذي يدعو الهلاك لينقذه منه .. وهيهات هيهات !
وأمام هذا المشهد التعيس يكر السياق راجعا إلى ماضي هذا الشقي الذي انتهى به إلى هذا الشقاء ..
( إنه كان في أهله مسرورا . إنه ظن أن لن يحور ) ..
وذلك كان في الدنيا ..( إنه كان في أهله مسرورا ) .. غافلا عما وراء اللحظة الحاضرة ؛ لاهيا عما ينتظره في الدار الآخرة ، لا يحسب لها حسابا ولا يقدم لها زادا .. ( إنه ظن أن لن يحور ) إلى ربه ، ولن يرجع إلى بارئه ، ولو ظن الرجعة في نهاية المطاف لاحتقب بعض الزاد ولادخر شيئا للحساب !
( بلى إن ربه كان به بصيرا ) ..
إنه ظن أن لن يحور . ولكن الحقيقة أن ربه كان مطلعا على أمره ، محيطا بحقيقته ، عالما بحركاته وخطواته .. وكذلك كان ، حين انتهى به المطاف إلى هذا المقدور في علم الله .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلي الثالث : أن يوضح بعض جوانب حسن الخلق ومظاهرها و وسائل اكتسابها .
أولا : الحياء
الأهداف الإجرائية السلوكية :
1- أن يوضح الدارس مفهوم الحياء وطبيعته .
2- أن يوضح الدارس التطبيقات العملية لتحقيق مفهوم الحياء .
3- أن يوضح الدارس أنواع الحياء ومظاهره .
4- أن يوضح الدارس كيفية تحقيق كل نوع من أنواع الحياء .
5- أن يوضح الدارس كيفية اكتساب خلق الحياء .
********************************************
1- مفاهيم في الحياء :
** الحياء في اللغة :
هو انْقِباَض وانْزواء، وتغيُّر وانكسار يعتري المرء خوف ما يعاب به.
** الحياء في الشرع :
هو صفة وخُلُق يكون في النفس، فيبعث على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حق ذي الحق.
ويقول صلى الله عليه وسلم: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))[1]، فالمُسْتَحيي ينقطع بالحَياء عن المعاصي، فصار كالإيمان الذي يَقْطَعُ عنها ويَحُولُ بين المؤمن وبينها، وإنما جُعِل الحياء بعض الإيمان؛ لأن الإيمان يؤدي إلى الائتمار بما أَمر الله به، والانتهاء عمَّا نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعضَ الإيمان.
فالحياء في الإسلام خلق رفيع، وصفة من أعظم الصفات التي يتصف بها المسلم، وفضيلة من أسمى الفضائل، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله الخُلُق المميز للمسلم، حيث قال: ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ))[2]، ورفع صلى الله عليه وسلم من شأن الحياء وأعلى من قيمته، وأكَّد أن الخير كل الخير، والفلاح كل الفلاح إنما يكون في الاتصاف والتحلي به، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ))[3]، وقال: ((الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ))[4].
والأصل عند المؤمن أن يراعي الأمور الشرعية أولاً، فالحياء هو الانقباض عما يعد عيبًا في نظر الشَّرع وإن لم يعده الناس عيبًا، مثل الاختلاط غير المنضبط بين الجنسين، فبعض الناس لا يرونه عيبًا، ولكنه منكر شرعًا، وكذلك ما يراه الناس حياء ويصفون فاعله بأنه حييٌّ حين لا يواجه الأصدقاء أو ذوي المكانة الدنيوية بما يرتكبون من معاصٍ ويترك واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إجلالاً لهم أو استبقاء لمودتهم، ويجاملهم على حساب الشرع والدين، فهذا في الشرع لا يعد حياء، ولا يُسَمَّى فاعله حييًّا، بل يُسمَّى جبانًا ضعيفًا.
** طبيعة الحياء :
الحياء منه ما هو فطري، ومنه ما هو مكتسب..
أ- الفطري: وهو الذي خلقه الله I في النفوس كلها -قبل أن يعرض لها ما يلوث فطرتها- كالحياء من كشف العورة.
ب- المكتسب : ويأتي عن طريق الإيمان بالله نعالى ودينه، وتعلم الآداب والأخلاق المختلفة، وهو الذي يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفًا من الله نعالى.
[1]- رواه الإمام البخاري في صحيحه.
[2]- رواه الإمام ابن ماجة في سننه، وحسنه الإمام الألباني.
[3]- رواه الإمام مسلم في صحيحه.
[4]- رواه الإمام البخاري في صحيحه.