الحلقة السادسة عشر
الدرس الأول :
- الأهداف :
- أن يوضح الدارس تناول القرآن الكريم للأبرار موطنهم وجزائهم .
سـورة المطففين ( 18 – 28 )
|
كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)
|
ثم يعرض الصفحة الأخرى . صفحة الأبرار .. لتتم المقابلة بين حقيقتين وحالين ونهايتين
( كلا ! إن كتاب الأبرار لفي عليين . وما أدراك ما عليون ؟ كتاب مرقوم ، يشهده المقربون ) ..
وكلمة ( كلا ) تجيء في صدر هذا المقطع زجرا عما ذكر قبله من التكذيب . ثم يبدأ الحديث عن الأبرار في حزم وفي توكيد .
فإذا كان كتاب الفجار في ( سجين ) فإن كتاب الأبرار في ( عليين ) ... والأبرار هم الطائعون الفاعلون كل خير . وهم يقابلون الفجار العصاة المتجاوزين لكل حد .. ولفظ ( عليين ) يوحي بالعلو والارتفاع مما قد يؤخذ منه أن ( سجين ) يفيد الانحطاط والسفول . ثم يعقب عليه بسؤال التجهيل والتهويل المعهود : ( وما أدراك ما عليون ؟ ) .. فهو أمر فوق العلم والإدراك !
ويعود إلى تقرير حقيقة كتاب الأبرار .. فهو ( كتاب مرقوم يشهده المقربون ) وقدسبق ذكر معنى مرقوم . ويضاف إليه هنا أن الملائكة المقربين يشهدون هذا الكتاب ويرونه .. فهو موضع مشاهدة المقربين من الملائكة ، ومتعتهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات . ثم يذكر حال الأبرار أنفسهم ، أصحاب هذا الكتاب الكريم . ويصف ما هم فيه من نعيم في ذلك اليوم العظيم :
( إن الأبرار لفي نعيم ).. يقابل الجحيم الذي ينتهي إليه الفجار ..( على الأرائك ينظرون ) أي إنهم في موضع التكريم ، ينظرون حيث يشاءون ، لا يغضون من مهانة ، ولا يشغلون عن النظر من مشقة .. وهم على الأرائك وهي الأسرة في الحجال . وهم في هذا النعيم ناعمو النفوس والأجسام ، تفيض النضرة على وجوههم وملامحهم حتى ليراها كل راء :
( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) .. ( يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك ) ..
والرحيق الشراب الخالص المصفى ، الذي لا غش فيه ولا كدرة . ووصفه بأنه مختوم ختامه مسك ، قد يفيد أنه معد في أوانيه ، وأن هذه الأواني مقفلة مختومة ، تفض عند الشراب ، وهذا يلقي ظل الصيانة والعناية . وقبل أن يتم وصف الشراب .. يلقي بهذا الإيقاع ، وبهذا التوجيه : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) .. وهو إيقاع عميق يدل على كثير :
إن أولئك المطففين .. إنما يتنافسون في مال أو متاع من متاع الأرض الزهيد . يريد كل منهم أن يسبق إليه ، وأن يحصل على أكبر نصيب منه . ومن ثم يظلم ويفجر ويأثم ويرتكب ما يرتكب في سبيل متاع من متاع الأرض زائل .. وما في هذا العرض القريب الزهيد ينبغي التنافس . إنما يكون التنافس في ذلك النعيم وفي ذلك التكريم : ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) .. فهو مطلب يستحق المنافسة ، وهو أفق يستحق السباق ، وهو غاية تستحق الغلاب . والتنافس في نعيم الآخرة لا يدع الأرض خرابا بلقعا كما قد يتصور بعض المنحرفين . إنما يجعل الإسلام الدنيا مزرعة الآخرة ، ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاح والتقوى وظيفة المؤمن الحق . على أن يتوجه بهذه الخلافة إلى الله ، ويجعل منها عبادة له تحقق غاية وجوده .
التقويم
- وضح تناول القرآن الكريم للأبرار موطنهم وجزائهم .
الدرس الثاني :
3- سوء الخلق دليل على ضعف الإيمان :
- على أن بعض المنتسبين إلى الدين، قد يستسهلون أداء العبادات المطلوبة، ويظهرون في المجتمع العام بالحرص على إقامتها - في الوقت نفسه - يرتكبون أعمالا يأباها الخلق الكريم والإيمان الحق .. فأصبح عندنا صنفان مرفوضان : عابد سيئ الخلق وذو خلق سيئ العبادة يقول (الدين في القلب).
إن نبي الإسلام توعد هؤلاء الخالطين، وحذر أمته منهم.
وفي هذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له : يا رسول الله ، إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال :((هي في النار)) ثم قال : يا رسول الله فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها ، وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط - بالقطع من الجبن - ولا تؤذي جيرانها. قال : ((هي في الجنة!))[1]
إن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ((لم يكتف بإجابة على سؤال عارض، في الإبانة عن ارتباط الخلق بالإيمان الحق، وارتباطه بالعبادة الصحيحة، وجعله أساس الصلاح في الدنيا والنجاة في الأخرى بل إن أمر الخلق أهم من ذلك ، ولابد من إرشاد متصل ، ونصائح متتابعة ليرسخ في الأفئدة والأفكار، أن الإيمان والصلاح والأخلاق، عناصر متلازمة متماسكة، لا يستطيع أحد تمزيق عراها.
لقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما : (( أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا ، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار))[2]
ذلك هو المفلس: إنه كتاجر يملك في محله بضائع بألف، وعليه ديون قدرها ألفان، وكيف يعد هذا المسكين غنيا؟
والمتدين الذي يباشر بعض العبادات، ويبقي بعدها بادي الشر، كالح الوجه، قريب العدوان، كيف يُحسب امرأً تَقيًا؟
وقد روي أن النبي ضرب لهذه الحالات مثلا قريبا. قال : ((الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل))[3]
فإذا نمت الرذائل في النفس وفشا ضررها، وتفاقم خطرها، انسلخ المرء من دينه كما ينسلخ الإنسان من ثيابه، وأصبح ادعاؤه للإيمان زورا، فما قيمة دين بلا خلق؟ وما معني الإفساد مع الانتساب لله؟
وأنت إذا قرأت القرآن العظيم لا تجد هذا الانفصام الفكري بين الإيمان والخلق والعبادة بل تجد صفات المؤمنين خليطا رائعا من الخلق القويم والعبادة الصحيحة ممتزجان لا يتفرقان من الصعب أن ينفصلا واقرأ إن شئت }قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، والَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ، والَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ، والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ، إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى ورَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ ، والَّذِينَ هُمْ لآمَانَاتِهِمْ وعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ، والَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ، أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{[4]
واقرأ كذلك }وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا *والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا{[5] وغيرها كثير في القرآن العظيم.
وتقريرا لهذه المبادئ الواضحة في صلة الإيمان بالخلق القويم، يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ((ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلي وحج واعتمر ، وقال إني مسلم : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان))[6]
وقال في رواية أخري: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر وإن صلي وصام وزعم أنه مسلم ) [7]
ونبي الإسلام دعا إلى عبادات شتي ، وأقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين، فإذا كان - مع سعة دينه ، وتشعب نواحي العمل أمام أتباعه - يخبرهم بأن أرجح ما في موازينهم يوم الحساب، الخلق الحسن. فإن دلالة ذلك على منزلة الخلق في الإسلام لا تخفي فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذيء. وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة))[8].
التقويم
1- " سوء الخلق دليل على ضعف الإيمان " وضح ذلك .