الحلقة الحادية عشر
الدرس الأول :
ســورة التكوير (15-29 )
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِي الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
|
الأهداف :
- أن يحدد الدارس المشاهد الكونية التى أقسم بها رب العزة فى هذا الصدد .
- أن يوضح الدارس وصف رب العزة لجبريل عليه السلام .
- أن يوضح الدارس وصف رب العزة للنبي صلي الله عليه وسلم .
- أن يستخلص الدارس الحكمة من بيان رب العزة لكل ذلك .
ثم يجيء المقطع الثاني في السورة يبدأ بالتلويح بالقسم بمشاهد كونية جميلة .. القسم على طبيعة الوحي ، وصفة الرسول الذي يحمله ، والرسول الذي يتلقاه ، وموقف الناس حياله وفق مشيئة الله : ( فلا أقسم بالخنس ، الجوار الكنس ، والليل إذا عسعس ، والصبح إذا تنفس ) ..
والخنس الجوار الكنس .. هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي .
( والليل إذا عسعس ) .. أي إذا أظلم . ومثله :( والصبح إذا تنفس ) .. بل هو أظهر حيوية ، وأشد إيحاء . والصبح حي يتنفس .. ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس . يلوح بهذه المشاعر الكونية التي يخلع عليها الحياة .. ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها :
( إنه لقول رسول كريم . ذي قوة عند ذي العرش مكين . مطاع ثم أمين ) ..
إن هذا القرآن ، وهذا الوصف لليوم الآخر .. لقول رسول كريم .. وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه .. فصار قوله باعتبار تبليغه .. ( كريم ) عند ربه . فربه هو الذي يقول .. ( ذي قوة ) .. مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة . ( عند ذي العرش مكين ) .. في مقامه ومكانته .. وعند من ؟ عند ذي العرش العلي الأعلى . ( مطاع ثم ) هناك في الملأ الأعلى . ( أمين ) .. على ما يحمل وما يبلغ .
وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه . كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان ، حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه ، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه .
فهذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه ، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو ( صاحبكم ) .. عرفتموه حق المعرفة عمرا طويلا . فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون ( وما صاحبكم بمجنون . ولقد رآه بالأفق المبين . وما هو على الغيب بضنين . وما هو بقول شيطان رجيم . فأين تذهبون ؟ إن هو إلا ذكر للعالمين ) ..
ولقد قالوا عن النبي الكريم الذي يعرفونه حق المعرفة ، ويعرفون رجاحة عقله ، وصدقه وأمانته وتثبته ، قالوا عنه : إنه مجنون . وإن شيطانا يتنزل عليه بما يقول ..
فجاء القرآن يحدثهم في هذا المقطع من السورة عن جمال الكون البديع .. ليوحي إلى قلوبهم بأن القرآن صادر عن تلك القدرة المبدعة ، التي أنشأت ذلك الجمال .. على غير مثال . وليحدثهم بصفة الرسول الذي حمله ، والرسول الذي بلغه . وهو صاحبهم الذي عرفوه غير مجنون . والذي رأى الرسول الكريم - جبريل - حق الرؤية ، بالأفق المبين الواضح الذي تتم فيه الرؤية عن يقين . وأنه لمؤتمن على الغيب ، لا تظن به الظنون في خبره الذي يرويه عنه ، فما عرفوا عنه إلا الصدق واليقين . ( وما هو بقول شيطان رجيم ) فالشياطين لا توحي بهذا النهج القويم .
ويسألهم مستنكرا : ( فأين تذهبون ؟ ) .. أين تذهبون في حكمكم وقولكم ؟ أو أين تذهبون منصرفين عن الحق وهو يواجهكم أينما ذهبتم !
( إن هو إلا ذكر للعالمين ) ذكر يذكرهم بحقيقة وجودهم ، وحقيقة نشأتهم ، وحقيقة الكون من حولهم .. ( للعالمين ) .. فهو دعوة عالمية من أول مرحلة . والدعوة في مكة محاصرة مطاردة . وأمام هذا البيان الموحي الدقيق يذكرهم أن طريق الهداية ميسر لمن يريد . وأنهم إذن مسؤولون عن أنفسهم ، وقد منحهم الله هذا التيسير : ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) .. أن يستقيم على هدى الله ، في الطريق إليه ، بعد هذا البيان ، الذي يكشف كل شبهة ، وينفي كل ريبة ، ويسقط كل عذر .
فإذا سجل عليهم إمكان الهدى ، ويسر الاستقامة ، عاد لتقرير الحقيقة الكبرى وراء مشيئتهم . حقيقة أن المشيئة الفاعلة من وراء كل شيء هي مشيئة الله سبحانه .. ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) .. وذلك كي لا يفهموا أن مشيئتهم منفصلة عن المشيئة الكبرى ، التي يرجع إليها كل أمر . فإعطاؤهم حرية الاختيار ، ويسر الاهتداء ، إنما يرجع إلى تلك المشيئة . المحيطة بكل شيء كان أو يكون !
التقويم
1- حدد المشاهد الكونية التى أقسم بها رب العزة فى هذا الصدد .
2- وضح وصف رب العزة لجبريل عليه السلام .
3- وضح وصف رب العزة للنبي صلي الله عليه وسلم .
4- استخلص الحكمة من بيان رب العزة لكل ذلك .
الدرس الثاني :
الإخاء والوحدة العالمية :
أما عن روح الحب والإخاء فحسبك أن كل مسجد فى كل بقعة يجتمع فيه أهل هذه البقعة خمس مرات فى كل يوم تتلاصق الأبدان وتتعارف الوجوه وتتصافح الأيدي وتتناجى الألسن ، يلتقون على وحدة الغاية وهم يصلون خلف إمام واحد ، يناجون رباً واحداً وهو الله رب العالمين ، يقرأون كتاباً واحداً وهو القرآن الكريم ، يتجهون إلى قبلة واحدة وهى الكعبة بيت الله الحرام يؤدون نفس الحركات قيام وركوع وسجود وقعود .
يصدق فيهم قول الله عز وجل " إنما المؤمنون اخوة " الحجرات (10) . وقول النبي r " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ( متفق عليه )
وفى الصيام يمسك الجميع عن الطعام والشراب فى وقت واحد ويفطرون فى وقت واحد ، يحس كل واحد بما يحسه أخوه وبذلك ترى الجود والكرم والإيثار فى الصيام .
هذه العبودية لله عز وجل وهذه المشاعر تخرج بأخوة المسلم وحبه من حيز البقعة الضيقة فى بلده ، إلى حيز أوسع وأوسع ، فهى ليست قاصرة على بلد دون بلد ولا قطر دون قطر، بل هى وحدة عالمية تبدو واضحة فى الحج ، فهو مؤتمر عالمى لم يدع إليه ملك أو رئيس بل دعى إليه رب العالمين عز وجل . هنالك يجد المسلم إخواناً له من شتى بقاع الأرض ، اختلفت أقاليمهم وألوانهم ولغاتهم وجمعتهم رابطة الإيمان والإسلام ، ينشدون نشيداً واحداً ( لبيك اللهم لبيك ) ، وهكذا فى الحج ترى وحدة المشاعر ووحدة الشعائر ووحدة الهدف ووحدة العمل والقول، لا إقليمية ولا عنصرية ولا عصبية للون أو جنس أو لطبقة ، فقد سمعوا ووعوا قول الحبيب المصطفى فى أواسط أيام التشريق : " يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على احمر إلا بالتقوى "
السلام :
فى الحج طريقة فذة لتدريب المسلم على السلام وإشرابه روح السلام فالحج رحلة سلام إلى أرض السلام فى زمن السلام ، فأرض الحج هى مكة البلد الحرام الذى جعله الله مثابة للناس وأمناً " ومن دخله كان آمناً " آل عمران (97) . ويشمل أمان الطير فى الجو والصيد فى البر والنبات على الأرض فلا يروع طيرها ولا حيوانها ولا يقطع شجرها ولا حشائشها. والحج يكون فى ذى الحجة وهو من الشهر الحرم التى جعلها الله هدنة إجبارية تغمد فيها السيوف وتحقن فيها الدماء ويوقف فيها القتال ، والمسلم حين يحرم يظل فترة إحرامه فى سلام حقيقى مع من حوله وما حوله فلا يجوز له أن يقطع شجراً ولا نباتاً كما لا يجوز له أن يرمى صيداً ولا أن يذبح ما صاده غيره. قال تعالى: "يا أيها الذين أمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم" المائدة (95) "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً" المائدة (96). بل لا يجوز له أن يحلق شعر نفسه أو يقص أظافره حتى يتحلل من إحرامه فهل هناك فى الدنيا تدريب عملي على السلام كهذا .
الجانب الأهم فى هذا الأمر أن ذلك خلق للمسلم كفرد وخلق للمجتمع جميعه ، ليس خطة ولا تكتيكاً ولا مداهنة ، فهو يراقب ربه فى ذلك يبتغى مرضاته يرجو رحمته ويخاف عذابه . وإذا انتهكت محارم الله وطغى أعداء الله وبغوا وجاسوا خلال الديار فالمسلم يجود بروحه فى سبيل الله عملاً بقول الله عز وجل : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " التوبة (110) .
التقويم
- وضح أهمية العبادة بالنسبة للفرد .
- وضح أهمية العبادة بالنسبة للأسرة .
- وضح أهمية العبادة بالنسبة للمجتمع .