الحلقة الثانية عشر
الدرس الأول :
ســورة الانفطار ( 1 – 9 )
إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9)
|
الأهداف :
- أن يصور الدارس مشاهد يوم القيامة كما بينت الآيات .
- أن يبين الدارس عتاب الله عز وجل للإنسان .
( إذا السماء انفطرت ، وإذا الكواكب انتثرت ، وإذا البحار فجرت ، وإذا القبور بعثرت . علمت نفس ما قدمت وأخرت ) ..
ويذكر هنا من مظاهر الانقلاب انفطار السماء .. أي انشقاقها .. فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك اليوم العصيب .
ويشارك في تكوين هذا المشهد ما يذكر عن انتثار الكواكب . بعد تماسكها هذا الذي تجري معه في أفلاكها بسرعات هائلة مرعبة ، وهي ممسكة في داخل مداراتها لا تتعداها ، ولا تهيم على وجهها في هذا الفضاء الذي لا يعلم له أحد نهاية .
وتفجير البحار يحتمل أن يكون هو امتلاؤها وغمرها لليابسة وطغيانها على الأنهار . كما يحتمل أن يكون هو تفجير مائها إلى عنصريه : الأكسوجين والهيدروجين .. كذلك يحتمل أن يكون هو تفجير ذرات هذين الغازين - كما يقع في تفجير القنابل الذرية والهيدروجينية اليوم.. أو أن يكون بهيئة أخرى غير ما يعرف البشر على كل حال .
وبعثرة القبور .. فتخرج منها الأجساد التي أعاد الله إنشاءها - كما أنشأها أول مرة - لتتلقى حسابها وجزاءها ..
( علمت نفس ما قدمت وأخرت ) .. أي ما فعلته أولا وما فعلته أخيرا . أو ما فعلته في الدنيا ، وما تركته وراءها من آثار فعلها . أو ما استمتعت به في الدنيا وحدها ، وما ادخرته للآخرة بعدها ..على أية حال سيكون علم نفس بهذا مصاحبا لتلك الأهوال العظام . وواحدا منها مروعا لها كترويع هذه المشاهد والأحداث كلها .
وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر ، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر ، فإذا هو غافل لاه سادر .. هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب .. وفيها وعيد خفي ، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه : نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أية صورة تتجه إليها مشيئته :
( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك ) ..
( يا أيها الإنسان ) ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه ، وهو "إنسانيته" التي بها تميز عن سائر الأحياء ..
ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل : ( ما غرك بربك الكريم ؟ ).. يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك ، فجعلك تقصر في حقه ، وتتهاون في أمره ، ويسوء أدبك في جانبه ؟ وهو ربك الكريم ، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره .
ثم يفصل شيئا من هذا الكرم الإلهي .. فيشير في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته وتعديله ؛ وهو القادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته .. إنه خطاب يهز كل ذرة في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته .. وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل ، ويذكره هذا الجميل ، بينما هو سادر في التقصير.
التقويم
1- صور مشاهد يوم القيامة كما بينت الآيات .
2- بيّن عتاب الله عز وجل للإنسان .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الخامس : أن يعمل لتحقيق العبادة الشاملة
الأهداف الإجرائية السلوكية :
أن يوضح الدارس كيف يحقق العبادة الشاملة .
أن يقوِّم الدارس مدى تحقيق العبادة الشاملة لديه .
***************
أ- أن يوضح الدارس كيف يحقق العبادة الشاملة :
عرفنا أن رسالة الإنسان فى هذه الأرض أن يعبد الله الذى خلقه فسواه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة . وعرفنا معنى العبادة وشمولها لكل حركة وسكنة . فكيف يحققها الإنسان فى حياته كلها ؟ وكيف يجعل حياته كلها عبادة لله وطاعة له سبحانه وتعالى ؟
[ إن مقتضى عبادة الإنسان لله وحده أن يخضع أموره لما يحبه تعالى ويرضاه من الاعتقادات والأقوال والأعمال ، وأن يكيف حياته وسلوكه وفقاً لهداية الله وشرعه ، فإذا ما أمره الله تعالى أو نهاه أو أحلّ له أو حرّم عليه كان موقفه من ذلك كله : " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " البقرة 285 .
فكما رأينا أن الإسلام قد فسح مجال العبادة ووسع دائرتها بحيث شملت أعمالاً كثيرة لم يخطر ببال الإنسان أن يجعلها الدين عبادة وقربة إلى الله فمثلاً :
* الأعمال الإجتماعية النافعة عبادة :
إن كل عمل اجتماعى نافع تقوم به يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات مادام قصدك الخير لا تصيد الثناء واكتساب السمعة الزائفة عند الناس ، فكل ما تعمله عبادة كتخفيف كربة مكروب أو أن تمسح دمعة محزون ، أو تتصدق لتسد رمق جوعان ، أو تساند مظلوم ، أو تقضى دين غارم مثقل ، أو تأخذ بيد فقير متعفف ذى عيال ، أو تهدى حائراً أو غريباً ، أو تقرى ضيفاً ، أو تعين رجلاً على دابته ، أو تساعد طالباً فى مذاكرته ، أو تأخذ بيد مكفوف ، أو تعود مريضاً ، أو تصلح بين متخاصمين ، أو تصل رحمك ،أو تزور أخاً لك فى الله ، أو تميط الأذى عن الطريق ، أو تمسك أذاك عن الناس . كل ذلك جعله الإسلام من عبادة الرحمن وشعب الإيمان وموجبات المثوبة عند الله إذا صحت النية .
* عمل الإنسان فى معاشه عبادة :
إن الأعمال الدنيوية التى تقوم بها لمعيشتك والسعى على نفسك وأهلك من أبواب العبادات و القربات إلى الله إذا التزمت فيها بالشروط الآتية :
1- أن يكون العمل مشروعاً فى نظر الإسلام . أما الأعمال التى ينكرها الدين كالعمل فى الربا والحانات ، والمراقص ونحوها ، فلا تكون ولن تكون عبادة أبداً .. إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً .
2- أن تصحبه النية الصالحة : نية المسلم إعفاف نفسه ، وإغناء أسرته ، ونفع أمته ، وعمارة الأرض كما أمر الله
3- أن تؤدى العمل بإتقان وإحسان ففى الحديث : " إن الله كتب الإحسان على كل شىء " رواه مسلم " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " رواه البيهقى .
4- أن تلتزم فيه حدود الله فلا تظلم ولا تخون ولا تغش ولا تجور على حق غيرك .
5- ألا يشغلك عملك الدنيوى عن واجباتك الدينية كما قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " المنافقون (9) " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " النور (37) .
إذا راعيت هذه الأمور فى عملك كنت فى سعيك عابداً وإن لم تكن فى محراب ، مبتهلاً إلى الله وإن لم تكن فى صومعة ، لأنه لا يجوز للمسلم - ولا يتصور منه - أن يكون عالة على غيره ، أو عبئاً على المجتمع ، بل يندفع إلى كل ميادين الحياة منتجاً متقناً متفوقاً ، وهو يوقن أنه فى صلاة وجهاد .
* حتى أعمال الغريزة وقضاء الشهوة :
كما تشمل العبادة الحاجات الضرورية التى تؤديها استجابة لدافع الغريزة البشرية . كالأكل والشرب والنوم ومباشرة الزوجة ، وما كان من هذا القبيل يدخله الإسلام فى دائرة العبادة الفسيحة بشرط واحد هو " النية " فالنية هى المادة السحرية العجيبة التى تضاف إلى المباحات والعادات فتصنع منها طاعات و قربات . وأوضح شاهد على ذلك ما قاله النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " وفى بضع أحدكم صدقة قالوا : أيأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟! قال : أرأيتم لو وضعها فى الحرام أكان عليه وزر ؟قالوا : نعم . قال : كذلك إذا وضعها فى الحلال كان له أجر " رواه مسلم والترمذى .
قال العلماء : وهذا من تمام رحمة الله على عباده ، يثيبهم على ما فيه قضاء شهواتهم إذا نووا أداء حق الزوجة وإحصان الفرج ولله الحمد .
* صحح وجهتك تكن كل حياتك عبادة :
بحسبك أيها المسلم أن تنظر إلى نفسك على أنك خليفة لله فى الأرض ، مهمتك أن تنفذ أمره وتقيم حدوده وتعلى كلمته ، وتقوم بواجب العبودية له تعالى ، لتصطبغ أعمالك كلها بصبغة ربانية ، وليكون ما يصدر عنك من أقوال وأفعال وحركات و سكنات عبادة لله رب العالمين . وما أجمل ما قاله الشيخ / محمد الغزالى فى كتابه هذا ديننا : ( إن الإسلام ليس أفعالاً تعد على الأصابع دون زيادة أو نقص . كلا .. إنه صلاحية الإنسان للمسير فى الحياة وهو يؤدى رسالة محددة . إن الإسلام يريد من الإنسان أن تستقيم أجهزته النفسية أولاً . فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة ، بصدق اليقين ، وسلامة الوجهة ، فكل عمل تتعرض له فى الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة الله ، إن آلة سك النقود يدخلها المعدن الغفل – الخام – فيخرج عملة مالية غالية الثمن ، تحمل من الألوان والأختام والشارات ما يجعلها شيئاً آخر ، كذلك المسلم يعالج ما يعالج من شئون الدنيا ، فيضفى عليه من طبيعة إيمانه وسناء وجهته ما يجعل أى عمل يقبل عليه يتحول فى يده إلى عبادة غالية القدر . ففى شئون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهى عنده ولا رسم تخرج فيه . إنما هو إسلام الوجه لله وإصلاح العمل والبلوغ به إلى حد الكمال المطلوب ) ] العبادة فى الإسلام د/ يوسف القرضاوى