Créer un site internet
potenCiel Espace éducatif de l'Association Cultures & Citoyenneté

الحلقة 21-40

الحلقة 21-40

الحلقة الحادية والعشرون

الدرس الأول :

سـورة الناس

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)

 

ا

 

الاستعاذة في هذه السورة برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس . والمستعاذ منه هو : شر الوسواس الخناس ، الذي يوسوس في صدور الناس ، من الجنة والناس .

والاستعاذة بالرب ، الملك ، الإله ، تستحضر من صفات الله - سبحانه - ما به يدفع الشر عامة ، وشر الوسواس الخناس خاصة .

فالرب هو المربي والموجه والراعي والحامي . والملك هو المالك الحاكم المتصرف . والإله هو المستعلي المستولي المتسلط .. وهذه الصفات فيها حماية من الشر الذي يتدسس إلى الصدور .. وهي لا تعرف كيف تدفعه لأنه مستور . والله رب كل شيء ، وملك كل شيء ، وإله كل شيء . ولكن تخصيص ذكر الناس هنا يجعلهم يحسون بالقربى في موقف العياذ والاحتماء .

والله - برحمة منه - يوجه رسوله وأمته إلى العياذ به والالتجاء إليه ، مع استحضار معاني صفاته هذه ، من شر خفي الدبيب ، لا قبل لهم بدفعه إلا بعون من الرب الملك الإله . فهو يأخذهم من حيث لا يشعرون ، ويأتيهم من حيث لا يحتسبون . والوسوسة : الصوت الخفي . والخنوس : الاختباء والرجوع . والخناس هو الذي من طبعه كثرة الخنوس .

وقد أطلق النص الصفة أولا : ( الوسواس الخناس ) .. وحدد عمله : ( الذي يوسوس في صدور الناس ). ثم حدد ماهيته : ( من الجنة والناس ).. وهذا الترتيب يثير في الحس اليقظة والتلفت والانتباه لتبين حقيقة الوسواس الخناس ، تأهبا لدفعه أو مراقبته. والنفس حين تعرف .. أن الوسواس الخناس يوسوس في صدور الناس خفية وسرا ، وأنه هو الجنة الخافية ، وهو كذلك الناس الذين يتدسسون إلى الصدور تدسس الجنة ، ويوسوسون وسوسة الشياطين .. النفس حين تعرف هذا تتأهب للدفاع ، وقد عرفت المكمن والمدخل والطريق !

ووسوسة الجنة نحن لا ندري كيف تتم ، ولكننا نجد آثارها في واقع النفوس وواقع الحياة . ونعرف أن المعركة بين آدم وإبليس قديمة قديمة ؛ وأن الشيطان قد أعلنها حربا .. على الإنسان ! وأنه قد استصدر بها من الله إذنا ، فأذن فيها - سبحانه - لحكمة يراها ! ولم يترك الإنسان فيها مجردا من العدة . فقد جعل له من الإيمان جنة ، وجعل له من الذكر عدة ، وجعل له من الاستعاذة سلاحا . وأما الناس فنحن نعرف عن وسوستهم الشيء الكثير . ونعرف منها ما هو أشد من وسوسة الشياطين ! رفيق السوء الذي يتدسس بالشر إلى قلب رفيقه وعقله من حيث لا يحتسب .. وحاشية الشر التي توسوس لكل ذي سلطان حتى تتركه طاغية جبارا مفسدا في الأرض .. والنمام الواشي الذي يزين الكلام ..حتى يبدو كأنه الحق الصراح الذي لا مرية فيه . وبائع الشهوات الذي يتدسس من منافذ الغريزة في إغراء لا تدفعه إلا يقظة القلب وعون الله .. وعشرات من الموسوسين الخناسين الذين ينصبون الأحابيل ويخفونها ، ويدخلون بها من منافذ القلوب الخفية وهم شر من الجنة وأخفى منهم دبيبا . وهناك لفتة ذات مغزى في وصف الوسواس بأنه ( الخناس ) .. فهذه الصفة تدل من جهة على تخفيه واختبائه حتى يجد الفرصة سانحة فيدب ويوسوس . ولكنها من جهة أخرى توحي بضعفه أمام من يستيقظ لمكره ، ويحمي مداخل صدره . فهو .. إذا ووجه خنس ، وعاد من حيث أتى ، وقبع واختفى .. وهذه اللفتة تقوي القلب على مواجهة الوسواس . فهو خناس . ضعيف أمام عدة المؤمن في المعركة .. ولكنها - من ناحية أخرى - معركة طويلة لا تنتهي أبدا . فهو أبدا قابع خانس ، مترقب للغفلة . واليقظة مرة لا تغني عن اليقظات .. والحرب سجال إلى يوم القيامة .

 

التقويم

  1. أذكر فضل سورتى الفلق والناس .

  2. بيّن مم يكون الاستعاذة كما وضحت السورتين .

  3. أن يوضح الدارس بمن تكون الاستعاذة .

  4. تستخدم هاتين السورتين فى الرقية الشرعية – بين ذلك .

الدرس الثاني :

 

الهدف المرحلى الرابع : أن يدرِّب نفسه على آداب الخلاف .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس النصائح القرآنية والنبوية التى تحث على ترك الخلاف .

  2. أن يوضح الدارس السلوكيات التى يجب أن يتبعها لتدريب نفسه على آداب الخلاف .

  3. أن يقوِّم الدارس مدى التزامه بآداب الخلاف .

**************

أ- نصائح قرآنية ونبوية :

لقد حرص الإسلام على صيانة أتباعه من هذه الآفة التي تمزق الأمة وتشتت شمل أفرادها وتطمس معالمها وتردهم إلى ضلال بعد هدى كانوا عليه فأنزل الله لهم آيات تتلى وتوجيهات خالدة لابد أن نعيها ونعمل بها حتى تحفظنا من آفة المراء والجدال وحتى لانقع فى الخلاف المذموم

قال تعالى :

" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " (النساء 59)

" ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون" (البقرة 42)

" ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" (ق 18)

" لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً" (النساء 114)

" ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب " (الحجرات 11)

" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (النحل 125)

" ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (الحجرات 6)

" ولا تقف ما ليس بك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسؤلا " ( الإسراء 36)

" فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى" ( طه 44)

" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا " (النساء 135)

" والذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا .." (غافر 35)

 

** وقد عني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وحرص على إرشاد أمته لآفات وعلاج هذا الداء العضال في كثير من الأحاديث منها :

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها" رواه الترمذي وابن ماجة

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" رواه أحمد

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين سأله معاذ بن جبل عما إذا كنا مؤاخذين بما نقول فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" جزء من حديث رواه الترمذي

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" رواه أحمد

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء " رواه البخاري

قال أعرابي لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أوصني فقال (صلى الله عليه وسلم) : " عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء فيه يكن وباله عليه وأجره لك ولا تسبن شيئاً " رواه البخاري

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه الترمذي وأحمد

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" من يحرم الرفق يحرم الخير كله" رواه مسلم

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " رواه البخاري ومسلم

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان ، الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق من الإقتار " أخرجه البخاري

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" 0إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام " أخرجه الترمذي

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :" لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه" أخرجه الترمذي من حديث بن عباس .

* نموذج رباني

قال الشافعي رضي الله عنه : "ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ "

وقال الشافعي رضي الله عنه : "ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ ، وما كلمت أحداً قط وأنا لا أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه "

وقال الشافعي رضي الله عنه : "ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته واعتقدت محبته "

فهذه علامات ظهرت في هذا العالم الرباني محمد ابن إدريس الشافعي وهي تدل على إرادة الله تعالى في كل أحواله فعلا شأنه وانتفعت الإنسانية بعلمه .

 

 

 

الحلقة

الثانية

والعشرون

 

الحلقة الثانية والعشرون

الدرس الأول :

الحديث الرابع عشر

حُرْمَةُ دمِ المُسْلِم

عن ابْنِ مَسْعُودٍ رضي اللهُ عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لاَ إله إلاّ الله وأَنِّي رَسُولُ الله إلاّ بإحْدَى ثَلاَثٍ : الثَّيِّبُ الزَّاني ، وَالنَّفْسُ بالنّفْسِ ، وَالتَّارِكُ لِدِيِنِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَماعَةِ". رَوَاهُ البخاري ومسلم .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس أهمية الحديث

  2. أن يوضح الدارس حرمة دم المسلم .

  3. أن يذكر الدارس الحالات التى يهدر فيها دم المسلم .

  4. أن يذكر الدارس ما يفارق به الفرد الجماعة .

أهمية الحديث :

إذا أصبحت حياة الفرد خطراً على حياة الجماعة، فأصابه المرض وانحرف عن الصحة الإنسانية والسلامة الفطرية، وأصبح جرثومة خبيثة، تَفْتِك في جسم الأمة، وتُفْسِد عليها دينها وأخلاقها وأعراضها، وتنشر فيها الشر والضلال، فقد سقط حقه في الحياة، وأُهدر وجوده، ووجب استئصاله، ليحيا المجتمع الإسلامي في أمن ورخاء. وهذا الحديث من القواعد الخطيرة لتعلقه بأخطر الأشياء وهو الدماء، وبيان ما يحل وما لا يحل، وإن الأصل فيها العصمة.

مفردات الحديث:

"لا يحل دم": أي لا تحل إراقته، والمراد: القتل.

"الثيِّب الزاني": الثيب: من ليس ببكر، يطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل ثيب، وامرأة ثيب، وإطلاقه على المرأة أكثر، والزاني هو في اللغة الفاجر وشرعاً: وطء الرجل المرأة الحية في قُبُلِها من غير نكاح (أي عقد شرعي).

"التارك لدينه": هو الخارج من الدين بالارتداد، والمراد بالدين: الإسلام.

"المفارق للجماعة": التارك لجماعة المسلمين بالرِّدَّة .

المعنى العام:

إنَّ مَن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأقرّ بوجوده سبحانه ووَحْدانيته، وصدَّق بنبوة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم واعترف برسالته، فقد عصم دمه وصان نفسه وحفظ حياته، ولا يجوز لأحد ولا يَحِل له أن يُرِيق دمه أو يُزْهِق نفسه، وتبقى هذه العصمة ملازمة للمسلم، إلا إذا اقترف إحدى جنايات ثلاث:

1- قتل النفس عمداً بغير حق. 2- الزنا بعد الإحصان، وهو الزواج. 3- الرِّدَّة.

أجمع المسلمون على أن حد زنى الثيب (المحصن) الرجم حتى يموت ، لأنه اعتدى على عرض غيره، وارتكب فاحشة الزنا، بعد أن أنعم الله عز وجل عليه بالمتعة الحلال ، فَعَدل عن الطيب إلى الخبيث، وجنى على الإنسانية بخلط الأنساب وإفساد النسل، وتنكَّر لنهي الله عز وجل {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا} [الإسراء: 32].

- القصاص: أجمع المسلمون على أن من قتل مسلماً عمداً فقد استحق القصاص وهو القتل، قال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]. وذلك حتى يأمن النَّاسُ على حياتهم، وقال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 179]. ويسقط القصاص إذا عفا أولياء المقتول.

- حد الرِّدَّة: أجمع المسلمون على أن الرجل إذا ارتد، وأصر على الكفر، ولم يرجع إلى الإسلام بعد الاستتابة، أنه يُقتل، روى البخاري وأصحاب السنن: عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ بَدَّلَ دينَه فاقتلُوه".

- تارك الصلاة: وأجمع المسلمون على أن من ترك الصلاة جاحداً بها فقد كفر واعتُبِر مرتداً، وأقيم عليه حد الرِّدة. وأما إذا تركها كسلاً وهو يعترف بفرضيتها فقد اختلفوا في ذلك : فذهب الجمهور إلى أنه يُستتاب فإن لم يتب قتل حداً لا كفراً، وذهب الإمام أحمد وبعض المالكية إلى أنه يقتل كفراً، وقال الحنفية: يُحْبَس حتى يصلي أو يموت، ويُعَزَّر في حبسه بالضرب وغيره. قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [الروم: 31] وقال سبحانه: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة". رواه الإمام أحمد ومسلم.

 

ما يستفاد من الحديث:

- أن الدين المعتبر هو ما عليه جماعة المسلمين، وهم الغالبية العظمى منهم.

- الحث على التزام جماعة المسلمين وعدم الشذوذ عنهم.

- التنفير من هذه الجرائم الثلاثة (الزنا، والقتل ، والرده)، والتحذير من الوقوع فيها.

- تربية المجتمع على الخوف من الله تعالى ومراقبته في السر والعلن قبل تنفيذ الحدود.

- الحدود في الإسلام رادعة، ويقصد منها الوقاية والحماية.

 

التقويم

  1. وضح أهمية الحديث

  2. وضح حرمة دم المسلم .

  3. أذكر الحالات التى يهدر فيها دم المسلم .

  4. ما هو شعورك عندما ترى حرمات الله تنتهك ؟

  5. ما المقصود بالمفارق للجماعة .

 

 

الدرس الثاني :

 

ب- سلوكيات عملية لتدريب النفس على آداب الخلاف :

أولا : مراقبة النفس

انتبه إلى نفسك وأنت تحاور أو تناقش

  1. هل أنت مستعل بعلمك ؟ وهل هذا الاستعلاء في ملامح وجهك أو لهجة كلامك أو إشارة يدك؟ إن كان عدل طريقتك فوراً وإذا أسأت فاعتذر

  2. هل ترفع صوتك ؟ إن الصوت رعونة وإيذاء فلا ترفعه أكثر مما يحتاج إليه السامع وتذكر قول الله تعالى "واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" (لقمان 19)

  3. كن مبتسماً منبسط الوجه والأسارير هادئ النفس أثناء الحديث فإذا انفعلت فامسك لأن الانفعال يخرجك عن حدود الأدب وفيه أذى لك ولفكرتك

  4. اجعل لنفسك محطات في الحديث تراجع فيها نفسك وتسائلها هل أخرجك النقاش عن جادة الالتزام وهل الأفضل أن تستمر على هذا النسق أم الأفضل أن تعدل من انفعالاتك في الحديث؟

إن مثل هذه المحطات والوقفات ذات فائدة كبيرة لأنها تجعل أمرك في يديك وتظل مسيطراً على نفسك متحكماً في لسانك وتعرف متى تتكلم ومتى تصمت

ثانيا: إياك وحب الذات

(إحساس المرء بنفسه إذا زاد عن حده يحجبه عن الآخرين ويحصره في عالم خاص به ، ولا يزال ماضيا في تكبير شأنه وتهوين غيره ولا تزال نفسه تعجبه وتنسج حول فكره غلالة سميكة من الغرور والشراهة . ولا تزال "أنا" تنمو ويتضاعف ورمها وتضخمها حتى تودي به إلى الاختناق الأدبي . و"أنا" دائما شارة القصور الأدبي والتصرف البهيمي)1 لأنها تؤدي إلى انتقاص الناس حقوقهم وقناعة صاحبها أنه على الصواب وغيره على الخطأ المحض ، وتصور له أن علمه جديد على الناس ، وتحبب له الشهرة وحب الثناء ، هذا يودي بك إلى الغفلة عن تقدير الطرف الآخر فانتبه .

يقول ديل كارنيجي في كتابه (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس) : "إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك فهاك الوصفة : لا تعطي أحدا فرصة التحدث ، تكلم بغير انقطاع . وإذا خطرت لك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يتم حديثه ، فهو ليس كفئاً مثلك فلماذا تضيع وقتك في الاستماع إلى حديثه السخيف اعترض في منتصف كلامه . وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " الكبر بطر الحق وغمط الناس " رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود

بطر الحق : دفعه ورده على قائله غمط الناس : احتقارهم

هكذا سلوك من يحبون نفوسهم ، هل تريد أن تكون مثلهم ؟!

ثالثاً: اصنع من الليمونة الحامضة شراباً حلواً :

دائما الحوار يتخلله كثيرُ من الحدة في الحديث والشدة في الانفعالات ولكن إذا تذكرت

  1. إن حديثك وقولك من العمل الذي ستحاسب عليه فإن من يرى كلامه من عمله يقل كلامه إلا فيما يعنيه قال تعالى :" ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسئولا" (الإسراء 36)

وبذلك تغلق باباً واسعاً من أبواب المراء والجدل

  1. أن يكون حوارك مع الغير لله ولإظهار الحق فاحرص على استحضار النية فإن مثل ذلك يحافظ على جو الحوار من الحدة والانفعالات

  2. إن الحوار عبادة من العبادات فتمسك بهدي النبي (صلى الله عليه وسلم) فيه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً " أخرجه أبو داوود في السنن

  3. علمك بأن رأيك صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرك خطأ يحتمل الصواب يسهل عليك حسن الاستماع إليه ويعطي مساحة للاتفاق في الحديث ونظرة محايدة توصل إلى الغاية المنشودة من الحديث بدون حدة ولا انفعال

  4. اعلم أن الاجتماع على الصواب خير من الافتراق على الأصوب وكسب القلوب مقدم على كسب المواقف .

كل ذلك عند استحضارك له أثناء الحوار يؤدي إلى امتصاص غضب وانفعال الغير وتحوله إلى مشارك لك في رأيك كما تستطيع بقليل من السكر أن تحول عصير الليمون الحامض إلى شراب حلو تستسيغ شرابه .

 

 

الحلقة

الثالثة

والعشرون

 

الحلقة الثالثة والعشرون

الدرس الأول :

الحديث الخامس عشر

من خِصَال الإيمَان

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهُ: أنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : "مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، ومَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ والْيوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". رواه البخاري ومسلم.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس خصال الإيمان التى نص عليها الحديث .

  2. أن يوضح الدارس آداب الكلام .

  3. أن يوضح الدارس عناية الإسلام بالجار .

  4. أن يذكر الدارس وسائل الإحسان إلى الجار .

  5. أن يوضح الدارس حث الإسلام على إكرام الضيف .

  6. أن يوضح الدارس إلى أى مدى يطبق هذا الحديث .

  7. أن يوضح الدارس كيف يدرب نفسه على هذه الآداب .

مفردات الحديث:

"يؤمن" : المقصود بالإيمان هنا: الإيمان الكامل، وأصل الإيمان التصديق والإذعان.

"اليوم الآخر": يوم القيامة. "يصمت": يسكت.

"فليكرم جاره": يُحَصِّل له الخير، ويَكُفّ عنه الأذى والشر.

"فليكرم ضيفه": يقدم له الضيافة (من طعام أو شراب) ويحسن إليه.

المعنى العام:

يحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث على أعظم خصال الخير وأنفع أعمال البِرّ، فهو يُبَيِّن لنا أن من كمال الإيمان وتمام الإسلام، أن يتكلم المسلم في الشؤون التي تعود عليه بالنفع في دنياه أو آخرته، ومن ثَمّ تعود على المجتمع بالسعادة والهناء، وأن يلتزم جانب الصمت في كل ما من شأنه أن يسبب الأذى أو يجلب الفساد، فيستلزم غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه.

روى الإمام أحمد في مسنده: عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه".

فعلى المسلم إذا أراد أن يتكلم أن يفكر قبل أن يتكلم: فإن كان خيراً تكلم به، وإن كان شراً أمسك عنه، لأنه محاسب عن كل كلمة يلفظ بها. قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل كلام ابن آدم عليه لا له .... " وقال : "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم". رواه البخاري.

 

ومن آداب الكلام :

الإمساك عن الكلام المحرَّم في أي حال من الأحوال. وعن اللغو و هو الكلام الباطل، كالغيبة والنميمة والطعن في أعراض الناس ونحو ذلك.

عدم الإكثار من الكلام المباح، لأنه قد يجر إلى المحرم أو المكروه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوةٌ للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي". رواه الترمذي.

- العناية بالجار والوصاية به: ومن كمال الإيمان وصدق الإسلام الإحسان إلى الجار والبر به والكف عن أذاه، فالإحسان إلى الجار وإكرامه أمر مطلوب شرعاً، بل لقد وصلت العناية بالجار في الإسلام، إلى درجة لم يعهد لها مثيل في تاريخ العلاقات الاجتماعية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". رواه البخاري.

إن إيذاء الجار خلل في الإيمان يسبب الهلاك : وهو محرم في الإسلام، ومن الكبائر التي يعظم إثمها ويشتد عقابها عند الله عز وجل. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله ؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه" رواه البخاري. أي لا يَسْلَم من شروره وأذاه، والمراد بقوله: "لا يؤمن"، أي الإيمان الكامل المنجي عند الله عز وجل.

من وسائل الإحسان إلى الجار:

مواساته عند حاجته، روى الحاكم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم". مساعدته وتحصيل النفع له ، الإهداء له ، ولا سيما في المناسبات.

- إكرام الضيف من الإيمان ومن مظاهر حسن الإسلام : يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث : أن من التزم شرائع الإسلام، وسلك مسلك المؤمنين الأخيار، لزمه إكرام من نزل عنده من الضيوف والإحسان إليهم، "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".

ومن أدب الضيافة وكرمها البِشْر والبشاشة في وجه الضيف، وطيب الحديث معه، والمبادرة بإحضار ما تيسر عنده من طعام وشراب، وأما الضيف فمن أدبه أن لا يضيق على مزوره ولا يزعجه، ومن التضييق أن يمكث عنده وهو يشعر أنه ليس عنده ما يضيفه به.

ما يستفاد من الحديث

إن العمل بما عرفناه من مضمون هذا الحديث بالغ الأهمية، لأنه يحقق وحدة الكلمة، ويؤلف بين القلوب، ويذهب الضغائن والأحقاد، وذلك أن الناس جميعاً يجاور بعضهم بعضاً، وغالبهم ضيف أو مضيف، فإن أكرم كل جار جاره، وكل مضيف ضيفه، صلح المجتمع، واستقام أمر الناس، وسادت الأُلفة والمحبة، ولا سيما إذا التزم الكل أدب الحديث، فقال حسناً أو سكت.

 

التقويم

  1. وضح خصال الإيمان التى نص عليها الحديث .

  2. وضح آداب الكلام .

  3. وضح عناية الإسلام بالجار .

  4. أذكر وسائل الإحسان إلى الجار .

  5. حث الإسلام على إكرام الضيف – وضح ذلك .

  6. قوِّم مدى التزامك بخصال الخير التى نص عليها الحديث .

  7. ماهي آداب الكلام التى تحرص على الإلتزام بها ؟

  8. وما الوسائل العملية التى تقوم بها للإحسان إلى جيرانك ؟

الدرس الثاني :

 

رابعاً : عش مع الحوار في حدود هذه النصائح :

  1. يقول ابن المقفع " تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام ، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه ، وقلة التلفت إلى الجواب ، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم ، والوعي لما يقول "

  2. إذا كان في كلام محدثك ما ينبغي أن يراجع فيه – تعليقا أو تصحيحا أو إيضاحاً واستفساراً- فلا تقطع حديثه وامسك بالقلم ودون وسجل عليها ما تود مراجعته فيه ، هذا أفضل بكثير من أن تقطع حبل أفكار الآخرين فيضيقوا بك ذرعاً .

  3. احذر أن تختلف مع محدثك ، فإن الخلاف لا يأتي بخير . يقول سفيان الثوري : " لو خالفت أخي في رمانة فقال حلوة وقلت حامضة لسعى بي إلى السلطان " . قال أيضاً : " صاف من شئت ثم أغضبه فليرمينك بداهية تمنعك العيش " . قال ابن أبي ليلى :" لا أمار صاحبي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه "

  4. احذر من أن تستدرج إلى ما يفقدك السيطرة على نفسك أو أمانتك العلمية ، فهناك بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة وتدربوا على فن الجدل والمناظرة ولا يتقون الله فيما يقولون ، وقد يعمدون إلى الكذب بغية إحراج من يناظرون . وقال تعالى "وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون" (الأنعام 121)

  5. في بعض الأحيان لا يجدي المنطق والبرهان ، إنما يجدي التودد والإحسان ، فقد تبدأ المناقشة وروح العداوة تسيطر على الطرف الآخر ، حين ذاك ألق عصا المنطق وارفع راية الحنان ، فإذا دفعت بالحسن انقلبت العداوة إلى مودة والبغض إلى محبة ، قال تعالى : " ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " (فصلت 34)

  6. تذكر أن دفع الإساءة بالإحسان ليس سهلاً يقدر عليه كل إنسان ، بل يحتاج إلى تدريب شاق وصبر ومجاهدة ، ولذلك قال سبحانه بعد الآيات السابقة في سورة فصلت " وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " (فصلت 35).

  7. لا تغضب إذا لم يوافقك صاحبك على رأيك ، ولا تحاول أن تحمل الناس على ما تراه حقاً وصواباً من وجهة نظرك إذ "لا إكراه في الدين " (البقرة 56) فمن باب أولى ألا يكون الإكراه في وجهات النظر ، فقد ذكر ابن القيم :" إن ابن مسعود خالف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما في حوالي مائة مسألة " (رواه أحمد والترمذي والحاكم – انظر كشف الخفاء للعجلوني ) فهل غضب منه عمر لمخالفته إياه ؟ وهل أمير المؤمنين حمل عامله بن مسعود على رأيه؟ بالطبع (لا) . فعلام الغضب إذاً‍.قال تعالى في وصف عباده : " أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغ الجاهلين إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين" (القصص 54-56)

  8. عدم التعصب للأشخاص ولا للهيئات ، مع قبول النقد بسلامة قلب وانشراح صدر واستخدام أسلوب المحايد عند النقاش ، مع إعتبار المخالف طرفاً في حوار متكافئ لا يجوز رفض رأيه سلفاً أو التعصب ضده ، بذلك تستطيع أن تسبر غوره دون أن تستفزه ، كما قال تعالى مخاطباً الكفار على لسان رسوله : "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" (سبأ 24-26)

  9. عندما لا تعلم أمراً سئلت عنه فلا تستحي أن تقول لا أدري فتتمادى في الجواب فتظهر جهلك ، واتخذ من العلماء في ذلك قدوة ، فالإمام مالك سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنين وثلاثين منها لا أدري وقد قيل : ( إذا أخطأ العالم قول لا أدري أصيب مقتله ) .

 

أن يقوِّم الدارس مدى التزامه بآداب الخلاف .

*** استبانة يقوِّم بها الدارس نفسه فى التزامه ( بالسلوكيات العملية ) بآداب الخلاف :

 

سلوكيات عملية
دائماً
أحياناً
نادراً
  1. لا أستعل بعلمى على أحد .

  2. أعتذر إذا أسأت .

  3. لا أرفع صوتى أكثر مما يحتاج إليه السامع .

  4. أكون مبتسماً منبسط الوجه والأسارير هادئ النفس أثناء الحديث .

  5. إذا انفعلت أثناء الحديث أمسك عنه .

  6. أجعل لنفسى محطات في الحديث أراجعها فيه .

  7. أسيطر على نفسى وأعرف متى أتكلم ومتى أصمت .

  8. لا أغفل عن تقدير الطرف الآخر أثناء الحديث .

  9. أرى كلامى من العمل الذي سأحاسب عليه فلا أتكلم فيما لا يعنينى .

  10. أحرص على أن يكون حوارى مع الغير لله ولإظهار الحق فاحرص على استحضار النية .

  11. أعلم بأن رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرى خطأ يحتمل الصواب .

  12. أحرص على كسب القلوب لا على كسب المواقف .

  13. أحرص على حسن الاستماع كما أحرص حسن الكلام

  14. إذا كان في كلام محدثى ما ينبغي أن يراجع فيه – تعليقا أو تصحيحا أو إيضاحاً واستفساراً – فأمسك بالقلم وأدون ما أود مراجعته فيه ، ولا أقطع حبل أفكاره .

  15. أحذر من أن أستدرج إلى ما يفقدنى السيطرة على نفسى أو أمانتى العلمية .

  16. أحرص على دفع الإساءة بالإحسان .

  17. لا أغضب إذا لم يوافقنى صاحبى على رأيى أو ما أراه حقاً وصواباً من وجهة نظرى .

  18. أحرص على عدم التعصب للأشخاص و الهيئات .

  19. أقبل النقد بسلامة قلب وانشراح صدر .

  20. أعتبر المخالف طرفاً في حوار متكافئ لا يجوز رفض رأيه سلفاً أو التعصب ضده .

  21. عندما لا أعلم أمراً سئلت عنه فلا أستحي أن أقول لا أدري .




 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يستطيع الدارس أن يحدد مدى التزامه بآداب الخلاف ، كما يستطيع أن يحدد السلوكيات التى لم يلتزم بعد بها أو التى بها ضعف ، وأن يجتهد فى أن يلزم نفسه بها مستعيناً بالله على ذلك حتى يسلس له قياد نفسه ، ومستعيناً بإخوانه فيسألهم التوجيه والعون فى ذلك . وليثق فى قول الحق سبحانه : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين "

 

التقويم
  1. وضح طبيعة الخلاف بين الناس .

  2. وضح أنواع الخلاف وأسبابه . ثم وضح متى يكون الخلاف مذموماً ومتى يكون مقبولاً.

  3. وضح أهمية العلاقة الطيبة مع الآخرين على الرغم من وجود خلاف .

  4. وضح مفاسد الخلاف على مستوى الأفراد .

  5. وضح مفاسد الخلاف على مستوى الجماعة و الأمة والعمل الإسلامى .

  6. اذكر النصائح القرآنية والنبوية التى تحث على ترك الخلاف .

  7. اذكر نماذج من حياة الصالحين توضح حرصهم على ترك الخلاف .

  8. اذكر نماذج عايشتها أو سمعت بها توضح التزام القائمين بها بآداب الخلاف .

  9. وضح السلوكيات التى يجب أن تتبعها لتدريب نفسك على آداب الخلاف .

  10. قوِّم مدى التزامك بآداب الخلاف . محدداً ما تقوم بتنفيذه بالفعل من هذه السلوكيات والأخرى التى مازلت لم تنفذها بعد .

  11. ضع خطة لتدريب نفسك على السلوكيات التى لم تلتزم بعد بها فى آداب الخلاف .

المصادر

(1) أدب الاختلاف د. يوسف القرضاوي .

(2) آفات على الطريق / الجزء الرابع / د. سيد نوح / الآفة الثانية والعشرون / المراء والجدال

(3) أدب الاختلاف في الإسلام د. طه جابر فياض العلواني

(4) الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم د/ يوسف القرضاوى .

(5) رسالة إلى أى شىء ندعوا الناس أ / حسن البنا .

(6) فهم الإسلام أ/ جمعة أمين

(7) جدد حياتك للشيخ / الغزالى

(8) أدب الحوار أ/ محمد عيسى

(9) إحياء علوم الدين أ/ الإمام الغزالى

 

 

الحلقة

الرابعة

والعشرون

 

الحلقة الرابعة والعشرون

الدرس الأول :

الحديث السادس عشر

لا تَغْضَبْ وَلَكَ الجَنَّة

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه أنَّ رَجُلاً قال لِلنَّبِّي صلى الله عليه وسلم: أَوصِني، قالَ : "لا تَغْضَب"، فَرَدَّدَ مِرَاراً، قال: "لا تَغْضَب". رواه البخاري.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس المقصود من الغضب .

  2. أن يوضح الدارس آثار الغضب .

  3. أن يوضح الدارس وسائل علاج الغضب .

  4. أن يوضح الدارس مدى التزامه بما يدل عليه الحديث .

مفردات الحديث:

"رجلاً" : قيل : هو أبو الدرداء رضي الله عنه . وقيل جارية بن قُدَامة رضي الله عنه "أوصني": دلني على عمل ينفعني . "لا تغضب": اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لم يجلبه. "فردد مرارً": كرر طلبه للوصية أكثر من مرة. والغضب : هو ثوران دم القلب وغليانه عند توجه مكروه إلى الشخص .

المعنى العام:

المسلم إنسان يتصف بمكارم الأخلاق، يتجمل بالحلم والحياء، ويَلْبَس ثوب التواضع والتودد إلى الناس، وتظهر عليه ملامح الرجولة، من الاحتمال وكف الأذى عن الناس، والعفو عند المقدرة، والصبر على الشدائد، وكظم الغيظ إذا اعْتُدِيَ عليه أو أُثير، وطلاقة الوجه والبشر في كل حال من الأحوال. وهذا ما وَجَّه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الصحابيَّ المستنصِحَ، عندما طلب منه أن يوصيه بما يبلغه المقصود ويحقق له المطلوب. بتلك العبارة الموجزة، الجامعة لكل خير، المانعة لكل شر: "لا تغضب".

الغضب ضعف والحلم قوة: سرعة الغضب والانقياد له عنوان ضعف الإنسان، ولو ملك السواعد القوية، والجسم الصحيح. روى البخاري ومسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". والصرعة هو الذي يغلب الرجال ولا يغلبه الرجال.

قيل : إذا لم يغضب المرء فقد ترك الشر كله، ومن ترك الشر كله، فقد حصل الخير كله.

آثار الغضب: الغضب خُلُقٌ مذموم وطبع سيء وسلاح فتاك، إذا استسلم له الإنسان وقع صريع آثاره السيئة، التي تضر بالفرد نفسه أولاً، وبالمجتمع ثانياً.

أما أضراره بالنفس، فهي: جسمية مادية، وخلقية معنوية، وروحية دينية.

وأما أضراره بالمجتمع: فهو يولد الحقد في القلوب، وإضمار السوء للناس، وهذا ربما أدى إلى إيذاء المسلمين وهجرهم.

الغضب لله تعالى : الغضب المذموم ، الذي يُطلب من المسلم أن يعالجه ويبتعد عن أسبابه، هو ما كان انتقاماً للنفس، ولغير الله تعالى ونصرة دينه. أما ما كان لله تعالى : بسبب التعدي على حرمات الدين، من تحدٍ لعقيدة، أو تهجم على خُلُق أو انتقاص لعبادة، فهو في هذه الحالة خلق محمود، وسلوك مطلوب.

وورد: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لشيء ، فإذا انتُهكتْ حرمات الله عز وجل ، فحينئذ لا يقوم لغضبه شيء. رواه البخاري ومسلم.

- دفع الغضب ومعالجته :

أسباب الغضب كثيرة ومتنوعة، منها: الكبر والتعالي والتفاخر على الناس، والهزء والسخرية بالآخرين، وكثرة المزاح ولا سيما في غير حق، والجدل والتدخل فيما لا يعني.

وأما معالجة الغضب، فيكون بأمور كثيرة أرشدنا إليها الإسلام، منها:

أن يروض نفسه ويدربها على التحلي بمكارم الأخلاق، كالحلم والصبر والتأني في التصرف والحكم.

أن يضبط نفسه إذا أُغضب ويتذكر عاقبة الغضب، وفضل كظم الغيظ والعفو عن المسيء: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

روى أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما كظم عبدٌ لله إلا مُلِئَ جوفُه إيماناً".

الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 2..].

روى البخاري ومسلم: استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأحدُهما يسبُّ صاحبَه مُغضباً قد احمَرَّ وجهُه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلمُ كلمةً، لو قالها لذهبَ عنه ما يجد، لو قال: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم".

تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب، فقد روى أحمد وأبو داود: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا غضبَ أحدُكم وهو قائم فليجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضب، وإلا فليضطجعْ".

ترك الكلام، لأنه ربما تكلم بكلام قوبل عليه بما يزيد من غضبه، أو تكلم بكلام يندم عليه بعد زوال غضبه، روى أحمد والترمذي وأبو داود : "إذا غضب أحدُكم فليسكتْ". قالها ثلاثاً.

الوضوء، وذلك أن الغضب يُثير حرارة في الجسم، والماء يبرده فيعود إلى طبعه، روى أحمد وأبو داود: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الغضبَ من الشيطان، وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ من النار، فإذا غضبَ أحدُكم فليتوضأ".

ونعدد بعض وسائل علاج الغضب فيما يلي :

  • يتذكر الإنسان ما يترتب عليه من المفاسد .

  • يتذكر الإنسان ما جاء فى فضل الحلم وكظم الغيظ .

  • يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .

  • يغتسل أو يتوضأ .

  • يغير الحالة التى هو عليها يجلس أو يضجع .

  • يتذكر الإنسان عظمة الله عليه .

  • يتذكر الإنسان حلم الله على عباده .

التقويم

  1. وضح المقصود من الغضب .

  2. وضح آثار الغضب .

  3. وضح علاج الغضب .

  4. هل هناك غضب محمود ؟ وضح ذلك

  5. الغضب ضعف والحلم قوة – وضح ذلك .

  6. أذكر الوسائل العملية التى أخذت بها شخصياً فى علاج الغضب .

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

الصلاة

الصلاة عبادة تتضمن أقوالا وأفعالا مخصوصة ، مفتتحة بتكبير الله تعالى ، مختتمة بالتسليم .

 

منزلتها في الاسلام

وللصلاة في الاسلام منزلة لا تعدلها منزلة أية عبادة أخرى . فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رأس الامر الاسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) ، وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات ، تولى إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج من غير واسطة . قال أنس : ( فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به خمسين ، ثم نقصت حتى جعلت خمسا ، ثم نودي يا محمد : إنه لا يبدل القول لدي ، وإن لك بهذه الخمس خمسين ). رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه . وهي أول ما يحاسب عليه العبد . نقل عبد الله بن قرط قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ) فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله ) رواه الطبراني . وهي آخر وصية وصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عند مفارقة الدنيا ، جعل يقول - وهو يلفظ أنفساه الاخيرة - : ( الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم ) وهي آخر ما يفقد من الدين ، فإن ضاعت ضاع الدين كله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس قبالتي تليها . فأولهن نقضا الحكم . وآخرهن الصلاة ) رواه ابن حبان من حديث أبي أمامة . والمتتبع لايات القرآن الكريم يرى أن الله سبحانه يذكر الصلاة ويقرنها بالذكر تارة : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر )2 . ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )3 .( وأقم الصلاة لذكري )4 . وتارة يقرنها بالزكاة : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة )5 . ومرة بالصبر ( واستعينوا بالصبر والصلاة )6، وطورا بالنسك ( فصل لربك والنحر )7 . ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )8 . وأحيانا يفتتح بها أعمال البر ويختتمها بها ، كما في سورة ، سأل ( المعارج ) وفي أول سورة المؤمنين : ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ) إلى قوله : ( والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)9. وقد بلغ من عناية الاسلام بالصلاة ، أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر ، والامن والخوف ، فقال تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقوموا لله قانتين ، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون )10 وقال مبينا كيفيتها في السفر والحرب والامن : ( وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا . وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ، وخذوا حذركم ، إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ، فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا )11. وقد شدد النكير على من يفرط فيها ، وهدد الذين يضيعونها . فقال جل شأنه : ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، فسوف يلقون غيا ) 12 وقال : ( فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون )13 . ولان الصلاة من الامور الكبرى التي تحتاج إلى هداية خاصة ، سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يجعله هو وذريته مقيما لها فقال : ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ، ربنا وتقبل دعاء )14.

 

حكم ترك الصلاة

ترك الصلاة جحودا بها وإنكارا لها كفر وخروج عن ملة الاسلام ، بإجماع المسلمين . أما من تركها مع إيمانه بها واعتقاده فرضيتها ، ولكن تركها تكاسلا أو تشاغلا عنها ، بما لا يعد في الشرع عذرا فقد صرحت الاحاديث بكفره ووجوب قتله .

أما الاحاديث المصرحة بكفره فهي :

1 - عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة ) . رواه أحمد ومسلم ، وأبو داود والترمذي وابن ماجة .

2 - وعن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر ) . رواه أحمد وأصحاب السنن .

3 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه ذكر الصلاة يوما فقال : ( من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف ) رواه أحمد والطبراني وابن حبان ، وإسناده جيد . وكون تارك المحافظة على الصلاة مع أئمة الكفر في الاخرة يقتضي كفره . قال ابن القيم : تارك المحافظة على الصلاة ، إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته . فمن شعله عنها ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون ، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان ، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف .

4 - وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : ( كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الاعمال تركه كفر غير الصلاة ) رواه الترمذي والحاكم على شرط الشيخين .

5 - قال محمد بن نصر المروزي : سمعت إسحاق يقول : ( صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن تارك الصلاة كافر ) كان رأي أهل العلم ، من لدن محمد صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر .

6 - وقال ابن حزم : وقد جاء عن عمر ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاذ بن جبل ، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ( أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد ) ولا نعلم لهؤلاء الصحابة مخالفا . ذكره المنذري في الترغيب والترهيب . ثم قال : قد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة ، متعمدا تركها ، حتى يخرج جميع وقتها ، منهم عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله ابن عباس ، ومعاذ بن جبل ، وجابر بن عبد الله ، وأبو الدرداء رضي الله عنهم . ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وعبد الله بن المبارك ، والنخعي ، والحكم بن عتيبة وأبو أيوب السختياني ، وأبو داود الطيالسي ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وغيرهم رحمهم الله تعالى .

أما الاحاديث المصرحة بوجوب قتله فهي :

1 - عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عرى الاسلام وقواعد الدين ثلاثة . عليهن أسس الاسلام ، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم . شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة المكتوبة ، وصوم رمضان ) رواه أبو يعلى بإسناد حسن . وفي رواية أخرى : ( من ترك منهن واحدة بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل )15 ( 1 ) . وقد حل دمه وماله ) .

2 - وعن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله عزوجل ) . رواه البخاري ومسلم .

3 - وعن أم سلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ) قالوا يا رسول الله : ألا نقاتلهم ؟ قال : ( لا ، ما صلوا ) رواه مسلم . جعل المانع من مقاتلة أمراء الجور الصلاة .

4 - وعن أبي سعيد قال : بعث علي - وهو على اليمن - إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فقسمها بين أربعة ، فقال رجل يا رسول الله : اتق الله . فقال : ( ويلك ! ! أو لست أحق أهل الارض أن يتقي الله ! ) ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد : يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ فقال لا : ( لعله أن يكون يصلي ) فقال خالد : وكم من رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ) مختصر من حديث للبخاري ومسلم . وفي هذا الحديث أيضا ، جعل الصلاة هي المانعة من القتل ، ومفهوم هذا ، أن عدم الصلاة يوجب القتل .

رأي بعض العلماء الاحاديث المتقدمة ظاهرها يقتضي كفر تارك الصلاة وإباحة دمه ، ولكن كثيرا من علماء السلف والخلف ، منهم أبو حنيفة ، مالك ، والشافعي ، على أنه لا يكفر ، بل يفسق ويستتاب ، فإن لم يتب قتل حدا عند مالك والشافعي وغيرهما . وقال أبو حنيفة : لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي ، وحملوا أحاديث التكفير على الجاحد أو المستحل للترك ، وعارضوها ببعض النصوص العامة كقول الله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )16 . وكحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لكل نبي دعوة مستحابة . فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة ، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئا ) وعنه ، عند البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أسعد الناس بشفاعتي من قال : لا إله إلا الله ، خالصا من قلبه ) .

 

 

مناظرة في تارك الصلاة

ذكر السبكي في شبقات الشافعية أن الشافعي وأحمد رضي الله عنهما تناظرا في تارك الصلاة . قال الشافعي : يا أحمد أتقول : إنه يكفر ؟ قال : نعم . قال : إذا كان كافرا فبم يسلم ؟ قال : يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله . قال الشافعي : فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه . قال : يسلم بأن يصلي . قال : صلاة الكافر لا تصح ، ولا يحكم له بالاسلام بها . فسكت الامام أحمد ، رحمهما الله تعالى .

 

تحقيق الشوكاني في تارك الصلاة

قال الشوكاني : والحق أنه كافر يقتل . أما كفره ، فلان الاحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم ، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة ، فتركها مقتض لجواز الاطلاق ، ولا يلزمنا شئ من المعارضات التي أوردها المعارضون ، لانا نقول : لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة ، ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا ، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها . على من تجب ؟ تجب الصلاة على المسلم العاقل البالغ ، لحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رفع القلم عن ثلاث17 : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم18 ، وعن المجنون حتى يعقل ) رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وحسنه الترمذي .

 

صلاة الصبي

والصبي وإن كانت الصلاة غير واجبة عليه ، إلا أنه ينبغي لوليه أن يأمره بها ، إذا بلغ سبع سنين ، ويضربه على تركها ، إذا بلغ عشرا ، ليتمرن عليها ويعتادها بعد البلوغ . فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا ، وفرقوا بينهم في المضاجع ) رواه أحمد وأبو داود والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم .

 

14- صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 7 ) تكبيرات الانتقال : يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود ، إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول : سمع الله لمن حمده ، فعن ابن مسعود قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه . ثم قال والعمل عليه عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وعليه عامة الفقهاء والعلماء ، انتهى ، فعن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث أنه سمع أبا هريرة يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم . ثم يكبر حين يركع ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا لك الحمد ، قبل أن يسجد ، ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين ، ثم يفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، قال أبو هريرة : كانت هذه صلاته حتى فارق الدنيا . رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود . وعن عكرمة قال قلت لابن عباس : صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق ، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة ، يكبر إذا سجد ، وإذا رفع رأسه . فقال ابن عباس : تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبخاري . ويستحب أن يكون ابتداء التكبير حين يشرع في الانتقال .

 

( 8 ) هيئات الركوع : الواجب في الركوع مجرد الانحناء ، بحيث تصل اليدان إلى الركبتين ، ولكن السنة فيه تسوية الرأس بالعجز ، والاعتماد باليدين على الركبتين مع مجافاتهما على الجنبين ، وتفريج الاصابع على الركبة والساق ، وبسط الظهر . فعن عقبة بن عامر ( إنه ركع فجافى يديه ، ووضع يديه على ركبتيه ، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي . وعن أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع اعتدل ، ولم يصوب رأسه ولم يقنعه19 ( 1 ) ، ووضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ، رواه النسائي . وعند مسلم عن عائشة رضي الله عنها : كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه . ولكن بين ذلك . وعن علي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع ، لو وضع قدح من ماء على ظهره لم يهرق20 . رواه أحمد وأبو داود في مراسيله وعن مصعب بن سعد قال : صليت إلى جانب أبي ، فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي . فنهاني عن ذلك وقال : كنا نفعل هذا ، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب . رواه الجماعة .

 

( 9 ) الذكر فيه : يستحب الذكر في الركوع بلفظ ( سبحان ربي العظيم ) . فعن عقبة بن عامر قال : لما نزلت ( فسبح باسم ربك العظيم ) قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم ( اجعلوها في ركوعكم ) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد جيد . وعن حذيفة قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه : ( سبحان ربي العظيم ) رواه مسلم وأصحاب السنن . وأما لفظ ( سبحان ربي العظيم وبحمده ) فقد جاء من عدة طرق كلها ضعيفة . قال الشوكاني : ولكن هذه الطرق تتعاضد ، ويصح أن يقتصر المصلي على التسبيح ، أو يضيف إليه أحد الاذكار الاتية : 1 - عن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال : ( أللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، وأنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم . 2 - عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده : ( سبوح قدوس ( 2 ) رب الملائكة والروح ) . 3 - وعن عوف بن مالك الاشجعي قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ، فقام فقرأ سورة ( البقرة ) إلى أن قال فكان يقول في ركوعه : وسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي . وعن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ) يتأول القرآن21 رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم .

( 10 ) أذكار الرفع من الركوع والاعتدال : يستحب للمصلي - إماما أو مأموما أو منفردا - أن يقول عند الرفع من الركوع : سمع الله لمن حمده ، فإذا استوى قائما فليقل : ربنا ولك الحمد ، أو : اللهم ربنا ولك الحمد ، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ، رواه أحمد والشيخان . وفي البخاري من حديث أنس : وإذا قال : سمع الله لمن حمده . فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد . يرى بعض العلماء . أن المأموم لا يقول ( سمع الله لمن حمده ) بل إذا سمعها من الامام يقول : اللهم ربنا ولك الحمد . لهذا الحديث . ولحديث أبي هريرة عند أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد ، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ولكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) يقتضي أن يجمع كل مصل بين التسبيح والتحميد ، وإن كان مأموما ويجاب عما استدل به القائلون ( بأن المأموم لا يجمع بينهما ) بل يأتي بالتحميد فقط ، بما ذكره النووي قال : قال أصحابنا ، فمعناه قولوا : ( ربنا لك الحمد ) مع ما قد علمتموه من قول سمع الله لمن حمده ، وإنما خص هذا بالذكر ، لانهم كانوا يسمعون جهر النبي صلى الله عليه وسلم ( سمع الله لمن حمده ) فإن السنة فيه الجهر ولا يسمعون قوله : ربنا لك الحمد ، لانه يأتي به سرا . وكانوا يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) مع قاعدة التأسي به صلى الله عليه وسلم مطلقا ، وكانوا يوافقون في ( سمع الله لمن حمده ) فلم يحتج إلى الامر به ، ولا يعرفون ( ربنا لك الحمد ) فأمروا به . هذا أقل ما يقتصر عليه في التحميد حين الاعتدال ويستحب الزيادة على ذلك بما جاء في الاحاديث الاتية : 1 - عن رفاعة بن رافع قال : كنا نصلي يوما وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة وقال : سمع الله لمن حمده ، قال رجل وراءه : ( ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ) فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من المتكلم آنفا ) ؟ قال الرجل : أنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت بضعة22 وثلاثين ملكا يبتدرونها ، أيهم يكتبها أولا ) رواه أحمد والبخاري ومالك وأبو داود . وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع من الركعة قال : ( سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد ملء23 السموات والارض وما بينهما ، ومل ء ما شئت من شئ بعد ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي . 3 - وعن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وفي لفظ : يدعو ، إذا رفع رأسه من الركوع : ( اللهم لك الحمد مل ء السماء ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد : اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد ، اللهم طهرني من الذنوب ونقني منها كما ينقى الثوب الابيض من الوسخ ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة . ومعنى الدعاء : طلب الطهارة الكاملة . 4 - وعن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : ( سمع الله لمن حمده ) قال : ( اللهم ربنا لك الحمد مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد24 أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد : لا مانع لما أعطيت . ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد25 ) رواه مسلم وأحمد وأبو داود . 5 - وصح عنه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقول بعد ( سمع الله لمن حمده ) ( لربى الحمد ، لربي الحمد ) حتى يكون اعتداله قدر ركوعه .

 

( 11 ) كيفية الهوي إلى السجود والرفع منه : ذهب الجمهور إلى استحباب وضع الركبتين قبل اليدين ، حكاه ابن المنذر عن عمر النخعي ومسلم بن يسار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال : وبه أقول ، انتهى . وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء . وقال ابن القيم : وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه ثم يديه بعدهما ثم جبهته وأنفه هذا هو الصحيح الذي رواه شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه . عن وائل بن حجر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك ، انتهى . وذهب مالك والاوزاعي وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين ، وهو رواية عن أحمد . قال الاوزاعي : أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم . وقال ابن أبي داود : وهو قول أصحاب الحديث . وأما كيفية الرفع من السجود حين القيام إلى الركعة الثانية ، فهو على الخلاف أيضا ، فالمستحب عند الجمهور أن يرفع يديه ثم ركبتيه ، وعند غيرهم يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه .

 

( 12 ) هيئة السجود : يستحب للساجد أن يراعي في سجوده ما يأتي :

1 - تمكين أنفه وجبهته ويديه على الارض ، مع مجافاتهما عن جنبيه ، فعن وائل بن حجر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه . رواه أبو داود . وعن أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الارض ، ونحى يديه عن جنبيه ، ووضع كفيهحذو منكبيه ، رواه ابن خزيمة والترمذي وقال : حسن صحيح .

2 - وضع الكفين حذو الاذنين أو حذو المنكبين ، وقد ورد هذا وذاك ، وجمع بعض العلماء بين الروايتين ، بأن يجعل طرفي الابهامين حذو الاذنين ، وراحتيه حذو منكبيه .

3 - أن يبسط أصابعه مضمومة ، فعند الحاكم وابن حبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع فرج بين أصابعه . وإذا سجد ضم أصابعه .

4 - أن يستقبل بأطراف أصابعه القبلة فعند البخاري من حديث أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع يديه غير مفترشهما ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة .

 

 

 

 

 

 

الحلقة

الخامسة

والعشرون

 

الحلقة الخامسة والعشرون

 

الدرس الأول :

الحديث السابع عشر

عُمومُ الإِحْسَان

عن أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللهُ عنه، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسانَ على كلِّ شَيءٍ، فإذا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، ولْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ولْيُرحْ ذَبيحَتَهُ" .رواه مسلم.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس المقصود بالإحسان .

  2. أن يذكر الدارس جوانب الإحسان .

  3. أن يوضح الدارس مدى التزامه بالإحسان فى كل أعماله .

أهمية الحديث:

هذا الحديث قاعدة من قواعد الدين الهامة، ويتضمن إتقان جميع تعاليم الإسلام، لأن الإحسان في الفعل يكون بإيقاعه كما طلب الشرع.

مفردات الحديث:

"كتب": طلب وأوجب. "الإحسان": مصدر أحسن إذا أتى بالحَسَن، ويكون بإتقان العمل.

"القِتلة": بكسر القاف، طريقة القتل. "ليحد": يقال أَحَدَّ السكين، وحَدَّها، واستحدَّها بمعنى واحد
"
شفرته ": السكين وما يذبح بها، وشفرتُها : حَدُّها.

المعنى العام:

ينص الحديث على وجوب الإحسان، وهو الإحكام والإكمال والتحسين في الأعمال المشروعة، وقد أمر الله به في كتابه العزيز فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل:9.] وقال سبحانه: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]. وهو مطلوب عند الإتيان بالفرائض، وفي ترك المحرمات، وفي معاملة الخلق، والإحسان فيها أن يأتي بها على غاية كمالها، ويحافظ على آدابها المصححة والمتممة لها، فإذا فعل قُبل عمله وكَثُر ثوابه.

الإحسان في القتل: وهو تحسين هيئة القتل بآلة حادة، ويكون بالإسراع في قتل النفوس التي يُباح قتلها على أسهل الوجوه، والقتل المباح إما أن يكون في الجهاد المشروع ، وإما أن يكون قِصاصاً أو حَدّاً من حدود الله تعالى ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المُثْلَة، وهي قطع أجزاء من الجسد، سواء أكان ذلك قبل الموت أم بعده، ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن المُثْلة.

ولئن جاز للمسلمين أن يستخدموا الأسلحة النارية والمدفعية المدمرة من قبيل المعاملة بالمثل {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، فإنه لا يجوز لهم بحال من الأحوال أن يتجهوا في قتالهم بها إلى التعذيب والتشويه، فالإسلام يرفض هذا المسلك المتوحش، ويبقى منطلقه هو الإحسان إلى كل شيء، وخاصة الإنسان.

النهي عن التحريق بالنار: ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَذِنَ بالتحريق بالنار ثم نهى عنه، وروى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا تُعَذِّبُوا بعذابِ الله عز وجل". وهذا يدل على أن تعاليم النبي الكريم تقدمت وسبقت ما اتفقت عليه الدول من منع القنابل المحرقة ، علماً بأن الدول الكبيرة والقوية لم تلتزم بهذا المنع، بل بقي حبراً على ورق !

والنهي عن التحريق في الإسلام يشمل الحيوانات والهوام، ففي مسند الإمام أحمد وأبي داود والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمررنا بقرية نمل قد أُحرقت، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إنه لا ينبغي لبشرٍ أن يُعَذِّبَ بعذابِ الله عز وجل".

الإحسان في ذبح البهائم: وفي الإسلام آداب يلتزم بها المسلم عند الذبح وهي بمجموعها تجسيد عملي للإحسان والرفق، فمن ذلك أن يحدَّ الشفرة، ليكون الذبح بآلة حادة تريح الذبيحة بتعجيل زهوق روحها، ومن الآداب الرفق بالذبيحة، فتساق إلى الذبح سوقاً رفيقاً، وتوارى السكين عنها، ولا يُظهرْ السكين إلا عند الذبح.

كما يستحب أن لا يذبح ذبيحة بحضرة أخرى، ويوجه الذبيحة إلى القبلة، ويسمي عند الذبح، ويتركها إلى أن تبرد، ويستحضر نية القُرْبةَ، ويعترف لله تعالى بالمِنّة في ذلك، لأنه سبحانه سَخَّرَ لنا هذه البهائم وأنعم بها علينا. ومن الإحسان لها أن لا تُحَمَّل فوق طاقتها، ولا تركب واقفة إلا لحاجة، ولا يُحلب منها إلا ما لا يضرُّ بولدها.

 

ما يستفاد من الحديث

- الحرص على الإحسان في كل عمل.

التقويم

  1. وضح أهمية الحديث .

  2. يحث الإسلام على وجوب الإحسان فى كل شيء – وضح ذلك .

  3. وضح الوسائل العملية التي قمت بها لتحقيق الإحسان فى عمل ما .

  4. وضح مدى التزامك بالإحسان فى كل أعمالك .

 

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

عدد الفرائض

الفرائض التي فرضها الله تعالى في اليوم والليلة خمس : فعن ابن محيريز ، أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي ، سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد ، يقول : الوتر واجب قال : فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته ، فقال عبادة : كذب أبو محمد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، وقال فيه : ( ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئا استخفافا بحقهن ) . وعن طلحة بن عبيدالله أن اعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الشعر فقال : ( يا رسول الله أخبرني ما فرض الله علي من الصلوات ؟ فقال : ( الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا ) فقال : أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام ؟ . فقال : ( شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا ) . فقال : أخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة ؟ قال : فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام كلها . فقال : والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفلح إن صدق ، أو دخل الجنة إن صدق ) . رواه البخاري ومسلم .

 

مواقيت الصلاة

للصلاة أوقات محدودة لا بد أن تؤدى فيها ، لقول الله تعالى : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا )26 أي فرضا مؤكدا ثابتا ثبوت الكتاب . وقد أشار القرآن إلى هذه الاوقات فقال تعالى : ( وأقم الصلاة طرفي النهار27 وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين)28 . وفي سورة الاسراء : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل29 ، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا30 ) . وفي سورة طه : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى31 ) يعني بالتسبيح قبل طلوع الشمس : صلاة الصبح ، وبالتسبيح قبل غروبها : صلاة العصر ، لما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ هذه الاية ) . هذا هو ما أشار إليه القرآن من الاوقات .

وأما السنة فقد حددتها وبينت معالمها فيما يلي :

1 - عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وقت الظهر إذا زالت الشمس ، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق ، وقت العشاء إلى نصف الليل الاوسط ، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر وما لم تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة ، فإنها تطلع بين قرني شيطان ) ، رواه مسلم .

2 - وعن جابر بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام فقال له : ( قم فصله ، فصلى الظهر حين زالت الشمس ، ثم جاءه العصر فقال : قم فصله ، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله ، ثم جاءه المغرب فقال : قم فصله ، فصلى العشاء حين غاب الشفق ، ثم جاءه الفجر حين برق الفجر ، أو قال : ( سطع الفجر ) ثم جاءه من الغد للظهر فقال : قم فصله ، فصلى الظهر حين صار ظل كل شئ مثله ، ثم جاءه العصر فقال : قم فصله ، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثليه ، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه ، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل ، أو قال : ( ثلث الليل ) فصلى العشاء . ثم جاءه حين أسفر جدا فقال : قم فصله ، فصلى الفجر ، ثم قال : ( ما بين هذين الوقتين وقت ) رواه أحمد والنسائي والترمذي . وقال البخاري : هو أصح شئ في المواقيت ، يعني إمامة جبريل .

 

وقت الظهر

تبين من الحديثين المتقدمين ، أن وقت الظهر يبتدئ من زوال الشمس عن وسط السماء ، ويمتد إلى أن يصير ظل كل شئ مثله سوى فئ32 الزوال ، إلا أنه يستحب تأخير صلاة الظهر عن أول الوقت عند شدة الحر ، حتى لا يذهب الخشوع ، والتعجيل في غير ذلك . دليل هذا :

1 - ما رواه أنس قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة ، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة ) رواه البخاري .

2 - وعن أبي ذر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن فقال : أبرد ، مرتين أو ثلاثا ، حتى رأينا في التلول33 ثم قال : ( إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ) ، رواه البخاري ومسلم .

غاية الابراد: قال الحافظ في الفتح : واختلف العلماء في غاية الابراد . فقيل حتى يصير الظل ذراعا بعد ظل الزوال . وقيل : ربع قامة ، وقيل : ثلثها . وقيل : نصفها ، وقيل غير ذلك . والجاري على القواعد ، أنه يختلف باختلاف الاحوال ولكن بشرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت .

 

وقت صلاة العصر

وقت صلاة العصر يدخل بصيرورة ظل الشئ مثله بعده فئ الزوال ، ويمتد إلى غروب الشمس . فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ) . رواه الجماعة ، ورواه البيهقي بلفظ : ( من صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس ثم صلى ما تبقى بعد غروب الشمس لم يفته العصر ) . وقت الاختيار ووقت الكراهة وينتهي وقت الفضيلة والاختيار باصفرار الشمس ، وعلى هذا يحمل حديث جابر وحديث عبد الله بن عمر والمتقدمين . وأما تأخير الصلاة إلى ما بعد الاصفرار فهو وإن كان جائزا إلا أنه مكروه إذا كان لغير عذر . فعن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا . لا يذكر الله إلا قليلا ) رواه الجماعة ، إلا البخاري ، وابن ماجة .

قال النووي في شرح مسلم : قال أصحابنا للعصر خمسة أوقات : ( 1 ) وقت فضيلة . ( 2 ) واختيار . ( 3 ) وجواز بلا كراهة . ( 4 ) وجواز مع كراهة . ( 5 ) ووقت عذر ، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها . ووقت الاختيار ، يمتد إلى أن يصير ظل الشئ مثليه ، ووقت الجواز إلى الاصفرار ، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب ، ووقت العذر ، وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين العصر والظهر ، لسفر أو مطر ، ويكون العصر في هذه الاوقات الخمسة أداء ، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء .

تأكيد تعجيلها في يوم الغيم عن بريدة الاسلمي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال : ( بكروا بالصلاة في اليوم الغيم ، فإن من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله ) رواه أحمد وابن ماجة . قال ابن القيم : الترك نوعان : ترك كلي لا يصليها أبدا ، فهذا يحبط العمل جميعه ، وترك معين ، في يوم معين ، فهذا يحبط عمل اليوم ) .

صلاة العصر هي صلاة الوسطى

قال الله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) . وقد جاءت الاحاديث الصحيحة مصرحة بأن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى .

1 - فعن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الاحزاب : ( ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ) رواه البخاري ومسلم . ولمسلم وأحمد وأبي داود : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ) .

2 - وعن ابن مسعود قال : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس واصفرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى ، صلاة العصر ، ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا ) ، ( أو حشا أجوافهم وقبورهم نارا ) رواه أحمد ومسلم وابن ماجة .

 

وقت صلاة المغرب

يدخل وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس وتوارت بالحجاب ، ويمتد إلى مغيب الشفق الاحمر ، لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق ) رواه مسلم . وروي أيضا عن أبي موسى : أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة ، فذكر الحديث ، وفيه فأمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس34 ، فلما كان اليوم الثاني . قال : ثم أخر حتى كان عند سقوط الشفق35 ثم قال : الوقت ما بين هذين . قال النووي في شرح مسلم : ( وذهبت المحققون من أصحابنا إلى رجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق ، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك ، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت ) . وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره . وأما ما تقدم في حديث إمامة جبريل : أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس ، فهو يدل على استحباب التعجيل بصلاة المغرب ، وقد جاءت الاحاديث مصرحة بذلك:

1 - فعن السائب بن يزيد أن : رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم ) رواه أحمد والطبراني .

2 - وفي المسند ان ابن أبي أيوب الانصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا المغرب لفطر الصائم وبادروا طلوع النجوم ) .

3 - وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج : ( كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وانه ليبصر مواقع نبله ) .

4 - وفيه عن سلمة بن الاكوع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب . .

 

 

الحلقة

السادسة

والعشرون

 

الحلقة السادسة والعشرون

 

الدرس الأول :

الحديث الثامن عشر

تَقوَى اللهِ تَعَالَى وَحُسنُ الخُلُق

عن أبي ذَرٍّ جُنْدُب بِن جُنَادَة، وأبي عبد الرحمن مُعَاذ بِن جَبَلٍ رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتق الله حيثما كنت، وأَتْبِعِ السَّيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حسن صحيح.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس المقصود بتقوى الله عز وجل .

  2. أن يوضح الدارس فضل تقوى الله عز وجل .

  3. أن يوضح الدارس المقصود بـ " أتبع السيئة الحسنة تمحها ".

  4. أن يبادر الدارس بالتوبة والإنابة إلى الله عز وجل .

  5. أن يوضح الدارس المقصود بالخلق الحسن .

  6. أن يذكر الدارس وسائل اكتساب الخلق الحسن .

  7. أن يوضح الدارس مدى التزامه بآداب هذا الحديث .

مفردات الحديث:

"اتق الله": التقوى في اللغة: اتخاذ وقاية وحاجز يمنعك ويحفظك مما تخاف منه وتحذره، وتقوى الله عز وجل: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخشاه من عقاب الله وقاية تقيه وتحفظه منه، ويكون ذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. "حيثما كنت": أي في أي زمان ومكان كنت فيه، وَحْدَكَ أو في جمع، رآك الناس أم لم يَرَوْكَ.

"أتبعْ": ألحقْ، وافعل عقبها مباشرة. "السيئة": الذنب الذي يصدر منك.

"تمحها": تزيلها من صحائف الملائكة الكاتبين وترفع المؤاخذة عنها.

"خالِقْ": جاهد نفسك وتكلف المجاملة. "بخلق": الخلق الطبع والمزاج الذي ينتج عنه السلوك.

المعنى العام:

التقوى سبيل النجاة: أعظم ما يوجهنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية تقوى الله عز وجل، التي هي جماع كل خير والوقاية من كل شر، بها استحق المؤمنون التأييد والمعونة من الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النمل: 128]. ووعدهم عليها الرزق الحسن، والخلاص من الشدائد: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3]. وبها حفظهم من كيد الأعداء: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران:12.]. وجعل للمتقين حقاً على نفسه أن يرحمهم: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156].

فالتقوى ليست كلمة تقال، أو دعوى تُدعى دون برهان، بل هي عمل دائب في طاعة الله عز وجل، وترك صارم لمعصية الله تبارك وتعالى، ولقد فسر السلف الصالح التقوى بقولهم : أن يُطَاع اللهُ فلا يُعْصَى، ويُذْكَرَ فلا يُنْسَى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر. ولقد عملوا بهذا المعنى والتزموه، في سرهم وعلانيتهم، وكل حال من أحوالهم وشؤونهم، تنفيذاً لأمر الله تعالى وتلبية لندائه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 1.2].

ومن كمال التقوى: البعد عن الشبهات وما التبس بالحرام من الأمور: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". البخاري ومسلم. [ انظر الحديث رقم: 6 ].

كما يوجهنا الحديث إلى :

أن التوبة من الذنب الإسراع في عمل الخير لأن هذا خلق المؤمنين المتقين، وقد يغلب على الإنسان النسيان أو الغفلة، وقد تغريه نفسه أو يوسوس له شيطانه، فيقع في المعصية ويرتكب الذنب، ومن التقوى - عندئذ - أن يسارع إلى التوبة ويستغفر الله عز وجل إذا ذُكِّرَ أو نُبِّه، قال تعالى في وصف المتقين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]. ثم يبادر المسلم التقي، بعد التوبة والاستغفار، إلى فعل الخيرات والإكثار من الأعمال الصالحة، لتكفر عنه ذنبه وتمحوا ما اقترفه من إثم، واثقاً بوعد الله تعالى إذ قال: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]. ومستجيباً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها".

- التوبة شرط لتكفير الكبائر: أجمع المسلمون على أن الحسنات تُكَفِّر الذنوب الصغيرة، وأما الذنوب الكبيرة - وهي كل ذنب توعد الله تعالى عليه بالعقاب الشديد، كعقوق الوالدين، وقتل النفس، وأكل الربا، وشرب الخمر ونحو ذلك - فلا بد فيها من التوبة، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]. وهذا إذا كان الذنب لا يتعلق بحق العباد، فإن كان متعلقاً بحق العباد - كالسرقة والغصب والقتل ونحو ذلك - فلا بد فيها من أداء الحقوق لأهلها، أو طلب المسامحة منهم ومسامحتهم، فإذا حصل ذلك رُجي من الله تعالى القَبول ومحو الذنوب، بل تبديلها حسنات، قال الله تعالى:{ إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 7.].

- الأخلاق أساس قيام الحضارة الإنسانية: يوجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذه الوصية، إلى أمر فيه صلاح حياة الفرد واستقامة نظام المجتمع، ألا وهو معاملة الناس بالخلق الحسن الجميل، معاملة الإنسان للناس بما يحب أن يعاملوه به من الخير، حتى يصبحَ المسلمُ أليفاً، يُحبُّ الناسَ ويُحبونه، ويُكرمهم ويُكرمونه، ويُحسن إليهم ويُحسنون إليه .

وللأخلاق منزلة رفيعة في الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرُكم بأحبِّكم إلى الله، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة ؟. قالوا: بلى، قال: أحسنكم خلقاً" رواه ابن حبان في صحيحه.

- اكتساب الخلق الحسن: يمكن للإنسان أن يكتسب الأخلاق الحسنة الرفيعة، وذلك بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن خلقه، ولقد أمرنا الله عز وجل بذلك إذ قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

- ومن وسائل اكتساب الأخلاق الحميدة: صحبة الأتقياء والعلماء، وذوي الأخلاق الفاضلة، ومجانبة الأشرار وذوي الأفعال الدنيئة الرديئة.

- من مكارم الأخلاق: من حسن الخلق صلة الرحم، والعفو والصفح، والعطاء رغم المنع، روى الحاكم وغيره عن عقبة بن عامر الجُهَني رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عقبة، ألا أخبرُك بأفضلِ أخلاقِ أهل الدنيا والآخرة؟. تَصِلُ من قطعَكَ، وتعطي من حرمَكَ، وتعفو عمَّن ظلمَكَ" وفي رواية عند أحمد". وتصفحُ عمن شتمَكَ".

ومن حسن الخلق: بشاشة الوجه، والحلم والتواضع، والتودد إلى الناس وعدم سوء الظن بهم، وكفُّ الأذى عنهم. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". رواه مسلم.

 

التقويم

  1. وضح المقصود بتقوى الله عز وجل .

  2. وضح فضل تقوى الله عز وجل .

  3. وضح المقصود بـ " أتبع السيئة الحسنة تمحها ".

  4. أذكر الوسائل العملية التى تساعد على المبادرة بالتوبة والإنابة إلى الله عز وجل ؟

  5. وضح المقصود بالخلق الحسن .

  6. أذكر وسائل اكتساب الخلق الحسن .

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

وقت العشاء

يدخل وقت صلاة العشاء بمغيب الشفق الاحمر ، ويمتد إلى نصف الليل . فعن عائشة قالت : ( كانوا يصلون العتمة36 فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الاول ) رواه البخاري . وعن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لولا أن أشق على أمتي لامرتهن أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ) ، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه . وعن أبي سعيد قال : انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بصلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل قال : فجاء فصلى بنا ثم قال : ( خذوا مقاعدكم فإن الناس قد أخذوا مضاجعهم ، وإنكم لن تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة ، لاخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والنسائي وابن خزيمة وإسناده صحيح . هذا وقت الاختيار . وأما وقت الجواز والاضطرار فهو ممتد إلى الفجر ، لحديث أبي قتادة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الاخرى ) رواه مسلم . والحديث المتقدم في المواقيت يدل على أن وقت كل صلاة ممتد إلى دخول وقت الصلاة الاخرى ، إلا صلاة الفجر فإنها لا تمتد إلى الظهر ، فإن العلماء أجمعوا أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس .

استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها

والافضل تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقتها المختار ، وهو نصف الليل ، لحديث عائشة قالت : أعتم37 النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل38 ، حتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال : ( إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ) رواه مسلم والنسائي . وقد تقدم حديث أبي هريرة ، وحديث أبي سعيد ، وهما في معنى حديث عائشة ، وكلها تدل على استحباب التأخير وأفضليته ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك المواظبة عليه لما فيه من المشقة على المصلين ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاحظ أحوال المؤتمين ، فأحيانا يعجل وأحيانا يؤخر . فعن جابر قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة39 ، والعصر ، والشمس نقية ، والمغرب ، إذا وجبت الشمس40 ، والعشاء ، أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل ، إذا رآهم اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم أبطأوا أخر ، والصبح كانوا أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس41 ) ، رواه البخاري ومسلم .

 

النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها

يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها ، لحديث أبي برزة الاسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها . ورواه الجماعة . وعن ابن مسعود قال : جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السمر بعد العشاء ، ورواه ابن ماجة قال : جدب : يعني زجرنا ونهانا عنه . وعلة كراهة النوم قبلها والحديث بعدها : أن النوم قد يفوت على النائم الصلاة في الوقت المستحب أو صلاة الجماعة ، كما أن السمر بعدها يؤدي إلى السهر المضيع لكثير من الفوائد ، فإن أراد النوم وكان معه من يوقظه أو أو تحدث بخير فلا كراهة حينئذ . فعن ابن عمر قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في أمر من أمور المسلمين ، وأنا معه ) رواه أحمد والترمذي وحسنه ، وعن ابن عباس قال : ( رقدت في بيت ميمونة ليلة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ، لانظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل ، فتحدث النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد ) . رواه مسلم .

 

وقت صلاة الصبح

يبتدئ الصبح من طلوع الفجر الصادق ويستمر إلى طلوع الشمس ، كما تقدم في الحديث . استحباب المبادرة لها يستحب المبادرة بصلاة الصبح بأن تصلي في أول وقتها ، لحديث أبي مسعود الانصاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ، ولم يعد أن يسفر . رواه أبو داود والبيهقي ، وسنده صحيح . وعن عائشة قالت : ( كن نساء مؤمنات يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن42 ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس ) . رواه الجماعة . وأما حديث رافع بن خديج : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لاجوركم ) ، وفي رواية : ( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للاجر ) . رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان ، فإنه أريد به الاسفار بالخروج منها ، لا الدخول فيها : أي أطيلوا القراءة فيها ، حتى تخرجوا منها مسفرين ، كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يقرأ فيها الستين آية إلى المائة آية ، أو أريد به تحقق طلوع الفجر ، فلا يصلي مع غلبة الظن .

 

ادراك ركعة من الوقت

من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أدرك الصلاة ، لحديث أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) . رواه الجماعة . وهذا يشمل جميع الصلوات ، وللبخاري : ( إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ) والمراد بالسجدة الركعة ، وظاهر الاحاديث أن من أدرك الركعة من صلاة الفجر أو العصر لا تكره الصلاة في حقه عند طلوع الشمس وعند غروبها وإن كانا وقتي كراهة ، وأن الصلاة تقع أداء بإدراك ركعة كاملة ، وإن كان لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت .

 

النوم عن الصلاة أو نسيانها

من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها ، لحديث أبي قتادة قال : ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة فقال : ( إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة ، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ) ، رواه النسائي والترمذي وصححه . وعن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) ، رواه البخاري ومسلم . وعن عمران بن الحصين قال : سربنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس . فجعل الرجل منا يقوم دهشا إلى طهوره ، قال : فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكتوا ، ثم ارتحلنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلال فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر . ثم أقام فصلينا فقالوا : يا رسول الله ، ألا نعيدها في وقتها من الغد ؟ فقال : ( أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم ) . رواه أحمد وغيره .

 

الحلقة

السابعة

والعشرون

 

الحلقة السابعة والعشرون

 

الدرس الأول :

الحديث التاسع عشر

عَونُ اللهِ تَعالى وحِفْظُهُ ونصره وتأييده

عن أبي العَبَّاس عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْاسٍ رَضي اللهُ عنهما قال: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يًوْماً، فقال: " يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كلِماتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَك، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجاهَك، إذا سأَلْتَ فاسْأَلِ اللهَ، وإذا اسْتَعنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ، واعْلَمْ أنَّ الأُمَّة لَو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُـوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا على أن يَضُرَّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضُروكَ إلا بِشَيء قد كَتَبهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رواه الترمذي وقال:حديث حسن صحيحٌ .

وفي رواية غير الترمذي [رواية الإمام أحمد ]: "احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْكَ فـي الشِّدةِ، واعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، ومَا أَصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وأنَّ معَ الْعُسْرِ يُسْراً ".

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس كيف يحفظ الله تعالى .

  2. أن يستمد الدارس العون والنصرة من الله وحده .

  3. أن يعلم الدارس أن الأمر كله بيد الله وحده .

  4. أن يوضح الدارس ثمار الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره .

  5. أن يوضح الدارس مدى التزامه بما ورد فى هذا الحديث من آداب .

مفردات الحديث :

"احفظ الله": اعرف حدوده وقف عندها. "يحفظك": يصونك ويحميك في نفسك وأهلك، ودينك ودنياك.

"تُجاهك": أمامك، أي تجده معك بالحفظ والتأييد، والنصرة والمعونة حيثما كنت.

"رُفعت الأقلامُ": تركت الكتابة بها، والمراد أنه قد قدر كل شيء في علم الله تعالى وانتهى.

"جفَّت الصحف": المراد بالصحف ما كتب فيه مقادير المخلوقات كاللوح المحفوظ، وجفافها: انتهاء الأمر واستقراره، فلا تبديل فيها ولا تغيير.

المعنى العام:

اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه الأمة، وتنشئة الجيل المؤمن المثالي:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً أن يغرس العقيدة السليمة في نفوس المؤمنين، وخاصة الشباب منهم.

وكان مرة قد أردف خلفه ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فوجَّه إليه تلك النصائح الرائعة، التي من شأنها أن تجعل المسلم يلتزم أوامر الله تعالى، ويستمد العون والنصرة منه وحده، فيصبح شجاعاً مقداماً، لا ترهبه المواقف ولا تخيفه المخاطر، يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم، إذ علم أن الأمر كله بيد الله العزيز الحكيم، وأنه لا يملك أحد من الناس ضراً ولا نفعاً لأحد إلا بإذن الله تعالى.

- احفظ الله يحفظك: التزم أوامر الله تعالى، فقف عند حدوده فلا تقربها، وإياك أن تتعداها، وقم بما فرض عليك ولا تتهاون به، وابتعد عما نهاك عنه واجعل بينك وبينه حجاباً، وانظر عندها كيف يحفظ الله تعالى عليك دينك، ويصون عقيدتك من الزيغ، ويقيك من هواجس النفس ورجس الضلال، وكيف يحميك من شرار الخلق، ويمنعك من شياطين الإنس والجن، ويدفع عنك كل أذى أو ضيم.

وإن أنت حفظت الله تعالى في دنياك حفظك في آخرتك، فوقاك من النار وأعدّ لك جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين: تناديك الملائكة مرحبة ومكرمة: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 32-35]. وفاءً بما بشَّرك به الله تعالى إذ قال:{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].

- نصرة الله تعالى وتأييده: من حفظ الله تعالى كان معه، يعينه وينصره، ويحميه ويؤيده، ويوفقه ويسدده، كلما حلك الظلام أو ضاقت به الأحوال: "احفظ الله تجده تجاهك" تجده معك حارساً وحامياً، وعضداً وسنداً: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]{إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

- التوجه إلى الله تعالى وحده بالاستعانة والدعاء والسؤال: يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه- ومن على طريقه من المؤمنين الصادقين- أن يكون توجهه دائماً وأبداً إلى الله سبحانه وتعالى العلي القدير، ومنه وحده يطلب العطاء، وبه يستغاث ويستعان، فلا يسأل سواه، ولا يستمد العون من غيره، كما لا يتوجه بالدعاء والشكر إلا إليه، ولا ترجى المغفرة إلا لديه، ولا يركع أو يسجد إلا بين يديه "إذا سألت فاسأل الله.

السؤال ممن لا يملّ العطاء: من كمال التوحيد ترك سؤال الناس، وأن يطلب المسلم من الله وحده في كل شأن من الشؤون، لأنه سبحانه هو الذي الحَّ على عباده أن يسألوه، قال تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [ النساء: 32].

وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سَلُوا الله من فضله، فإن الله يُحبُّ أن يُسأل". وهو سبحانه الذي لا يمل سؤالاً ولا طلباً، لأن خزائنه ملأى لا تنفذ: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [ النحل:96].

سؤال غير الله ذلة ومهانة: إن الناس إذا سئلوا: فإما أن يعطوا وإما أن يمنعوا، وهم إن أعطوا مَنَّوا، وإن منعوا، أهانوا وأذلوا، وكل ذلك مما يحز في نفس المسلم ويدخل عليه المقت والكرب، ويحط من كرامته، وينال من عزته، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم ربما أخذ العهد على من يبايعه على الإسلام أن لا يسأل الناس شيئاً، وقد بايع جماعة من الصحابة على ذلك، منهم: أبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وعوف بن مالك، رضي الله عنهم.

- الاستعانة بالقوي الذي لا يُغْلَب: الاستعانة إنما بالقوي القادر على الإعانة، والعبد يحتاج إلى الإعانة في كل كبير وصغير، ولا قادر على ذلك إلا الله سبحانه، وغيره عاجز عن أن يدفع عن نفسه ضراً أو يجلب لها نفعاً، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول: {إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 16.].

الاستعانة بغير الله عز وجل استكانة وضعف: إن الاستعانة تستدعي إظهار ضعف المستعين وحاجته ومسكنته، وهذا تذلل وافتقار لا يكون إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة، فإن كان لغيره تعالى كان ذلاً واستكانة لا جدوى منها.

- الإيمان بالقضاء والقدر سكينة واطمئنان: بعد الثقة بحفظ الله تعالى وتأييده، والاعتماد عليه وحده في كل الشؤون، لا يُبالي العبد المؤمن بما يدبره الخلق أو يفعله العبد، بل فليعلم أن الخير والشر بتقدير الله تعالى، وأن النفع والضر بإرادته، وليس للعالمين من الأمر شيء: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]. وإنما العباد أسباب لينالوا الثواب أو يستحقوا العقاب: "واعلمْ أن الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضُّروك بشيءٍ لم يضُّروك إلا بشيء قد كتبَه الله عليك". {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17].

فلا يستطيع أحد أن يسبب لك أذى لم يقدره الله عليك ، بل يدفعه الله سبحانه عنك ، وكذلك إذا أغراك أحد بالنفع فلا يمكن أن يحقق لك ما يعدك به، إذا كان الله سبحانه لم يرده لك: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [ الحديد:22]{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].

روى أحمد وغيره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتى يعلمَ أنَّ ما أصابَه لم يكنْ ليخطَئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبَه".

- إيمان لا استسلام ، وتوكل لا تواكل : إن الإيمان بالقضاء والقدر، بالمعنى الذي سبق، يدلنا على بطلان ادعاء أولئك الجبناء المتخاذلين، المستسلمين لشهواتهم وأهوائهم، عندما يحتجون لانحرافهم وضلالهم، واستمرارهم على المعصية وإصرارهم، ويحتجون بتقدير الله تعالى ذلك عليهم، في حال أن الله تعالى- الذي أمرنا بالأيمان بقضائه وقدره- أمرنا بالعمل فقال سبحانه: {وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} [التوبة: 1.5]. ورسوله صلى الله عليه وسلم، الذي هو قدوتنا في كل شيء، أبان لنا أن على المسلم أن يأخذ بالأسباب، من العمل والسعي وبذل الجهد، فمن ترك الأسباب محتجاً بالقدر فقد عصى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وخالف شرعة الإسلام، لأن ترك الأسباب تواكل وكسل لا يرتضيه الإسلام، والأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله تعالى وحده في تحقيق النتائج توكل وأيمان، روى مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ".

- النصر مع الصبر: إن حياة الإنسان معارك متنوعة، يتعرض فيها لأعداء كثيرة ومتلونة، وإن انتصاره في هذه المعارك مرتبط بمدى صبره مترتب عليه. فالصبر هو طريق الظفر بالمطلوب، وهو السلاح الفعال لقهر العدو بمختلف أشكاله، خفياً كان أم ظاهراً، لذا جعله الله عز وجل مادة الاختبار لعباده في هذه الحياة، ليميزَ الخبيث من الطيب، ويعلم الصادق المتيقن من المنافق المرتاب: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]. {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [أل عمران: 186]. أي من الأمور التي ينبغي أن يعزم عليها كل عاقل ويوطن نفسه عليها، لما فيها من كمال المزية والشرف.

ونحن لو استعرضنا آيات الله عز وجل، وأحاديث رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، لوجدنا أن كلمة الصبر ترد في مواطن عدة، كلها تلتقي على المعنى المذكور للصبر، وتهدف إلى غاية واحدة وتحقق النتيجة نفسها، ألا وهي الفوز والانتصار. ومن هذه المواطن:

أ- الصبر على فعل الطاعة وترك المعصية

ب- الصبر على المصائب

ج- الصبر في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

د- الصبر في ميادين القتال ومنازلة الكفار

ثمرات الصبر:

إنك تستوحي مما سبق أن من ثمرات الصبر: الرضا، والطمأنينة، والشعور بالسعادة، وتحقيق العزة والكرامة والخير، واستحقاق التأييد من الله عز وجل، والعون والنصرة والمحبة، وفوق هذا كله تلك الثمرة الأخروية، التي تتمثل بذلك النعيم المقيم، الذي يحوزونه موَفَّراً بغير حساب: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ الزمر:1.] في جنة عرضها السماوات والأرض.

ويتوجه رب العزة بالمغفرة والفوز والرضوان: {إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 111] {وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [ البقرة: 155-156-157].

الفرج مع الكرب:

قد تتوالى على الإنسان مصائب ومحن ويتعرض لصنوف البلاء، وتشتد عليه الأمور وتضيق به، حتى يصل إلى حال من شأنها أن تجعل الحزن والغم يأخذ بنفسه ويقع في الكرب، وكل ذلك اختبار من الله سبحانه، وحتى يشق المؤمن طريقه إلى الجنة بجدارة، فإذا نجح في الامتحان، فصبر واحتسب على النحو الذي علمت، ولم يضجر ولم ييأس، وأدرك أن كل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، فرضى به واطمأنت إليه نفسه، وتداركته عناية الله تعالى، فكشفت ما به من غم، وأجلت من نفسه كل حزن، وخلصته من كل ضيق، وأنقذته من كل أسى، وكان النصر المبين والفوز العظيم في الدنيا والآخرة. وعندها يستبين لهذا العبد المؤمن التقي: أن النور ينبثق من باطن الظلمة، وأن الغيث يخرج من الغيوم القاتمة، وأن ما كان فيه من كرب إنما هو لخير أُريد به، وأن الفرج في طياته وجنباته، وأن ذلك لم يكن إلا لينقطع العبد الصادق عن كل ما سوى الله عز وجل، ويرتبط قلبه بخالقه وحده، الذي استيقن أن الأمر كله بيده. واقرأ في هذه المعاني قول الله عز وجل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [ البقرة: 214].

ما يستفاد من الحديث:

1- يحسن للمعلم أن يلفت انتباه المتعلم، ويذكر له أنه يريد أن يعلمه، قبل أن يبدأ بإعطاء المعلومات إليه، ليكون أوقع في نفسه، ويشتد شوقه للعلم ويقبل عليه برغبة.

2- من كان على حق ودعا إليه، أو أمر بالمعروف، أو نهى عن المنكر، فإنه لا يضره كيد الظالمين ولا مكر أعداء الله المبطلين.

3- على المسلم أن يقومَ بواجبه من فعل الطاعات، وترك المنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون أن يصغي لمن يخيفه من العواقب، من ضعفاء الإيمان واليقين، لأن ما قُدِّر له لا بد أن يصيبه.

4- التوجه إلى الله تعالى وحده بالاستعانة والدعاء والسؤال .

5- احفظ الله تعالى في دنياك يحفظك في دنياك وفى آخرتك .

6- النصر مع الصبر والفرج مع الكرب فدرب نفسك على الصبر بكل صوره .

 

التقويم

  1. ما المعينات التى تأخذ بها لتحقيق الالتزام بأوامر الله تعالى والوقوف عند حدوده ؟

  2. يجب على المسلم أن يستمد العون والنصرة من الله وحده – أذكر موقفاً عملياً قمت به حققت من خلاله هذا المعنى .

  3. يحث الإسلام المسلم أن يكون شجاعاً مقداماً لا ترهبه المواقف ولا تخيفه المخاطر – وضح ذلك .

  4. يربي الإسلام فى المسلم : أن يعلم أن الأمر كله بيد الله وحده – وضح ذلك .

  5. وضح مدى التزامك بما ورد فى هذا الحديث من آداب .

الدرس الثاني :

 

ثانيا : التعفف

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس معنى التعفف .

  2. أن يوضح الدارس أنواع العفة .

  3. أن يذكر الدارس بعض الأحاديث الواردة فى العفة .

  4. أن يوضح الدارس نماذج فى العفة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والصالحين .

************************************

1- معنى التعفف :

أ- لغة :

-الكف عن القبيح

-و يقول بن منظور : العفة هي الكف عما لا يحل و لا يجمل و العفة أيضا النزاهة

-يقول تعالى " و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا " 43 أي ليضبط نفسه بمثل الصوم فإنه وجاء و كذلك في الحديث " و من يستعفف يعفه الله "

-الاستعفاف : الصبر و النزاهة عن الشيء و منه الحديث " اللهم إني أسألك العفاف و الغنى "

ب- اصطلاحا :

-قال الراغب : العفة هي حصول حالة في النفس تمنع بها عن غلبة الشهوة , و قال أيضا : العفة هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية

-و قال الكفوي : العفة هي الكف عما لا يحل

-و قال الجاحظ : هي ضبط النفس عن الشهوات

 

2- أنواع العفة :

أ- عفة عن المحارم 44 :

و هي تشمل عدة أنواع

  1. ضبط الفرج و حفظه عما حرم الله و ذلك لأن عدمه مع وعيد الشرع و زاجر العقل معرة فاضحة .45

  2. كف اللسان فهو لا يكذب و لا ينم و لا يسخر من أحد و يتجنب الألفاظ النابية و يتجنب كل آفات اللسان التي تؤدي إلى هلاك الانسان كما أن عدم كف اللسان ملاذ السفهاء و انتقام أهل الغوغاء .

  3. غض البصر : قال تعالى " و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضلة "46 أي على المؤمنين و المؤمنات الذين لا يجدون الوسائل التي توصلهم إلى الزواج أن يتحصنوا بالعفاف و أن يصونوا أنفسهم عن الفواحش و أن يستمروا في ذلك حتى يرزقهم الله تعالى من فضله . كما أن غض البصر أمر صريح من الله تعالى للمؤمنين فقال تعالى " و قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم " . و لقد أعطانا القرآن أروع صورة للتعفف عن الفاحشة في قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز حيث يقول سبحانه " و راودته الني هو في بيتها عن نفسه و غلقت الأبواب و قالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون" .

  4. ضبط شهوة البطن : المعروف أن عددا كبير من الأمراض الشديدة و العلل المنهكة ينشأ من اكتظاظ المعدة بما لا تطيق هضمه و لذلك جاء في الحديث " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه " 47 و لذلك يجب على الانسان ألا يكون عبد بطنه يعيش في الدنيا ليأكل ، يغدوا و يروح و ليس له من هم إلا أن يجمع على مائدته ألوان الطعام . و إن الرجال الذين يمعنون في التشبع و الامتلاء و يبتكرون في وسائل الطهي لا يصلحون لأعمال جليلة و لا ترشحهم هممهم القاعدة لجهاد أو تضحية . و تخفيف الانسان من مقادير الأطعمة لا يتم بالتزهد المجرد أو الامتناع لغير سبب مفهوم بل الطريق الصحيحة أن يربط الانسان همته بمطمح كبير ثم ينشغل بتحصيلة فإن هذا يصرفه عن فنون اللهو و أنواع الملذات الرخيصة .و ليس معنى هذا أن يبتعد المسلم عن الحياة فإن الاسلام لا يقصد شيء من ذلك فتحريم الحلال كتحليل الحرام ، " ليس على الذين ءامنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و ءامنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و ءامنوا و أحسنوا و الله يحب المحسنين "48

  5. الاعتدال في ارتداء الملابس : فإن الاسلام يوصي بالاعتدال في ارتداء الملابس و يكره للرجل أن يباهي بها أو يختال فيها فهو لا يعتبر حسن البزة 49 من عناصر الرجولة أو مقومات الخلق العظيم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم "رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره "50 . و إنه لمن الحماقة أن يجعل الشاب من جسمه معرض أزياء ، يترقب نظرات الإعجاب تنهال عليه من هنا و هناك .إن هناك فتيانا أغرارا يقضون الساعات الطوال في البيوت ليس لهم من عمل إلا استكمال وجاهتهم و الاطمئنان إلى أناقتهم . و لو أنهم كلفوا ببذل هذا الوقت في التزود من العلم و التفقه في الدين لنفروا و نكصوا . و قد ندد الاسلام بهذا الطيش و نفر المسلمين منه فقال صلى الله عليه و سلم " من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة و ألهب فيه نارا " 51. و لا يستنتج من هذا أن الاسلام يحب الملابس الزرية أو يرحب بالهيئات المستكرهة أو يندب إلى لبس المرقعات و ارتداء الخرق البالية . فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و عليه ثوب دون فقال له " ألك مال ؟ قال نعم ، قال من أي المال ؟ قال من كل المال قد أعطاني الله تعالى ، قال (فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك و كرمه )"52 فالإسلام كما رأيت يستحب لأتباعه التجمل و حسن السمت و الفرق كبير بين إنسان يزخرف ظاهره و يهمل باطنه و ينفق خير وقته و ماله في رياش يلصقها بجسمه . و آخر يجعل أكبر همه صيانة حقيقته و استكمال مروءته ثم لا ينسى في زحمة الواجبات ارتداء ما يجمل به و يلقى الناس فيه .53

 

 

الحلقة

الثامنة

والعشرون

 

الحلقة الثامنة والعشرون

الدرس الأول :

الحديث العشرون

الحَياءُ مِنَ الإِيمَان

عن أبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بن عمرو الأَنْصَارِيّ البَدْرِيّ رضي اللهُ عنه قال : قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مما أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوةِ الأولى: إِذا لمْ تَسْتَحْ فاصْنَعْ ما شِئْتَ". رواه البخاري.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس أهمية الحديث .

  2. أن يوضح الدارس أنواع الحياء .

  3. أن يذكر الدارس ثمرات الحياء

  4. أن يوضح الدارس ما يذم من الحياء .

  5. أن يوضح الدارس مدى التزامه بما جاء فى هذا الحديث من آداب .

  6. أن يوضح الدارس كيف يدرب نفسه على هذه الآداب .

أهمية الحديث:

إذا كان معنى الحياء امتناع النفس عن فعل ما يعاب، وانقباضها من فعل شيء أو تركه مخافة ما يعقبه من ذم، فإن الدعوة إلى التخلق به وملازمته إنما هي دعوة إلى الامتناع عن كل معصية وشر، وإلى جانب ذلك فإن الحياء خصلة من خصال الخير التي يحرص عليها الناس، ويرون أن في التجرد عنها نقصاً وعيباً، كما أنه من كمال_الإيمان وتمامه.

مفردات الحديث:

"من كلام النبوة": مما اتفق عليه الأنبياء، ومما ندب إليه الأنبياء.

"فاصنع ما شئت": صيغة الأمر هنا: إما أن تكون على معنى التهديد والوعيد، والمعنى : إذا نُزِعَ منك الحياء فافعل ما شئت فإنك مجازى عليه. وإما أن تكون على معنى الإباحة، والمعنى : إذا أردت فعل شيء وكان مما لا تستحي من فعله أمام الله والناس فافعله.

معنى الحديث:

"فاصنع ما شئت". أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: إذا لم يكن عندك حياء فاعمل ما شئت، فإن الله سيجازيك أشد الجزاء، وقد ورد مثل هذا الأمر في القرآن الكريم خطاباً للكفار {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 4.].

الحياء نوعان:

أحدهما الحياء الفطري: وهو ما كان خَلْقاً غير مكتسب، يرفع من يتصف به إلى أَجَلِّ الأخلاق، التي يمنحها الله لعبد من عباده ويفطره عليها، والمفطور على الحياء يكف عن ارتكاب المعاصي والقبائح ودنيء الأخلاق، ولذا كان الحياء مصدر خير وشعبة من شعب الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من شعب الإيمان".

وثانيهما الحياء المكتسب: وهو ما كان مكتسباً من معرفة الله ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه سبحانه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، والمسلم الذي يسعى في كسب وتحصيل هذا الحياء إنما يحقق في نفسه أعلى خصال الإيمان وأعلى درجات الإحسان.

وإذا خلت نفس الإنسان من الحياء المكتسب، وخلا قلبه من الحياء الفطري، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والدنيء من الأفعال، وأصبح كمن لا إيمان له من شياطين الإنس والجن.

ما يذم من الحياء: عندما يكون الحياء امتناع النفس عن القبائح والنقائص فإنه خُلُقٌ يُمدح في الإنسان، لأنه يكمل الإيمان ولا يأتي إلا بخير، أما عندما يصبح الحياء زائداً عن حده المعقول فيصل بصاحبه إلى الاضطراب والتحير، وتنقبض نفسه عن فعل الشيء الذي لا ينبغي الاستحياء منه، فإنه خلق يذم في الإنسان، لأنه حياء في غير موضعه، وخجل يحول دون تعلم العلم وتحصيل الرزق، وقد قيل: حياء الرجل في غير موضعه ضعف. فإن الحياء الممدوح الذي يحث على فعل الجميل وترك القبيح، فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء، فإنما هو ضعف وخَوَر.

تتزين المرأة المسلمة بالحياء، وتشارك الرجل في إعمار الأرض وتربية الأجيال بطهارة الفطرة الأنثوية السليمة، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم، ولكنها لطهارتها واستقامتها لا تضطرب، الاضطرابَ الذي يطمع ويغري ويهيج، إنما تتحدث في وضوح بالقدر المطلوب ولا تزيد.

ثمرات الحياء: من ثمرات الحياء العفة، فمن اتصف بالحياء حتى غلب على جميع أفعاله، كان عفيفاً بالطبع لا بالاختيار.

ما يستفاد من الحديث : يرشدنا إلى أن الحياء خير كله، ومن كثر حياؤه كثر خيره، ومن قل حياؤه قل خيره. لا حياء في تعليم أحكام الدين، ولا حياء في طلب الحق.

 

التقويم

  1. وضح أهمية الحديث .

  2. وضح أنواع الحياء .

  3. أذكر ثمرات الحياء

  4. وضح ما يذم من الحياء .

  5. وضح واجب الآباء والمربين فى المجتمع المسلم تجاه خلق الحياء .

  6. وضح مدى التزامك بما جاء فى هذا الحديث من آداب .

  7. وضح كيف تدرب نفسك على هذه الآداب .

 

المصادر

  1. الوافي في شرح الأربعين النووية للدكتور/ مصطفى البُغَا ، محي الدين مستو . دار ابن كثير دمشق بيروت

  2. شرح متن الأربعين النووية للإمام النووي . دار التوزيع والنشر الإسلامية.

الدرس الثاني :

صفة صلاة النبي – سيد سابق

الاذان

( 1 ) الاذان : هو الاعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة . ويحصل به الدعاء إلى الجماعة وإظهار شعائر الاسلام ، وهو واجب أو مندوب . قال القرطبي وغيره . الاذان - على قلة ألفاظه - مشتمل على مسائل العقيدة ، لانه بدأ بالاكبرية ، وهي تتضمن وجود الله وكماله ، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك ، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة ، لانها لا تعرف إلا من جهة الرسول ، ثم دعا إلى الفلاح ، وهو البقاء الدائم ، وفيه الاشارة إلى المعاد ، ثم أعاد ما أعاد توكيدا . .

 

( 2 ) فضل الاذان : ورد في فضل الاذان والمؤذنين أحاديث كثيرة نذكر بعضها فيما يلي :

1 - عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو يعلم الناس ما في الاذان والصف الاول54 ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير55 لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا56 ) رواه البخاري وغيره .

2 - وعن معاوية : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة ) ، رواه أحمد ومسلم وابن ماجه .

3 - وعن البراء بن عازب : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم ، والمؤذن يغفر له مد صوته ، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس ، وله مثل أجر من صلى معه ) . قال المنذري : رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن جيد .

4 - وعن أبي الدرداء قال ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من ثلاثة لا يؤذنون ، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ) رواه أحمد .

5 - وعن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الامام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الائمة واغفر للمؤذنين ) .

6 - وعن عقبة بن عامر قال ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( يعجب ربك عزوجل من راعي غنم في شظية57 بجبل يؤذن الصلاة ويصلي ، فيقول الله عزوجل : انظروا لعبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني ! قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي . ( هامش ) ( الشظية ) : القطعة تنقطع من الجبل ولا تنفصل عنه .

 

( 3 ) سبب مشروعيته : شرع الاذان في السنة الاولى من الهجرة . وكان سبب مشروعيته لما بينته الاحاديث الاتية :

1 - عن نافع : أن ابن عمر كان يقول : كان المسلمون يجتمعون فيتحينون الصلاة58 وليس وليس ينادي بها أحد ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى . وقال بعضهم : بل قرنا مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا بلال قم فنادي بالصلاة ) رواه أحمد والبخاري .

2 - وعن عبد الله بن عبد ربه قال : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليضرب به الناس في الجمع للصلاة ، وفي رواية ، وهو كاره لموافقته للنصارى ، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده . فقلت له : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال : ماذا تصنع به ؟ قال : فقلت : ندعو به إلى الصلاة قال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ فقلت له : بلى . قال : تقول : ( الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر . أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة . حي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ) ثم استأخر غير بعيد ثم قال : ( تقول إذا أقيمت الصلاة : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ) . فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت . فقال : ( إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى59 صوتا منك ) قال : فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال : فسمع بذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول . والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أرى . قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( فلله الحمد ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والترمذي وقال : حسن صحيح .

 

 

( 4 ) كيفية الاذان : ورد الاذان بكيفيات ثلاث نذكرها فيما يلي :

أولا : تربيع التكبير الاول وتثنية باقي الاذان بلا ترجيع ما عدا كلمة التوحيد ، فيكون عدد كلماته خمس عشرة كلمة . لحديث عبد الله بن زيد المتقدم .

ثانيا : تربيع التكبير ، وترجيع كل من الشهادتين ، بمعنى أن يقول المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، يخفض بها صوته ، ثم يعيدها مع الصوت . فعن أبي محذورة : أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاذان تسع عشرة كلمة . رواه الخمسة وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

ثالثا : تثنية التكبير مع ترجيع الشهادتين فيكون عدد كلماته سبع عشرة كلمة ، لما رواه مسلم عن أبي محذورة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه هذا الاذان : ( الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم يعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين ، حي على الصلاة مرتين ، حي على الفلاح مرتين ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ) .

 

( 5 ) التثويب : ويشرع للمؤذن التثويب ، وهو أن يقول في أذان الصبح - بعد الحيعلتين - : ( الصلاة خير من النوم ) قال أبو محذورة : يا رسول الله : علمني سنة الاذان ؟ فعلمه وقال ( فإن كان صلاة الصبح قلت : الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ) رواه أحمد وأبو داود . ولا يشرع لغير الصبح .

 

( 6 ) كيفية الاقامة : ورد للاقامة كيفيات ثلاث . وهي :

أولا : تربيع التكبير الاول مع تثنية جميع كلماتها ، ما عدا الكلمة الاخيرة لحديث أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الاقامة سبع عشرة كلمة : الله أكبر أربعا ، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين ، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين ، حي على الصلاة مرتين ، حي على الفلاح مرتين ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . ) رواه الخمسة وصححه الترمذي .

ثانيا : تثنية التكبير الاول والاخير وقد قامت الصلاة ، وإفراد سائر كلماتها فيكون عددها إحدى عشرة كلمة . وفي حديث عبد الله زيد المتقدم : ثم تقول إذا أقمت : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله .

ثالثا : هذه الكيفي كسابقتها ما عدا ( كلمة قد قامت الصلاة ) فيها لا تثنى ، بل تقال مرة واحدة ، فيكون عددها عشر كلمات وبهذه الكيفية أخذ مالك لانها عمل أهل المدينة ، إلا أن ابن القيم قال : لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إفراد كلمة قد قامت الصلاة البتة ، وقال ابن عبد البر : هي مثناه على كل حال .

 

 

الحلقة

التاسعة

والعشرون

 

الحلقة التاسعة والعشرون

 

الدرس الأول :

العقيدة

 

الركن الرابع : الإيمان بالرسل والأنبياء

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح المقصود بالإيمان بالرسل .

  2. أن يوضح كيف نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.

  1. أن يوضح كيف نؤدى حق النبى .

د- أن يراجع نفسه .. هل يؤدى حق النبى .

هـ- إن يذكر بعض معجزات الرسل .

 

أ- المقصود بالإيمان بالرسل والأنبياء :

الإيمان بالرسل والأنبياء واجب ؛ لأنه أصل من أصول الدين من أخل به كفر، قال تعالى : "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ " ( البقرة 285 )

ويجب الإيمان إجمالاً بجميع أنبياء الله ورسله بدون حصر؛ لأن حصرهم غير معلوم بنص القرآن ، لقوله عز وجل: "ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا.رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" ( النساء 164-165)

* ويجب الإيمان تفصيلاً بالمرسلين الذين ورد ذكرهم فى القرآن الكريم ، وعددهم أربعة وعشرون، وهم حسب ترتيب وجودهم :

آدم- إدريس- نوح- هود- صالح- إبراهيم- لوط- إسماعيل- إسحاق- يعقوب- يوسف- أيوب- شعيب- موسى- هارون- يونس- داود- سليمان- إلياس- اليسع- زكريا- يحيى-عيسى- محمد عليهم الصلاة والسلام. وعدّ أكثر المفسرين منهم (ذا الكفل) فيكون عددهم خمسة وعشرين رسولاً.

* وأولو العزم من الرسل عددهم خمسة على الترتيب الآتى مبدوءًا بأعلاهم منـزلة: محمد- إبراهيم- موسى- عيسى- نوح ، عليهم الصلاة والسلام ، قال تعالى: "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ" (الأحقاف 35) وسُموا بذلك ؛ لأنهم صبروا على أذى قومهم ، وصبروا على المشاق والمتاعب، وتحملوا أكثر من غيرهم.

لذلك كله تجد العلماء عرفوا للرسل مكانتهم ، ووضعوهم فى الموضع اللائق بهم بالنسبة لحاجة الناس إليهم، وضرورة الأخذ بما جاءوا به من دين ، فيقول ابن القيم فى ذلك : "إنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا فى الدنيا ولا فى الآخرة إلا على أيدى الرسل ، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم ، ولا يُنَال رضا الله البتة إلا على أيديهم ، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم ، وما جاءوا به ، فهم الميزان الراجح الذى على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال ، وبمتابعتهم يُمَيَّز أهل الهدى من أهل الضلالة، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها ، والروح إلى حياتها، فأية ضرورة وحاجة فُرِضَت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير"

وإذا كانت سعادة العبد فى الدارين معلقة باقتفاء آثارهم خصوصا إمامهم النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف مِن هديهم وسيرتهم وشأنهم ، ما يخرج به عن الجاهلية، ويدخل به فى عداد أتباعهم وشيعتهم وحزبهم. والناس فى هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم . (العقائد الإسلامية)

ب- وأما الايمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم:

فنؤمن أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: " ولكن رسول الله وخاتم النبيين " ( الأحزاب جزء من الآية 4. ) وقال صلى الله عليه وسلم: " مثلى ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " رواه مسلم

كما يجب أن نعتقد أنه مبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى ، فقد حكى الحق سبحانه وتعالى قول الجن : " يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم " (الأحقاف 31)

وأنه عليه الصلاة والسلام مبعوث للناس جميعاً قال تعالى : " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا " (سبأ 23)

وقوله :" قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً " (الأعراف 158) وقوله صلى الله عليه وسلم: " فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لى الغنائم ، وجعلت لى الأرض مسجداً وطهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بىّ النبيون " رواه مسلم

 

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 7 ) الذكر عند الاذان : يستحب لمن يسمع المؤذن أن يلتزم الذكر الاتي :

1 - يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين ، فإنه يقول عقب كل كلمة : لا حول ولا قوة إلا بالله . فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول الموذن ) رواه الجماعة . وعن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر ) ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال : لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله ، من قبله ، دخل الجنة ) رواه مسلم وأبو داود . قال النووي : قال أصحابنا : وإنما استحب للمتابع أن يقول مثل المؤذن في غير الحيعلتين فيدل على رضاه به وموافقته على ذلك أما الحيعلة فدعاء إلى الصلاة ، وهذا لا يليق بغير المؤذن ، فاستحب للمتابع ذكر آخر ، فكان لا حول ولا قو إلا بالله ، لانه تفويض محض إلى الله تعالى . وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الاشعري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، كنز من كنوز الجنة . ) قال أصحابنا : ويستحب متابعته لكل سامع ، من طاهر ومحدث ، وجنب وحائض ، وكبير وصغير ، لانه ذكر ، وكل هؤلاء من أهل الذكر . ويستثنى من هذا المصلي ، ومن هو على الخلاء ، والجماع ، فإذا فرغ من الخلاء تابعه فإذا سمعه وهو في قراءة أو ذكر أو درس أو نحو ذلك ، قطعه وتابع المؤذن ثم عاد إلى ما كان عليه إن شاء ، وإن كان في صلاة فرض أو نفل ، قال الشافعي والاصحاب : لا يتابعه ، فإذا فرغ منها قاله ، وفي المغني : دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره ، ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين ، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة فلا بأس ، نص عليه أحمد .

2 - أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الاذان بإحدى الصيغ الواردة ، ثم يسأل الله له الوسيلة ، لما رواه عبد الله بن عمرو : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي ) رواه مسلم . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة ) رواه البخاري .

 

( 8 ) الدعاء بعد الاذان : الوقت بين الاذان والاقامة ، وقت يرجى قبول الدعاء فيه فيستحب الاكثار فيه من الدعاء . فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يرد الدعاء بين الاذان والاقامة ) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وزاد ( قالوا : ما ذا نقول يا رسول الله ؟ قال : ( سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والاخرة ) ، وعن عبد الله بن عمرو : أن رجلا قال : يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه ) رواه أحمد وأبو داود . وعن سهل بن سعد قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثنتان لا تردان - أو قال ما تردان - الدعاء عند النداء ، وعند البأس ، حين يلحم بعضهم بعضا ) رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن أم سلمة قالت : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أذان المغرب : ( اللهم إن هذا إقبال ليلك ، وإدبار نهارك ، وأصوات دعاتك فاغفر لي ) .

 

( 9 ) الذكر عند الاقامة : يستحب لمن يسمع الاقامة أن يقول مثل ما يقول المقيم . إلا عند قوله : قد قامت الصلاة ، فإنه يستحب أن يقول : أقامها الله وأدامها ، فعن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن بلالا أخذ في الاقامة ، فلما قال : قد قامت الصلاة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أقامها الله وأدامها ) إلا الحيعلتين ، فإنه يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله .

 

( 10 ) ما ينبغي أن يكون عليه المؤذن : يستحب للمؤذن أن يتصف بالصفات الاتية :

1 - أن يبتغي بأذانه وجه الله فلا يأخذ عليه أجرا . فعن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله : اجعلني إمام قومي60 قال ( أنت إمامهم ، واقتد بأضعفهم61 واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا ) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، لكن لفظه : إن آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( أن اتخذ مؤذنا لا يتخذ على أذانه أجرا ) قال الترمذي عقب روايته له - حديث حسن ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، كرهوا أن يأخذ على الاذان أجرا ، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه .

2 - أن يكون طاهرا من الحدث الاصغر والاكبر ، لحديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( إنه لم يمنعني أن أرد عليه62 إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة ) ، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وصححه ابن خزيمة . فإن أذن على غير طهر جاز مع الكراهة ، عند الشافعية ، ومذهب أحمد والحنفية وغيرهم عدم الكراهة .

3 - أن يكون قائما مستقبل القبلة . قال ابن المنذر : الاجماع على أن القيام في الاذان من السنة ، لانه أبلغ في الاسماع ، وأن من السنة أن يستقبل القبلة بالاذان . وذلك أن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة ، فإن أخل باستقبال القبلة كره له ذلك وصح .

4 - أن يلتفت برأسه وعنقه وصدره يمينا ، عند قوله : حي على الصلاة ، حي الصلاة ، ويسارا عند قوله : حي على الفلاح ، حي على الفلاح . قال النووي في هذه الكيفية : هي أصح الكيفيات . قال أبو جحيفة : وأذن بلال ، فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا ، يمينا وشمالا ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح . رواه أحمد والشيخان . أما استدارة المؤذن فقد قال البيهقي : إنها لم ترد من طرق صحيحة ، وفي المغني عن أحمد : لا يدور إلا إن كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين .

5 - أن يدخل أصبعيه في أذنيه ، قال بلال : فجعلت أصبعي في أذني فأذنت . رواه أبو داود وابن حبان ، وقال الترمذي : استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن اصبعيه في أذنيه في الاذان .

6 - أن يرفع صوته بالنداء ، وإن كان منفردا في صحراء . فعن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه ، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ( إني أراك تحب الغنم والبادية ، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة . قال أبو سعيد : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجة .

7 - أن يترسل في الاذان : أي يتمهل ويفصل بين كل كلمتين بسكتة ، ويحذر الاقامة : أي يسرع فيها . وقد روي ما يدل على استحباب ذلك من عدة طرق .

8 - أن لا يتكلم أثناء الاقامة : أما الكلام أثناء الاذان فقد كرهه طائفة من أهل العلم ، ورخص فيه الحسن وعطاء وقتادة . وقال أبو داود : قلت لاحمد : الرجل يتكلم في أذانه ؟ فقال : نعم . فقيل : يتكلم في الاقامة ؟ قال : لا . وذلك لانه يستحب فيها الاسراع .

 

( 11 ) الاذان في أول الوقت وقبله : الاذان يكون في أول الوقت ، من غير تقديم عليه ولا تأخير عنه ، إلا أذان الفجر فإنه يشرع تقديمه على أول الوقت . إذ أمكن التمييز بين الاذان الاول والثاني ، حتى لا يقع الاشتباه . فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم )63 متفق عليه . والحكمة في جواز تقديم أذان الفجر على الوقت ما بينه الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره ، فإنه يؤذن ، أو قال : ينادي ، ليرجع قائمكم وينبه نائمكم ) ولم يكن بلال يؤذن بغير ألفاظ الاذان . وروى الطحاوي والنسائي : أنه لم يكن بين أذانه وأذان ابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل هذا .

 

 

الحلقة

الثلاثون

 

الحلقة الثلاثون

 

الدرس الأول :

 

 

ج- كيف نؤدي حق النبي صلى الله عليه وسلم علينا ؟

من السلوكيات التي يلتزم بها المسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم:

1- تصديقه صلى الله عليه وسلم:

المسلم يصدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به ؛ لأنه يعلم أنه مرسل من ربه ، ولا يتحدث من تلقاء نفسه ، بل بما يوحيه الله إليه . قال تعالى : " ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلا وحْيٌ يُوحَى " ( النجم 3-4 ) .

2- طاعته صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى : "وإن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا " ( النور جزء من الآية 54 ) ، وقد جعل الله طاعته مقترنة بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وذلك من تشريف الله وتعظيمه لنبيه ، يقول تعالى : " مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" ( النساء جزء من الآية 8.) ، ويحذر الله من عاقبة مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول تعالى : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " ( النور جزء من الآية 63 )

3- حبه صلى الله عليه وسلم:

قال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" متفق عليه

وعن أنس رضى الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال : وما أعددت لها ؟ قال : لا شىء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. قال أنس: فما فرحنا بشىء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت مع من أحببت". قال أنس: "فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر –رضى الله عنهما- وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم." متفق عليه .

4- الاقتداء به صلى الله عليه وسلم:

المسلم يتأسى بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به، قال تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " الأحزاب 21

5- الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم:

المسلم يكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وخاصة إذا ذكر اسمه ، قال تعالى : " إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "( الأحزاب 56 )

وحث صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الصلاة عليه ، فقال : "من صلى علىّ واحدة صلى الله عليه عشرًا" رواه مسلم .

وقال صلى الله عليه وسلم: "البخيل من ذكرت عنده، فلم يصل على" رواه الترمذى وأحمد والنسائي

ويستحب أن يكثر المسلم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها ؛ كما يستحب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عقب الأذان وآخر التشهد ، وحين يذكر اسمه، وفي كل وقت .

وللصلاة عليه صلى الله عليه وسلم صيغ كثيرة، منها : "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" رواه أحمد .

6- الدعاء له صلى الله عليه وسلم:

قال صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علىّ؛ فإنه من صلى علىّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة" رواه مسلم

وقال صلى الله عليه وسلم: "من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة" رواه البخاري وأبو داود والترمذى .

7- إحياء سنته صلى الله عليه وسلم:

وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي كل قول أو فعل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلم يحرص على تطبيقها والتمسك بها، وإذا ترك الناس واحدة منها وغفلوا عنها، كان عليه أن يحييها مرة أخرى قال صلى الله عليه وسلم: "من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس ، كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء" رواه ابن ماجة .

وقال صلى الله عليه وسلم: ".. فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" رواه أحمد وأبوداود والترمذى وابن ماجة .

8- حب صحابته صلى الله عليه وسلم:

المسلم يحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويحترمهم ، قال صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي ، الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضًا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه " رواه الترمذى . ومن دلائل محبتهم أن يقول المسلم كلما ذكر اسم أحد منهم : رضى الله عنه وألا يخوض في الخلافات التي وقعت بينهم، وأن يدعو لهم، وألا يسمح لأحد أن يقلل من قدرهم .

9- التعرف على سيرته صلى الله عليه وسلم:

المسلم حريص على أن يعرف أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يدفع المسلم إلى مواصلة السير على منهجه .

1.- الدقة في نقل أقواله صلى الله عليه وسلم:

المسلم لا يروي حديثًا من أحاديثه صلى الله عليه وسلم إلا إذا تأكد من صحته؛ وإن كان حديثًا ضعيفًا بيّن ذلك للناس، ولا يستشهد بالموضوعات والمناكير من الأحاديث التي نسبها الكذابون إليه، فيكون كأحدهم، قال صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" رواه مسلم

وليتحر المسلم الدقة في نقل كلامه صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تأويل، ليكون أهلاً لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "نضر الله إمرءًا سمع منا حديثًا فبلغه، فرب مبلغ أحفظ من سامع" رواه ابن ماجة.

11- نصرته صلى الله عليه وسلم:

المسلم ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بنصرته للإسلام واتباعه صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، وإحياء سنته، قال تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ "الأعراف 157.

12- إكرام أهل بيته صلى الله عليه وسلم:

حث النبي صلى الله عليه وسلم على إكرام أهل بيته صلى الله عليه وسلم ورغب فى ذلك في إحدى خطبه، حيث قال: " فأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" رواه مسلم .

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 12 ) الفصل بين الاذان والاقامة : يطلب الفصل بين الاذان والاقامة بوقت يسع التأهب للصلاة وحضورها لان الاذان إنما شرع لهذا . وإلا ضاعت الفائدة منه . والاحاديث الواردة في هذا المعنى كلها ضعيفة . وقد ترجم البخاري : باب ( كم بين الاذان والاقامة ، ولكن لم يثبت التقدير . قال ابن بطال : لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين . وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : كان مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن ثم يمهل فلا يقيم ، حتى إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج ، أقام الصلاة حين يراه . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي .

 

( 13 ) من اذن فهو يقيم : يجوز أن يقيم المؤذن وغيره باتفاق العلماء ، ولكن الاولى أن يتولى المؤذن الاقامة . قال الشافعي : وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الاقامة . وقال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، أن من أذن فهو يقيم .

 

( 14 ) متى يقام إلى الصلاة : قال مالك في الموطأ : لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حدا محدودا ، إني أرى ذلك على طافة الناس ، فإن منهم الثقيل والخفيف . وروى ابن المنذر عن أنس ، أنه كان يقوم إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة .

 

( 15 ) الخروج من المسجد بعد الاذان : ورد النهي عن ترك إجابة المؤذن ، وعن الخروج من المسجد بعد الاذان إلا بعذر ، أو مع العزم على الرجوع ، فعن أبي هريرة قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي ) رواه أحمد وإسناده صحيح . وعن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة قال : خرج رجل من المسجد بعدما أذن المؤذن فقال : أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم وأصحاب السنن ، وعن معاذ الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الجفاء كل الجفاء ، والكفر والنفاق ، من سمع منادي الله ينادي يدعو إلى الفلاح ولا يجيبه ) رواه أحمد والطبراني . قال الترمذي : وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أنهم قالوا : ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له ) . وقال بعض أهل هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لاحد في ترك الجماعة إلا من عذر .

 

( 16 ) الاذان والاقامة للفائتة : من نام عن صلاة أو نسيها فإنه يشرع له أن يؤذن لها ويقيم حينما يريد صلاتها ، ففي رواية أبي داود في القصة التي نام فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولم يستيقظوا حتى طلعت الشمس ، أنه أمر بلالا فأذن وأقام وصلى ، فإن تعددت الفوائت استحب له أن يؤذن64 ويقيم للاولى ويقيم لكل صلاة إقامة ، قال الاثرم : سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل يقضي صلاة : كيف يصنع في الاذان ؟ فذكر حديث هشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه : أن المشركين شغلوا النبي عن أربع صلوات يوم الخندق ، حتى ذهب من الليل ما شاء الله . قال : فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى الظهر ، ثم أمره فأقام فصلى العصر ، ثم أمره فأقام فصلى المغرب ، ثم أمره فأقام فصلى العشاء .

 

( 17 ) أذان النساء واقامتهن : قال ابن عمر رضي الله عنهما : ليس على النساء أذان ولا إقامة . رواه البيهقي بسند صحيح وإلى هذا ذهب أنس ، والحسن ، وابن سيرين ، والنخعي والثوري ، ومالك ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . وقال الشافعي وإسحاق : إن أذن وأقمن فلا بأس . وروي عن أحمد : إن فعلن فلا بأس ، وإن لم يفعلن فجائز . وعن عائشة : ( أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤم النساء ، وتقف وسطهن ) رواه البيهقي.

 

( 18 ) دخول المسجد بعد الصلاة فيه : قال صاحب المغني : ومن دخل مسجدا قد صلي فيه ، فإن شاء أذن وأقام ، نص عليه أحمد لما روى الاثرم وسعيد بن منصور عن أنس : أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن بهم وأقام . فصلى بهم في جماعة . وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة ، فإن عروة قال : إذا انتهيت إلى مسجد قد صلى فيه ناس أذنوا وأقاموا ، فإن أذانهم وإقامهتم تجزئ عمن جاء بعدهم ، وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي ، إلا أن الحسن قال : كان أحب إليهم أن يقيم ، وإذا أذن فالمستحب أن يخفي ذلك ولا يجهر به ، لئلا يغر الناس بالاذان في غير محله .

 

( 19 ) الفصل بين الاقامة والصلاة : يجوز الفصل بين الاقامة والصلاة بالكلام غيره . ولا تعاد الاقامة وإن طال الفصل . فعن أنس بن مالك قال : أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم . رواه البخاري . وتذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما أنه جنب بعد إقامة الصلاة ، فرجع إلى بيته فاغتسل ثم عاد وصلى بأصحابه بدون إقامة .

 

( 20 ) أذان غير المؤذن الراتب : لا يجوز أن يؤذن غير المؤذن الراتب إلا بإذنه ، أو أن يتخلف فيؤذن غيره مخافة فوات وقت التأذين .

 

( 21 ) ما أضيف إلى الاذان وليس منه : الاذان عبادة ، ومدار الامر في العبادات على الاتباع . فلا يجوز لنا أن نزيد شيئا في ديننا أو ننقص منه . وفي الحديث الصحيح : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) : أي باطل . ونحن نشير هنا إلى أشياء غير مشروعة درج عليها الكثير ، حتى خيل للبعض أنها من الدين ، وهي ليست منه في شئ ، من ذلك :

1 - قول المؤذن حين الاذان أو الاقامة : أشهد أن سيدنا محمدا رسول الله . رأى الحافظ ابن حجر أنه لا يزاد ذلك في الكلمات المأثورة ، ويجوز أن يزاد في غيرها .

2 - قال الشيخ اسماعيل العجلوني في كشف الخفاء مسح العينين بباطن أنملتي السبابتين بعد تقبيلهما عند سماع قول المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله ، مع قوله : أشهد أن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا ، وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا . رواه الديلمي عن أبي بكر ، أنه لما سمع قول المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله ، قاله وقبل باطن أنملتي السبابتين ومسح عينيه فقال صلى الله عليه وسلم : من فعل فعل خليلي فقد حلت له شفاعتي . قال في المقاصد : لا يصح وكذا لا يصح ما رواه أبو العباس بن أبي بكز الرداد اليماني المتصوف في كتابه ( موجبات الرحمة وعزائم المغفرة ) بسند فيه مجاهيل مع انقطاعه ، عن الخضر عليه السلام أنه قال : من قال حين يسمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول الله ، مرحبا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يقبل إبهاميه ويجعلهما على عينيه لم يعم ، ولم يرمد أبدا ، ونقل غير ذلك . ثم قال : ولم يصح في المرفوع من كل ذلك .

3 - التغني في الاذان واللحن فيه بزيادة حرف أو حركة أو مد ، وهذا مكروه ، فإن أدى إلى تغيير معنى أو إبهام محذور فهو محرم . وعن يحيى البكاء : قال رأيت ابن عمر يقول لرجل إني لابغضك في الله ، ثم قال لاصحابه : إنه يتغنى في أذانه ، ويأخذ عليه أجرا .

4 - التسبيح قبل الفجر : قال في الاقناع وشرحه ، من كتب الحنابلة : وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحو ذلك في المآذن ، فليس بمسنون ، وما من أحد من العلماء قال إنه يستحب ، بل هو من جملة البدع المكروهة لانه لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم ، ولا في عهد أصحابه . وليس له أصل فيما كان على عهدهم يرد إليه ، فليس لاحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه ، ولا يعلق استحقاق الرزق به لانه إعانة على بدعة ولا يلزم فعله ، ولو شرطه الواقف لمخالفته السنة . وفي كتاب تلبيس إبليس لعبد الرحمن بن الجوزي : وقد رأيت من يقوم بليل كثير65 على المنارة فيعظ ويذكر ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع ، فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجدين قراءتهم ، وكل ذلك من المنكرات ، وقال الحافظ في الفتح : ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس من الاذان لا لغة ولا شرعا .

5 - الجهر بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الاذن غير مشروع ، بل هو محدث مكروه ، قال ابن حجر في الفتاوى الكبرى : قد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم بعد الاذن على الكيفية التي يفعلها المؤذنون ، فأفتوا بأن الاصل سنة ، والكيفية بدعة ، وسئل الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية عن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الاذان ؟ فأجاب : ( أما الاذان فقد جاء في ( الخانية ) أنه ليس لغير المكتوبات ، وأنه خمس عشرة كلمة وآخره عندنا ، لا إله إلا الله ، وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة ، ابتدعت للتلحين لا لشئ آخر ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين ، ولا عبرة بقول من قال : إن شيئا من ذلك بدعة حسنة ، لان كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة ، ومن ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب . )

 

 

 

الحلقة

الحادية

والثلاثون

 

الحلقة الحادية والثلاثون

 

الدرس الأول :

 

 

د- هل تؤدى حق النبى صلى الله عليه وسلم عليك ؟

تطبيقات عملية

حاسب نفسك على القيام بهذه الأعمال طوال هذا الشهر


ضع علامة عند أدائك العمل

1- تصديقه صلى الله عليه وسلم

2- طاعته صلى الله عليه وسلم

3- عدم مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم

4- حبه صلى الله عليه وسلم

5- الاقتداء به صلى الله عليه وسلم

6- الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

7-الدعاء له صلى الله عليه وسلم

8- إحياء سنته صلى الله عليه وسلم

9- عدم رفع الصوت عنده صلى الله عليه وسلم

1.- إكرام أهل بيته صلى الله عليه وسلم

11- نصرته صلى الله عليه وسلم

12- حب صحابته صلى الله عليه وسلم

13- التعرف على سيرته صلى الله عليه وسلم

14- الدقة في نقل أقواله صلى الله عليه وسلم

 

هـ- ذكر بعض معجزات الرسل

 

اعلم أن من حكمة الله عز وجل البالغة أنه يؤيد رسله بمعجزات من نوع ما فاق وأبدع فيه القوم المرسَل إليهم ، حتى تنقطع حجتهم على رسولهم ؛ فمثلاً عندما أرسل الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام كان فن السحر شائعًا فى القبط قوم فرعون ، ولهم فيه المهارة التامة ، ويعلمون من شأنه ما هو ممكن للبشر وما ليس ممكنًا لهم ، فلما سحر السحرة منهم الحبال والعِصِىّ بأمر فرعون ، وصارت تُرَى حيات تَسعى، وألقى سيدنا موسى عليه السلام عصاه بأمر الله تعالى ، فقلبها الله ثعبانًا عظيمًا ، أيقنوا أن تلك الخارقة - وهى انقلاب العصا ثعبانًا ابتلع حبالهم وعصيهم المسحورة على صورة الحيات ، ثم عودتها كما كانت ، مع تلاشى حبال السحرة وعصيهم- دليل على أن ما حصل على يد موسى ليس سحرًا ، وإنما هو آية ومعجزة من عند الله عز وجل .

ولما بعث الله عز وجل سيدنا عيسى عليه السلام كان فن الطب شائعًا فى بنى إسرائيل ، فكان من حكمته تعالى أن جعل كثيرًا من معجزاته عليه السلام من قبيل أعمال أهل الطب ، فأبرأ الله على يديه الأبرص والأكمه (الذى وُلِدَ أعمى) وأحيا الموتى ، وقد يدخل فى طاقة الأطباء الحذاق أن يشفوا الأبرص ، ولكن ذلك يحدث بمعالجة مخصوصة مع مرور زمان مخصوص ، وأما شفاؤه فى الحال بمجرد لمسة أو الدعاء له، فهذا ليس فى طوقهم ، ويمكنهم أن يشفوا مرضى العَمَى الذى يكون عرضيًّا ليس مُخِلاً بجوهر البصر، وأما شفاء الأكمه عديم البصر فهذا ليس فى طوقهم ، وكذلك إحياء الموتى . وحيث إن عيسى قد أتى بهذه الخوارق التى لا يستطيعها حذاق الأطباء، فإن ذلك دليل على صدق دعواه الرسالة بل من قبل ذلك بكثير حين كان حمله وولادته معجزة خرقت كل قوانين الطب في الحمل والولادة .

ولما بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم -وكان أميًّا لا يعرف القراءة والكتابة- ولم يجتمع مع أهل القراءة والكتابة اجتماعًا يُمَكِّنه من التعلم منهم ،ولم يُعلَم عنه فى تلك المدة أنه كان يدرس شيئًا مما ذكر، وكذلك لم يحصل له فى تلك المدة -مدة حياته قبل البعثة- أن مارس صناعة الفصاحة والبلاغة، فلم يكن له عناية بالأشعار والخطب والرسائل العربية، لا قولاً ولا رواية، ولم يكن مولعًا بمحاورة الفصحاء ومغالبة البلغاء ، حتى تقوى فيه ملكة الفصاحة والبلاغة (مع العلم بأنه مع عدم التعلم والممارسة كان أفصح العرب ، وأوتِىَ جوامع الكلم بما وهبه الله وعلَّمه) ، وكانت معجزته الخالدة التي استند إليها في إثبات رسالته وجعلها الأساس فى ذلك ، وتحداهم بها ثلاثة وعشرين عامًا هى المعجزة العقلية المعنوية العظمى (القرآن الكريم) فقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا ، ثم تحداهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا ، ثم أعلمهم بأنه لو اجتمع البشر كلهم، وتظاهرت الجن معهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما استطاعوا أن يأتوا بسورة مثله ، ولو كأقصر سورة منه قال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ" ( يونس 38 ) .

وقد أيده الله عزوجل بمعجزات عقلية ، ليدركها أصحاب العقول السليمة على مر الأزمان فيقتنعوا وينقادوا ، كما أيده بالمعجزات الحسية لتطمئن نفس المتردد ، وتنقطع حجة الجاحد ، وبهذا لا يكون لمكلف عذر أيًّا كان مستوى إدراكه .

 

 

التقويم

  1. وضح المقصود بالإيمان بالرسل .

  2. وضح كيف نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.

  3. وضح كيف نؤدى حق النبى .

  4. راجع نفسك .. هل تؤدى حق النبى .

  5. اذكر بعض معجزات الرسل .

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

شروط الصلاة66

الشروط التي تتقدم الصلاة ويجب على المصلي أن يأتي بها بحيث لو ترك شيئا منها تكون صلاته باطلة هي :

 

( 1 ) العلم بدخول الوقت ، ويكفي غلبة الظن ، فمن تيقن أو غلب على ظنه دخول الوقت أبيحت له الصلاة ، سواء كان ذلك باختيار الثقة ، أو أذان المؤذن المؤتمن ، أو الاجتهاد الشخصي أو أي سبب من الاسباب التي يحصل بها العلم .

 

( 2 ) الطهارة من الحدث الاصغر والاكبر لقول الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ، وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ، وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول67 ) رواه الجماعة إلا البخاري .

 

( 3 ) طهارة البدن والثوب والمكان الذي يصلى فيه من النجاسة الحسية ، متى قدر على ذلك ، فإن عجز عن إزالتها صلى معها ، ولا إعادة عليه . أما طهارة البدن فلحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تنزهوا من البول ، فإن عامة عذاب القبر منه ) رواه الدار قطني وحسنه . وعن علي رضي الله عنه قال : كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته ، فسأل فقال : ( توضأ واغسل ذكرك ) رواه البخاري وغيره . وروى أيضا عن عائشة ، أنه صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : ( اغسلي الدم عنك وصلي ) . وأما طهارة الثوب ، فلقوله تعالى : ( وثيابك فطهر )68 وعن جابر بن سمرة قال : سمعت رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي ؟ قال : ( نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله ) رواه أحمد وابن ماجة بسند رجاله ثقات ، وعن معاوية قال : ( قلت لام حبيبة : هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه ؟ قالت : نعم إذا لم يكن فيه أذى ) رواه أحمد وأصحاب السنن ، إلا الترمذي . وعن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم ، فلما انصرف قال : ( لم خلعتم ) ؟ قالوا رأيناك خلعت فخلعنا ، فقال : ( إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالارض ثم ليصل فيهما ) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان وابن خزيمة وصححه . وفي الحديث دليل على أن المصلي إذا دخل في الصلاة وهو متلبس بنجاسة غير عالم بها أو ناسيا لها ، ثم علم بها أثناء الصلاة ، فإنه يجب عليه إزالتها ثم يستمر في صلاته ويبني على ما صلى ، ولا إعادة عليه . وأما طهارة المكان الذي يصلي فيه فلحديث أبي هريرة قال : قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به . فقال صلى الله عليه وسلم : ( دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء ، أو ذنوبا69 من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) رواه الجماعة إلا مسلما . قال الشوكاني - بعد أن ناقض أدلة القائلين باشتراط طهارة الثوب - إذا تقرر ما سقناه لك من الادلة ، وما فيها ، فاعلم أنها لا تقصر عن إفادة وجوب تطهير الثياب . فمن صلى وعلى ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب ، وإما أن صلاته باطلة - كما هو شأن فقدان شرط الصحة - فلا . وفي الروضة الندية : وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة : البدن ، والثوب ، والمكان للصلاة ، وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة ، وذهب آخرون إلى أنه سنة . والحق الوجوب ، فمن صلى ملابسا لنجاسة عامدا فقد أخل بواجب ، وصلاته صحيحة .

 

( 4 ) سترة العورة : لقول الله تعالى : ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )70 ( 1 ) والمراد بالزينة ما يستر العورة ، والمسجد : الصلاة ، أي استروا عورتكم عند كل صلاة . وعن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله . أفأصلي في القميص ؟ قال : ( نعم زرره ولو بشوكة ) رواه البخاري في تاريخ وغيره .

 

حد العورة من الرجل : العورة التي يجب على الرجل سترها عند الصلاة ، القبل والدبر ، أما ما عداهما من الفخذ والسرة والركبة فقد اختلفت فيها الانظار تبعا لتعارض الاثار فمن قائل بأنها ليست ومن ذاهب إلى أنها عورة . حجة من يرى أنها عورة : استدل القائلون بأن السرة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الاحاديث :

1 - عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا كاشفا عن فخذه ، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله ، ثم استأذن عمر فأذن له ، وهو على حاله ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه . فلما قاموا قلت : يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما . وأنت على حالك ، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك ؟ فقال : ( يا عائشة ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه ) رواه أحمد ، وذكره البخاري تعليقا .

2 - وعن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم يوخ خيبر حسر الازار عن فخذه ، حتى إني لانظر إلى بياض فخذه ) رواه أحمد والبخاري . قال ابن حزم : فصح أن الفخذ ليست عورة ، ولو كانت عورة لما كشفها الله عزوجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المطهر المعصوم من الناس ، في حال النبوة والرسالة ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره ، وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة ، في حال الصبا وقبل النبوة ، ففي الصحيحين عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره ، فقال له عمه العباس : يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة ؟ قال فحله وجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه ، فما رئي بعد ذلك اليوم عريانا .

3 - وعن مسلم عن أبي العالية البراء قال : إن عبد الله ابن الصامت ضرب فخذي وقال : إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال : إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال : ( صل الصلاة لوقتها ) إلى آخر الحديث . قال ابن حزم : فلو كانت الفخذ عورة لما مسها رسول الله ، من أبي ذر أصلا بيده المقدسة ؟ ولو كانت الفخذ عورة عند أبي ذر ، لما ضرب عليها بيده ، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبو العالية . وما يستحل لمسلم أن يضرب بيده على قبل إنسان ، على الثياب ولا على حلقة دبر إنسان على الثياب ، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب ، البتة .

4 - ثم ذكر ابن حزم بإسناده إلى حبير بن الحويرث ، أنه نظر إلى فخذ أبي بكر وقد انكشفت ، وأن أنس بن مالك أتى قس بن شماس ، وقد حسر عن فخذيه . حجة من يرى أنها عورة : واستدل القائلون بأنها عورة بهذين الحديثين : 1 - عن محمد بن جحش قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر ، وفخذاه مكشوفتان فقال ( يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة ) رواه أحمد والحاكم والبخاري في تاريخه ، وعلقه في صحيحه . 2 - وعن جرهد قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بردة وقد انكشفت فخذي فقال : ( غط فخذيك فإن الفخذ عورة ) رواه مالك وأحمد وأبو داود والترمذي وقال : حسن : وذكره البخاري في صحيحه معلقا . هذا هو ما استدل به كل من الفريقين ، وللناظر في هذا أن يختار أي الرأيين ، وإن كان الاحوط في الدين أن يستر المصلي ما بين سرته وركبته ما أمكن ذلك . قال البخاري . حديث أنس أسند ، وحديث جرهد أحوط : أي حديث أنس المتقدم أصح إسنادا .

 

حد العورة من المرأة : بدن المرأة كله عورة يجب عليها ستره ، ما عدا الوجه والكفين قال الله تعالى ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) ، أي ولا يظهرن مواضع الزينة ، إلا الوجه والكفين ، كما جاء ذلك صحيحا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ، وعنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقبل الله صلاة حائض71 إلا بخمار ) رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه ابن خزيمة والحاكم وقال الترمذي : حديث حسن . وعن أم سلمة : أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أتصلي المرأة في درع72 وخمار بغير إزار ؟ قال : ( إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها ) رواه أبو داود وصحح الائمة وقفه73 ( 3 ) . وعن عائشة أنها سئلت . ( في كم تصلي المرأة من الثياب ، فقالت للسائل : سل علي بن أبي طالب ثم ارجع إلي فأخبرني ، فأتى عليا فسأله فقال : في الخمار والدرع السابغ . فرجع إلى عائشة فأخبرها فقالت : صدق ) .

 

ما يجب من الثياب وما يستحب منها : الواجب من الثياب ما يستر العورة ، وإن كان الساتر ضيقا يحدد العورة ، فإن كان خفيفا يبين لون الجلد من ورائه فيعلم بياضه أو حمرته لم تجز الصلاة فيه ، ويجوز الصلاة في الثوب الواحد ، كما تقدم في حديث سلمة بن الاكوع ، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في ثوب واحد فقال : ( أو لكلكم ثوبان ؟ ) رواه مسلم ومالك وغيرهما . ويستحب أن يصلي في ثوبين أو أكثر ، وأن يتجمل ويتزين ما أمكن ذلك . فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا صلى أحدكم74 فليلبس ثوبيه ، فإن الله أحق من تزين له ، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود ) رواه الطبراني والبيهقي . وروى عبد الرازق : ( أن أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود اختلفا فقال أبي : الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة وقال ابن مسعود : إنما كان ذلك وفي الثياب قلة . فقام عمر على المنبر فقال : القول ما قال أبي ولم يأل75 ابن مسعود ، إذا وسع الله فأوسعوا : جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، في إزار وقميص . في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص . في سراويل وقباء ، في تبان وقباء . في تبان وقميص قال وأحسبه قال : في تبان ورداء ، وهو في البخاري بدون ذكر السبب . وعن بريدة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل في لحاف76 واحد لا يتوشح به ، ونهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء . رواه أبو داود والبيهقي . وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما : أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فسئل عن ذلك فقال : إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي ، وهو يقول : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

 

 

الحلقة

الثانية

والثلاثون

 

الحلقة الثانية والثلاثون

الدرس الأول :

 

 

الركن الخامس : الإيمان باليوم الآخر

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح مفهوم اليوم الآخر ومعنى الإيمان به بصورة إجمالية .

  2. أن يوضح اهتمام القرآن الكريم باليوم الآخر وحكمته .

ج- أن يوضح الغيبيات من الموت حتى قيام الساعة .

د- أن يوضح علامات الساعة الصغرى والكبرى .

هـ. أن يوضح مشتملات يوم القيامة .

أ- مفهوم اليوم الآخر :

يبدأ اليوم الآخر بفناء عالمنا هذا فيموت كل من فيه من الأحياء وتتبدل الأرض والسماوات ، ثم ينشىء الله النشأة الآخرة ، فيبعث الله الناس جميعاً ويرد إليهم الحياة مرة أخرى . وبعد البعث يحاسب كل فرد على ما عمل من خير أو شر . فمن غلب خيره شره أدخله الله الجنة ، ومن غلب شره خيره أدخله الله النار . ( العقائد الإسلامية )

ومعنى الإيمان باليوم الآخر بصورة إجمالية :

الإيمان بكل ما أخبر به الله عز وجل فى كتابه ، وأخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه ، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار ، وما أعد الله تعالى لأهلهما جميعاً .

 

ب- إهتمام القرآن بهذا الركن وحكمته :

والقرآن اهتم اهتماماً بالغاً بتقرير الإيمان بهذا اليوم ، ويبدوا هذا الإهتمام باليوم الآخر فيما يلى :

  • بربطه بالإيمان بالله :

قال تعالى : " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر " البقرة 177

وقال تعالى : " إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " البقرة 62

  • يكثر القرآن من ذكره : فلا تكاد سورة تخلو من الحديث عنه ، مع تقريبه إلى الأذهان تارة بالحجة والبرهان وتارة بضرب الأمثال

  • أن المتتبع لآيات القرآن يجد أنه وضع له أسماء كثيرة : التى يدل كل واحد منها على ما سيقع من الأهوال فيه ، فمن أسمائه : القيامة ، والساعة والآخرة ويوم الدين ويوم الحساب ويوم التلاق ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التغابن ويوم الخلود ويوم الخروج ويوم الحسرة ويوم التناد والآزفة والطامة والصاخة والحاقة والواقعة وغيرها .

*** حكمة الاهتمام به :

وإنما اهتم القرآن هذا الإهتمام باليوم الآخر لعدة أسباب منها :

  • أن المشركين من العرب كانوا ينكرونه أشد الإنكار : " وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر " الجاثية 24 .

  • أن أهل الكتاب وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر إلا أن تصورهم له قد بلغ منتهى الفساد . فالنصارى مثلاً يعتمدون فيه على وجود يسوع الفادى المخلِّص الذى يفدى الناس بنفسه ويخلصهم من عقوبة الخطايا

  • أن الإيمان باليوم الآخر يجعل لحياتنا غاية سامية وهدفاً أعلى ، ويقوى فى النفس الوازع الذى يرغب فى الخير ويصد عن الشر ، ويحدد لكل إنسان هدفه الأعلى حتى لايضل الطريق أو تتعثر به الخطا . [ الإيمان د/ محمد نعيم ياسين ]

- تفصيل الإيمان باليوم الآخر :

وإذا كان الإيمان باليوم الآخر من أهم الأركان التى يقوم عليها الإيمان ، فإنه لا يتحقق ولا يكون تاماً كاملاً إلا بأمرين :

الأول : أن يؤمن العبد باليوم الآخر بصورة إجمالية وهذا هو الحد الدنى لتحصيل هذا الركن من أركان الإيمان .

الثانى : أن يؤمن بكل ما أخبره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمور الغيب التى تكون بعد الموت ونذكر فيما يلى أهم ما وردت به آيات القرآن والأحاديث الصحيحة حول هذه الأمر :

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

كشف الرأس في الصلاة : روى ابن عساكر عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه . وعند الحنفية أنه لا بأس بصلاة الرجل حاسر الرأس ، واستحبوا ذلك إذا كان للخشوع . ولم يرد دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة .

 

( 5 ) استقبال القبلة : اتفق العلماء على أنه يجب على المصلي أن يستقبل المسجد الحرام عند الصلاة . لقول الله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره )77 وعن البراء قال : صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم صرفنا نحو الكعبة ) رواه مسلم .

 

حكم المشاهد للكعبة ، وغير المشاهد لها : المشاهد للكعبة يجب عليه أن يستقبل عينها ، والذي لا يستطيع مشاهدتها يجب عليه أن يستقبل جهتها ، لان هذا هو المقدور عليه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها . وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) رواه ابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ، وقرأه البخاري ، هذا بالنسبة لاهل المدينة ، ومن جرى مجراهم كأهل الشام والجزيرة والعراق . وأما أهل مصر فقبلتهم بين المشرق والجنوب ، وأما اليمن فالمشرق يكون عن يمين المصلي والمغرب عن يساره ، والهند يكون المشرق خلف المصلي والمغرب أمامه . وهكذا .

 

بم تعرف القبلة ؟ كل بلد له أدلة تختص به يعرف بها القبلة . ومن ذلك المحاريب التي نصبها المسلمون في المساجد ، وكذلك بيت الابرة ( البوصلة ) . حكم من خفيت عليه : من خفيت عليه أدلة القبلة ، لغيم أو ظلمة مثلا وجب عليه أن يسأل من يدله عليها ، فإن لم يجد من يسأله اجتهد وصلى إلى الجهة التي إليها اجتهاده ، وصلاته صحيحة ولا اعادة عليه ، حتى ولو تبين له خطؤة بعد الفراغ من الصلاة ، فإن تبين له الخطأ أثناء الصلاة استدار إلى القبلة ولا يقطع صلاته . فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الله قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ، متفق عليه . ثم إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة لزمه إعادة الاجتهاد إذا أراد صلاة أخرى ، فإن تغير اجتهاده عمل بالثاني ، ولا يعيد ما صلاة بالاول . متى يسقط الاستقبال : استقبال القبلة فريضة ، لا يسقط إلا في الاحوال الاتية :

( 1 ) صلاة النفل للراكب : يجوز للراكب أن يتنفل على راحلته ، يومي بالركوع والسجود ، ويكون سجوده أخفض من ركوعه ، وقبلته حيث اتجهت دابته . فعن عامر بن ربيعة قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به . رواه البخاري ومسلم ، وزاد البخاري : يومئ ، والترمذي : ولم يكن يصنعه في المكتوبة78 . وعند أحمد ومسلم والترمذي : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به ، وفيه نزلت : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) . وعن إبراهيم النخعي قال : كانوا يصلون في رحالهم ودوابهم حيثما توجهت ، وقال ابن حزم : وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين ، عموما في الحضر والسفر .

( 2 ) صلاة المكره والمريض والخائف : الخائف والمكره والمريض يجوز لهم الصلاة لغير القبلة إذا عجزوا عن استقبالها ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) . وفي قول الله تعالى : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) قال ابن عمر رضي الله عنهما : مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها ، رواه البخاري . كيفية الصلاة جاء الاحاديث عن سول الله صلى الله عليه وسلم مبينة كيفية الصلاة وصفتها . ونحن نكتفي هنا بإيراد حديثين : الاول من فعله صلى الله عليه وسلم ، والثاني من قوله : 1 - عن عبد الله بن غنم : أن أبا مالك الاشعري جمع قومه فقال : يا معشر الاشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا بالمدينة فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم ، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ . فأحصى الوضوء إلى أماكنه79 حتى أفاء الفئ وانكسر الظل قام فأذن . فصف الرجال في أدنى الصف ، وصف الولدان خلفهم . وصف النساء خلف الولدان ، ثم أقام الصلاة ، فتقدم فرفع يديه فكبر ، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرها . ثم كبر فركع فقال : سبحان الله وبحمده ثلاث مرات ، ثم قال : سمع الله لمن حمده واستوى قائما ، ثم كبر وخر ساجدا ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فانتهض قائما . فكان تكبيرة في أول ركعة ست تكبيرات . وكبر حين قام إلى الركعة الثانية . فلما قضى صلاته ، أقبل إلى قومه بوجهه فقال : احفظوا تكبيري وتعلموا ركوعي وسجودي ، فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذا الساعة من النهار ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه فقال ( يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا ، واعلموا أن الله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الانبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله ، فجاء رجل من الاعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله . ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الانبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله ؟ انعتهم لنا80 فسر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لسؤال الاعرابي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهم ناس من أفياء الناس ونوازع القبائل ، لم تصل بينهم أرحام متقاربة ، تحابوا في الله وتصافوا ، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها ، فيجعل وجوههم نورا ، وثيابهم نورا ، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون ، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن ، والحاكم وقال : صحيح الاسناد . 2 - عن أبي هريرة قال : دخل رجل المسجد فصلى ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم . فرد عليه السلام وقال : ( إرجع فصل فإنك لم تصل ) فرجع ، ففعل ذلك ثلاث مرات . قال فقال : والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني ، قال : ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) رواه أحمد والبخاري ومسلم . وهذا الحديث يسمى ( حديث المسئ في صلاته ) . هذا جملة ما ورد في صفة الصلاة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ، ونحن نفعل ذلك مع التمييز بين الفرائض والسنن .

 

فرائض الصلاة

للصلاة فرائض وأركان تتركب منها حقيقتها ، حتى إذا تخلف فرض منها لا تتحقق ولا يعتد بها شرعا . وهذا بيانها :

( 1 ) النية81 : لقول الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين )82 ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الاعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله83 . ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه84 رواه البخاري . وقد تقدمت حقيقتها في الوضوء . التلفظ بها : قال ابن القيم في كتابه ( إعانة اللهفان ) : ( النية هي القصد والعزم على الشئ ، ومحلها القلب لا تعلق بها باللسان أصلا ، ولذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن الصحابة في النية لفظ بحال ، وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة ، قد جعلها الشيطان معتركا لاهل الوسواس85 يحبسهم عندها ويعذبهم فيها ، ويوقعهم في طلب تصحيحها . فترى أحدهم يكررها ، ويجهد نفسه في التفظ ، وليست من الصلاة في شئ . )

 

( 2 ) تكبيرة الاحرام : لحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ) رواه الشافعي وأحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي ، وقال : هذا أصح شئ في هذا الباب وأحسن ، وصححه الحاكم وابن السكن ، ولما ثبت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله ، كما ورد في الحديثين المتقدمين . ويتعين لفظ ( الله أكبر ) لحديث أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه ثم قال : ( الله أكبر ) ، رواه ابن ماجه ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان . ومثله ما أخرجه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم ، عن علي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال : ( الله أكبر ) . وفي حديث ( المسئ في صلاته ) عند الطبراني ثم يقول ( الله أكبر ) .

 

( 3 ) القيام في الفرض : وهو واجب بالكتاب والسنة والاجماع لمن قدر عليه قال الله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقوموا لله قانتين )86 . وعن عمر بن حصين قال : كانت بي بواسير ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ؟ فقال : ( صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعل جنب ) رواه البخاري . وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء ، كما اتفقوا على استحباب تفريق القدمين أثناءه .

 

القيام في النفل : أما النفل ، فإنه يجوز أن يصلي من قعود مع القدرة على القيام ، إلا أن ثواب القائم أتم من ثواب القاعد ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة الرجل قاعدا نصف الصلاة ) رواه البخاري ومسلم . العجز عن القيام في الفرض : ومن عجز عن القيام في الفرض صل على حسب قدرته ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وله أج ره كاملا غير منقوص . فعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمله وهو صحيح مقيم ) رواه البخاري .

 

 

الحلقة

الثالثة

والثلاثون

 

الحلقة الثالثة والثلاثون

الدرس الأول :

 

 

ج- من الموت حتى قيام الساعة : واليوم الآخر يعبر إليه جميع الخلق عن طريق الموت فيجب الإيمان بأن الإنسان وسائر الحيوانات ، والجن والملائكة، لا يموت أحد منهم حتى يتم أجله الذي قدَّره الله له، سواء بدون سبب ظاهر، أم مات بأي سبب من الأسباب، قال تعالى : "لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ" (الأعراف 34) .

- قبض الأرواح :

وملك الموت هو الذي يقبض الأرواح بأمر الله تعالى ، وله أعوان من الملائكة الكرام ، وعند الاحتضار (خروج الروح) يرى المحتضر الملائكة الذين يقبضون روحه، ويعرف مصيره، إن كان إلى الجنة أو إلى النار، قال تعالى : "الَذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" النحل 32، وقال عز وجل : "ولَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ المَوْتِ والْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ" الأنعام 93

وعن أبى هريرة عليه السلام عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الميت تحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب ، اخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال ذلك حتى تخرج ثم يزج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا ؟ فيقال : فلان ، فيقولون : مرحبًا بالنفس الطيبة كانت فى الجسد الطيب ، ادخلي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان ، فلا يزال يقال لها حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ، وإذا كان الرجل السوء قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت فى الجسد الخبيث ، اخرجي ذميمة وابشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج ، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال : من هذا ؟ فيقال : فلان ، فيقال : لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت فى الجسد الخبيث ، ارجعي ذميمة ، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء ، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر..) إلى آخر الحديث .

- سؤال القبر، ونعيمه وعذابه :

يجب الإيمان بأن أول ما ينـزل بالميت بعد موته سؤال الملكين فى القبر ، بأن يرد الله عليه روحه وسمعه وبصره ، ثم يسأله الملكان عن ربه ودينه ونبيه ، فإما أن يُنَعَّم أو يُعَذَّب حسب حسن إجابته أو سوئها ، وقد ورد فى حديث عثمان عليه السلام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت ، فإنه الآن يسأل ) ، وعن أنس بن مالك عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه –حتى إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا- أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول فى هذا الرجل، لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما، ويفسح له من قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خَضرًا إلى يوم يبعثون، وأما الكافر أو المنافق فيقال له: ما كنت تقول فى هذا الرجل؟ فيقول: لا أدرى ، إنى كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال له : لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه) رواه البخارى ومسلم

 

- يوم القيامة :

واليوم الآخر هو يوم القيامة وأوله من الموت ، لحديث هانئ مولى عثمان بن عفان قال : كان عثمان عليه السلام إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : أتذكر الجنة والنار فلا تبكى ، وتذكر القبر وتبكى ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( القبر أول منـزل من منازل الآخرة ، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه ) .

وقيل : أول اليوم الآخر من النشر ( وهو الخروج من القبور ) وآخره على القولين : دخول أهل الجنة الجنة ، ودخول أهل النار النار ، ولا يعلم وقت مجيئه إلا الله عزوجل ، قال تعالى : " يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا" الأحزاب 63

 

والكلام عن اليوم الآخر ينحصر فى :

- علامات الساعة - مشتملات يوم القيامة

 

د- وعلامات الساعة نوعان : علامات صغرى ، وعلامات كبرى .

- علامات القيامة الصغرى :

العلامات الصغرى لقرب يوم القيامة كثيرة ، وردت بها الأحاديث الشريفة، وإليك بعض الأمثلة:

فى حديث جبريل أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة ، فقال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ، قال : فأخبرنى عن أمارتها ؟ قال : أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان " رواه البخارى ومسلم –( تلد الأمة ربتها : يكثر العقوق ، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته )

وعنه عليه السلام أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : متى الساعة؟ قال صلى الله عليه وسلم : (إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة ) ، قال وكيف إضاعتها؟ قال : ( إذا أُسْنِد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة ) رواه البخارى .

وعنه عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم ، يا عبد الله ، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ) رواه مسلم .

  • علامات الساعة الكبرى :

وأهمها الآيات الآتية :

1- طلوع الشمس من المغرب :

وهى أول الآيات الكبرى المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي حتى ينتهي بقيام الساعة ، فعن أبى هريرة عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس فآمنوا أجمعون ، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت فى إيمانها خيرًا) رواه مسلم . وهو ما أشار إليه الله تعالى بقوله : " يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا " (سورة الأنعام 158) . وطلوع الشمس من المغرب يكون فى يوم ، ثم تطلع من الشرق كعادتها ، وإذا طلعت من المغرب غربت فى المشرق ، وحينئذ يغلق باب التوبة إلى يوم القيامة.

2- خروج الدابة :

والظاهر أن خروجها يكون فى زمن طلوع الشمس من مغربها ، كما فى فتح البارى لابن حجر ، قال تعالى : "وإذَا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ" النمل 82 . وحين تخرج تكلم الناس وتخبرهم بما هم عليه من إيمان أو كفر، ومن صلاح أو فسق ، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لعدم فائدة ذلك ، فإن التوبة لا تقبل بالنسبة لمن رآها أو علم بها .

3- خروج المسيح الدجال :

وسُمِّىَ المسيح بالحاء على الصحيح ؛ لأنه يمسح الأرض ويقطعها فى أربعين يومًا، ولأنه ممسوح العين اليمنى، وهو الآية الكبرى المؤذنة بتغيير الأحوال العامة فى معظم الأرض ، وهو أول هذه الآيات، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم وصفًا كافيًا لنكون منه على حذر، ولننجو من فتنته، فعن أبى سعيد الخدري قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا طويلاً عن الدجال ، فكان فيما حدثنا قال: ( يأتي الدجال وهو مُحرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة ، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون فى الأمر، فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة منى الآن، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه) .

4- نزول المسيح عليه السلام وقتله الدجال :

دلت السنة على أن سيدنا عيسى عليه السلام ينـزل قرب الساعة، ويقتل الدجال، ويحكم الأرض بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكث فى الأرض ما شاء الله أن يمكث، ثم يموت ويصلى عليه المسلمون. فعن أبى هريرة عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينـزل ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنـزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها)). ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : "وإن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" النساء 159 . متفق عليه

5- خروج يأجوج ومأجوج : قال تعالى : "حَتَّى إذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ" الأنبياء 96. قال ابن كثير فى تفسيره : إنهم من سلالة آدم عليه السلام ، وقد ورد ذكر خروجهم فى أحاديث متعددة من السنة النبوية ، وأن خروجهم يكون مع وجود عيسى ونزوله .

6- الريح التى تقبض أرواح المؤمنين :

لحديث عبد الله بن عمرو : (ثم يرسل الله عز وجل ريحًا باردة من قِبَل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحد فى قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته). رواه مسلم

الدرس الثاني :

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 4 ) قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفروض والنفل : قد صحت الاحاديث في افتراض قراءة الفاتحة في كل ركعة ، وما دامت الاحاديث في ذلك صحيحة صريحة فلا مجال للخلاف ولا موضع له ونحن نذكرها فيما يلي :

1 - عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ، رواه الجماعة .

2 - وعن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن - وفي رواية : بفاتحة الكتاب - فهي خداج87 ( 1 ) هي خداج غير تمام ) رواه أحمد والشيخان .

3 - وعنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ) رواه ابن خزيمة بإسناد صحيح ، ورواه ابن حبان وأبو حاتم .

4 - وعند الدار قطني بإسناد صحيح ( لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) .

5 - وعن أبي سعيد ( أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ) رواه أبو داود ، قال الحافظ وابن سيد الناس : إسناده صحيح .

6 - وفي بعض طريق حديث المسئ في صلاته : ( ثم اقرأ بأم القرآن ) إلى أن قال له : ( ثم افعل ذلك في كل ركعة ) .

7 - ثم الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل ، ولم يثبت عنه خلاف ذلك ، ومدار الامر في العبادة على الاتباع . فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) رواه البخاري .

البسملة : اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية في سورة النمل ، واختلفوا في البسملة الواقعة في أول السور إلى ثلاثة مذاهب مشهورة .

الاول : أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وعلى هذا فقراءتها واجبة في الفاتحة وحكمها حكم الفاتحة في السر والجهر ، وأقوى دليل لهذا المذهب حديث نعيم المجمر ، قال : صليت وراء أبي هريرة فقرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قرأ بأم القرآن ) الحديث وفي آخره قال : والذي نفسي بيده أني لاشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان . قال الحافظ في الفتح : وهو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة .

الثاني : أنها آية مستقلة أنزلت للتيمن والفصل بين السور ، وأن قراءتها في الفاتحة جائزة بل مستحبة ، ولا يسن الجهر بها . لحديث أنس قال : ( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان ، وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) رواه النسائي وابن حبان والطحاوي بإسناد على شرط الصحيحين .

الثالث : أنها ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها ، وأن قراءتها مكروهة سرا وجهرا في الفرض دون النافلة ، وهذا المذهب ليس بالقوي .

وقد جمع ابن القيم بين المذهب الاول والثاني فقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر ( ببسم الله الرحمن الرحيم ) تارة ، ويخفيها أكثر مما يجهر بها ، ولا ريب أنه لم يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا ، حضرا وسفرا ، ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الاعصار الفاضلة من لم يحسن فرض القراءة . من لم يحسن فرض القراءة : قال الخطابي : الاصل أن الصلاة لا تجزئ ، إلا بقراءة فاتحة الكتاب ، ومعقول أن قراءة فاتحة الكتاب على من أحسنها دون من لا يحسنها ، فإذا كان المصلي لا يحسنها ويحسن غيرها من القرآن ، كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات ، لان أولى الذكر بعد الفاتحة ما كان مثلها من القرآن ، وإن كان ليس في وسعه أن يتعلم شيئا من القرآن ، لعجز في طبعه أو سوء في حفظه ، أو عجمة في لسانه . أو عاهة تعرض له ، كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم ، من التسبيح والتحميد والتهليل . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم . أنه قال : ( أفضل الذكر بعد كلام الله ، سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) انتهى . ويؤيد ما ذكره الخطابي من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا الصلاة فقال : ( إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمده وكبره وهلله ثم اركع ) . رواه أبو داود والترمذي وحسنه . والنسائي والبيهقي .

 

( 5 ) الركوع : وهو مجمع على فرضيته ، لقول الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا . . . )88 .

 

بم يتحقق الركوع : يتحقق الركوع بمجرد الانحناء ، بحيث تصل اليدان إلى الركبتين ، ولا بد من الطمأنينة فيه ، لما تقدم في حديث المسئ في صلاته ( ثم اركع حتى تطمئن راكعا ) وعن أبي قتادة . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته . فقالوا : يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته ؟ قال : ( لا يتم ركوعها ولا سجودها ) أو قال : ( لا يقيم صلبه في الركوع والسجود ) رواه أحمد والطبراني وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح الاسناد . وعن أبي مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ) رواه الخمسة وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والبيهقي ، وقال : إسناده صحيح . وقال الترمذي : حسن صحيح . والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ، يرون أن يقيم الرجل صلبه89 في الركوع والسجود . وعن حذيفة : أنه رأى رجلا لا يتم الركوع والسجود فقال له : ما صليت ، ولو مت مت على غير الفطرة90 التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم ، رواه البخاري .

 

( 6 ) الرفع من الركوع والاعتدال قائما مع الطمأنينة : لقول أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذا رفع رأسه استوى قائما حتى يعود كل فقار91 إلى مكانه ) . رواه البخاري ومسلم . وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما ) رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( ثم ارفع حتى تعتدل قائما ) متفق عليه . وعن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينظر إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده ) رواه أحمد ، قال المنذري : إسناده جيد .

 

( 7 ) السجود : وقد تقدم ما يدل على وجوبه من الكتاب وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله للمسئ في صلاته : ( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ) . فالسجدة الاولى والرفع منها . ثم السجدة الثانية مع الطمأنينة في ذلك كله فرض في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل . حد الطمأنينة : الطمأنينة المكث زمنا ما بعد استقرار الاعضاء ، قدر أدناها العلماء بمقدار تسبيحة . أعضاء السجود : أعضاء السجود : الوجه ، والكفان ، والركبتان ، والقدمان . فعن العباس ابن عبد المطلب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب92 : وجهه ، وكفاه ، وركبتاه ، وقدماه ) رواه الجماعة إلا البخاري . وعن ابن عباس قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا : الجبهة ، واليدين والركبتين والرجلين . وفي لفظ ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين ) متفق عليه . وفي رواية : ( أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر93 ولا الثياب ، الجبهة ، والانف ، واليدين ، والركبتين ، والقدمين ) رواه مسلم والنسائي . وعن أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الارض ، رواه أبو داود والترمذي وصححه ، وقال : والعمل على هذا عند أهل العلم : أن يسجد الرجل على جبهته وأنفه . فإن سجد على جبهته دون أنفه ، فقال قوم من أهل العلم : يجزئه ، وقال غيرهم : لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والانف .

 

( 8 ) القعود الاخير وقراءة التشهد فيه : الثابت المعروف من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقعد القعود الاخير يقرأ فيه التشهد ، وأنه قال للمسئ في صلاته : ( فإذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك ) . قال ابن قدامة : وقد روي عن ابن عباس أنه قال : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد : السلام على الله قبل عباده ، السلام على جبريل ، السلام على ميكائيل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تقولوا : السلام على الله ، ولكن قولوا : التحيات لله ) ، وهذا يدل على أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضا . أصح ما ورد في التشهد : أصح ما ورد في التشهد تشهد ابن مسعود ، قال : ( كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا السلام على الله قبل عباده ، السلام على فلان وفلان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله هو السلام ، ولكن إذا جلس أحدكم فليقل : التحيات لله ، والصلوات ، والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والارض . أو بين السماء والارض . أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم ليختر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به ) رواه الجماعة . قال مسلم : أجمع الناس على تشهد ابن مسعود ، لان أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا ، وغيره قد اختلف أصحابه . وقال الترمذي والخطابي وابن عبد البر وابن المنذر : تشهد ابن مسعود أصح حديث في التشهد ، ويلي تشهد ابن مسعود في الصحة تشهد ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن ، وكان يقول ( التحيات المباركات ، الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي . قال الشافعي : ورويت أحاديث في التشهد مختلفة ، وكان هذا أحب إلي ، لانه أكملها . قال الحافظ : سئل الشافعي عن اختياره وتشهد ابن عباس فقال : لما رأيته واسعا وسمعته عن ابن عباس صحيحا ، وكان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره أخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح . وهناك تشهد آخر اختاره مالك ، ورواه في الموطأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول : قولوا : التحيات لله ، الزاكيات لله ، الطيبات والصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . قال النووي : ( هذه الاحاديث في التشهد كلها صحيحة ، وأشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ثم ابن عباس . قال الشافعي : وبأيها تشهد أجزأه ، وقد أجمع العلماء على جواز كل واحد منها .

 

( 9 ) السلام : ثبتت فرضية السلام من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله . فعن علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم ) . رواه أحمد والشافعي وأبو داود وابن ماجة والترمذي . وقال : هذا أصح شئ في الباب وأحسن . وعن عامر بن سعد عن أبيه قال : ( كنت أرى النبي صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده ) - ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه . وعن وائل بن حجر قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يسلم عن يمينه : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) . وعن شماله : ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام . رواه أبو داود بإسناد صحيح . وجوب التسليمة الواحدة واستحباب التسليمة الثانية : يرى جمهور العلماء أن التسليمة الاولى هي الفرض ، وأن الثانية مستحبة . قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمه واحدة جائزة . وقال ابن قدامة في المغني : ( وليس نص أحمد بصريح في وجوب التسليمتين ، إنما قال : ( التسليمتين أصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يذهب إليه في المشروعية لا الايجاب ، كما ذهب إلى ذلك غيره ، وقد دل عليه قوله في رواية : وأحب إلي التسليمتان ، ولان عائشة وسلمة بن الاكوع وسهل بن سعد قد رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة واحدة ، وكان المهاجرون يسلمون تسليمة واحدة ) وفيما ذكرناه جمع بين الاخبار وأقوال الصحابة في أن يكون المشروع والمسنون تسليمتين ، والواجب واحدة ، وقد دل على صحة هذا الاجماع الذي ذكره ابن المنذر ، فلا معدل عنه . وقال النووي : مذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أن يسن تسليمتان . وقال مالك وطائفة : إنما يسن تسليمة واحدة ، تعلقوا بأحاديث ضعيفة لا تقاوم هذه الاحاديث الصحيحة ، ولو ثبت شئ منها حمل على أنه فعل ذلك لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة . وأجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة ، فإن سلم واحدة استحب له أن يسلمها تلقاء وجهه ، وإن سلم تسليمتين جعل الاولى عن يمينه والثانية عن يساره . ويلتفت في كل تسليمة ، حتى يرى من عن جانبه خده . هذا هو الصحيح إلى أن قال : ( ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه ، أو الاولى عن يساره والثانية عن يمينه ، صحت صلاته ، وحصلت تسليمتان ، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما ) .

 

الحلقة

الرابعة

والثلاثون

 

الحلقة الرابعة والثلاثون

 

الدرس الأول :

 

هـ : مشتملات اليوم الآخر :

يشمل اليوم الآخر أمورًا كثيرة ، المذكور منها هنا أحد عشر ، وإليك بيانها .

1- البعث :

وهو إحياء الله الموتى ليلقى كل منهم جزاءه الذى قُدِّرَ له من نعيم أو عذاب ، قال تعالى : "ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ" المؤمنون 15-16 . وقال عز وجل : "وضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ونَسِى خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِى العِظَامَ وهِى رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ" يس 78 –79 .

2- الحشر :

وهو سَوْقُ الناس إلى مكان الحساب الذى تجتمع فيه الخلائق ، وفيه يحاسبون ، وتُوزَنُ أعمالهم ، ويعرف كُلٌّ مصيره ، وقال تعالى : "وتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا" الكهف 47 . وعن ابن عباس -رضى الله عنهما- قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : "يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غُرلاً ( غير مختونين ) "، "كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنَا إنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" الأنبياء 1.4 . رواه البخارى جزء من حديث .

 

 

3- الحساب :

وهو توقيف الله تعالى عباده قبل الانصراف من المحشر على أعمالهم : أقوالاً وأفعالاً واعتقادات تفصيلاً، بعد أخذهم كتبهم . وكيفيته أمر غيبـى لم يَرِدْ ما يدل عليه، والناس فيه متفاوتون ، فمنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا بأن يُعرَض عمله عليه ، فيطلعه الله على سيئاته سرًّا، بحيث لا يَطَّلِع عليها أحد من الخلق ، ثم يعفو عنه ويأمر به إلى الجنة . ومنهم من يُناقَش الحساب ، بأن يُسأل عن كل جزئية ، ويُطالَب بالعذر والحجة ، فلا يجد عذرًا ولا حجة ، فيهلك مع الهالكين ، ويفتضح بين الخلائق ، قال تعالى : " فَأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * ويَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ ورَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * ويَصْلَى سَعِيرًا" ( الانشقاق 7-12 ) .

وعن عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( "مَن نُوقِشَ الحساب عُذِّب"، فقلت: أليس يقول الله: "فَأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * ويَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا" الانشقاق 7-9 . فقال : (إنما ذلك العَرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا عُذِّب " رواه البخارى ) .

هذا، واعلم أنه سيشهد على العاصى يوم القيامة أحد عشر شاهدًا : اللسان ، والأيدى ، والأرجل ، والسمع ، والبصر، والجلد ، والأرض ، والليل ، والنهار ، والحفظة الكرام ، والمال ، فضلاً عن الشهداء من الناس .

قال تعالى : " يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " النور24 .

وعن أبى هريرة عليه السلام قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا" فقال: (أتدرى ما أخبارها؟) قلت : الله ورسوله أعلم . قال : (فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول : عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها ) رواه الترمذى .

4- صحائف الأعمال :

وهى الكتب التى كتبت فيها الملائكة ما فعله العباد فى الدنيا من اعتقادات وأقوال وأفعال، وهى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فمنكرها كافر، وقد سبقت الأدلة العديدة على ذلك ، مثل قوله تعالى: " فأَمَّا مَنْ أُوتِى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءوا كِتَابِيَهْ" الحاقة 19

5- الميزان :

وهو ذو كفتين ، توزن فيه أعمال من يحاسَب بقدرة الله دفعة واحدة ، ويزن مثاقيل الذر، تحقيقًا لإظهار تمام العدل ، وحقيقته لا يعلمها تفصيلاً إلا الله عز وجل، قال تعالى : "ونَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" الأنبياء 47 ، وقال : " فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) ومَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ (1.) نَارٌ حَامِيَةٌ" القارعة 6-11.

  1. الصراط :

وهو جسر ممدود على ظهر جهنم ، يمر عليه الأولون والآخرون كل بحسب عمله، فمنهم من يمر كلمح البصر ، ومنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالريح العاصف ، وناس كالجواد ، وناس هرولة ، وناس حبوًا، وناس زحفًا ، وناس يتساقطون فى النار ،

وعلى جوانبه كلاليب (خطاطيف) لا يعلم عددها إلا الله، تخطف بعض الخلائق .

قال تعالى: "وإن مِّنكُمْ إلا وارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّى الَذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا"مريم 71-72 . وعن ابن مسعود عليه السلام فى قوله تعالى : "يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " التحريم 8 ، قال : (على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم مَن نوره مثل الجبل ، ومنهم مَن نوره مثل النخلة ، ومنهم مَن نوره مثل الرجل القائم ، وأدناهم نورًا من نوره فى إبهامه ، يتقد مرة ويطفأ مرة ) .

 

7- الحوض :

يجب الإيمان بأن لكل رسول حوضًا يَرِدُه الطائعون من أمته ، وأن حوض النبى صلى الله عليه وسلم أكبرها وأعظمها ، وهو مربع الشكل، له ميزابان يصبان فيه من الكوثر ، ويَرِدُه الأخيار، وهم المؤمنون بالنبى صلى الله عليه وسلم ، الآخذون بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، ويُطرَد عنه الكفار والمبتدعة فى العقيدة ، وكل من تعامل بالربا، أو جار فى الأحكام، أو أعان ظالمًا، أو جاوز حدًّا من حدود الله ،......

وهو ثابت بأحاديث مشهورة تفيد التواتر المعنوي ، منها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حوضى مسيرة شهر، وزواياه سواء ، وماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من يشرب منه فلا يظمأ أبدًا " رواه البخارى . ويكون الشرب منه أو من غيره بعد ذلك كالتسنيم ، لمجرد اللذة .

 

8- الشفاعة :

وهى لغة : الوسيلة والطلب ، وعُرفًا : سؤال الخير للغير ، وهى تكون من الأنبياء والعلماء العاملين والشهداء والصالحين .

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها . وأريد أن أختبىء دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة " رواه البخارى , وزاد مسلم " فهى نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئاً " .

والنبى محمد صلى الله عليه وسلم أول من يفتح باب الشفاعة حين يشفع فى فصل القضاء ، وهى الشفاعة العظمى المختصة به ، والتى يغبطه عليها الأولون والآخرون، وهى المقام المحمود المذكور فى قوله تعالى: "عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا" الإسراء 79.

وعن أبى هريرة عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع وأول مشفَّع ) .

 

9- النار :

وهى دار العذاب والعقاب ، أعدها الله للكافرين والعصاة ، وثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة، ولها سبعة أبواب ، لكل باب جزء مقسوم ، والعذاب فيها مختلف الأنواع والأقسام ، وهى موجودة الآن ، وباقية لا تفنى ، والكفار فيها مخلدون ، قال تعالى : "فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" البقرة 24 وقال: " إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وإن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وسَاءتْ مُرْتَفَقًا " الكهف 29 .

وعن أبى هريرة عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " ناركم هذه التى توقدون فيها جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم " قالوا : والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال : " فإنها فُضِّلَت بتسعة وستين جزءًا ، كلهم مثل حرها " رواه البخارى . واعلم أنه لا يخلد فى النار مَن مات على التوحيد ، ولو ارتكب الكبائر ، أما من مات على الشرك والكفر فإنه لا يخرج منها أبدًا ، قال تعالى : " إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ" النساء 48 وقال: "إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ والْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ" البينة 6 . فأهل الكبائر : من مات منهم قبل التوبة يدخله الله النار ليَصْلَى جزاء ما فعل ، ثم تكون نهايته ومأواه الجنة، إلا أن يغفر الله له، فيدخله الجنة بدون سابق عذاب . وعن أنس عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "..... يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، وفى قلبه وزن ذرة من خير " من حديث رواه البخارى ومسلم والترمذى .

 

 

 

 

10.- الجنة :

وهى لغة : البستان ، والمراد هنا دار الثواب والنعيم المقيم التى أعدها الله للمؤمنين ، فيها الحور العين ، ولحم طير مما يشتهون ، وأنهار من الماء العذب والعسل المصفَّى ، واللبن الذى لم يتغير طعمه ، والخمر التى فيها لذة للشاربين ، وفيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، أهلها إخوان على سرر متقابلون ، نزع الله ما فى قلوبهم من غل ، فصاروا أحبة متمتعين ، تحيتهم فيها سلام ، ونعيمهم دائم فى دار السلام .

روي عن ابن عباس : ( ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء ) .

وللجنة ثمانية أبواب ، وهى أنواع وأقسام ودرجات ، أعلاها جنة الفردوس ، وأقل الناس فى الجنة له من النعيم ما يعدل الدنيا وسبعة أمثالها معها ، ولا يلقى أهلها موتًا ولا يعتريهم فناء .

قال تعالى : "وسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" آل عمران 132، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يبعث أشواق الصحابة إلى الجنة فيقول لهم :" ألا مشمر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها – أي لا مثيل لها- هي ورب الكعبة نور يتلألأ ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر يطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة ، وزوجة حسناء وجميلة ، وحلل كثيرة ، في حبره – يعني نعمة وسعة عيش – ونصرة ، في دور عاليه سليمة بهية " . وما إن سمع الصحابة ذلك حتى هاجت أشواقهم إلى الجنة فأجابوا النبي صلى الله عليه وسلم : نحن المشمرون لها يا رسول الله ، قال : " قولوا : إن شاء الله ، ثم ذكر الجهاد وحض عليه " رواه ابن ماجة عن أسامة بن زيد . وعن أبى هريرة عليه السلام أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درى فى السماء إضاءة ، لا يبولون ، ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ، ولا يتمخطون ، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم (مواضع البخور) الألوة ( العود ) ، أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعًا فى السماء "رواه البخارى ومسلم والترمذى .

 

11- رؤية الله عز وجل :

اعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن رؤية الله عز وجل ممكنة عقلاً واجبة نقلاً، وواقعة فعلاً فى الآخرة للمؤمنين دون الكافرين ، بلا كيف ولا انحصار ، وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك .

قال تعالى : "وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " القيامة 22-23 وقال تعالى عن المكذبين : " كَلا إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ"المطففين 15 . فبين أن الحجب عن رؤية الله عز وجل عقوبة ، فإياك أن تكون ممن يعاقب بالحرمان من رؤية الله تعالى . وقال جرير بن عبد الله : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم سترون ربكم عيانًا ، كما ترون هذا القمر ، لا تضامون ( لا تشكون ) فى رؤيته ، فإن استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ثم قرأ : "وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ" ق 39 . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى .

وعن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يقول تعالى : تريدون شيئًا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " ثم تلا : " لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وزِيَادَةٌ " يونس 26رواه مسلم وغيره .

 

التقويم

  1. وضح مفهوم اليوم الآخر ومعنى الإيمان به بصورة إجمالية .

  2. وضح اهتمام القرآن الكريم باليوم الآخر وما حكمة ذلك .

  3. وضح تفصيل الإيمان باليوم الآخر .

  4. وضح الغيبيات من الموت حتى اليوم الآخر .

  5. وضح علامات الساعة الصغرى والكبرى .

وضح مشتملات يوم القيامة .

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

سنن الصلاة

للصلاة سنن ، يستحب للمصلي أن يحافظ عليها لينال ثوابها . نذكرها فيما يلي :

( 1 ) رفع اليدين : يستحب أن يرفع يديه في أربع حالات : الاولى ، عند تكبيرة الاحرام . قال ابن المنذر : لم يختلف أهل العلم في أنه صلى الله عليه وسلم ، كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة . وقال الحافظ ابن حجر : إنه روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابيا ، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة . وروى البيهقي عن الحاكم قال : لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الاربعة ، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة فمن بعدهم من أصحابه ، مع تفرقهم في البلاد التاسعة ، غير هذه السنة . قال البيهقي : هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله . صفة الرفع : ورد في صفة رفع اليدين روايات متعددة . والمختار الذي عليه الجماهير ، أنه يرفع يديه حذو منكبيه ، بحيث تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه ، وإبهاماه شحمتي أذكيه ، وراحتاه منكبيه . قال النووي : وبهذا جمع الشافعي بين روايات الاحاديث فاستحسن الناس ذلك منه . ويستحب أن يمد أصابعه وقت الرفع . فعن أبي هريرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا . رواه الخمسة إلا ابن ماجة .

وقت الرفع : ينبغي أن يكون رفع اليدين مقارنا لتكبيرة الاحرام أو متقدما عليها . فعن نافع : أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري والنسائي وأبو داود . وعنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حين يكبر حتى يكونا حذو منكبيه أو قريبا من ذلك . الحديث رواه أحمد وغيره . وأما تقدم رفع اليدين على تكبيرة الاحرام فقد جاء عن ابن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر ، رواه البخاري ومسلم . وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث بلفظ : ( كبر ثم رفع يديه ) رواه مسلم . وهذا يقيه تقدم التكبيرة على رفع اليدين ، ولكن الحافظ قال : لم أر من قال بتقديم التكبيرة على الرفع . الثانية والثالثة : ويستحب رفع اليدين عند الركوع والرفع منه . وقد روى اثنان وعشرون صحابيا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو94 ( 1 ) منكبيه ثم يكبر ، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ، وقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد . رواه البخاري ومسلم والبيهقي . وللبخاري : ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود . ولمسلم : ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود ، وله أيضا : ولاى رفعهما بين السجدتين : وزاد البيهقي : فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى . قال ابن المدايني : هذا الحديث عندي حجة على الخلق . كل من سمعه فعليه أن يعمل به ، لانه ليس في إسناده شئ ، وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا مفردا ، وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال : أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك ، يعني الرفع في الثلاثة المواطن ، ولم يستثن الحسن أحدا . وأما ما ذهب إليه الحنفية ، من أن الرفع لا يشرع إلا عند تكبيرة الاحرام استدلالا بحديث ابن مسعود أنه قال : لاصلين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة ، فهو مذهب غير قوي ، لان هذا قد طعن فيه كثير من أئمة الحديث . قال ابن حبان هذا أحسن خبر . روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه ، وهو في الحقيقة أضعف شئ يعول عليه ، لان له عللا تبطله ، وعلى فرض التسليم بصحته ، كما صرح بذلك الترمذي ، فلا يعارض الاحاديث الصحيحة التي بلغت حد الشهرة . وجوز صاحب التنقيح أن يكون ابن مسعود نسي الرفع كما نسي غيره . قال الزيلعي في نصب الراية - نقلا عن صاحب التنقيح - : ليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب : فقد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون بعد ، وهما المعوذتان ، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه ، كالتطبيق ، ونسي كيف قيام الاثنين خلف الامام ، ونسي ما لا يختلف العلماء فيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر في وقتها ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الارض في السجود ، ونسي كيف يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ( وما خلق الذكر والانثى ) وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة ، كيف لا يجوز أن ينسى مثله في رفع اليدين ؟ الرابعة عند القيام إلى الركعة الثالثة : فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان إذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري وأبو داود والنسائي . وعن علي في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان إذا قام من السجدتين رفع يديه حذو منكبيه وكبر . رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححه : والمراد بالسجدتين الركعتان . مساواة المرأة بالرجل في هذه السنة : قال الشوكاني : واعلم أن هذه السنة يشترك فيها الرجال والنساء ، ولم يرد ما يدل على الفرق بينهما فيها ، وكذا لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة في مقدار الرفع .

 

( 2 ) وضع اليمين على الشمال : يندب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة . وقد ورد في ذلك عشرون حديثا ، عن ثمانية عشر صحابيا وتابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن سهل ابن سعد قال : كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ، قال أبو حازم : لا أعلم أنه ينمى95 ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رواه البخاري وأحمد ومالك في الموطأ . قال الحافظ : وهذا حكمه الرفع ، لانه محمول على أن الامر لهم بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنا معشر الانبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا ، ووضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة ) . وعن جابر قال : ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يصلي ، وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها ، ووضع اليمنى على اليسرى ) رواه أحمد وغيره ، قاله النووي : إسناده صحيح . وقال ابن عبد البر : لم يأت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين وذكره مالك في الموطأ وقال : لم يزل مالك يقبض حتى لقي الله عزوجل .

 

موضع وضع اليدين : قال الكمال بن الهمام . ولم يثبت حديث صحيح يوجب العمل في كون الوضع تحت الصدر ، وفي كونه تحت السرة ، والمعهود عند الحنفية هو كونه تحت السرة وعند الشافعية تحت الصدر . وعن أحمد قولان كالمذهبين ، والتحقيق المساواة بينهما . وقال الترمذي : أن أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة ، ورأى بعضهم فوق السرة ، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة ، وكل ذلك واقع عندهم . انتهى . ولكن قد جاءت روايات تفيد أنه صلى الله عليه وسلم ، كان يضع يديه على صدره ، فعن هلب الطائي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع اليمنى على اليسرى على صدره فوق المفصل ، رواه أحمد ، وحسنه الترمذي . وعن وائل بن حجر قال : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره ) رواه ابن خزيمة وصححه ورواه أبو داود والنسائي بلفظ : ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ96 والساعد . أي أنه وضع يده اليمنى على ظهر اليسرى ورسغها وساعدها .

 

( 3 ) التوجه أو دعاء الاستفتاح : يندب للمصلي أن يأتي بأي دعاء من الادعية التي كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم ويستفتح بها الصلاة ، بعد تكبيرة الاحرام وقبل القراءة . ونحن نذكر بعضها فيما يلي :

1 - عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة97 قبل القراءة فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ قال : أقول : ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، أللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من الدنس ، أللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد . ) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن . إلا الترمذي .

2 - وعن علي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال : ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين : أللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لاحسن الاخلاق ، لا يهدي لاحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، لبيك وسعديك98 ، والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك ، وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك . ) رواه أحمد ومسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم .

3 - وعن عمر : أنه كان يقول بعد تكبيرة الاحرام : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك99 ، ولا إله غيرك ) رواه مسلم بسند منقطع . والدار قطني موصولا وموقوفا على عمر . قال ابن القيم : صح عن عمر أنه كان يستفتح به في مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجهر به ويعلمه الناس ، وهو بهذا الوجه في حكم المرفوع ، ولذا قال الامام أحمد : أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر ، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي كان حسنا .

4 - وعن عاصم بن حميد قال : سألت عائشة بأي شئ كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل ؟ فقالت لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ، كان إذا قام كبر عشرا100 وحمد الله عشرا ، وسبح الله عشرا ، وهلل عشرا ، واستغفر عشرا وقال : ( اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة ) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه .

5 - وعن عبد الرحمن بن عوف قال : سألت عائشة ، بأي شئ كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت : كان إذا قام من الليل يفتتح صلاته : ( أللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك : إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

6 - وعن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في التطوع : الله أكبر كبيرا ، ثلاث مرات ، والحمد لله كثيرا ، ثلاث مرات ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، ثلاث مرات . اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ، من همزه ونفثه ونفخه ) قلت : يا رسول الله ما همزه ونفثه ونفخه ؟ قال : أما همزة فالموتة101 التي تأخذ بني آدم ، أما نفخه : الكثير ، ونفثه : الشعر ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان مختصرا .

7 - وعن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد قال : ( اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والارض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت نور السموات والارض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت مالك السموات والارض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت الحق ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، وقولك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ومحمد حق ، والساعة حق . أللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ، ولا إله غيرك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ومالك . وفي أبي داود عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان في التهجد يقوله بعدما يقول الله أكبر .

 

الحلقة

الخامسة

والثلاثون

 

الحلقة الخامسة والثلاثون

 

الدرس الأول :

 

 

الركن السادس : الإيمان بالقضاء والقدر

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر تعريف القضاء والقدر .

  2. أن يوضح المقصود بالايمان بالقضاء والقدر .

  1. تعريف القضاء والقدر :

اختلفت عبارات العلماء فى تعريف القضاء والقدر ، فمنهم من جعلهما شيئاً واحداً ومنهم من عرّف القضاء تعريفاً مغايراً للقدر فقال

القضاء معناه : إيجاد الله عز وجل الأشياء حسب علمه وإرادته ومقدرته .

والقَدَر معناه : علم الله تعالى بما تكون عليه المخلوقات فى المستقبل ، فهو راجع لصفة العلم .

ومن عرفهما تعريفاً واحداً قال : ( هو النظام المحكم الذى وضعه الله لهذا الوجود والقوانين العامة والسنن التى ربط بها الأسباب بمسبباتها ) وهذا المعنى هو ما وردت به آيات القرآن التى ذكرت القدر مثل قوله تعالى : " إنا كل شىء خلقناه بقدر " القمر 49 . وما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر فقال : القدر قدرة الرحمن . قال تعالى :" قل إن الأمر كله لله " آل عمران 154.

وعقيدة القدر مبنية فى حقيقتها على الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه الحسنى ، ومنها العلم والقدرة والإرادة قال تعالى : " وهو على كل شىء قدير " الحديد 2 وقال :" وهو بكل شيء عليم " البقرة 29 وقال :" فعّال لما يريد " البروج 16 .

قال الطحاوى : وكل شيء يجرى بتقديره ومشيئته ، ومشيئته تنفذ ، لا مشيئة العباد إلا ما شاء الله ، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا غالب لأمره . الإيمان د/ محمد نعيم ياسين

  1. المقصود بالإيمان بالقضاء والقدر :

ويجب على كل مسلم أن يؤمن بالقدر ، خيره وشره ( بإضافته إلى الناس . أما بالنسبة لله عز وجل فالقدر خير كله والشر لا ينسب إلى الله ) ، حلوه ومره . ويقصد بالإيمان بالقدر الإيمان بعلم الله القديم ، والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة . وفى بيان ذلك نعرض لأمرين :

** منطقة الجبر :

هناك أمور لا دخل للإنسان فى اختيارها : فالعقول ومقدار ما يودع فيها من ذكاء أو غباء ، والزمان الذى تولَد فيه ، والمكان الذى تحيا به ، والوالدان اللذان تنحدر منهما ، والحياة والموت ، والسعة والضيق ، كل ذلك ومثله لا يد للإنسان فيه ، فالقدر هو الذى يتحكم فى ذلك كله. وغنىٌّ عن البيان أن شيئًا من هذا ليس محل مؤاخذة ولا محاسبة؛ لأن هذا من الأمور التى لا قِبَل لنا بها، ولا سبيل لنا إليها، وفى مثلها نتلو قوله تعالى : " ورَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ"القصص 68. والإيمان بهذا القدر واجب ، وفى الحديث الحسن : " واعلم أن الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشىء لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشىء لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله عليك " .

وفى ذلك نتلو قوله تعالى : " وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ "الأنعام 17. وقوله تعالى : " قُل لَّن يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ" التوبة 51 [ تبسيط العقائد للشيخ حسن أيوب ]

** منطقة الإرادة :

أما النوع الثانى : من متعلقات القضاء والقدر فهو يتصل بأعمال على عكس النوع الأول ، ونشعر عند أدائها بحرية ميولنا ، ورقابة ضمائرنا ، واستقلال إرادتنا وقدرتنا.

قال تعالى : " وقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ " الكهف 29 .

ولو كنا مجبورين دائمًا ما نُسِبَت إلينا هداية ولا ضلال ، والله سبحانه تعالى خلق الكون وما فيه ، وجعل له سننًا وقوانين ونظمًا يسير عليها ، ومن هذه السنن والنظم ترتيب المسببات على الأسباب ، وسماها سبحانه وتعالى : سُنَّة الله .

والعجب كبير ممن يؤمن بآيات القَدَر ، ولا يؤمن بآيات السُّنَن ، فالله الذى قال : " وإن مِّن شَىْءٍ إلا عِندَنَا خَزَائِنُهُ ومَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ " الحجر 21 ، وهى من آيات القدر ، هو الذى قال : " فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ" الملك 15 ، وهى من آيات السنن .

فإنزال الله للأرزاق وغيرها بقدره وقضائه جعل الله له سببًا ، هو السعى فى الأرض ، وطلب الرزق ، وهذه سنة الله ، وإدخال الله الخَلْق الجنة أو النار بقدره وقضائه ، جعل الله له سببًا هو الطاعة أو المعصية . وما ذكر الله تعالى فى كتابه العزيز من هدايته لقوم وإضلاله للآخرين قائم على هذه السنن ، ونظام الأسباب والمسببات .

ففى سبب الإضلال يقول سبحانه وتعالى : " يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الفَاسِقِين َ" البقرة 26 . ويقول سبحانه وتعالى : " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ واللَّهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الفَاسِقِينَ " الصف 5. فإنك إذا أمعنت النظر فى هذه الآيات وجدت أن إضلال الله لقوم إنما ترتب على فسقهم ، وأن إزاغته قلوب الآخرين جاء نتيجة زيغهم .

وفى أسباب الهداية يقول سبحانه وتعالى : " والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا " العنكبوت 69 . فهداية الله لهم جاءت نتيجة جهادهم فى سبيله. وقال سبحانه وتعالى : " ويَهْدِى إلَيْهِ مَنْ أَنَابَ " الرعد 27 ، فهو أناب إلى الله فثبته الله، إذن فهى أيضًا أسباب ومسببات ، وهى جميعًا من خلق الله وتقديره .

وهذا هو فهم الرسول صلى الله عليه وسلم لآيات الله عز وجل ، وعنه فهم صحابته رضوان الله عليهم ، فجاهدوا فى سبيل ال له، وعملوا فى حياتهم على هذا الأساس ، حتى أقاموا دينًا، وبنوا دولة ، وأسسوا خير أمة أخرجت للناس ، فلا تجد فى مسيرتهم الطويلة مكانًا لمراوغ يقول : ( قدَّر الله علىَّ الضلال فما ذنبى؟!! )، أو: (أنا مُسَيَّر ولست بمُخَيَّر!! )، أو تحتج الأمة على تخلفها بالقضاء والقدر، وتَدَع أسباب النهوض ، كل هذا الكلام باطل لا ينجى صاحبه . [ تبسيط العقائد للشيخ حسن أيوب ]

 

التقويم

  1. اذكر تعريف القضاء والقدر .

  2. وضح المقصود بالايمان بالقضاء والقدر .

المصادر

1- العقائد الإسلامية للشيخ / السيد سابق .

2- الإيمان ( حقيقته أركانه نواقضه ) د/ محمد نعيم ياسين .

3- تبسيط العقائد للشيخ / حسن أيوب .

4- تعريف عام بدين الإسلام للشيخ / على طنطاوي .

5- الإيمان أولاً د/ مجدى الهلالي

 

الدرس الثاني :

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 4 ) الاستعاذة : يندب للمصلي بعد دعاء الاستفتاح وقبل القراءة ، أن يأتي بالاستعاذة ، لقول الله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )102 . وفي حديث نافع بن جبير المتقدم ، أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ) إلخ . وقال ابن المنذر : جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قبل القراءة ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) .

 

الاسرار بالاستعاذة : ويسن الاتيان بها سرا . قال في المغني : ويسر الاستعاذة ولا يجهر بها ، لا أعلم فيه خلافا . انتهى : لكن الشافعي يرى التخيير بين الجهر بها والاسرار في الصلاة الجهرية ، وروي عن أبي هريرة الجهر بها عن طريق ضعيف

مشروعيتها في الركعة الاولى دون سائر الركعات : ولا تشرع الاستعاذة إلا في الركعة الاولى . فعن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض في الركعة الثانية ، افتتح القراءة ب الحمد لله رب العالمين ، ولم يسكت . رواه مسلم . قال ابن القيم : اختلف الفقهاء ، هل هذا موضع استعاذة أو لا ؟ بعد اتفاقهم على أنه ليش موضع استفتاح ، وفي ذلك قولان ، هما رواية عن أحمد ، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة ، فيكفي فيها استعاذة واحدة ، أو قراءة كل ركعة مستقلة برأسها ؟ ولا نزاع بينهما في أن الاستفتاح لمجموع الصلاة . والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر للحديث الصحيح ، وذكر حديث أبي هريرة ثم قال : وإنما يكفي استفتاح واحد ، لانه لم يتخلل القراءتين سكوت بل تخللهما ذكر ، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمد الله ، أو تسبيح أو تهليل ، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحو ذلك . وقال الشوكاني : الاحوط الاقتصار على ما وردت به السنة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الاولى فقط .

 

( 5 ) التأمين : يسن لكل مصل ، إماما أو مأموما أو منفردا ، أن يقول آمين ، بعد قراءة الفاتحة ، يجهر بها في الصلاة الجهرية ، ويسر بها في السرية . فعن نعيم المجمر قال : صليت وراء أبي هريرة فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قرأ بأم القرآن ، حتى إذا بلغ ( ولا الضالين ) فقال آمين ، وقال الناس : آمين . ثم يقول أبو هريرة بعد السلام : والذي نفسي بيده إني لاشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكره البخاري تعليقا103 ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن السراج . وفي البخاري قال ابن شهاب : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : آمين . وقال عطاء ، آمين دعاء ، أمن ابن الزبير ومن وراء حتى إن للمسجد للجة104 وقال نافع . كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم ، وسمعت منه في ذلك خ برا . وعن أبي هريرة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال : آمين ، حتى يسمع من يليه من الصف الاول ، رواه أبو داود وابن ماجه وقال : حتى يسمعها أهل الصف الاول فيرتج بها المسجد . ورواه أيضا الحاكم وقال : صحيح على شرطهما ، والبيهقي وقال حسن صحيح . والدار قطني وقال : إسناده حسن . وعن وائل بن حجر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقال : آمين ، يمد بها صوته . رواه أحمد وأبو داود ، ولفظه ، رفع بها صوته . وحسنه الترمذي وقال : وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم ، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها . وقال الحافظ : سند هذا الحديث صحيح . وقال عطاء : أدركت مائتين من الصحابة في هذا المسجد ، إذا قال الامام : ولا الضالين ، سمعت لهم رجة آمين . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حسدتكم اليهود على شئ ، ما حسدتكم على السلام والتأمين خلف الامام . ) رواه أحمد وابن ماجة . استحباب موافقة الامام فيه : ويستحب للمأموم أن يوافق الامام ، فلا يسبقه في التأمين ولا يتأخر عنه فعن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الامام : غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فقولوا : آمين ، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه البخاري . وعنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الامام ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فقولوا آمين105 فإن الملائكة يقولون : آمين وإن الامام يقول : آمين ، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي . وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمن الامام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه الجماعة .

معنى آمين : ولفط ( آمين ) يقصر ألفه ويمد مع تخفيف الميم ، وليس من الفاتحة ، وإنما دعاه معناه : اللهم استجب .

 

( 6 ) القراءة بعد الفاتحة : يسن للمصلي أن يقرا سورة أو شيئا من القرآن بعد قراءة الفاتحة في ركعتي الصبح والجمعة ، والاوليين من الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وجميع ركعات النفل . فعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر ، في الاوليين ، بأم الكتاب وسورتين ، وفي الركعتين الاخريين ، بأم الكتاب ، ويسمعنا الاية أحيانا ، ويطول في الركعة الاولى ما لا يطول في الثانية . وهكذا في العصر ، وهكذا في الصبح . رواه البخاري ومسلم وأبو داود ، وزاد : قال : فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الاولى . وقال جابر بن سمرة : شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فعزله ، واستعمل عليهم عمارا فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي ، فأرسل إليه فقال : يا أبا إسحق إن هؤلاء يزعمون أنك تصلي ، قال أبو إسحاق : أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما أخرم عنها106: أصلي صلاة العشاء فأركد في الاوليين107 وأخف في الاخريين قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحق ، فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة ، فسأل عنه أهل الكوفة ، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه ، ويثنون معروفا ، حتى دخل مسجدا لبني عبس ، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة ، يكنى أبا سعدة فقال : أما إذا ناشدتنا الله ، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية . قال سعد : أما والله لادعون بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره ، وأطل فقره ، وعرضه للفتن ، وكان بعد يقول : شيخ مفتون أصابتني دعوة سعد . قال عبد الملك : فإنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن . رواه البخاري ، وقال أبو هريرة : في كل صلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم ، وما أخفي عنا أخفينا عنكم ، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت ، وإن زدت فهو خير ، رواه البخاري . كيفية القراءة بعد الفاتحة : والقراءة بعد الفاتحة تجوز على أي نحو من الانحاء . قال الحسين : ( غزونا خراسان ومعنا ثلثمائة من الصحابة فكان الرجل منهم يصلي بنا فيقرأ الايات من السورة ثم يركع ) . وعن ابن عباس : أنه قرأ الفاتحة وآية من البقرة في كل ركعة . رواه الدار قطني بإسناد قوي . وقال البخاري : ( باب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة ) . ويذكر عن عبد الله بن السائب : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ( المؤمنون ) في الصبح حتى إذا ذكر موسى وهارون ، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع . وقرأ عمر في الركعة الاولى بمائة وعشرين آية من البقرة ، وفي الثانية بسورة من المثاني . وقرأ الاحنف بالكهف في الاولى ، وفي الثانية بيونس أو يوسف ، وذكر : أنه صلى مع عمر الصبح بهما ، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الانفال وفي الثانية بسورة من المفصل . وقال قتادة فيمن قرأ سورة واحدة في ركعتين ، أو يردد سورة في ركعتين - : كل كتاب الله . وقال عبد الله بن ثابت عن أنس : كان رجل من الانصار يؤمهم في مسجد قباء . وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ، افتتح ب ( قل هو الله أحد ) حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة . فكلمه أصحابه فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى ، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى . فقال : ما أنا بتاركها . إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم . وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره . فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبروه الخبر فقال : ( يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ فقال : إني أحبها . فقال : ( حبك إياها أدخلك الجنة ) . وعن رجل من جهينة : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح : ( إذا زلزلت الارض ) في الركعتين كلتيهما قال : فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا ؟ رواه أبو داود ، وليس في إسناده مطعن . هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة بعد الفاتحة : نذكر هنا ما لخصه ابن القيم من قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفاتحة قال : فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها وكان يطيلها تارة ، ويخففها لعارض من سفر أو غيره ، ويتوسط فيها غالبا .

 

الحلقة

السادسة

والثلاثون

 

الحلقة السادسة والثلاثون

الدرس الأول :

 

عثمان بن عفان رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يلخص الدارس تاريخ سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنهفى سطور .

  2. أن يذكر الدارس اسمه ومولده وصفته رضي الله عنه

ج- أن يذكر الدارس إسلام سيدنا عثمان رضي الله عنه

د- أن يوضح الدارس مواقف سيدنا عثمان رضي الله عنه ( مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر وعمر – فى خلافته )

هـ. أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من مواقف سيدنا عثمان رضي الله عنه ( مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر وعمر – فى خلافته ) .

و- أن يوضح الدارس أبرز نواحي عظمة سيدنا عثمان رضي الله عنه .

ز- أن يوضح الدارس العبر والدروس المستفادة من حياة سيدنا عثمان رضي الله عنه .

ح- أن يوضح الدارس كيف يطبق هذه الدروس المستفادة فى حياته الشخصية .

ط- أن يوضح الدارس أبرز المواقف أو الصفات التى تأثر بها من شخصية سيدنا عثمان رضي الله عنه .

 

تاريخه فى سطور :

1- ولد فى العام الخامس لحادث الفيل ..

2- كان خامس خمسة آمنوا بالإسلام ..

3- كان عمره حين توفى الرسول ثمانيا وخمسين سنة .

4- تفرد من بين الصحابة بزواجه من ابنتي رسول الله و وفاتهما فى حياته ..

5- ومن أعماله الخالدة جمعه الناس على مصحف واحد وقراءة واحدة ..

6- تولى الخلافة فى غرة المحرم عام 24 هـ .

7- كان عمره حين تولى الخلافة سبعين سنة .

8- استشهد فى 18 من ذي الحجة عام 35 هـ .

9- كان عمره حين استشهد اثنتين وثمانين سنة ..

1.- مدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا ثمانية أيام ..

11- تزوج ثمانيا من النسوة توفى عن أربع منهن وهن : فاختة , وأم البنين , ورملة , ونائلة .

12- كان له تسعة أبناء وثمانى بنات : عبد الله الأكبر وعبد الله الأصغر وعمرو , وعمر , وخالد , والوليد

وسعيد وعبد الملك ..

اسمه :

هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف الأموي القرشي .

مولده :

ولد فى السنة الخامسة من ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان عمره حين البعثة خمسا وثلاثين سنة .

صفته :

كان مربوعا , حسن الوجه , رقيق البشرة , أسمر , وافر اللحية , أصلع عظيم الكتفين .

إسلامه :

كان فى جاهليته عفا , كريما , مستقيما فى خلقه , معروفا بعقله ورجاحة رأيه , فما دعاه أبو بكر إلى الإسلام حتى استجاب للدعوة , وأعلن بين يدي رسول الله إسلامه , فكان من أوائل السابقين إلى الإسلام . ولما علم عمه الحكم بإسلامه , أوثقه كتافا وقال له : ترغب عن دين آبائك إلى دين مستحدث ؟ والله لا أحلك حتى تدع ما أنت عليه ! فقال عثمان : والله لا أدعه ولا أفارقه . فيئس عمه منه وتركه وشأنه .

مع الرسول :

وكان مع رسول الله مثال المؤمن المخلص الذى وهب لله ولرسوله نفسه وحياته وراحته , زوجه رسول الله بعد إسلامه بقليل بنته رقية , ثم هاجر معها إلى الحبشة مع عشرة من الرجال وخمس من النسوة . ثم عاد منها إلى مكة قبل الهجرة . ثم كان فيمن هاجر إلى المدينة مع زوجه , ولازم رسول الله فى معاركه ومجالسه كلها , لم يغب إلا عن بدر , إذ مرضت زوجته رقية , فأذن له الرسول بالبقاء عندها لتمريضها . وقد أسهم له الرسول فى غنائم بدر كمن شهدها . ولما خرج الرسول إلى غزوة غطفان استخلفه على المدينة حتى رجع . وقد توفيت زوجته فى عام أحد , فزوجه الرسول بنته الثانية أم كلثوم , وبذلك سمي ( ذوا النورين ) . وقد كان فى غزوة الحديبية رسول النبى إلى قريش دلهم أن الرسول لا يريد حربا , وإنما يريد ومن معه من المسلمين زيارة البيت الحرام , فحبسته قريش , وأشيع فى المسلمين أنه قتل , فصمم الرسول على مناجزتهم الحرب , ودعا المسلمين إلى البيعة على الموت فى سبيل الله , وقد مد الرسول إحدى يديه وقال : هذه يد عثمان , وضرب بها يده الأخرى كمن يبايع . وفى غزوة تبوك كانت له اليد الطولى فى تجهيز الجيش والإنفاق عليه , ولم يفارق رسول الله الدنيا إلا وقد شهد له بالجنة ( رواه البخاري ) , وأصبح معدودا من كبار الصحابة ، الذين أسهموا مع النبى بأموالهم وجهودهم فى نشر الدين وتثبيت دعائمه .

مع أبى بكر وعمر :

وكان فى حياة أبى بكر وعمر من كبار رجال الدولة الذين يستشارون فى الملمات, ويعتمد عليهم فى الحوادث , ولم يضن عليهما , ولا على الدولة بمعونة ولا تأييد مادى أو معنوى , حتى آلت إليه الخلافة بعد مقتل عمر رضى الله عنه .

فى خلافته :

بويع بالخلافة من بين ستة من كبار الصحابة عينهم عمر للخلافة , واستمر فى خلافته ستة أعوام , نعم فيها المسلمون بالأمن والاستقرار , وتوالى الفتوح , واتساع رقعة الدولة . ففى عهده فتحت الخزر (الترك ) وتوغل المسلمون فى خراسان وقهستان وطخارستان , وافتتحوا تفليس وقبرص . وفى عهده أنشىء أول أسطول بحري للمسلمين . وتوالت انتصارات المسلمين فى البحر , حتى أصبحت الدولة الإسلامية دولة بحرية . ثم ابتدأت الفتنة , واضطراب أمر المسلمين ست سنوات أخرى من خلافته , لم تنته إلا بمصرعه شهيدا فى بيته على يد نفر من الأشقياء من زعماء الفتنة .

ابتدأت الفتنة بدسائس اليهودي عبد الله بن سبأ الذى تظاهر بالتشيع لعلى , والانتقاص من عثمان , وأخذ ينشر الأكاذيب عن سياسته وأعماله . وقد وجد فى دهماء الأمصار الكبرى , الكوفة والبصرة ومصر , مرتعا خصبا لترويج أكاذيبه . وقد استجاب للفتنة رءوس الشر من طالبى الزعامة , وحديثى العهد بالإسلام , ممن لم يعرفوا قدر عثمان , ولم يشهدوا بلاءه فى الدعوة , وسبقه إلى اعتناقها , ورضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه , وشهادته له بالجنة . وهكذا تعاون الدس اليهودى , مع الطمع الدنيوي , مع طيش الشباب , ونسيان آداب الإسلام مع أولى الأمر , وكبار صحابة الرسول وقدماء الدعاة إلى الله , تعاون كل ذلك على إ يجاد الفتنة الكبرى التى ابتدأت بقتل الخليفة الصحابي الجليل , وهو فوق الثمانين من عمره , ثم انتهت إلى تفريق كلمة المسلمين , وتمزيق وحدتهم , وتفريقهم إلى شيع وأحزاب , كل حزب بما لديهم فرحون .

ولقد أحكموا أسباب الفتنة , حتى أحاطت بالخليفة المظلوم من كل جانب , فأثاروا دهماء الناس فى الأمصار على ولاتهم , ليضطرب الأمن , وتنتشر الفوضى , ثم أخذوا يكتبون إلى أهل كل مصر من الأكاذيب عن سوء أوضاع البلد الآخر , مما يجعل الذين يسمعون هذه الأخبار , يعتقدون أن الظلم والفوضى و الاضطهاد ضارب أطنابه فى ذلك المصر , ثم يحمّلون تبعة ذلك كله على عثمان , أمير المؤمنين , حتى إذا بلغوا غايتهم من تهييج الدهماء , تواعدوا باسم الحج على الحضور إلى المدينة , مقر الخليفة , لمحاصرتها , وإنفاذ جريمتهم التى بيتوها . وجاء أوشاب مصر والكوفة والبصرة , كل من طريق غير طريق الآخر , حتى أحاطوا بالمدينة , فخرج إليهم على رضى الله عنه , وناقشهم , فأبطل حججهم , وبين ما يفترون على الخليفة , وما يتجاوزون فيه الحق , فتظاهروا بالاقتناع بحيث عا د علي إلى المدينة , واطمأن الصحابة إلى انتهاء الفتنة . ولكنهم سرعان ما فاجأوا المدينة بالليل , واحتلوها , وانتشروا فى أرجائها , يعلنون الثورة على خليفة المسلمين , وناقشهم عثمان فيما زعموه من أسباب ثورتهم , وتبين له أن ليس فيها سبب واحد يدعو إلى شق عصا الطاعة , ولكم الكيان الإسلامي وتوهينه . فقد أخذوا على عثمان أنه أتم الصلاة فى منى , وقد كان رسول الله وصحباه يقصران فيها , فأجابهم : إنى قدمت بلدا فيها أهلى , وأن فى الحج من هم حديثو العهد بالإسلام , فخشيت أن يظنوا أن الصلاة فى منى تكون ركعتين دائما , فأتممت لهذين الأمرين . ثم سألهم : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى وأخذوا عليه أنه أخذ بعض المراعى المملوكة لأصحابها , فحماها , وأباحها لإبل بيت المال , وغنم المسلمين , فأجابهم , بأنه فعل ذلك لمصلحة المسلمين , لا لمصلحته هو , فليس له ثاغية ولا راغية . ولقد ولى الخلافة وهو أكثر العرب بعيرا , ثم هو اليوم ليس له شاه ولا بعير إلا بعيرين يحتاجهما فى حجة ... ثم سألهم : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى.

وأخذوا عليه أنه جمع القرآن فى مصحف , وقد كان فى مصاحف متعددة . ولعمري لو لم يكن لعثمان من مأثرة فى التاريخ إلا جمع الناس على مصحف واحد , وقراءة واحدة لكفى , ولكن الحقد والجهل قلبا مأثرته الخالدة إلى نقيصة ... وقد قال لهم فى جوابه : إن القرآن واحد , جاء من عند واحد , وإنما أنا فى ذلك تابع لمن تقدمنى , وهو أبو بكر . وسألهم : أليس كذلك ؟ قالوا بلى .

وأخذوا عليه أنه استعمل الشباب الأحداث فى الوظائف والولايات , فأجابهم بأنه لم يستعمل منهم إلا مجتمعا محتملا مرضيا ولقد استعمل رسول الله أسامة , وهو شاب على كبار المهاجرين والأنصار ثم سألهم : أليس كذلك ؟ قالوا بلى.

وأخذوا عليه استعماله لبعض أقربائه , فأجابهم : بأن رسول الله قد استعمل بعض أقربائه , وما يضر الحاكم أن يتولى أقرباؤه الحكم , إذا كانوا على خير واستقامة وصلاح . وهكذا ألزمهم عثمان الحجة , ولو كانوا يريدون فى ثورتهم الحق لاستمعوا إليه , ونزلوا عنده , ولكنهم طلاب إمرة – كما قال عثمان ذلك عنهم فى بعض خطبه – رواد فتنة , وحديثو عهد بالإسلام , أغراهم الشيطان بالشر , بحجة إنكار الظلم , وطلب الإصلاح , فظلموا الأمة وأفسدوا الدولة , وفتقوا فى الإسلام فتقا لم يرتق بعد . وأحاطوا بالخليفة فحصروه فى بيته , ومنعوه من حضور المسجد , وحبسوا عنه الطعام والماء , وهو يناشدهم الله أن يذكروا صحبته لرسوله , وبلاءه فى الإسلام وإنفاقه أمواله فى سبيل الله . وما كان لمثل هؤلاء البغاة أن تهزهم سابقة عثمان ولا تضحياته , وهم لم يكن لهم شرف السبق إلى الإسلام , فيعرفوا للسابقين فضلهم , ولا كانوا أهل تضحية وإنفاق , ليذكروا للمنفقين أياديهم , وحسن صنيعهم . واستمروا فى حصار البيت , والخليفة يمنع أحدا من أن يقاومهم بالسلاح , لئلا يكون سفك دماء المسلمين على يده , وأصروا على أن يتنازل عن الخلافة , فأبى أن ينزع ثوبا ألبسه الله إياه , أو يفرط فى أمانة المسلمين فى عنقه , وهم حفنة من البغاة , لا يمثلون جماعة المسلمين , ولا يعبرون عن آرائهم . واستنجد الخليفة بالأمصار , وخشي الثائرون أن تأتيه النجدات – وقد تحركت فعلا من البصرة والشام – فينكشف أمرهم , وتخذل حركتهم ، فتسوروا على عثمان البيت ، وأحرقوا الأبواب ، وتقدم بعض أشقيائهم فضرب على رأسه ، وهو يتلو كتاب الله . وأرادت زوجته الوفية البارة (نائلة ) أن تحول دون ضربه بالسيف بيدها فتقطعت أصابعها ، ثم هجم عليه شقي آخر فأمسك بلحيته ، واحتز رأسه ، كما يحتز الجزار الشاة ، وصعدت إلى الله روح الخليفة المظلوم ، تلعن دعاة الفتنة بلسان اثنين وثمانين عاما ، كان كل يوم فيها أكرم على الله ، وأبر بالإسلام ، من أعمار هؤلاء الأشقياء جميعا . ولم يكتفى الأشقياء بجريمتهم ، بل انتهبوا ما فى البيت من أثاث ، ثم أتوا إلى بيت المال فانتهبوه كله ، وشاع فى المدينة قتل الخليفة ، وكان ذلك لثمانى عشرة خلت من ذي الحجة سنة 35 هـ .

أبرز نواحى عظمته :

نقتصر – وقد طال الحديث – فى الكلام عن عظمته رضى الله عنه , على الناحية البارزة فى تاريخه , وهى سخاؤه العظيم فى سبيل الدعوة , وإنفاقه عليها فى حياة رسول الله وبعده , ما جعله يكاد ينفرد بذلك بين عظماء الصحابة , أنفق على تجهيز جيش العسرة فى غزوة تبوك عشرة آلاف دينار وثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها , وخمسين فرسا . وجهز ثلاثمائة من فقهاء الصحابة ليكونوا فى الجيش , وكان لذلك وقع كبير الأثر فى نفس الرسول حتى إنه قال : (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم ) صححه الحاكم والذهبي ، ثم رفع يديه إلى السماء وقال : ( اللهم ارض عن عثمان فإنى راض عنه ) ورد عند أبى سعيد مرفوعا : ( اللهم رضيت عن عثمان فارض عنه ) ثلاثا .

وله مأثرة كبرى فى حياة الرسول , فقد قال عليه الصلاة والسلام مرة : ( من يحفر بئر رومة فله الجنة) البخاري : 5/17 ، فاشتراها عثمان , ثم تصدق بها على المساكين , وكان يستقى منها كما يستقى كل واحد منهم وفى عام الرمادة , فى عهد عمر , حيث أكل الناس الشجر والدواب من المجاعة , تصدق بألف بعير عليها المؤونة والطعام وقد جاءه التجار ليشتروها منه فقال : إنى بعتها لله وإنها صدقة على المسلمين .

عثمان بن عفان رضي الله عنه والقرآن الكريم :

عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قال هو عثمان بن عفان وقال ابن عباس في قوله تعالى هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم قال هو عثمان .

وقال سفيان بن عيينة سمعت الحسن يقول قال عثمان لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه وقال أنس ومحمد بن سيرين قالت امرأة عثمان يوم الدار اقتلوه أو دعوه فوالله لقد كان يحيى بالقرآن في ركعة وقال غير واحد إنه رضي الله عنه كان لا يوقظ احدا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه إلا أن يجده يقظانا وكان يصوم الدهر وكان يعاتب فيقال لو أيقظت بعض الخدم فيقول لا الليل لهم يستريحون فيه وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه وهو في بيت مغلق عليه ولا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه رضي الله عنه

ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سني حياته وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره وربما خطّأ الآخر أو كفّره فأدى ذلك إلى اختلاف شديد وانتشار في الكلام السىء بين الناس فركب حذيفة إلى عثمان فقال يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف فاستدعى بالصاحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت يجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته ثم كانت عند عمر فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين

فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش فكتب لأهل الشام مصحفا ولأهل مصر آخر بعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة بآخر وأرسل إلى مكة مصحفا وإلى اليمن مثله وأقر بالمدينة مصحفا ويقال لهذه المصاحف الائمة وليست كلها بخط عثمان بل ولا واحد منها وإنما هي بخط زيد بن ثابت وإنما يقال لها المصاحف العثمانيه نسبة إلى أمره وزمانه وإمارته كما يقال دينار هرقلي أي ضرب في زمانه ودولته قال الواقدي حدثنا ابن أبي سبرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ورواه غيره من وجه آخر عن أبي هريرة قال لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال أصبت ووفقت أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أشد أمتي حبا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني يعملون بما في الورق المعلق . فقلت أي ورق حتى رأيت المصاحف قال فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف . ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه لئلا يقع بسببه اختلاف . عن سويد بن غفلة قال : قال لي عليّ حين حرق عثمان المصاحف : لو لم يصنعه هو لصنعته ، وهكذا رواه أبو داود .. سمعت سويد بن غفلة قال : قال عليّ : أيها الناس إياكم والغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل .

يفرح حين لا يرى المعصية :

أخبر عثمان أن قوما قد اجتمعوا على أمر قبيح , فخرج إليهم , فوجدهم قد تفرقوا , ورأى أثرا قبيحا , فحمد الله إذ لم يصادفهم , وأعتق رقبة ( الرياض النضرة 2/112 ) .

فانظر هذا الفقه فى دين الله , وقارن بين هذا وبين ما يفعله بعض المتدينين الجاهلين من تتبع عورات الناس , وإشاعة الفاحشة عنهم , ويلبس الشيطان عليهم بأن هذا غضب لله , ودفاع عن الفضيلة , حتى ليحرضون على التشهير بمن أشيع عنه السوء , حسبة لله عز وجل ! وإنا لله من الإنحراف فى فهم الدين , كيف يكون أضر على الدين ممن يعصى الله , وهو يخجل من معصيته ! ...

الخوف من الله :

قال عثمان : لو أنى بين الجنة والنار , ولا أدرى إلى أيتهما يؤمر بي , لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير ( الرياض النضرة 2/111 ) وكان لعثمان عبد فقال له , إنى كنت عركت أذنك فاقتص منى , فأخذ العبد بأذنه . فقال عثمان : اشدد يا حبذا قصاص فى الدنيا , لا قصاص فى الآخرة ( الرياض النضرة 2/126 )

الحياء من الإيمان :

قال عثمان يوم حوصر فى الدار : وأيم الله ما زنيت فى جاهلية ولا إسلام وما ازددت للإسلام إلا حياء ( الرياض النضرة 2/1.8 )

المؤمن ينظر بنور الله :

دخل رجل على عثمان , وقد نظر إلى امرأة أجنبية , فلما نظر إليه عثمان قال , أيدخل على أحدكم وفى عينيه أثر الزنى ؟ فقال له الرجل : أوحى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عثمان : لا ولكنه قول حق , وفراسة صديق .

يتاجر مع الله فيربح :

قحط الناس فى زمن أبى بكر رضى الله عنه , فقدمت لعثمان ألف راحلة برا وطعاما , فغدا التجار عليه فقالوا : بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برا وطعاما , بعنا حتى نوسع به على فقراء المدينة , فقال لهم عثمان : كم تربحونى على شرائي ؟ قالوا العشرة اثنى عشر , قال قد زادنى , قالوا من زادك ونحن تجار المدينة , . قال زادونى بكل درهم عشرة ! هل عندكم زيادة ؟ قالوا : لا . قال : فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة .

الحاكم المسلم مع شعبه :

كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة , ويأكل الخل والزيت ! وقال عبد الله بن شداد : رأيت عثمان يخطب يوم الجمعة وهو يومئذ أمير المؤمنين وعليه ثوب قيمته أربعة دراهم أو خمسة .

ذوق العابد المسلم :

كان عثمان لا يوقظ أحدا من أهله من الليل إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه .

فانظر إلى هذا الذوق الإسلامى الرفيع الذى يرى أن العبادة لله تتنافى مع إزعاج الناس أو إرهاقهم وقارن بين هذا وبين ما يبدو على كثير من المتعبدين الجاهلين من غلظة وقسوة وإرهاق للناس واستخدام لهم فى كل شئونهم دون حساب لإرهاقهم وأوقاتهم .

عليكم بالجماعة :

دخل أبو قتادة ورجل آخر على عثمان وهو محصور فاستأذناه فى الحج فأذن لهما . فقالا له : إن غلب هؤلاء القوم ( أى دعاة الفتنة ) مع من نكون ؟ قال عليكم بالجماعة . قالوا فإن كانت الجماعة هى التى تغلب عليك ! مع من نكون ؟ قال : فالجماعة حيث كانت ( الرياض النضرة 2/128 ) .

هذا هو الفقه بدين الله وهذا هو الإسلام الذى حمله لنا صحابة رسول الله لنا لا كإسلام بعض الناس الذين يفرقون الصفوف وينبذون الجماعة , وهم يزعمون أنهم على الحق وما آذى الحق شيء كاختلافهم وتمردهم وخداع الشيطان لهم بأنهم وحدهم على الحق . والجماعة كلها ضالة منحرفة نعوذ بالله من الخذلان وركوب الهوى ...

من كلماته الخالدة :

قال فى أول كتاب بعثه إلى عماله فى الأمصار . أما بعد : فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة ، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا فى أمور المسلمين وفيما عليهم ، فتعطوهم ما لهم وتأخذوهم بالذى عليهم .

وكتب إلى الناس فى الأمصار يقول لهم : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، ولا يذل المؤمن نفسه ، فإنى مع الضعيف على القوى ، ما دام مظلوما إن شاء الله .

ومن كتابه إلى الناس فى الحج قبل اغتياله : أما بعد فإن أقواما ممن كان يقول فى هذا الحديث ، أظهروا للناس أنهم إنما يدعون إلى كتاب الله عز وجل ، والحق ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها ، فلما عرض عليهم الحق تركوه وأرادوا أن يبتغوا الأمر بغير الحق .

وصية عثمان :

لما قتل عثمان شهيدا فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه . فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها ( هذه وصية عثمان ) بسم الله الرحمن الرحيم . عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق . وأن الله يبعث من فى القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد . عليها يحيا وعليها يموت وعليها يبعث إن شاء الله ( الرياض النضرة 2/133 )

رضى الله عنه وأرضاه وأثابه . رحم الله عثمان على بلائه فى الإسلام . وسخائه للدعوة ، وصبره عند المحنة . واستشهاده بأيدي دعاة الفتنة .

التقويم

  1. لخص تاريخ سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنهفى سطور .

  2. أذكر اسم ومولد وصفة سينا عثمان بن عفان رضي الله عنه

  3. أذكر إسلام سيدنا عثمان رضي الله عنه

  4. وضح أبرز مواقف سيدنا عثمان رضي الله عنه ( مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع أبى بكر وعمر – فى خلافته )

  5. أستخلص الدروس المستفادة من مواقف سيدنا عثمان رضي الله عنه ( مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر وعمر – فى خلافته ) .

  6. وضح أبرز نواحي عظمة سيدنا عثمان رضي الله عنه .

  7. وضح العبر والدروس المستفادة من حياة سيدنا عثمان رضي الله عنه .

  8. وضح كيف تطبق هذه الدروس المستفادة فى حياتك الشخصية .

  9. وضح أبرز المواقف أو الصفات التى تأثرت بها من شخصية سيدنا عثمان رضي الله عنه .

 

الدرس الثاني :

صفة صلاة النبي – سيد سابق

قراءة الفجر : وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة آية . وصلاها بسورة ( ق ) ، وصلاها ب ( الروم ) وصلاها ب ( إذا الشمس كورت ) وصلاها ب ( إذا زلزلت ) في الركعتين كلتيهما ، وصلاها بالمعوذتين وكان في السفر ، وصلاها فافتتح بسورة ( المؤمنون ) حتى بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الاولى فأخذته سعلة فركع ، وكان يصليها يوم الجمعة ب ( ألم تنزيل ( السجدة ) وسورة ( هل أتى على الانسان ) كاملتين ، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه . وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فضلت بسجدة ، فجهل عظيم ، ولهذا كره بعض الائمة قراءة سورة ( السجدة ) لاجل هذا الظن . وإنما كان صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين ، لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد ، وخلق آدم ودخول الجنة والنار ، وغير ذلك ، مما كان ويكون في يوم الجمعة . فكان يقرا في فجرها ، ما كان ويكون في ذلك اليوم ، تذكيرا للامة بحوادث هذا اليوم ، كما كان يقرأ في المجامع العظام ، كالاعياد والجمعة ، بسورة ( ق ) و ( اقتربت ) و ( يسبح )108 و ( الغاشية ) .

القراءة في الظهر: فكان يطيل قراءتها أحيانا ، حتى قال أبو سعيد : كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع ، فيقضي حاجته ، ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الاولى ، مما يطيلها ، رواه مسلم ، وكان يقرأ فيها تارة بقدر ( الم تنزيل ) وتارة ( سبح اسم ربك الاعلى ) ( والليل إذا يغشى ) وتارة ب ( والسماء ذات البروح ) ، ( والسماء والطارق ) .

القراءة في العصر : وأما العصر فعلى النصف من قراءة صلاة الظهر إذا طالت . وبقدرها إذا قصرت .

القراءة في المغرب : وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل اليوم ، فإنه صلاها مرة ب ( الاعراف ) في الركعتين ومرة ب ( الطور ) ومرة ب ( المرسلات ) قال أبو عمر ابن عبد البر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب ب ( المص ) ( الاعراف ) وأنه قرأ فيها ب ( الصافات ) وأنه قرأ فيها ب ( حم ) الدخان ، وأنه قرأ فيها ب ( سبح اسم ربك الاعلى ) وأنه قرأ فيها ب ( والتين والزيتون ) ، وأنه قرأ فيها بالمعوذتين وأنه قرأ فيها ب ( المرسلات ) ، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل . وقال : وهي كلها آثار صحاح مشهورة ، انتهى كلام ابن عبد البر . وأما المداومة فيها على قصار المفصل دائما ، فهو فعل مروان بن الحكم ، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت وقال مالك تقرا في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين ؟ قال قلت : وما طولى الطوليين ؟ قال : الاعراف . وهذا حديث صحيح ، رواه أهل السنن . وذكر النسائي عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة ( الاعراف ) فرقها في الركعتين . فالمحافظة فيها على الاية والسورة من قصار المفصل خلاف السنة ، وهو فعل مروان بن الحكم .

القراءة في العشاء : وأما العشاء الاخرة : فقرأ فيها صلى الله عليه وسلم ب ( والتين والزيتون ) ووقت لمعاذ فيها ب ( والشمس وضحاها ) ( وسبح اسم ربك الاعلى ) ( والليل إذا يغشى ) ونحوها . وأنكر عليه قراءته فيها ( البقرة ) بعد ما صلى معه ، ثم ذهب إلى بني عمرو ابن عوف فأعادها لهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله ، وقرأ ( البقرة ) ولهذا قال له : ( أفتان أنت يا معاذ ؟ ) فتعلق النقادون بهذه الكلمة ، ولميلتفتوا إلى ما قبلها ولا إلى ما بعدها . القراءة في الجمعة : وأما الجمعة فكان يقرا فيها بسورة ( الجمعة ) و ( المنافقين ) أو ( الغاشية ) كاملتين وسورة ( سبح ) و ( الغاشية ) . وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من ( يأيها الذين آمنوا ) إلى آخرها ، فلم يفعله قط . وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه .

القراءة في العيدين : وأما القراءة في الاعياد فتارة يقرأ سورة ( ق ) و ( اقتربت ) كاملتين وتارة سورة ( سبح ) و ( الغاشية ) وهذا هو الهدي الذي استمر عليه إن أن لقي الله عزوجل ، لم ينسخه شئ ، ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده . فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في الفجر سورة ( البقرة ) حتى سلم منها قريبا من طلوع الشمس فقالوا : يا خليفة رسول الله ، كادت الشمس تطلع ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها ب ( يوسف ) و ( النحل ) و ( هود ) وبني إسرائيل ، ونحوها من السور . ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخا لم يخف على خلفائه الراشدين ويطلع عليه النقادون . وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ( ق والقرآن المجيد ) وكانت صلاته بعد تخفيفا فالمراد بقوله بعد : أي بعد الفجر ، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها وصلاته بعدها تخفيفا . ويدل على ذلك قول أم الفضل وقد سمعت ابن عباس يقرأ ( والمرسلات عرفا ) فقالت : يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه السورة ، إنها لاخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرأ بها في المغرب ، فهذا في آخر الامر إلى أن قال : وأما قوله صلى الله عليه وسلم ، يقرأ بها في المغرب ، فهذا في آخر الامر إلى أن قال : وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيكم أم بالناس فليخفف ) وقول أنس : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام ) فالتخفيف أمر نسي ، يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه ، لا إلى شهوة المأمومين ، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة . فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به ، فأنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها . وهديه الذي واظب عليه ، هو الحاكم على كل ما تنازع عليه المتنازعون . ويدل ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا ب ( الصافات ) ، فالقراءة ب ( الصافات ) من التخفيف الذي كان يأمر به . قراءة سورة بعينها : وكان صلى الله عليه وسلم لا يعين سورة في الصلاة بعينها ، لا يقرأ إلا بها ، إلا في الجمعة والعيدين ، وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود ، في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال : ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة . وكان من هديه قراءة السور الكاملة ، وربما قرأها في الركعتين وربما في أول السورة . وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه . وأما قراءة السورتين في الركعة فكان يفعله في النافلة ، وأما في الفرض فلم يحفظ عنه ، وأما حديث ابن مسعود : إني لاعرف النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن السورتين في الركعة . ( الرحمن ) ( والنجم ) في ركعة . ( واقتربت ) و ( الحاقة ) في ركعة ، و ( والطور ) ( والذاريات ) في ركعة ، ( إذا وقعت ) و ( نون ) في ركعة . الحديث . فهذا حكاية فعل لم يعين محله . هل كان في الفرض أو في النفل ؟ وهو محتمل . وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معا فقلما كان يفعله . وقد ذكر أبو داود عن رجل من جهينة : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح ( إذا زلزلت ) في الركعتين كلتيهما قال : فلا أدري . أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا .

إطالة الركعة الاولى في الصبح : وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الاولى على الثانية من صلاة الصبح ، ومن كل صلاة وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم ، وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات . وهذا ، لان قرآن الفجر مشهود ، يشهده الله تعالى وملائكته . وقيل : يشهده ملائكة الليل والنهار . والقولان مبنيان على أن النزول الالهي ، هل يدوم إلى انقضاء صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر ؟ وقد ورد فيه هذا وهذا . وأيضا ، فإنها لما نقص عدد ركعاتها جعل تطويلها عوضا عما نقصته من العدد ، وأيضا فإنها تكون عقيب النوم والناس مستريحون ، وأيضا فإنهم لم يأخذوا بعد في استقبال المعاش وأسباب الدنيا ، وأيضا فإنها تكون في وقت تواطأ السمع واللسان والقلب ، لفراغه وعدم تمكنه من الاشتغال فيه . فيفهم القرآن ويتدبره ، وأيضا فإنها أساس العمل وأوله ، فأعطيت فضلا من الاهتمام بها وتطويلها ، وهذه أسرار إنما يعرفها من له التفات إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها . صفة قراءته صلى الله عليه وسلم : وكانت قراءته مدا ، يقف عند كل آية ، ويمد بها صوته . انتهى كلام ابن القيم .

ما يستحب أثناء القراءة : يسن أثناء القراءة ، تحسين الصوت وتزيينه : ففي الحديث . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( زينوا أصواتكم بالقرآن ) وقال : ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) وقال : ( إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه وحسبتموه يخشى الله ) وقال : ( وما أذن الله شئ109 ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ) . قال النووي : يسن لكل من قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله ، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ به من النار ، أو من العذاب ، أو من الشر ، أو من المكروه ، أو يقول : اللهم إني أسألك العافية ، أو نحو ذلك ، وإذا مر بآية تنزيه لله سبحانه وتعالى نزه الله فقال : ( سبحانه وتعالى ، أو تبارك الله رب العالمين ؟ أو جلت عظمة ربنا ، أو نحو ذلك . وروينا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فاتتح ( البقرة ) فقلت : يركع عند المائة ، ثم مضى ، فقلت : يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ، ثم افتتح ( آل عمران ) فقرأها ثم افتتح ( النساء فقرأها ، يقرأ مترسلا ، إذا مر بآية تسبيح سبح ، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ ، رواه مسلم . قال أصحابنا : يستحب هذا ، والتسبيح السؤال والاستعاذة للقارئ في الصلاة وغيرها ، وللامام والمأموم والمنفرد ، لانه دعاء ، فاستووا فيه ، كالتأمين ، ويستحب لكل من قرأ ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) أن يقول : بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، وإذا قرأ ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) قال : بلى أشهد ، وإذا قرأ ( فبأي حديث بعده يؤمنون ) قال آمنت بالله . وإذا قال ( سبح اسم ربك الاعلى ) قال : سبحان ربي الاعلى . ويقول هذا في الصلاة وغيرها . مواضع الجهر والاسرار بالقراءة : والسنة أن يجهر المصلي في ركعتي الصبح والجمعة ، والاوليين من المغرب والعشاء ، والعيدين والكسوف والاستسقاء ، ويسر في الظهر والعصر ، وثالثة المغرب والاخريين من العشاء . وأما بقية النوافل ، فالنهارية لا جهر فيها ، والليلية يخير فيها بين الجهر والاسرار . والافضل التوسط : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بأبي بكر وهو يصلي ، يخفض صوته ، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته ، فلما اجتمعا عنده قال : ( يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك ؟ ) فقال : يا رسول الله قد أسمعت من ناجيت ، وقال لعمر : ( مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك ) فقال : يا رسول الله ، أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان . فقال صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا ) وقال لعمر : ( اخفض من صوتك شيئا ) رواه أحمد وأبو داود . وإن نسي فأسر في موضع الجهر ، أو جهر في موضع الاسرار فلاشئ عليه ، وإن تذكر أثناء قراءته بنى عليها .

القراءة خلف الامام : الاصل أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة سورة الفاتحة ، في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل كما تقدم في فرائض الصلاة إلا أن المأموم تسقط عنه القراءة ويجب عليه الاستماع والانصات في الصلاة الجهرية ، لقول الله تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) . ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كبر الامام فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا ) صححه مسلم وعلى هذا يحمل حديث ( من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة ) : أي إن قراءة الامام له قراءة في الصلاة الجهرية ، وأما الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية ، إذا كان بحيث لا يتمكن من الاستماع للامام . قال أبو بكر بن العربي : والذي نرجحه وجوب القراءة في الاسرار . لعموم الاخبار110 ، أما الجهر فلا سبيل إلى القراءة فيه لثلاثة أوجه : أحدها : أنه عمل أهل المدينة ، الثاني أنه حكم القرآن قال الله تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) وقد عضدته السنة بحديثين . أحدهما حديث عمران بن حصين ( قد111 علمت أن بعضكم خالجنيها112 ) . الثاني : قوله : ( وإذا قرأ فأنصتوا ) . الثالث : الترجيح ، إن القراءة مع الامام لا سبيل إليها ، فمتى يقرأ ؟ فإن قيل يقرأ في سكتة الامام قلنا . السكوت لا يلزم الامام ، فكيف يركب فرض على ما ليس بفرض ؟ لا سيما وقد وجدنا وجها للقراءة مع الجهر ، وهي قراءة القلب بالتدبر والتفكر ، وهذا نظام القرآن والحديث وحفظ العبادة . ومراعاة السنة ، وعمل بالترجيح انتهى . وهذا اختيار الزهري وابن المبارك ، وقول لمالك وأحمد وإسحاق ، ونصره ورجحه ابن تيمية .

 

 

الحلقة

السابعة

والثلاثون

 

الحلقة السابعة والثلاثون

 

الدرس الأول :

على بن أبى طالب رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يلخص الدارس تاريخ سيدنا علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه

  2. أن يذكر الدارس ( اسم وكنية ومولد ونشأة ووصف ومتى أسلم ) سيدنا علىّ رضي الله عنه

ج- أن يوضح الدارس خلافة سيدنا علىّ وأحداث الفتنة لتى دارت فيها وأسباب استشهاده .

د- أن يذكر الدارس العبر والعظات التى يستخلصها من استشهاد الإمام علىّ رضي الله عنه .

هـ. أن يوضح الدارس أبرز نواحي عظمة سيدنا علىّ رضي الله عنه .

و- أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من نواحي عظمة الإمام علىً رضي الله عنه .

ز- أن يوضح الدارس أبرز مآثر وصفات الإمام علىً رضي الله عنه التى تأثر بها شخصياً

تاريخه فى سطور :

1- أول من أسلم من الصبيان وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2- استخلفه الرسول فى بيته ليلة الهجرة. ووكل إليه رد ودائع المشركين .

3- زوجه الرسول ابنته فاطمة فى السنة الثانية من الهجرة .

4- لم يتزوج غير فاطمة حتى توفيت بعد وفاة الرسول بستة أشهر .

5- كان عمره حين أسلم عشر سنين ، وحين هاجر ثلاثا وعشرين ، وحين توفى الرسول ثلاثا وثلاثين ، وحين استشهد ثلاثا وستين سنة .

6- تولى الخلافة فى 25 من ذي الحجة لعام 35 من الهجرة .

7- واستشهد بالكوفة ليلة 17 من رمضان سنة4. .

8- كانت مدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر و22 يوما .

اسمه وكنيته :

هو علىّ بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي .يجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى جده الأول عبد المطلب. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية تجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى جده الثانى. وهى أول هاشمية ولدت هاشميا. وكنيته أبو الحسن ، وكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أبا تراب ) فكان علىّ يحب أن ينادى به.

مولده ونشأته وصفته :

ولد فى جوف الكعبة ، فى السنة الثانية والثلاثين من ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كان أبوه أبو طالب أكبر زعماء قريش وشيخ شيوخها . وله فضل فى كف أذى قريش عن النبى صلى الله عليه وسلم فى بدء الدعوة. وكان ضيق الحال ، كثير العيال ، فاتفق حمزة والرسول – قبل البعثة – على أن يخففا عن أبى طالب مؤونة العيال ، فكان علىّ من نصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتربى فى حجره ، ولازمه حتى بعثه الله بالرسالة .

كان أسمر اللون ، أصلع الرأس ، ليس فى رأسه شعر إلا من خلفه ، أبيض شعر الرأس واللحية ، أدعج العينين (شدة سواد العين مع سعتها ) عريض المنكبين ، شديد الساعد واليد ، خشن الكفين ، عظيم البطن ، قريبا إلى السمن ، ربعة من الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير حسن الوجه ، ضحوك السن ، إذا مشى تكفأ (ماد وتمايل ) ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس.

إسلامه :

لم يتدنس رضى الله عنه بدنس الجاهلية ، إذ أسلم دون البلوغ . وأرجح الأقوال : أن عمره حينئذ عشر سنين ، فكان أول من أسلم من الصبيان . رآه أبو طالب فى أحد شعاب مكة يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك ثاني يوم من الرسالة – فقال له أبوه : أي بنى : ما هذا الدين الذى أنت عليه ؟ فقال علىّ : يا أبى ! آمنت برسول الله ، وصدقت بما جاء به وصليت معه لله ، واتبعته ! فقال أبو طالب : أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه .

مع الرسول :

وما زال منذ أن أسلم يبدى من حبه للرسول ، وتفانيه فى دعوته ،وتضحيته فى سبيلها ، ما جعله من أحب الصحابة إلى قلب رسول الله . استخلفه الرسول فى فراشه ليلة الهجرة ، وجعله أخاه ، حين آخى بين المهاجرين والأنصار فى المدينة ، وشهد المشاهد كلها مع الرسول ، وأبلى فيها البلاء الحسن ، ولم يتخلف عن الجهاد مع الرسول إلا فى غزوة تبوك ، إذ استخلفه على المدينة ، فقال على : أتخلفني فى الصبيان والنساء ؟ فأجابه عليه السلام : ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبي بعدى !( رواه البخاري) ..وأرسله الرسول بسورة براءة ليقرأها على الناس فى موسم الحج فى العام التاسع للهجرة ، وكان حامل راية الرسول فى أكثر الغزوات .. واستمر فى لزوم رسول الله ، والتضحية فى سبيل الإسلام ، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد أن زوجه فاطمة ، وبشره بالجنة ، فكان أحد العشرة المبشرين بها (حديث العشرة المبشرون بالجنة رواه أبو داود والترمذي)

بعد الرسول :

ولما استخلف أبو بكر رضي الله عنه ، ورأى إجماع الصحابة على استخلافه بايعه علىّ عن رضا وطيب نفس ، وظل طيلة حياة أبى بكر . نعم العون والوزير. يساهم فى إدارة الدولة وتصريف الشئون بصدق وإخلاص . وكذلك كان مع عمر ، فقد كان له وزير صدق ، حتى زوجه بنته أم كلثوم . وكثيرا ما كان عمر يستخلفه على المدينة إذا غاب عنها . وكان فى عهد عمر من كبار الدولة . الذين تعقد عليهم الآمال. حتى جعله عمر من الستة الذين يختار منهم الخليفة من بعده. ولما استخلف عثمان بايعه فيمن بايع من جمهور الصحابة. والتزم نصحه ومؤازرته ، وكان موقفه منه حين ثارت الفتنة ، موقف الناصح المدافع عنه. ولما أطبق الثوار على قصر الخليفة الشهيد ، أرسل ولديه الحسن والحسين بسيفيهما ، حتى نفذ قضاء الله .

فى خلافته :

بويع بالخلافة بعد مقتل عثمان رضى الله عنه , وكانت أيامه فيها فتن ومعارك دامية صرفت المسلمين مؤقتا عن إتمام رسالتهم العالمية بالفتوح التى بدأت فى عهد أبى بكر , واستمرت طيلة عهد عمر , وشطرا كبير من عهد عثمان . ولذلك لم يتح له أن يتم الفتوحات , ويتفرغ للإصلاح والبناء . ولو امتد به الأجل , وخلا عهده من الفتن , لكان كعهد عمر , من أزهى عصور التاريخ الإسلامى عدالة واستقامة ويمنا وبركة على الإسلام , ورحمة للإنسانية .

ومع الفتن التى أحاطت بخلافته , فقد كان رضى الله عنه , شديدا فى الحق , مقيما للعدل , خاشعا لله , مجتهدا فى نصح الأمة , يولىّ الأخيار , ويحاسب المقصرين , ولا يجامل فى الحق أبدا , ولا يخاف فى الله لومة لائم , زاهدا فى الدنيا , بعيدا عن الترف , وكما كانت حياته جهادا , فقد كان موته استشهادا .

أسباب استشهاده :

كان قبول علىّ رضى الله عنه لفكرة التحكيم – فى موقعة صفين – على غير رضا منه , وكان يرى أن قبول التحكيم بينه وبين معاوية ضعف , بعد أن كادت ترجح كفته فى القتال , لكن جيشه أجبره على قبول التحكيم . و وقعت الاتفاقية بين الفريقين , بتحكيم أبى موسى الأشعري , نيابة عن علىّ وجيشه , وتحكيم عمرو بن العاص , نيابة عن معاوية ومن معه . وانصرف الجيشان من المعركة إلى بلادهم . أما جيش معاوية فقد رجع صفا واحدا , وقلبا واحدا . وأما جيش علىّ , فكانوا كما روى الطبري عن عمارة بن ربيعة : خرجوا مع علىّ إلى صفين وهم متوادون أحباء , فرجعوا متباغضين أعداء , ما برحوا من معسكرهم بصفين حتى فشا فيهم التحكيم

( أى إنكار التحكيم ) . ولقد أقبلوا يتدافعون الطريق كله ويتشاتمون , ويضطربون بالسياط . يقول الخوارج : يا أعداء الله أدهنتم (صانعتم ولاينتم ) فى أمر الله وحكمتم . وقال الآخرون : فارقتم إمامنا , وفرقتم جماعتنا (تاريخ الطبري ) . فلما دخل على الكوفة , فارقته جماعة الخوارج وهم يعلنون كفره – وقد كانوا من أشد أنصاره – وكفر من معه , لأنه قبل بالتحكيم , ولا حكم إلا لله عز وجل . وحاول علىّ أن يقنعهم بالحجة ، فأرسل إليهم ابن عباس ، فحاجهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولزمتهم الحجة ، لولا أن الشيطان يفعل فى العابد التقى مالا يفعله فى الفاجر الشقي . وزين لهم الشيطان خروجهم على الجماعة ، واستباحتهم دماء إمامهم وإخوانهم ، وتجمعوا فى مكان يقال له النهروان (كورة واسعة بين بغداد وواسط ) . وأخيرا وقعت الواقعة بينهم وبين علىّ رضى الله عنه ، فانكسروا شر انكسار ، وقتل أكثرهم ، وخرج كثير منهم ، وكان ذلك سنة 38 من الهجرة

تدبير المؤامرة :

وفى عام 4. هـ اجتمع ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن ملجم (كان من شيعة علىّ ثم خرج عليه ) ، والبرك بن عبد الله ( ثائر من أهل البصرة وهو أول من عارض فى التحكيم وخرج على الفريقين) ، وعمرو بن بكر التميمى ، فتذاكروا الناس ، وعابوا على ولاتهم ، كما ذكروا جمعتهم أهل النهـروان ، وترحموا عليهم وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا ، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم ، والذين كانوا لا يخافون فى الله لومة لائم ، فلو شرينا (بعنا) أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم لإخواننا . فقال ابن ملجم – وكان من أهل مصر – أنا أكفيكم على بن أبى طالب ، وقال البرك بن عبد الله : أنا أكفيكم معاوية بن أبى سفيان ، وقال عمرو بن بكر : أن أكفيكم عمرو بن العاص . فتعاهدوا وتواثقوا بالله ، لا ينكص رجلا منا عن صاحبه الذى توجه إليه ، حتى يقتله أو يموت دونه ، وتواعدوا أن ينفذوا جريمتهم لسبع عشرة تخلو من رمضان ، وأقبل كل منهم على المصر الذى سيقيم فيها صاحبه الذى تكفل باغتياله ؛ فأما البرك بن عبد الله ، فقد تربص لمعاوية ليلة السبع عشر من رمضان فلما خرج ليصلى الصبح شد عليه بسيفه ، فوقع فى إليته، وكان معاوية سمينا فلم يؤثر فيه وقبض على البرك ، وأما عمرو بن بكر فحصر عمرو بن العاص تلك الليلة ولم يخرج عمرو إذ كان قد اشتكى وجعا فى بطنه ، وخرج بدلا عنه خارجة بن حذافة ، صاحب شرطته ، فضربه ابن بكر بالسيف ، فقتله وقبض الناس عليه ، وهو يظن أنه قتل عمرو بن العاص . فلما مثل بين يديه قال له : والله يا فاسق ما ظننته غيرك . وقال عمرو : أردتنى وأراد الله خارجة ، ثم أمر بقتله فقتل .

استشهاد علىّ رضى الله عنه :

وأما بن ملجم ، فقد نزل الكوفة ، فلقي امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام ، وقد كان أبوها وأخوها ممن قتل من الخوارج يوم النهروان ، وكانت بارعة الجمال ، ففتن بجمالها ، ونسى الغرض الذى جاء من أجله – وهو قتل علىّ رضى الله عنه – وقرر أن يخطبها لنفسه ، فلما كاشفها بالأمر ، قالت : آليت ألا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه ، فقال : وما هو ؟ قالت ثلاثة آلاف دينار وعبد ، وقينة ، وقتل علىّ بن أبى طالب فقال لها : لك ما طلبت من المهر غير أن قتل على بن أبى طالب يدل على أنك لا تريدينني ! وإنما تريدين قتلى ، قالت : بل ألتمس غرته (الغفلة) ، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسى ، ويهنئك العيش معي ، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينتها وزينة أهلها ، فقال فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل على ، فلك ما سألتى . ثم تربص لعلى ساعة خروجه إلى صلاة الصبح ، فضربه بالسيف ، وهو يقول : الحكم لله يا على لا لك ولا لأصحابك ، فخر على رضى الله عنه ، وتجمهر الناس ، وقبضوا على ابن ملجم ، وأدخلوه على أمير المؤمنين فقال لهم : النفس بالنفس ، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني ، وإن بقيت ، رأيت رأيى فيه . ثم ظل بعدها يومين أو ثلاثة حتى توفى رضى الله عنه سنة 4. من الهجرة (الرياض 246-248) .

درس وعبرة :

ولا بد للمسلم من أن يقف طويلا عند مقتل على رضى الله عنه ، فلئن كان عثمان قد قتله الأشرار من دعاة الفتنة ، لقد قتل عليا أحد الأشرار ممن إنحرفوا فى فهم الإسلام ، ولبس عليهم الشيطان ، فزين لهم قتل إمام المسلمين ، على أنه طاعة يشترون بها الجنة ! .. لقد كان الخوارج مشهورين بالعبادة والتقوى ، وفيهم يقول أبو حمزة الخارجي : ( عفيفة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أرجلهم ، أنضاء عبادة ، وأطلاح سهر ، باعوا أنفسا تموت غدا ، بأنفس لا تموت أبدا) (3) . ولكن عبادتهم لم تنفعهم حين انحرفوا فى فهم الإسلام ، واستباحوا الخروج عن الجماعة ، واستحلوا دم الإمام العظيم ومن معه من المسلمين . وهكذا زين لهم الشيطان أعمالهم ، وأضلهم عن السبيل ، ففتحوا باب فتنة كبير على المسلمين ، وزادوا فى فرقتهم ، بعد أن كانوا فريقين : فريقا مع على ، وفريقا مع معاوية ، إلى أن أصبحوا فريقا ثالثا لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء . داخلهم الزهو والغرور بعبادتهم ، حتى احتقروا المسلمين وكفروا أئمة الهدى ، وأضل المغرورين عن دين الله عز وجل .

أبرز نواحى عظمته

1- علمه :

كان رضى الله عنه من علماء الصحابة ، وأشهر فقهائهم ، وأدقهم نظرا ، وأشدهم توفيقا للحكم الصائب ، والرأي السديد ، وكان الصحابة يرجعون إليه إذا أشكلت عليهم المسائل . ولقد عرف بدقة الفهم ، وسداد الرأى منذ عهد النبى صلى الله عليه وسلم ؛ فقد أرسله عليه السلام إلى اليمن قاضيا ، وكان مما عرض عليه فى القضاء ، أن أربعة وقعوا فى حفرة حفرت ليصطاد فيها الأسد ، سقط أولا رجل ، فتعلق بآخر ، وتعلق الآخر بآخر حتى تساقط الأربعة ، فجرحهم الأسد فماتوا من جراحتهم ،. وتنازع أولياؤهم حتى كادوا يقتتلون ، فقال على : أنا أقضى بينكم ، فإن رضيتم فهو القضاء ، وإلا حجزت بعضكم عن بعض حتى تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضى بينكم ؛ أجمعوا من القبائل الذين حفروا الحفرة ربع الدية وثلثها ونصفها ودية كاملة ، فللأول ربع الدية لأنه كان سببا فى هلاك الثلاثة الذين هلكوا معه ، فسقط من ديته بمقدارهم ، وبقى له الربع ، وللذى يليه ثلث الدية ، لأنه أهلك الاثنين اللذين هلكا بعده ، وللثالث نصف الدية ، لأنه أهلك من بعده ، وللرابع الدية كاملة ، لأنه هلك بصنع من قبله ، ولم يهلك بصنعه أحد . فأبوا أن يرضوا بهذا القضاء ، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقصوا عليه القصة ، فأجاز قضاء علىّ رضى الله عنه (أخرجه الإمام أحمد فى المناقب) . وفى ذلك يقول عليه الصلاة والسلام أقضى أمتي علىّ (أخرجه الإمام أحمد فى المصابيح ) .

وكثيرا ما كان الصحابة يحيلون عليه من يتوجه إليهم بسؤال عن مسألة من مسائل العلم .

جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال : سل عنها علىّ بن أبى طالب ، فهو أعلم . قال : يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحب إلى من جواب علىّ . فقال له معاوية : بئس ما قلت : لقد كرهت رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزره بالعلم غزرا (رواه أحمد) .

وسئلت عائشة عن المسح على الخفين فقالت : ائت عليا فسله ( رواه مسلم ). وكثيرا ما رد عمر عن قضائه حين يخطىء . رفعت إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر ، فأراد عمر رجمها ، فقال له على : إن الله تعالى يقول : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا (الأحقاف 15) ، وقال تعالى : وفصاله فى عامين (لقمان 14) فالحمل ستة أشهر ، والفصال فى عامين . فترك عمر رجمها وقال : لولا على لهلك عمر } أخرجه العقيلى {. ورفع إلى عمر أمر امرأة حامل من الزنى ، وقد اعترفت به ، فأمر برجمها ، فتلقاها علىّ وقال : ما بال هذه ؟ قالوا : أمر عمر برجمها ، فردها علىّ وقال لعمر : هذا سلطانك عليها ، فما سلطانك على ما فى بطنها : ( يعنى الحمل ) ولعلك انتهرتها أو أخفتها ! قال : قد كان ذلك . فقال على : أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا حد على معترف بعد بلاء ؟ إنه من قيد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له . فخلى سبيلها ( الرياض النضرة 2/195). وهكذا كان على رضى الله عنه ، يحل المشكلات ، وينبه إلى الأخطاء ، حتى كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها علي رضى الله عنه.

2- شجاعته :

كان رضى الله عنه من الشجاعة بالمحل الأوفى . أبلى يوم بدر بلاء حسنا ، برز من المشركين فى معركة بدر ثلاثة من أبطالهم يطلبون البراز ، وهم عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، فأخرج لهم رسول الله ثلاثة من أقرانهم ، أخرج عبيدة ابن الحارث لعتبة بن ربيعة ، وحمزة لشيبة بن ربيعة ، وعليا للوليد بن عتبة . فقتل عليّ صاحبه ، وقتل حمزة صاحبه ، وأما عبيدة وعتبة فاختلفا بضربتين ، كلاهما جرح صاحبه ، فحمل حمزة وعليّ على عتبة فقتلاه . وأبلى رضي الله عنه فى معركة أحد بلاء مشهودا ، وقد قتل فيها حامل لواء المشركين طلحة بن أبى طلحة ، وكان فيمن ثبت مع رسول الله حين انهزم المسلمون فى أحد (سيرة ابن هشام ) ، ولما جرح رسول الله كانت فاطمة تغسل عن وجهه الدم ، وعليّ يسكب الماء . ثم كان حامل لواء رسول الله فى غزوة حمراء الأسد بعد غزوة أحد . أما فى معركة الخندق ( غزوة الأحزاب ) فقد كان له البلاء المشكور . خرج من صفوف المشركين عمرو بن ود ونادى المسلمين : من يبارز ؟ فبرز له عليّ رضي الله عنه ، فقال له : يا عمرو ، إنك قد كنت عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه . قال له أجل ! قال له عليّ : فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام فقال : لا حاجة لى بذلك . قال : فإنى أدعوك إلى النزال . فقال له عمرو : لم يا بن أخي ؟ فو الله ما أحب أن أقتلك ! قال عليّ : لكني والله أحب أن أقتلك ، فحمى عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ، ثم أقبل على عليّ ، فتنازلا وتجاولا ، فقتله عليّ رضي الله عنه (سيرة ابن هشام ) . وفي معركة خيبر ، تعزر فتح الحصون علي المسلمين أولا ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : لأعطين الراية غداً رجلا يحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ، ليس بفرار . ثم دعا عليا ، وهو أرمد ، فتفل في عينه ، فبرئت ثم خرج عليّ ، فلما دنا من الحصن ، خرج إليه أهله ، فقاتلهم ، فضربه رجل من يهود ، فطرح ترسه من يده ، فتناول رضي الله عنه بابا كان عند الحصن ، فتترس به عن نفسه ، فلم يزل فى يده وهو يقاتل ، حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ . قال أبو رافع ، وكان مع عليّ فى هذه الموقعة : فلقد رأيتنى في نفر معى سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه (سيرة ابن هشام ) .

3- ورعه وزهده :

قال أبو سعيد الأزدى : رأيت عليا فى السوق وهو يقول : من عنده قميص صالح بثلاثة دراهم ؟ فقال رجل : عندي . فجاء به ، فأعجبه ، فأعطاه ثم لبسه ، فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه ، فأمر به لقطع ما فضل عن أصابعه .. وقد عوتب فى لباسه الرخيص فقال : ما لك واللبوس ؟ أن لبوسى هذا أبعد من الكبر ، وأجدر أن يقتدى به المسلم .

ودخل عليه رجل فى أيام البرد ، فوجده يرعد من البرد ، وهو يلبس دثارا باليا ، فقال له : يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك فى هذا المال ، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع ؟ فقال علىّ : ما أرزؤكم من مالكم ، وإنها لقطيفتى – دثارى – التى خرجت بها من المدينة (الرياض النضرة 2/23.-236) .

وصف ضرار لعلى :

وخير ما نختتم به هذه الأحاديث عن علي ، وأخلاقه ، ونواحى عظمته ، ما أخرجه الدولابى : أن معاوية قال لضرار الصدائى : صف لى عليا – وكان ذلك بعد استشهاده – فقال : اعفني يا أمير المؤمنين قال : لتصفنه . قال ضرار : كان والله بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وينطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ، وأنس إلى الليل ووحشته ، وكان غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن كان فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن والله مع تقريبه إيانا ، وقربه منا ، لا نكاد نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويقرب المساكين ، ولا يطمع القوى فى باطله ،ولا ييئس الضعيف من عدله. وأشهد بالله : لقد رأيته فى بعض مواقفه – وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل فى محرابه – قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكى بكاء الحزين ، ويقول. يادنيا غرّى غيري ، إلىّ تعرضت ؟ أم إلىّ تشوفت ؟ هيهات ! قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك قليل ، آه آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ؟ ...

فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن ، كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح واحدها فى حجرها ، لا ترقأ دمعتها ، ولا يسكن حزنها ( الرياض النضرة 2/213)

يرحمه الله ، ويجزل له المثوبة ، ويجعل لنا فى سيرته خير عظة وعبرة .

من كلماته الخالدة :

وصيته للمسلمين :

ولما حضرته الوفاة أوصي فكان من وصيته :

أوصيكم بتقوى الله ربكم ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، فإنى سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ) (رواه الطبراني)

الله الله فى الفقراء والمساكين فأشركوهم فى معاشكم ، والله الله فى ذمة نبيكم ، فلا يظلمن بين أظهركم ، والله الله فى أصحاب نبيكم ، فإن رسول الله أوصى بهم.

لا تخافن فى الله لومة لائم ، يكفيكم من أرادكم وبغي عليكم ، وقولوا للناس حسنا ، كما أمركم الله ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فيولى الأمر شراركم ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم ، وعليكم بالتواصل والتباذل ، وإياكم والتدابر والتقاطع أستودعكم الله.

 

وصيته لأولاده :

دخل جندب بن عبد الله على عليّ ، رضي الله عنه ، يوم طعن ، فقال له :يا أمير المؤمنين ، إن فقدناك – ولا نفقدك – هل نبايع الحسن ؟ فقال رضي الله عنه : ما آمركم ولا أنهاكم ، أنتم أبصر. ثم دعا الحسن والحسين فقال لهما : أوصيكما بتقوى الله ، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تبكيا على شيء ذوى عنكما ، وقولا الحق ، وارحما اليتيم ، وأغيثا الملهوف واصنعا للآخرة ، وكونا للظالم خصما وللمظلوم ناصرا ، واعملا بما فى الكتاب ، ولا تأخذكما فى الله لومة لائم.

- اعملوا فى غير رياء ولا سمعة ، فإنه من يعمل لغير الله ، يكله الله لمن عمل له.

- لسان الصديق يجعله الله للمرء فى الناس خيراً له من المال يورثه غيره.

- الجهاد باب من أبواب الجنة ، فتحه الله لخاصة أوليائه ، وهو لباس التقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ، ألبسه الله ثوب الذل ، وشملة البلاء.

احفظوا عنى خمسا , فلو ركبتم الإبل فى طلبهن لأنضيتموهن قبل أن تدركوهن : لا يرجون عبد إلا ربه . ولا يخاف إلا ذنبه , ولا يستحى جاهل أن يسأل عما لا يعلم , ولا يستحى عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم , والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . ولا إيمان لمن لا صبر له .

الدنيا لأحد رجلين :

ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير أن يكثر علمك ، ويعظم حلمك ، وأن تباهى الناس بعبادة ربك ، فإن أحسنت حمدت الله ، وإن أسأت استغفرت الله ، ولا خير فى الدنيا إلا لأحد رجلين : رجل أذنب ذنبا فهو يتدارك ذلك بتوبة ، أو رجل يسارع فى الخيرات ، ولا يقل عمل فى تقوى وكيف يقل ما يتقبل ؟ (حلية الأولياء).

أقول : وليست المباهاة بالعبادة أن يفاخر بها فذلك مما يحبط الأجر ولكنها هنا هى أن يعتز المؤمن بعبادته ، ولا يخجل منها ، كما يفعل ضعاف الإيمان حين يكونون مع الملحدين أو الفاسقين.

 

لا ينفع العمل من غير قبول:

كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل ، فإنه لن يقل عمل مع التقوى ، وكيف يقل عمل يتقبل ؟ (حلية الأولياء).

 

الهوى وطول الأمل :

إن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى , وطول الأمل , فأما إتباع الهوى فيصد عن الحق , وأما طول الأمل فينسى الآخرة .ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة , ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة , ولكل واحد منهما بنون , فكونوا من أبناء الآخرة , ولا تكونوا من أبناء الدنيا , فإن اليوم عمل ولا حساب , وغدا حساب ولا عمل (حلية الأولياء).

 

احذروا الكذب وانصحوا أنفسكم :

.. من خطبة له رضى الله عنه : إن انصح الناس لنفسه أطوعهم لربه وإن أغشهم لنفسه أعصاهم لربه , والمغبون من غبن نفسه , والمغبوط من سلم له دينه , والسعيد من وعظ بغيره , والشقى من انخدع لهواه وغروره واعلموا أن يسير الرياء شرك , ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان ومحضرة للشيطان , جانبوا الكذب فإنه مجانب للإيمان الصادق على شفا منجاة وكرامة , والكذب على شرف مهواة ومهانة , ولا تحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب . ولا تباغضوا فإنها الحالقة ( أى تحلق دين المتابغضين كما تحلق الموسى الشعر ) .

دعاء:

اللهم اغفر لى ما أنت أعلم به منى . فإن عدت فعد على بالمغفرة , اللهم اغفر لى ما وأيت ( أى وعدت ) من نفسى ولم تجد له وفاء عندى , اللهم اغفر لى ما تقربت إليك بلسانى ثم خالفه قلبى . اللهم اغفر لى رمزات الألحاظ , وسقطات الألفاظ , وسهوات الجنان ( أى القلب ) وهفوات اللسان .

 

التقويم

  1. لخص تاريخ سيدنا علىّ بن أبي طالب رضي الله عنه فى سطور .

  2. أذكر ( اسم وكنية ومولد ونشأة ووصف ومتى أسلم ) سينا علىّ رضي الله عنه

ج- وضح خلافة سيدنا علىّ وأحداث الفتنة لتى دارت فيها وأسباب استشهاده .

د- أذكر العبر والعظات التى استخلصتها من استشهاد الإمام علىّ رضي الله عنه .

هـ. وضح أبرز نواحي عظمة سيدنا علىّ رضي الله عنه .

و- استخلص الدروس المستفادة من نواحي عظمة الإمام علىً رضي الله عنه .

ز- وضح إلى أى مدى تطبق هذه الدروس والعبر من نواحي عظمة الإمام علىّ فى حياتك الشخصية .

ح- وضح أبرز مآثر وصفات الإمام علىً رضي الله عنه التى تأثرت بها شخصياً .

ط- وضح أى أقوال سيدنا علىّ رضي الله عنه كان لها أعظم الأثر فى حياتك

ى- هل من الممكن أن يتكرر أمثال هذا الجيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف ؟!

 

الدرس الثاني

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 7 ) تكبيرات الانتقال : يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود ، إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول : سمع الله لمن حمده ، فعن ابن مسعود قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه . ثم قال والعمل عليه عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وعليه عامة الفقهاء والعلماء ، انتهى ، فعن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث أنه سمع أبا هريرة يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم . ثم يكبر حين يركع ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا لك الحمد ، قبل أن يسجد ، ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه ، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين ، ثم يفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، قال أبو هريرة : كانت هذه صلاته حتى فارق الدنيا . رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود . وعن عكرمة قال قلت لابن عباس : صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق ، فكبر اثنتين وعشرين تكبيرة ، يكبر إذا سجد ، وإذا رفع رأسه . فقال ابن عباس : تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والبخاري . ويستحب أن يكون ابتداء التكبير حين يشرع في الانتقال .

 

( 8 ) هيئات الركوع : الواجب في الركوع مجرد الانحناء ، بحيث تصل اليدان إلى الركبتين ، ولكن السنة فيه تسوية الرأس بالعجز ، والاعتماد باليدين على الركبتين مع مجافاتهما على الجنبين ، وتفريج الاصابع على الركبة والساق ، وبسط الظهر . فعن عقبة بن عامر ( إنه ركع فجافى يديه ، ووضع يديه على ركبتيه ، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي . وعن أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع اعتدل ، ولم يصوب رأسه ولم يقنعه113 ( 1 ) ، ووضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ، رواه النسائي . وعند مسلم عن عائشة رضي الله عنها : كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه . ولكن بين ذلك . وعن علي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع ، لو وضع قدح من ماء على ظهره لم يهرق114 . رواه أحمد وأبو داود في مراسيله وعن مصعب بن سعد قال : صليت إلى جانب أبي ، فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي . فنهاني عن ذلك وقال : كنا نفعل هذا ، فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب . رواه الجماعة .

 

( 9 ) الذكر فيه : يستحب الذكر في الركوع بلفظ ( سبحان ربي العظيم ) . فعن عقبة بن عامر قال : لما نزلت ( فسبح باسم ربك العظيم ) قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم ( اجعلوها في ركوعكم ) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد جيد . وعن حذيفة قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه : ( سبحان ربي العظيم ) رواه مسلم وأصحاب السنن . وأما لفظ ( سبحان ربي العظيم وبحمده ) فقد جاء من عدة طرق كلها ضعيفة . قال الشوكاني : ولكن هذه الطرق تتعاضد ، ويصح أن يقتصر المصلي على التسبيح ، أو يضيف إليه أحد الاذكار الاتية : 1 - عن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال : ( أللهم لك ركعت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، وأنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم . 2 - عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده : ( سبوح قدوس ( 2 ) رب الملائكة والروح ) . 3 - وعن عوف بن مالك الاشجعي قال : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ، فقام فقرأ سورة ( البقرة ) إلى أن قال فكان يقول في ركوعه : وسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي . وعن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده : ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم اغفر لي ) يتأول القرآن115 رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم .

( 10 ) أذكار الرفع من الركوع والاعتدال : يستحب للمصلي - إماما أو مأموما أو منفردا - أن يقول عند الرفع من الركوع : سمع الله لمن حمده ، فإذا استوى قائما فليقل : ربنا ولك الحمد ، أو : اللهم ربنا ولك الحمد ، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : سمع الله لمن حمده ، حين يرفع صلبه من الركعة ، ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ، رواه أحمد والشيخان . وفي البخاري من حديث أنس : وإذا قال : سمع الله لمن حمده . فقولوا : اللهم ربنا ولك الحمد . يرى بعض العلماء . أن المأموم لا يقول ( سمع الله لمن حمده ) بل إذا سمعها من الامام يقول : اللهم ربنا ولك الحمد . لهذا الحديث . ولحديث أبي هريرة عند أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد ، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ولكن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) يقتضي أن يجمع كل مصل بين التسبيح والتحميد ، وإن كان مأموما ويجاب عما استدل به القائلون ( بأن المأموم لا يجمع بينهما ) بل يأتي بالتحميد فقط ، بما ذكره النووي قال : قال أصحابنا ، فمعناه قولوا : ( ربنا لك الحمد ) مع ما قد علمتموه من قول سمع الله لمن حمده ، وإنما خص هذا بالذكر ، لانهم كانوا يسمعون جهر النبي صلى الله عليه وسلم ( سمع الله لمن حمده ) فإن السنة فيه الجهر ولا يسمعون قوله : ربنا لك الحمد ، لانه يأتي به سرا . وكانوا يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) مع قاعدة التأسي به صلى الله عليه وسلم مطلقا ، وكانوا يوافقون في ( سمع الله لمن حمده ) فلم يحتج إلى الامر به ، ولا يعرفون ( ربنا لك الحمد ) فأمروا به . هذا أقل ما يقتصر عليه في التحميد حين الاعتدال ويستحب الزيادة على ذلك بما جاء في الاحاديث الاتية : 1 - عن رفاعة بن رافع قال : كنا نصلي يوما وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة وقال : سمع الله لمن حمده ، قال رجل وراءه : ( ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ) فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من المتكلم آنفا ) ؟ قال الرجل : أنا يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد رأيت بضعة116 وثلاثين ملكا يبتدرونها ، أيهم يكتبها أولا ) رواه أحمد والبخاري ومالك وأبو داود . وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع من الركعة قال : ( سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد ملء117 السموات والارض وما بينهما ، ومل ء ما شئت من شئ بعد ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي . 3 - وعن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وفي لفظ : يدعو ، إذا رفع رأسه من الركوع : ( اللهم لك الحمد مل ء السماء ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد : اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد ، اللهم طهرني من الذنوب ونقني منها كما ينقى الثوب الابيض من الوسخ ) رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة . ومعنى الدعاء : طلب الطهارة الكاملة . 4 - وعن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : ( سمع الله لمن حمده ) قال : ( اللهم ربنا لك الحمد مل ء السموات ومل ء الارض ومل ء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد118 أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد : لا مانع لما أعطيت . ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد119 ) رواه مسلم وأحمد وأبو داود . 5 - وصح عنه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يقول بعد ( سمع الله لمن حمده ) ( لربى الحمد ، لربي الحمد ) حتى يكون اعتداله قدر ركوعه .

 

( 11 ) كيفية الهوي إلى السجود والرفع منه : ذهب الجمهور إلى استحباب وضع الركبتين قبل اليدين ، حكاه ابن المنذر عن عمر النخعي ومسلم بن يسار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال : وبه أقول ، انتهى . وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء . وقال ابن القيم : وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه ثم يديه بعدهما ثم جبهته وأنفه هذا هو الصحيح الذي رواه شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه . عن وائل بن حجر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك ، انتهى . وذهب مالك والاوزاعي وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين ، وهو رواية عن أحمد . قال الاوزاعي : أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم . وقال ابن أبي داود : وهو قول أصحاب الحديث . وأما كيفية الرفع من السجود حين القيام إلى الركعة الثانية ، فهو على الخلاف أيضا ، فالمستحب عند الجمهور أن يرفع يديه ثم ركبتيه ، وعند غيرهم يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه .

 

( 12 ) هيئة السجود : يستحب للساجد أن يراعي في سجوده ما يأتي :

1 - تمكين أنفه وجبهته ويديه على الارض ، مع مجافاتهما عن جنبيه ، فعن وائل بن حجر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه . رواه أبو داود . وعن أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الارض ، ونحى يديه عن جنبيه ، ووضع كفيهحذو منكبيه ، رواه ابن خزيمة والترمذي وقال : حسن صحيح .

2 - وضع الكفين حذو الاذنين أو حذو المنكبين ، وقد ورد هذا وذاك ، وجمع بعض العلماء بين الروايتين ، بأن يجعل طرفي الابهامين حذو الاذنين ، وراحتيه حذو منكبيه .

3 - أن يبسط أصابعه مضمومة ، فعند الحاكم وابن حبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع فرج بين أصابعه . وإذا سجد ضم أصابعه .

4 - أن يستقبل بأطراف أصابعه القبلة فعند البخاري من حديث أبي حميد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع يديه غير مفترشهما ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة .

 

 

الحلقة

الثامنة

والثلاثون

 

الحلقة الثامنة والثلاثون

 

الدرس الأول :

 

سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه

( 23 ق.هـ - 55 هـ )

( 6.3 م - 675 م )

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يعرف الدارس من أول من أسال دماً للأعداء فى الإسلام .

  2. أن يذكر الدارس منزلة ومكانة سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه

  3. أن يذكر الدارس موقفه مع أمه وهى تساومه على عقيدته .

  4. أن يوضح الدارس بطولات سعد ابن أبى وقاص رضي الله عنه فى القادسية والمدائن .

  5. أن يستخلص الدارس العبر والعظات من مواقف سعد رضي الله عنه

* أول من أسال دماً للأعداء فى الإسلام :

هو : سعد بن مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة يجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى كلاب بن مرة ، وأهيب بن عبد مناف جد سعد عم آمنة بنت وهب أم النبى صلى الله عليه وسلم.

وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياسعد أنت ناصر الدين حيث كنت .

وسعد ابن أبى وقاص له من الفضل و الكرامة ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يداعبه :( هذا خالى فليرنى أمرؤ خاله ) !!! .

وقد أعلن إسلامه مع من أعلنوه بإقناع أبى بكر لهم ، وهم : عثمان بن عفان ، و الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله .

ولم يفتد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً بأبويه إلا سعد بن أبى وقاص فقال له يوم أحد : ( إرم سعد ...فداك أبى وأمى ) .

وعن سعد رضى الله عنه أنه قال : ما أسلم أحد إلا فى اليوم الذى أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام ، وإنى لثلث الإسلام . رواه البخارى .

وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم استجب لسعد إذا دعاك ) وفى رواية : اللهم سدد رميته واستجب دعوته . وأخرج الفضائلى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلع سعد ابن أبى وقاص ، حتى إذا كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، فطلع سعد ) .

وروى عبد الله ابن عمرو ابن العاص أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة فدخل سعد ابن أبى وقاص ) .

وكان شديد الفخر بأنه أول من رمى بسهم فى سبيل الله من العرب ، وهذا شرف لا يطاوله شرف ، ومجد أثيل لا يدانيه مجد ، وعظمة يصغر إزاءها عظام الناس ، وكان دائماً يلهج بالشكر على نعم الله سبحانه وتعالى فيقول :( والله إنى لأول رجل من العرب رمى بسهم فى سبيل الله ) .

وكان سلاح الدعاء عنده حاداً لم تلن له قناة ولم يثلم له حد وما كان سلاحه بالدعاء بأقل من سلاحه البتار على رقاب الأعداء و الشانئين .

وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته ) .

- البرُّ بالأم من أجلّ الفضائل :

ومما يثير كوامن الشجون أن سعد ابن أبى وقاص كان معروفاً عنه شدة حبه لأمه ، وبره بها ، وحدبه عليها ، ولكنه عندما أسلم وهى وثنية كافرة وجد نفسه فى مأزق خطير فأمه المشركة الكافرة تصر على عقيدتها الهالكة ، وهو رضى الله عنه لايبغى عن عقيدة التوحيد حولاً ، وفى نفس الوقت تهيب عواطف البر بأمه أن يصلها دائماً بعطفه وولائه .الأم متمسكة بوثنيتها ، وابنها مصرٌّ على دينه وعقيدته فماذا يفعل ؟ أرادت أمه أن تختبر أحاسيسه وعواطفه تجاهها وأن تزلزل عقيدته بوضعه فى مأزق حرج ، وفى نقطة خطيرة من الحساسية ، فقد أضربت عن الطعام تماماً حتى يعود إليها كما كان .

ولكن سعد بن أبى وقاص بعد أن ذاق حلاوة الإسلام وعظمة الإيمان فإنه لايمكن أن يرجع الى دولة الوثنية مهما كان الأمر ومهما كانت العواطف الجارفة التى يكنها لأمه فى أعماقه .

لقد كانت عصبيته للإسلام أكبر وأعظم من عصبيته لأمه وفيه نزل قرآن يتلى ويتعبد بتلاوته المسلمون : { ووصينا الإنسان بوالديه حسناً * وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما * إلىّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } .

ولما لم تجد أمه بداً من فقدان ابنها لعاطفة الشرك و الوثنية أكلت وشربت ، وجعلت تدعو على سعد لأنه قال لها فى صراحة وقوة : ( تعلمين والله يا أماه ، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت دينى فإن شئت فكلى ، وإن شئت فلا تأكلى ) .

هذا هو اليقين الإيمانى وعظمة المسلم وصلابته وإصراره على نصرة الحق و العدل .

* وما يوم القادسية بسرٍّ .......!!

إنه الأسد فى براثنه .. أعطاه أمير المؤمنين اللواء فى يمينه على رأس ثلاثين ألف موحد من أبطال الإسلام وفرسانه ، ولكن فى مقابلهم وقف أعداؤهم الفرس فى جيش لجب صاخب مروع من مختلف أنواع العدد والعتاد ، جيش صارخ ، وخميس يجوب بالكماة و الفرسان المشركين والكفار المعاندين يبلغ مداه نحو مائة ألف مقاتل.

ثلاثون ألفاً سلاحهم اليقين والإيمان يتطلعون الى جزاء غيبى وهو الجنة وهى غاية أربهم فلو قطعت واحداً منهم السيوف لكان ذلك أشهى له وأعظم ، لذلك فقد تزاحموا بصدورهم على الحتوف من غير ما هلع أو روع أو تقاعس .

ينتظر سعد بن أبى وقاص أمر أمير المؤمنين عمر ... فيأتيه كتاب أمير المؤمنين يقول : ( يا سعد بن وهيب : لايغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحبه ، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ... والناس شريفهم ووضيعهم فى ذات الله سواء ... الله ربهم وهم عباده .... يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عند الله بالطاعة ... فأنظر الأمر الذى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث الى أن فارقنا عليه فالزمه فإنه الأمر ... ثم يردف أمير المؤمنين عمر قائلاً :

( اكتب الىّ بجميع أحوالكم .... وكيف تنزلون .... وأين يكون عدوكم منكم ,,,, واجعلنَّ بكتبك الىَّ كأنى أنظر إليكم ) ويرد سعد ابن أبى وقاص على أمير المؤمنين بأدق التفاصيل عن كل ما أراد منه عمر الإفادة عنه فى بيان شافٍ جلى واضح فيكتب إليه عمر مرة أخرى :( لا يكربنك ما تسمع منهم ، ولا ما يأتونك به ، واستعن بالله وتوكل عليه ، وابعث إليه ( إلى رستم ) رجالاً من أهل النظر و الجلد و الرأى يدعونه الى الله ... واكتب الىّ فى كل يوم ... )

ولم تفلح رسالة سعد ابن أبى وقاص الى رستم التى دعاه فيها الى الإسلام و التوحيد ، فيصر القائد الوثنى على زيغه وعلى عقيدته الباطلة ، ولا يجد سعد مندوحة عن الحرب فتمتلىء عيناه بالدموع .... وهو ينادى بأعلى صوته :{ بسم الله الرحمن الرحيم * ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون } وبعد أن ألقى خطبته فى رجاله صلى بهم الظهر وصرخ بأعلى صوته : الله أكبر .... الله أكبر .... الله أكبر ... وأمر فرسانه بالانقضاض على الجموع الفرس المحتشدين لهم و المتربصين بهم فكانت انتفاضة الليث الغضنفر ، نفض عن وجهه وانطلق كالقدر المحتوم يحصدهم حصداً ذات اليمين وذات الشمال ، وقتل قائد الفرس الذى خرَّ صريعاً تحت سنابك الخيل ، وتهاوى جنوده وقد طارت قلوبهم فزعاً وروعاً من قوة الجيش المسلم بل طاروا فرقاً من بطولة المسلمين ومددهم الخفى الذى منحهم الله سبحانه وتعالى إياه وصدق فيهم الشاعر :

لا يقع الطعن إلا فى نحورهم ومالهم عن حياض الموت تهليل .

وبهذا زلزلوا إيوان كسرى ودحروا فلوله حتى نهاوند ثم المدائن .

وفى موقعة ( المدائن ) أيضاً لم يقل سعدها عن سعد القادسية وقد وقعت موقعة المدائن بعد القادسية بنحو عامين ، وكانت البقية الباقية التى قدر لها أن تعيش بعد معركة القادسية قد أخذت تقوى نفسها وتزيد من تدريبها فى المدائن المختلفة استعداداً للأخذ بالثأر من الجيش المسلم المدافع عن التوحيد .

وكان الأسد فى براثنه ، قد فكر وفكر فى مطاردة هؤلاء النفر الشاردين المارقين فأمر جنده أن يعبروا نهر دجلة الى مكان آمن يكون خالياً من الخطر عليه وعلى جنوده الكماة ، وسعد البطل وهو يزج برجاله الى أتون المعركة ضارية لايعلم أحد مصيرها أو مصيرهم فيها إلا الله .

أمر سعد بن أبى وقاص رجاله أن يقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ... ثم اقتحم بفرسه نهر دجلة ، واقتحم الناس وراءه ، لم يتخلف عنه أحد منهم ، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملأوا ما بين الجانبين حتى لم يعد وجه الماء يرى وكأنهم يتحدثون على وجه الأرض وذلك بسبب ما شعروا به من الطمأنينة والأمن ، والوثوق بأمر الله ونصره ووعده وتأييده .

وكتب الله النصر المؤزر على يد سعد بن أبى وقاص ففتح معقل الكفار المشركين ، ودخل هو ورجاله القصر الأبيض وفيه إيوان كسرى ملك الفرس فخرَّ لله ساجداً وهو يقرأ قوله تعالى :{ كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين }

ولم يحدث فتح من الفتوحات فى عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر إلا وشارك فيه سعد ابن أبى وقاص بسيفه ورأيه ورجاحة عقله وفكره ومشورته .

لقد عاش سعد ابن أبى وقاص مجاهداً فى سبيل الله ، ومن أجل رفعة دين الله وجعل كلمة الله هى العليا ، وكلمة الذين كفروا هى السفلى .

وذات يوم من أيام العام الرابع و الخمسين للهجرة ، وقد جاوز سعد سن الثمانين من عمره ، وقد أحسَّ بدنو أجله وإذا بابنه مصعب بن سعد ابن أبى وقاص يجلس ويضع رأس أبيه فى حجره وهو يقضى ويعالج خلجات الروح وسكرات الموت فجعل مصعب يبكى بكاء شديداً ويشرع الشيخ الفانى رأسه قليلاً وهو يعالج السكرات فيسأل ابنه ما يبكيك يا بنى ؟ ( إن الله لايعذبنى أبداً ... وإنى من أهل الجنة ) ودعا بجبة من صوف بالية وقال : كفنوني بها فإنى لقيت بها المشركين يوم بدر ، وإني أريد أن القى بها الله عز وجل أيضاً .

ومات سعد ابن أبى وقاص ولقى ربه وهو عنه راضٍ ودفن بالبقيع فى المدينة وسط السلف الصالح الطاهر ، فكان آخر المهاجرين وفاة .

فطيَّب الله ثراه وأكرم مثواه ، وألحقنا اللهم بزمرتهم فى جنات الخلد .

* التقويم :

  1. من أول من أسال دماً للأعداء فى الإسلام ؟

  2. أذكر منزلة ومكانة سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه .

  3. أذكر موقفه مع أمه وهى تساومه على عقيدته – وماذ تعلمت من هذا الموقف .

  4. وضح بطولات سعد ابن أبى وقاص رضي الله عنه فى القادسية والمدائن .

  5. استخلص العبر والعظات من مواقف سعد رضي الله عنه وما أكثر المواقف التى تأثرت بها .

 

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 13 ) مقدار السجود وأذكاره : يستحب أن يقول الساجد حين سجوده : ( سبحان ربي الاعلى ) . فعن عقبة بن عامر قال : لما نزلت ( سبح اسم ربك الاعلى ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوها في سجودكم ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم ، وسنده جيد . وعن حذيفة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده : ( سبحان ربي الاعلى ) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن . وقال الترمذي : حسن صحيح . وينبغي أن لا ينقص التسبيح في الركوع والسجود عن ثلاث تسبيحات . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم ، يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود عن ثلاث تسبيحات ، انتهى . وأما أدنى ما يجزئ فالجمهور على أن أقل ما يجزئ في الركوع والسجود قدر تسبيحة واحدة . وقد تقدم أن الطمأنينة هي الفرض وهي مقدرة بمقدار تسبيحة . وأما كمال التسبيح فقدره بعض العلماء بعشر تسبيحات لحديث سعيد بن جبير عن أنس قال : ( ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الغلام ، يعني عمر بن عبد العزيز فحزرنا في الركوع عشر تسبيحات120) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد جيد . قال الشوكاني : قيل : فيه حجة لمن قال : إن كمال التسبيح عشر تسبيحات . والاصح أن المفرد يزيد في التسبيح ما أراد وكلما زاد كان أولى . والاحاديث الصحيحة في تطويله صلى الله عليه وسلم ناطقة بهذا . وكذا الامام إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل . انتهى . وقال ابن عبد البر : ينبغي لكل إمام أن يخفف ، لامره صلى الله عليه وسلم ، وإن علم قوة من خلفه ، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من حادث ، وشغل عارض وحاجة وحدث وغير ذلك . وقال ابن المبارك : استحب للامام أن يسبح خمس تسبيحات ، لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات . والمستحب ألا يقتصر المصلي على التسبيح ، بل يزيد عليه ما شاء من الدعاء . ففي الحديث الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أقرب ما يكون أحدكم من ربه وهو ساجد ، فأكثروا فيه من الدعاء ) ، وقال : ( ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن121 أن يستجاب لكم ) رواه أحمد ومسلم . وقد جاءت أحاديث كثيرة في ذلك نذكرها فيما يلي :

1 - عن علي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يقول : ( اللهم لك سجدت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، سجد وجهي للذي خلقه فصوره فأحسن صوره ، فشق سمعه وبصره : فتبارك الله أحسن الخالقين ) رواه أحمد ومسلم .

2 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما يصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التهجد قال : ثم خرج إلى الصلاة فصلى وجعل يقول في صلاته أو في سجوده : ( اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصري نورا ، وعن يميني نورا ، وعن يساري نورا ، وأمامي نورا ، وخلفي نورا ، وفوقي نورا ، وتحتي نورا ، واجعلني نورا ، قال شعبة : أو قال : ( اجعل لي نورا ) رواه مسلم وأحمد وغيرهما ، وقال النووي : قال العلماء : سأل النور في جميع أعضائه وجهاته ، والمراد بيان الحق والهداية إليه . فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه ، وتصرفاته وتقلباته وحالته وجملته ، في جهاته الست . حتى لا يزيغ شئ منها عنه .

3 - وعن عائشة : أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه فلمسته بيدها ، فوقعت عليه وهو ساجد ، وهو يقول : ( رب أعط نفسي تقواها ، وزكها ، أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ) رواه أحمد .

4 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده ( اللهم اغفر لي ذنبي كله ، دقه وجله122 ( 1 ) وأوله وآخره ، وعلانيته وسره ) رواه مسلم وأبو داود والحاكم .

5 - وعن عائشة قالت : فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلمسته في المسجد ، فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان ، وهو يقول : ( أللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) رواه مسلم وأصحاب السنن .

6 - وعنها أنها فقدته صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فظنت أنه ذهب إلى بعض نسائه ، فتحسسته فإذا هو راكع أو ساجد يقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله إلا أنت ) فقالت : ( بأبي أنت وأمي ، إني لفي شأن وإنك لفي شأن آخر ) رواه أحمد ومسلم والنسائي .

7 - وكان صلى الله عليه وسلم يقول وهو ساجد : ( اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافي في أمري ، وما أنت أعلم به مني . اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطئي ، وعمدي ، وكل ذلك عندي . اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت . أنت إلهي لا إله إلا أنت ) .

 

( 14 ) صفة الجلوس بين السجدتين : السنة في الجلوس بين السجدتين ، أن يجلس مفترشا . وهو أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها ، وينصب رجله اليمنى ، جاعلا أطراف أصابعها إلى القبلة . فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى . رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر : من سنة الصلاة أن ينصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة ، والجلوس على اليسرى ، رواه النسائي . وقال نافع : كان ابن عمر إذا صلى استقبل القبلة بكل شئ حتى بنعليه ، رواه الاثرم . وفي حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم ثنى رجله اليسرى وقعد علهيا ، ثم اعتدل حتى رجع كل عظم موضعه ، ثم هوى ساجدا . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . وقد ورد أيضا استحباب الافعاء ، وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه . قال أبو عبيدة : هذا قول أهل الحديث . فعن أبي الزبير أنه سمع طاووسا يقول : قلنا لابن عباس في الاقعاء على القدمين . فقال : هي السنة ، قال : فقلنا : إنا لنراه جفاء بالرجل . فقال : هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الاولى يقعد على أطراف أصابعه ، ويقول : إنه من السنة . وعن طاووس قال : رأيت العبادلة يعني عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير يقعون رواهما البيهقي : قال الحافظ : صحيحة الاسناد وأما الاقعاء - بمعنى وضع الاليتين على الارض ونصب الفخذين - فهذا مكروه ، باتفاق العلماء . فعن أبي هريرة قال : ( نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة : عن نقرة كنقرة الديك ، وإقعاء كاقعاء الكلب ، والتفات كالتفات الثعلب ) ، رواه أحمد والبيهقي والطبراني وأبو يعلى . وسنده حسن ، ويستحب للجالس بين السجدتين أن يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى ، بحيث تكون الاصابع مبسوطة موجهة جهة القبلة ، مفرجة قليلا ، منتهية إلى الركبتين . الدعاء بين السجدتين : يستحب الدعاء في السجدتين بأحد الدعاءين الاتيين ويكرر إذا شاء . روى النسائي وابن ماجه عن حذيفة رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين : ( رب اغفر لي ) وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين ( اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني123 .

 

( 15 ) جلسة الاستراحة : هي جلسة خفيفة يجلسها المصلي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الاولى ، قبل النهوض إلى الركعة الثانية ، وبعد الفراغ من السجدة الثانية ، من الركعة الثالثة ، قبل النهوض إلى الركعة الرابعة . وقد اختلف العلماء في ذلك حكمها ، تبعا لاختلاف الاحاديث . ونحن نورد ما لخصه ابن القيم في ذلك قال : واختلف الفقهاء فيها ، هل هي من سنن الصلاة ، فيستحب لكل أحد أن يفعلها ، أو ليست من السنن ، وإنما يفعلها من احتاج إليها ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد رحمه الله قال الخلال : ( رجع أحمد إلى حديث مالك ابن الحويرث في جلسة الاستراحة وقال : أخبرني يوسف بن موسى : أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال : على صدور القدمين ، على حديث رفاعة . وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه ، وقد روى عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم ، لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث . ولو كان هديه صلى الله عليه وسلم فعلها دائما ، لذكرها كل واصف لصلاته صلى الله عليه وسلم ، ومجرد فعله دائما ، لذكرها كل واصف لصلاته صلى الله عليه وسلم ، ومجرد فعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة ، إلا إذا علم أنه فعلها سنة فيقتدى به فيها وأما إذا قدر أنه فعلها للحاجة : لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة .

 

( 16 ) صفة الجلوس للتشهد : ينبغي في الجلوس للتشهد مراعاة السنن الاتية :

 

( أ ) : أن يضع يدبه على الصفة المبينة في الاحاديث الاتية :

1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ، واليمنى على اليمنى وعقد ثلاثا وخمسين124 وأشار بأصبعه السبابة . وفي رواية : وقبض أصابعه كلها . وأشار بالتي تلي الابهام . رواه مسلم .

2 - وعن وائل بن حجر : أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع كفه اليسى على فخذه ، وركبته اليسرى ، وجعل حد مرفقه الايمن على فخذه الايمن ، ثم قبض بين أصابعه فحلق حلقة . وفي رواية : حلق بالوسطى والابهام وأشار بالسبابة ، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها ، رواه أحمد ، قال البيهقي : يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الاشارة بها . لا تكرير تحريكها ، ليكون موافقا لرواية ابن الزبير : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا لا يحركها . رواه أبو داود بإسناد صحيح . ذكره النووي .

3 - وعن الزبير رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد ، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ، وأشار بالسبابة ، ولم يجاوز بصره إشارته ) رواه أحمد ومسلم والنسائي . ففي هذا الحديث الاكتفاء بوضع اليمنى على الفخذ بدون قبض . والاشارة بسبابة اليد اليمنى ، وفيه : أنه من السنة أن لا يجاوز بصر المصلي إشارته . فهذه كيفيات ثلاث صحيحة ، والعمل بأي كيفية جائز .

 

( ب ) : أن يشير بسبابته اليمنى مع انحنائها قليلا حتى يسلم . فعن نمير الخزاعي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في الصلاة قد وضع ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ، رافعا إصبعه السبابة ، وقد حناها شيئا وهو يدعو . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة بإسناد جيد : وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعين فقال : ( أحد يا سعد )125 رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم . وقد سئل ابن عباس عن الرجل يدعو يشير بإصبعه ؟ فقال : هو الاخلاص . وقال أنس بن مالك : ذلك التضرع ، وقال مجاهد : مقمعة للشيطان . ورأى الشافعية أن يشير بالاصبع مرة واحدة عند قوله ( إلا الله ) من الشهادة ، وعند الحنفية يرفع سبابته عند النفي126 . ويضعها عند الاثبات ، وعند المالكية ، يحركها يمينا وشمالا إلى أن يفرغ من الصلاة ، ومذهب الحنابلة يشير بإصبعه كلما ذكر اسم الجلالة ، إشارة إلى التوحيد ، لا يحركها .

 

( ح ) : أن يفترش في التشهد الاول127 ويتورك في التشهد الاخير . ففي حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا جلس في الركعتين128 جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا جلس في الركعة الاخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الاخرى وقعد على مقعدته ) رواه البخاري .

 

الحلقة

التاسعة

والثلاثون

الحلقة التاسعة والثلاثون

 

الدرس الأول :

عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه

( 44 ق .هـ - 32 هـ )

( 58. م - 652 م )

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس منزلة ومكانة عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه .

  2. أن يوضح الدارس أبرز مآثر عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه

  3. أن يذكر الدارس الدروس المستفادة من دراسة شخصية عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه .

* رجل سقاه الله من سلسبيل الجنة :

هو عبد الرحمن ابن عوف بن الحارث بن زهرة ابن كلاب يجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى كلاب ابن مرة .

هو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام ، ووأحد الستة أصحاب الشورى يوم اختيار الخليفة بعد الفاروق ، أسلم رضي الله عنه بعد إسلام الصديق بيومين اثنين ، كان اسمه فى الجاهلية عبد عمرو فلما أسلم دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن .

كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فى طليعة المهاجرين إلى المدينة ، وقد آخى رسول لله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه فقال سعد لأخيه عبد الرحمن بن عوف : أى أخى .. أنا أكثر أهل المدينة مالاً ، وعندى بستانان ولى امرأتان فانظر أى بستاني أحب إليك حتى أخرج لك عنه وأى امرأتيَّ أرضى عندك حتى أطلقها لك . فقال عبد الرحمن لأخيه الأنصاري : بارك الله لك فى أهلك ومالك .. ولكن دلنى على السوق .. فدله عليه فجعل يتجر وطفق يشترى ويبيع ويربح ويدخر .. وتزوج عبد الرحمن بن عوف وأعطى زوجته من المهر وزن نواة من ذهب ... ويدعو له الرسول صلى الله عليه وسلم بالبركة ويقول له : " أولم ، ولو بشاة ، بارك الله لك فى مالك " .

فيقول عبد الرحمن بن عوف : فأقبلت الدنيا علىّ حتى رأيتني لو رفعت حجراً لتوقعت أن اجد تحته ذهباً أو فضة . وقد أوتى حظاً وفيراً من الثراء فقد كان تاجراً صدوقاً أميناً شريفاً .

وما كثر المال إلا لحقه الشر و نزغات الشيطان عند الكثيرين من الناس ذلك لأن المال فتنة ، قال تعالى :{ إنما أموالكم وأولادكم فتنة } .

وفتنة النعيم صعبة المراس قوية على النفس ، ولكن فتنة الفقر - فى رأينا - أدنى من هذه منزلة ومرتبة ، لأن الفقير يفلح بالصبر ، وبما يقيم أوده من الكفاف وما يسد الرمق ، بما تستقيم معه الحياة أو تكاد . لكن فتنة الغنى لا ينجو الإنسان منها إلا بالعطاء و البذل و السخاء و الجود و الكرم .

وعبد الرحمن ابن عوف من الناجين من عذاب الله يوم القيامة فهو من المبشرين بالجنة ومن الذين رضى الله عنهم ورضى عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قال صلى الله عليه وسلم له :( ياابن عوف إنك من الأغنياء ، وإنك ستدخل الجنة حبواً ، فأقرض الله يطلق لك قدميك ) .

لقد كان طيلة حياته باراً بدينه وإسلامه ، لذلك فقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصادق البار . وقد صلى خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك تشريفاً له .

قال ابن سعد فى طبقاته :

قال محمد بن عمر : كان فى غزوة تبوك ، وكان المغيرة يحمل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النبى صلى الله عليه وسلم حين صلى خلف عبد الرحمن ابن عوف ، ما قبض نبى قط حتى يصلى خلف رجل صالح من أمته .

وأى صلاح وأى تقوى أفضل وأجل وأعظم من هذا !!!

رجل يتاجر مع ربه فيربح الدنيا والآخرة ويظفر بالجنة ، يا له من رجل سقاه الله من سلسبيل الجنة !!! فقد ورد أن عبد الرحمن ابن عوف باع أرضاً الى عثمان ابن عفان بأربعين ألف دينار وقسمها على المسلمين وأمهات المؤمنين .

فقالت عائشة رضى الله عنها : من أرسل بهذا ؟ فقيل لها : عبد الرحمن ابن عوف ، فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحنو عليكم بعدى إلا الصابرين ، ثم دعت فقالت : سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة ..!!

وقالت أم سلمة أم المؤمنين رضى الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه : أن الذى يحافظ عليكن من بعدى لهو الصادق البار ، ثم قالت : اللهم اسق عبد الرحمن ابن عوف من سلسبيل الجنة .

- مهرجان الخير :

أقبلت ذات يوم قافلة كبيرة رائعة تسد عين الشمس بوفرتها ، ينحسر الفضاء دون منتهاها ، وبكل الطرق دون بلوغ غايتها ، وقد لفتت أنظار الناس وهى تمخر عباب الأثير بما حملته من زاد و متاع كثيف كثير .

ولما أن سألت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها عما يحدث فى المدينة من صخب واضطراب لقدوم هذه القافلة التى أصبحت حديث الناس هنا وهناك ، وأضحت مثار إعجاب وموضع تساؤل واستفسار .

أجابها أحد القوم : إنها قافلة لعبد الرحمن ابن عوف تحمل تجارة الله جاء بها من الشام .

قافلة تحدث كل هذه الرجة ، وكل هذا الاهتمام من الناس الذين يرنون بأبصارهم إزاءها وصوبها ، وهم أناس قد عاشوا حياة التجارة ، ولهم قوافلهم وتأتيهم قوافل غيرهم من التجار من مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية ، لكنهم لم يأنسوا قافلة كتلك عدداً ومتاعاً .

وليس هناك أجلَّ ولا أعظم ولا أقيم من تجارة يعجب بها تاجر ، أو صناعة ينبهر لها صانع ، أو زراعة تأخذ بطرف زارع .

وهذه القافلة التجارية الضخمة التى أخذت بأفهام الناس كل قوامها سبعمائة راحلة ....!!

وهزت عائشة رضى الله عنها رأسها ، وأرسلت بصرها بعيداً وقال : أما إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( رأيت عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة حبواً ) .

ولكن قبل أن تفض الراحلة مغاليق الأحمال من التجارة ، حث عبد الرحمن ابن عوف خطاه الى بيت أم المؤمنين عائشة وقال لها : لقد ذكرتنى بحديث لم أنسه ثم قال : ( أما إنى أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها وما حولها وأقتابها وأحلاسها فى سبيل الله عز وجل ) .

لقد كان عبد الرحمن ابن عوف تاجراً ناجحاً أفلح ونجح فى تجارته مع الله ومع الناس ، كلما أعطاه الله سبحانه وتعالى برَّ واتقى وآمن واهتدى بهدى الكتاب الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يأل ابن عوف جهداً من أن ينفق فى شتى وجوه الخير ، وكانت صدقاته مهرجانات للخير تقام هنا وهناك فكم فرَّج بها عن معسر ، وأنقذ بها الله من معدوم يتضور من الفاقة ومن الإمحال .

ونحن فى العصر الحاضر نرى التجارات العريضة الواسعة عند الكثيرين من الناس وعندما يغرقون فى فيضانات الثراء و الزيادات المروعة المضطردة فى ممتلكاتهم ومقتنياتهم إذا بهم يبعدون عن الله ، ويتناسون فضل الله عليهم ، وهم فى ذلك يرون أن ثراءهم ومكاسبهم إنما هى من كدحهم أو سعيهم أو علمهم ، وهؤلاء الذين هلكوا وكتبت عليهم المهانة و المذلة يوم القيامة ، وهذا قارون الذى أوتى مالاً كثيراً وثراءاً جمّاً ينكر فضل الله عليه ويكفر بنعمة الله فلما سألوه قال : { إنما أوتيته على علم عندى } .

وكانت ثروة قارون طائلة لا تحد ، ووصفها القرآن الكريم بأبلغ بيان وفى أدق عبارة فى قوله تعالى :{ وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة } . وفى عصرنا الحديث وفى كل عصر أذناب هالكون أمثال قارون ممن فتح الله عليهم فأغلقوا على أنفسهم أبواب رحمته ، قال تعالى :{ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً * كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً }

ومثل عبد الرحمن ابن عوف هو ذلك الذى أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، والسعى هنا فى الدنيا لأن الآخرة لا عمل فيها ، وهى دار جزاء وليست دار عمل فالسعى هنا المقصود به السعى و الجد فى الحياة الدنيا ، والقصد من ذلك الذين يعملون ويجدون فى الدنيا ابتغاء الآخرة بالبذل و الجود و العطاء وفعل الخير وعمل البر و المعروف مما يثاب عليه الإنسان فى الآخرة فى دار المقامة ودار الجزاء و الثواب .

وكان عبد الرحمن ابن عوف يملك ماله ، ولم يدع ماله ولم يدع ثراءه يملكه ، فنحن نرى الناس فى كل عصر ومصر يملكون الأموال القليلة فإذا ما ربت ونمت وازدادت وكثرت ملكتهم وسيرتهم حتى يدمنوا على حبها و الولاء لها و التفانى فى سبيل إنمائها ، وهنا متى وصلت النفس البشرية الى هذه الدرجة فمن العسير ، ومن المتعسر الاستبراء من الحرام ودفع الشبهات .

جيىء يوماً لعبد الرحمن ابن عوف بطعام الإفطار ، وكان صائماً فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى وقال :( استشهد مصعب ابن عمير وهو خير منى فكفن فى بردة إن غطت رأسه بدت رجلاه ، وإن غطت رجلاه بدا رأسه ) ، ( واستشهد حمزة وهو خير منى فلم يجد ما يكفن فيه إلا برده ) ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط ، وأعطينا منها ما أعطيناه ، وإنى لأخشى أن نكون قد عجلت لنا حسناتنا )

هذا الخوف وهذا الرعب والفزغ من الآخرة ومن عذاب الله يوم القيامة يملك عبد الرحمن ابن عوف وهو مبشر بالجنة ويعلم ويعرف ما رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مبشراً إياه بالجنة ولكنه لا يأمن مكراً ، ولا يأمن مكر الله إلا الخاسرون .

{ الذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون } .

هؤلاء الذين لم يغرهم متاع ونعمة الدنيا لأنها فاتنة ،وإنما كلفوا بالآخرة وكانت كل همهم وشغلهم

ولما أن بلغ عبد الرحمن ابن عوف الخامسة و السبعين من عمره ووافته منيته ، بكى بكاءً شديداً لا خوفاً من الموت ولا رهبة ولكن ، لأنه تذكر مصعب ابن عمير وكان يراه خيراً من نفسه قد توفى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيراً معدماً ، ولم يوجد ثوب يكفن فيه ، كما تذكر سيد الشهداء وكان يراه خيراً منه وكان شديد الفاقة أيضاً ، وإنه كان يخشى أنه قد عجلت له الطيبات فى الحياة الدنيا ، ويخشى أن يحبس يوم القيامة عن أصحابه لكثرة ماله .

رحم الله ابن عوف ، وقد صلى عليه عثمان ابن عفان وقال فيه الإمام علىّ كرَّم الله وجهه : ( إذهب ابن عوف فقد أدركت صفوها ، وسبقت زيفها يرحمك الله ) .

التقويم :

  1. وضح منزلة ومكانة عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه .

  2. وضح أبرز مآثر عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه - وماذا تعلمت منه .

  3. أذكر أهم الدروس التى استفدتها شخصياً من دراسة شخصية عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه .

  4. أذكر أبرز المواقف التى تأثرت بها من دراسة شخصية سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكيف كان ذلك التأثر .

 

 

 

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 17 ) التشهد الاول : يرى جمهور العلماء ، أن التشهد الاول سنة ، لحديث عبد الله ابن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في صلاة الظهر وعليه جلوس ، فلما أتم صلاته سجد سجدتين ، يكبر في كل سجدة وهو جالس ، قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه ، فكان ما نسي من الجلوس ، رواه الجماعة . وفي سبل السلام الحديث دليل على أن ترك التشهد الاول سهوا يجبره سجود السهو . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) يدل على وجوب التشهد الاول ، وجبرانه عند تركه ، دل على أنه وإن كان واجبا فإنه يجبره سجود السهو ، والاستدلال على عدم وجوبه بذلك لا يتم حتى يقوم الدليل على أن كل واجب لا يجزئ عنه سجود السهو إن ترك سهوا . وقال الحافظ في الفتح . قال ابن بطال : والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب ، إنه لو نسي تكبيرة الاحرام لم تجبر ، فكذلك التشهد ، ولانه ذكر لا يجهر فيه بحال فلم يجب ، كدعاء الاستفتاح ، واحتج غيره بتقريره صلى الله عليه وسلم الناس على متابعته ، بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه ، وفيه نظر . وممن قال بوجوبه ، الليث بن سعد ، وإسحاق وأحمد في المشهور ، وهو قول الشافعي ، وفي رواية عند الحنفية . واحتج الطبراني لوجوبه ، بأن الصلاة فرضت أولا ركعتين ، وكان التشهد فيها واجبا ، فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الوجوب .

استحباب التخفيف فيه : ويستحب التخفيف فيه . فعن ابن مسعود قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الركعتين الاوليين كأنه على الرضف129 رواه أحمد وأصحاب السنن : وقال الترمذي : حسن إلا أن عبيدة130لم يسمع من أبيه . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل في القعود في الركعتين ، لا يزيد على التشهد شيئا . وقال ابن القيم : لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وعلى آله في التشهد الاول ، ولا كان يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا وفتنة الممات وفتنة المسيح الدجال ، ومن استحب ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات ، قد صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الاخير .

 

( 18 ) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : يستحب للمصلي أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الاخير ، بإحدي الصيغ التالية :

1 - عن أبي مسعود البدري قال : ( قال بشير بن سعد : يا رسول الله أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك ؟ فسكت ثم قال : ( قولوا : اللهم صل على محمد131 وعلى آل محمد132 كما صليت على آل إبراهيم . وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد133 مجيد ، والسلام كما علمتم ) رواه مسلم وأحمد .

2 - وعن كعب بن عجزة قال : قلنا : يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال : ( فقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد : اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) رواه الجماعة . وإنما كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مندوبة وليست بواجبة ، لما رواه الترمذي وصححه ، وأحمد وأبو داود عن فضالة بن عبيد قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته ، فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( وعجل هذا ) ، ثم دعاه فقال له أو لغيره : ( إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ليدع بما شاء الله ) قال صاحب المنتقى : وفيه حجة لمن لا يرى الصلاة عليه فرضا ، حيث لم يأمر تاركها بالاعادة ويعضده قوله في خبر ابن مسعود بعد ذكر التشهد : ( ثم يتخير من المسألة ما شاء ) وقال الشوكاني : لم يثبت عندي ما يدل للقائلين بالوجوب .

 

( 19 ) الدعاء قبل التشهد الاخير وقبل السلام : يستحب الدعاء بعد التشهد وقبل السلام بما شاء من خيري الدنيا والاخرة . فعن عبد الله بن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، علمهم التشهد ثم قال في آخره : ( ثم لتختر من المسألة ما تشاء ) رواه مسلم . والدعاء مستحب مطلقا ، سواء كان مأثورا أو غير مأثور إلا أن الدعاء بالمأثور أفضل . ونحن نورد بعض ما ورد في ذلك .

1 - عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الاخير فليتعوذ بالله من أربع ، يقول : اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر فتنة المسيح الدجال ) رواه مسلم .

2 - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات : اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم134 متفق عليه .

3 - وعن علي رضي الله عنه قال ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة ، يكون آخر ما يقول بين التشهد والتسليم : ( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أسرفت وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر : لا إله إلا أنت ) رواه مسلم .

4 - وعن عبد الله بن عمرو : ( أن أبا بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم . علمني دعاء أدعو به في صلاتي ؟ قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) متفق عليه .

5 - وعن حنظلة بن علي : أن محجن بن الادرع حدثه قال : ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته135 وهو يتشهد ويقول : اللهم إني أسألك يا الله الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم ، فقال النبي صلى الله عه وسلم . ( قد غفر ) ثلاثا . رواه أحمد وأبو داود .

6 - وعن شداد بن أوس قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته : اللهم إني أسألك الثبات في الامر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ، وحسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما . ولسانا صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم ) رواه النسائي .

7 - وعن أبي مجلز قال : صلى بنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما صلاة فأوجز فيها ، فأنكروا ذلك فقال : ( ألم أتم الركوع والسجود ؟ . . . قالوا : بلى . قال : أما إني دعوت فيها بدعاء كان رسول اله صلى الله عليه وسلم يدعو به : اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغني ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، وأعوذ بك من ضراء مضرة ، ومن فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الايمان ، واجعلنا هداة مهديين ) رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد .

8 - وعن أبي صالح عن رجل من الصحابة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل : ( كيف تقول في الصلاة ؟ ) قال : أتشهد ، ثم أقول . اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار ، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة136 معاذ . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حولها ندندن ) . رواه أحمد وأبو داود .

9 - وعن ابن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول هذا الدعاء : اللهم ألف بين قلوبنا ، وأصلح ذات بيننا ، واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور ، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، واجعلنا شاكرين لنعمتك ، مثنين بها وقابليها وأتمها علينا ) رواه أحمد وأبو داود .

10 - وعن أنس قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل قائم يصلي ، فلما ركع وتشهد قال في دعائه : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان ، بديع السموات والارض يا ذا الجلال والاكرام يا حي يا قيوم إني أسألك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه : ( أتدرون بم دعا ؟ ) قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ( والذي نفس محمد بيده لقد دعا الله باسمه العظيم ، الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ) . رواه النسائي .

11 - عن عمير بن سعد قال : كان ابن مسعود يعلمنا التشهد في الصلاة ثم يقول : إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم ، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم ، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون ، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار . قال : لم يدع نبي ولا صالح بشئ إلا دخل في هذا الدعاء . رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور .

 

الحلقة

الاربعون

 

الحلقة الاربعون

 

الدرس الأول :

 

 

سعيد بن زيد

( 22 ق .هـ - 51 هـ )

( 6.. م - 671 م )

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس نسبه وكنيته رضي الله عنه .

  2. أن يذكر الدارس منزلته ومكانته رضي الله عنه.

  3. أن يستخلص الدارس ما تعلمه من دراسة شخصية سعيد ابن زيد رضي الله عنه

* نسبه وكنيته :

هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رازح بن عدى بن كعب بن لؤى وهو ابن عم فاروق الإسلام عمر بن الخطاب ، وزوج أخته فاطمة بنت الخطاب أم جميل . وأم سعيد هى : فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خويلد بن خالد بن المعز ابن حيان ابن خزاعة وكان يكنى أبا الأعور .

وكان سعيد بن زيد رضى الله عنه طويلاً فارع الطول ، أسمر الشعر هادىء الطبيعة ، نقى السريرة ، لين العريكة نقياً ورعاً زاهداً فى الدنيا ، قوى اليقين ، عميق الإيمان رحب الصدر .

كان أبوه يدين بدين إبراهيم عليه السلام على المحجة الحنيفية الغراء ، وهو الرجل الوحيد الذى كان موحداً فى الجاهلية ، فكان ينبذ عبادة الأصنام ، وينبذ أوهام وخزعبلات الجاهلية الأولى ، ويدعو للوحدانية وعبادة الله سبحانه وتعالى على دين إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، ووالد سعيد ابن زيد هو زيد بن عمرو بن نفيل يقرض شعراً يبين فيه ما كان عليه قومه من ضلال وغواية ووثنية فيقول :

أربــاً واحــــداً أم ألـــف ربٍّ أُدِيــنُ إذا تقسمــت الأمــور

عزلت اللات و العزى جميعاً كذلك يفعل الجـلـد الصــبور

فلا عــزى أديــن ولا ابنتيـها ولا صنمىّ بنى عمرو أزور

ولا غنمـــاً أديـن وكان ربــاً لنا فى الدهر إذ حلمى يسـير

ولكــن أعـبد الرحمــن ربـى ليغـفــر ذنبـى الرب الغفـور

فتقـــوى الله ربكــم احفظوها متى ما تحفـظــوها لا تبـــور

ترى الأبـــرار دارهــم جنان وللكـفــــار حاميــــة سعـــير .

توحيد خالص لا تشوبه وثنية ولا شبه وثنية ، وعزوف عن أوثان الجاهلية البالية التى غرق فى أتونها الجاهليون فعبدوا الأصنام والأحجار من دون الله .

* منزلته ومكانته ومآثره :

ومثل هذه الشخصية الفذة القوية العظيمة خليقة بالتقدير والاحترام ، وقد كان سعيد بن زيد وزوجته أم جميل بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب من السابقين الأولين الذين سارعو بتلبية دعوة الحق ، ونداء الصدق ، وبينهما كان إسلام الفاروق عمر الذى أعز الله به الإسلام وقوى شوكته وأعلا كلمته ، وذات يوم سأل سعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه زيد بن عمرو بن نفيل فقال عليه الصلاة و السلام :( غفر الله لزيد بن عمرو ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم )

فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكر منهم إلا ترحَّم عليه واستغفر له .

وقد تأثر سعيد بأبيه ، فهو قبضة من أبيه ، وفلذة منه ، نفس الطبيعة ونفس التكوين ، ونفس الفطرة النقية الزكية ، لم تلوثه أدران الفساد و التحلل التى سادت مناخ الجاهلية القاتل . وقد أجاب الله فيه دعوة أبيه زيداً : ( اللهم إن كنت حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني " سعيداً " )

وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضى الله عنه أنه قال : أشهد على التسعة أنهم فى الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم ، قيل وكيف ذلك ؟ قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء فقال : اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبى أو صديق أوشهيد قيل : ومن هم ؟ قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ وطلحة و الزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل : ومن العاشر ؟ قال : أنا ) . رواه الترمذى وأبو داود

وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى . وما كانت البشرى لهم بالجنة إلا بقدر ما أعطوا وبذلوا فى سبيل الله من البذل بالمال و النفس والنفيس .

وقد شهد سعيد بن زيد الغزوات جميعها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهاجر معه إلى المدينة ، عدا غزوة بدر ، إذ لم يحضر معركة بدر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعثه مع طلحة بن عبيد الله ليأتيا بخبر قريش ، فلما أن قفلا ألفيا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد انتهى من غزوة بدر الكبرى وسحق جنود البغى و الشرك فضرب لهما بسهامهما وأجورهما فكانا كمن شهد المعركة ، وأسهم مع المسلمين فى استلال عرش " كسري " وتقويض ملك " قيصر ".

ولعل أروع بطولاته تلك التي سجلها يوم " اليرموك " وأبلى فيها بلاءً حسناً . فلنترك له الكلام ليقص علينا طرفاً من خبر ذلك اليوم .

قال سعيد بن زيد : " لما كان يوم اليرموك كنا أربعاً وعشرين ألفاً أو نحواً من ذلك ، فخرجت لنا الروم بعشرين ومائة ألف ، وأقبلوا علينا بخطى ثقيلة كأنهم الجبال تحركها أيدٍ خفية ، وسار أمامهم الأساقفة والبطارقة والقسيسون يحملون الصلبان وهم يجهرون بالصلوات فيرددها الجيش من وراءهم وله هزيم كهزيم الرعد ، فلما رآهم المسلمون على حالهم هذه هالتهم كثرتهم ، وخالط قلوبهم شيء من خوفهم . عند ذلك قام أبو عبيدة بن الجراح يحض المسلمين على القتال فقال : عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ... عباد الله ، اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ، ومرضاة للرب ومدحضة للعار ، وأشرعوا الرماح ، واستتروا بالتروس ، والزموا الصمت إلا من ذكر الله عز وجل فى أنفسكم ، حتى آمركم إن شاء الله .

قال سعيد : عند ذلك ، خرج رجل من صفوف المسلمين وقال لأبي عبيدة : إنى أزمعت على أن أقضي أمري الساعة ! فهل لك من رسالة تبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!

فقال أبو عبيدة : نعم ، تقرئه مني ومن المسلمين السلام وتقول له : يا رسول الله إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً .

قال سعيد : فما إن سمعت كلامه ، ورأيته يمتشق حسامه ، ويمضى إلى لقاء أعداء الله ، حتى اقتحمت إلى الأرض ، وجثوت على ركبتي ، وأشرعت رمحي وطعنت أول فارس أقبل علينا ، ثم وثبت على العدو وقد انتزع الله كل ما فى قلبي من الخوف ، فثار الناس فى وجوه " الروم " وما زالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر .

شهد سعيد بن زيد فتح " دمشق " فلما دانت للمسلمين بالطاعة ، جعله أبو عبيدة بن الجراح والياً عليها ، فكان أول من وليّ إمرة " دمشق " من المسلمين .

وفى زمن بني أمية وقعت لسعيد بن زيد حادثة ظل أهل يثرب يتحدثون بها زمناً طويلاً .

ذلك أن " أروى بنت أويس " زعمت أن سعيد بن زيد قد غصب شيئاً من أرضها وضمها إلى أرضه ، وجعلت تلوك ذلك بين المسلمين وتتحدث به ، ثم رفعت أمرها إلى " مروان بن الحكم " والي المدينة المنورة ، فأرسل إليه مروان أناساً يكلمونه في ذلك ، فصعب الأمر على صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يرونني أظلمها !! كيف أظلمها ؟! وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ظلم شبراً من الأرض طوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين " ... اللهم إنها قد زعمت أني ظلمتها ، فإن كانت كاذبة ، فأعم بصرها ، وألقها فى البئر الذى تنازعني فيه ، وأظهر من حقي نوراً يبين للمسلمين أنّي لم أظلمها .

لم يمض على ذلك غير قليل حتى سال العقيق بسيل لم يسل مثله قط ، فكشف عن الحد الذى كانا يختلفان فيه وظهر للمسلمين أن سعيداً كان صادقاً ، ولم تلبث المرأة شهراً حتى عميت ، وبينا هى تطوف فى أرضها تلك حتى سقطت فى بئرها ... فلا عجب في ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب " فكيف إذا كان المظلوم سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة ؟!

وكان سعيد بن زيد من الطراز الطيب النقى الأصيل إذ كان نقياً تقياً ورعاً زاهداً ، أحسن الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعد موت النبى صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عن النضال مع الخلفاء الراشدين إلى أن توفاه الله وانتقل إلى الرفيق الأعلى فى زمرة الأبرار و الصديقين و الشهداء و الصالحين .

وفى سنة خمسين هجرية أسلم سعيد بن زيد الروح الكريم الطيب إلى بارئها راضية مرضية ، وقد جاهد فى الله حق جهاده وأحسن البلاء مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليه أجمعين ونسأله جلَّ شأنه أن يلحقنا بعباده الصالحين .

* التقويم :

  1. أذكر نسب وكنية سعيد ابن زيد رضي الله عنه .

  2. وضح منزلة ومكانة ومآثر سعيد ابن زيد رضي الله عنه.

  3. وضح الدروس المستفادة من مواقف ومآثر سعيد بن زيد رضي الله عنه

  4. وضح كيف تطبق ما تعلمته من دراسة شخصية سعيد ابن زيد رضي الله عنه

  5. وقد أجاب الله دعوة أبيه زيداً : ( اللهم إن كنت حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني " سعيداً " ) وضح ذلك مبيناً الدروس التى يمكن أن نتعلمها .

الدرس الثاني :

 

صفة صلاة النبي – سيد سابق

( 20 ) الاذكار والادعية بعد السلام : ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة أذكار وأدعية بعد السلام ، يسن للمصلي أن يأتي بها ، ونحن نذكرها فيما يلي :

1 - عن ثوبان رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا وقال : ( أللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت137 يا ذا الجلال والاكرام ، رواه الجماعة إلا البخاري . وزاد مسلم : قال الوليد : فقلت للاوزاعي : كيف الاستغفار ؟ قال يقول : أستغفر الله ، أستغفر الله ، أستغفر الله .

2 - وعن معاذ بن جبل : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده يوما ثم قال : ( يا معاذ إني لاحبك ) فقال له معاذ : ( بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، وأنا أحبك ) قال : ( أوصيك يا معاذ ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، وقال صحيح على شرط الشيخين . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء ؟ قولوا : أللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه أحمد بسند جيد .

3 - وعن عبد الله بن الزبير قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم في دبر الصلاة يقول : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا نعبد إلا إياه ، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي .

4 - وعن المغيرة بن شعبة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير : أللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) رواه أحمد والبخاري ومسلم .

5 - وعن عقبة بن عامر قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة . ولفظ أحمد وأبي داود بالمعوذات138 رواه أحمد والبخاري ومسلم .

6 - وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) رواه النسائي والطبراني . وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله139 إلى الصلاة الاخرى ) . رواه الطبراني بإسناد حسن .

7 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين تلك تسع وتسعون . ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زيد البحر140 ) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود .

8 - وعن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاثا وثلاثين تسبيحة ، وثلاثا وثلاثين تحميد وأربعا وثلاثين تكبيرة ) رواه مسلم .

9 - وعن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة : أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ذهب أهل الثور141 بالدرجات العلا والنعيم المقيم قال : وما ذاك ؟ قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم ، وتسبقون من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم ، إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ( تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة ) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع اخواننا أهل الاموال بما فعلنا ففعلوا مثله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) قال سمي : فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث فقال : وهمت ، إنما قال لك تسبح ثلاثا وثلاثين ، وتحمد ثلاثا وثلاثين ، وتكبر أربعا وثلاثين . فرجعت إلى أبي صالح فقلت له ذلك ، فأخذ بيدي فقال : الله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ( وسبحان الله ، والحمد لله ، حتى يبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين ) متفق عليه .

10 - وصح أيضا ، أن يسبح خمسا وعشرين ويحمد مثلها ويكبر مثلها ، ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير مثلها .

11 - عن عبد الله بن عمرو قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خصلتان من حافظ عليهما أدخلتاه الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل ، قالوا : وما هما يا رسول الله ؟ قال : ( أن تحمد الله ، وتكبره وتسبحه في دبر كل صلاة مكتوبة عشرا عشرا وإذا أتيت إلى مضجعك ، تسبح الله وتكبره وتحمده مائة . فتلك خمسون ومائتان باللسان ، وألفان142 وخمسمائة في الميزان . فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة قالوا : كيف من يعمل بها قليل ؟ قال : يجئ أحدكم الشيطان في صلاته فيذكره حاجة كذا وكذا فلا يقولها ، ويأتيه عند منامه فينومه فلا يقولها ) قال : ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده143 رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح .

12 - وعن علي - وقد جاء هو وفاطمة - رضي الله عنهما يطلبان خادما يخفف عنهما بعض العمل ، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ، ثم قال لهما : ( ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ قالا : بلى . فقال : ( كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام : تسبحان في دبر كل صلاة عشرا ، وتحمدان عشرا ، وتكبران عشرا ، وإذا أويتما إلى فراشكما ، فسبحا ثلاثين وثلاثين : وأحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبر أربعا وثلاثين ) وقال : فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

13 - وعن عبد الرحمن بن غنم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير . عشر مرات كتب له بكل واحدة عشر حسنات ومحيت عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وكانت حرزا من كل مكروه ، وحرزا من الشيطان الرجيم ، ولم يحل لذنب يدركه144 إلا الشرك فكان من أفضل الناس عملا إلا رجلا يفضله . يقول أفضل مما قال ) رواه أحمد وروى الترمذي نحوه بدون ذكر ( بيده الخير ) .

14 - وعن مسلم بن الحارث عن أبيه قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا صليت الصبح فقل قبل أن تكلم أحدا من الناس : اللهم أجرني من النار ، سبع مرات ، فإنك إن مت من يومك كتب الله عزوجل لك جورا من النار ، وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تكلم أحدا من الناس : اللهم إني أسألك الجنة : أللهم أجرني من النار ، سبع مرات ، فإنك إن مت من ليلتك كتب الله عزوجل لك جوارا من النار ) ، رواه أحمد وأبو داود .

15 - وروى أبو حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند انصرافه من صلاته : ( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ، وأصلح دنياي التي جعلت فيها معاشي : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من نقمتك . وأعوذ بك منك ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد ، منك الجد ) .

16 - وروى البخاري والترمذي : أن سعد بن أبي وقاص كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات ، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة . ويقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر الصلاة : ( اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد الى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، وأعوذ بك من عذاب القبر ) .

17 - وروى أبو داود والحاكم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر كل صلاة : ( اللهم عافني في بدني ، اللهم عافني في سمعي ، اللهم عافني في بصري . اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، لا إله إلا أنت ) .

18 - وروى الامام أحمد وأبو داود والنسائي ، بسند فيه داوند الطفاوي ، وهو ضعيف ، عن زيد بن أرقم : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر صلاته : ( اللهم ربنا ورب كل شئ أنا شهيد أنك الرب وحدك لا شريك لك ، اللهم ربنا ورب كل شئ ، أنا شهيد أن محمدا عبدك رسولك : اللهم ربنا ورب كل شئ ، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة : اللهم ربنا ورب كل شئ ، اجعلني مخلصا لك وأهلي145 في كل ساعة من الدنيا والاخرة ، يا ذا الجلال والاكرام ، اسمع واستجب ، الله الاكبر الاكبر ، نور السموات والارض ، الله الاكبر الاكبر ، حسبي الله ونعم الوكيل . الله الاكبر الاكبر ) .

19 - وروى أحمد وابن شيبة وابن ماجه ، بسند فيه مجهول ، عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم : ( اللهم إني أسألك علما نافعا ، ورزقا واسعا ، وعملا متقبلا ) .

1 جدد حياتك ص 104 الشيخ محمد الغزالي

2 سورة العنكبوت آية : 45

3 سورة الاعلى آية 14 و 15

4 سورة طه آية 14

5 سورة البقرة آية : 110

6 سورة البقرة آية : 45

7 سورة الكوثر آية : 2

8 سورة الانعام آية : 162 ، 163

9 سورة المؤمنون : 1 ، 2 ، 9 ، 10 ، 11

10 سورة البقرة آية 238 ، 239

11 سورة النساء : 102 ، 103

12 سورة مريم آية : 59

13 سورة الماعون آية : 4 ، 5

14 إبراهيم آية : 40

15 لا يقبل منه صرف ولا عدل : لا يقبل منه فرض ولا نقل .

16 سورة النساء آية : 116

17 ( رفع القلم ) كناية عن عدم التكليف .

18 يحتلم : يبلغ .

19 ( يصوب ) يميل به إلى أسفل . ( يقنعه ) : يرفعه إلى أعلى .

20 ( يهرق ) : يصب منه شئ ، لاستواء ظهره .

21 ( يتأول القرآن ) : أي يعمل بقبول الله تعالى ( فسبح بحمد ربك واستغفره ) .

22 ( البضع ) من الثلاثة إلى العشرة .

23 ( مل ء ) بفتح الهمزة ، هذا هو المشهور أي لو جسم الحمد لملا السموات والارض وما بينهما لعظمه .

24 ( أهل الثناء والمجد ) أهل منصوب على النداء أو الاختصاص ) أي يا أهل الثناء ! أو مدح أهل الثناء .

25 ( الجد ) بفتح الجيم على المشهور ! الحظ والعظمة . والغني : أي لا ينفعه ذلك ، وإنما ينفعه العمل الصالح !

 

26 ( موقوتا ) أي منجما في أوقات محدودة ، سورة النساء : 103 .

27 قال الحسن : ( صلاة طرفي النهار ) : الفجر والعصر و ( زلف الليل ) قال : هما زلفتان ، صلاة المغرب وصلاة العشاء .

28 سورة هود آية : 114 .

29 ( دلوك الشمس ) زوالها ، اي أقمها لاول وقتها هذا ، وفيه صلاة الظهر ، منتهيا إلى غسق الليل ، وهو ابتداء ظلمته ، ويدخل فيه صلاة العصر والعشاءين .

30 ( وقرآن الفجر ) : أي وأقم قرآن الفجر : أي صلاة الفجر ، ( مشهودا ) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار . ( 5 ) الاسراء آية : 18 .

31 سورة طه آية : 12 .

32 ( الفئ ) : الظل الذي بعد الزوال .

33 ( التلول ) جمع تل : ما اجتمع على الارض من تراب أو نحو ذلك .

34 ( وجبت الشمس ) غربت وسقطت .

35 الشفق كما في القاموس : هو الحمرة في الافق من الغروب إلى العشاء أو إلى قريبها ، أو إلى قريب العتمة .

36 ( العتمة ) : العشاء .

37 ( أعتم ) : أي أخر صلاة العشاء .

38 ( عامة الليل ) أي كثير منه ، وليس المراد أكثره بدليل قوله : إنه لوقتها . قال النووي : ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول إلى ما بعد نصف الليل ، لانه لم يقل أحد من العلماء إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل .

39 ( الهاجرة ) شدة الحر نصف النهار عقب الزوال .

40 ( وجبت الشمس ) غربت وسقطت .

41 ( الغلس ) ظلمة آخر الليل .

42 ( متلفعات بمروطهن ) : ملتحفات بأكسيتهن .

43 - النور 33

44 - تصنيف الماوردي –أدب الدنيا و الدين

45 - المصدر السابق بتصرف

46 النور 33

47 الترمذي

48 - المائدة 93

49 البزة : الهيئة

50 - الترمذي

51 بن ماجة

52 النسائي

53 خلق المسلم الغزالي

54 ) أي لو يعلم ما في الاذان والصف الاول من الفضيلة وعظيم المثوبة لحكموا القرعة بينهم ، لكثرة الراغبين فيها .

55 ( والتهجير ) التكبير الى صلاة الظهر .

56 ( وحبوا ) من حبا الصبي : إذا مشى على أربع .

57 ( الشظية ) : القطعة تنقطع من الجبل ولا تنفصل عنه .

58 فيتحينون الصلاة : ينتظرون الصلاة

59 ( أندى صوتا منك ) أي أرفع أو أحسن . فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع صوت وحسنه . وعن أبي محذورة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته فعلمه الاذان ، ولو ابن خزيمة .

60 فيه جواز سؤال الامامة في الخبر .

61 ( واقتد بأضعفهم ) : أي اجعل صلاتك بهم خفيفة كصلاة أضعفهم .

62 ( أن أرد عليه ) : أي أرد عليه السلام .

63 ( ابن أم مكتوم ) كان أعمى ، ويؤخذ منه جواز أذانه إذا استطاع معرفة الوقت . كما يجوز أذان الصبي المميز .

 

64 ( أن يؤذن ) أي أذانا لا يشوش على الناس ولا يلبس عليهم .

65 بليل كثير : أي بجزء كبير من الليل .

66 الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ، كالوضوء للصلاة ، فإنه يلزم من عدمه عدم الصلاة ولا يلزم من وجوده وجودها ولا عدمها .

67 ( الغلول ) : السرقة من الغنيمة قبل قسمتها .

68 سورة المدثر آية : 4

69 السجل : هو الدلو إذا كان فيه ماء . والذنوب : الدلو العظيمة الممتلئة ماء .

70 سورة الاعراف آية : 31

71 ( الحائض ) : أي البالغة ، والخمار غطاء الرأس .

72 الدرع : القميص .

73 صحح الائمة وقفه لانه ليس من كلام أم سلمة ومثل هذا له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

 

74 ( إذا صلى أحدكم ) أي أراد أن يصلي .

75 ( يأل ) : أي يقصر .

76 ( في لحاف ) أي في ثوب يلتحف به .

77 سورة البقرة آية 144 .

78 ( المكتوبة ) : الفريضة . والايماء الاشارة بالرأس إلى السجود .

79 ( فأحصى الوضوء إلى أماكنه ) : أي غسل جميع الاعضاء .

80 ( انعتهم لنا ) : أي صفهم لنا .

81 ويرى البعض أنها شرط ولا ركن .

82 سورة البينة آية : 5 .

83 فهجرته إلى الله ورسوله : أي هجرته رايحة .

84 فهجرته إلى ما هاجر إليه : أي هجرته خسيسة حقيرة .

85 ( الوسواس ) : الوسوسة .

86 ( قانتين ) : أي خاشعين منذلين . والمراد بالقيام القيام للصلاة .

87 ( خداج ) : قال الخطابي : هي خداج : ناقصة نقص بطلان وفساد .

88 سورة الحج آية 77 .

89 الصلب : الظهر .

90 ( الفطرة ) : الدين .

91 ( الفقار ) . جمع فقارة ، وهي عظام الظهر .

92 ( سبعة آراب ) أي أعضاء ، جمع إرب .

93 ( الكفت والكف ) . الضم ، والمراد أن لا يجمع ثيابه ولا شعره ولا يضمهما في حال الصلاة عند السجود .

94 حذو منكبيه أي مساوية لمنكبيه تماما .

95 ( ينمي ) : يرفع .

96 ( الرسغ ) : المفصل بين الساعد والكف .

97 وقتا قصيرا .

98 ( لبيك ) : هو من ألب بالمكان إذا أقام به ، أي أجبك إجابة بعد إجابة ، قال النووي قال العلماء : ومعناه أنا مقيم على طاعتك اقامة بعد إقامة ( سعديك ) قال الازهري وغيره : معناه مساعدة لامرك بعد مساعدة ، ومتابعة لدينك بعد متابعة ، ( الشر ليس اليك ) : أي لا يتقرب به اليك أو لا يضاف اليك تأدبا ، أو لا يصعد إليك ، أو أنه ليس شرا بالنسبة إليك فانما خلقته لحكمة بالغة ، وانما هو شر بالنسبة للمخلوقين .

99 ومعنى ( تعالى جدك ) علا جلالك وعظمتك .

100 كان إذا قام كبر عشرا : أي بعد تكبيرة الاحرام .

101 ( المؤتة ) : الصرع .

102 أي إذا أردت القراءة فاستعذ : كقول الله تعالى ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) .

103 أي من غير ذكر السند .

104 ( لجة ) : أي صوت مرتفع .

105 قال الخطابي : معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا قال الامام ولا الضالين ) فقولوا ( آمين ) : أي مع الامام ، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معا . وأما قوله : ( إذا أمن أمنوا ) فانه لا يخالفه ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه ، وإنما هو كقول القائل : إذا رحل الامير فارحلوا : يعني إذا أخذ الامير في الرحيل فتهيأوا للارتحال ، لتكون رحلتكم مع رحلته . وبيان هذا في الحديث الاخر ( أن الامام يقول آمين ) إلى آخر الحديث .

 

106 ( ما أخرم عنها ) : أي أنقص .

107 ( فأركد في الاوليين ) أي أطول فيهما القراءة .

108 ( يسبح ) أي سورة الاعلى المبدوءة : ( سبح اسم ربك الاعلى ) .

109 ما أذن الله ( أذن ) : استمع .

110 أدلة وجوب القراءة التي تقدم الكلام عليها في فرائض الصلاة .

111 قال له النبي صلى الله عليه وسلم ، لما سمع رجلا يقرأ خلفه ( سبح اسم ربك الاعلى ) .

112 ( خالجنيها ) نازعنيها .

113 ( يصوب ) يميل به إلى أسفل . ( يقنعه ) : يرفعه إلى أعلى .

114 ( يهرق ) : يصب منه شئ ، لاستواء ظهره .

115 ( يتأول القرآن ) : أي يعمل بقبول الله تعالى ( فسبح بحمد ربك واستغفره ) .

116 ( البضع ) من الثلاثة إلى العشرة .

117 ( مل ء ) بفتح الهمزة ، هذا هو المشهور أي لو جسم الحمد لملا السموات والارض وما بينهما لعظمه .

118 ( أهل الثناء والمجد ) أهل منصوب على النداء أو الاختصاص ) أي يا أهل الثناء ! أو مدح أهل الثناء .

119 ( الجد ) بفتح الجيم على المشهور ! الحظ والعظمة . والغني : أي لا ينفعه ذلك ، وإنما ينفعه العمل الصالح !

 

120 ( حزرنا ) : أي قدرنا وفي السجود عشر تسبيحات ) .

121 ( قمن ) بفتح أوله وثانية أو كسر ثانيه . أي حقيق وجدير .

122 دقه وجله : ( دقه ) بكسر أوله : صغيره . ( جله ) : بضم أوله أو بكسره : أي كبيره .

123 رواه الترمذي ، وفيه : ( واجبرني ) بدل وعافني .

124 ( عقد ثلاثا وخمسين ) : أي قبض أصابعه ، وجعل الابهام على الفصل الاوسط من تحت السبابة .

125 ( أحد ) : أشر باصبع واحد .

126 يرفع سبابته عد النفي ) : عند قوله لا ، ( ويضعها عند الاثبات ) أي عند قوله ( إلا الله ) من الشهادة .

127 تقدم بيان معناه في صفة الجلوس بين السجدتين . ( والتورك ) أن ينصب رجله اليمنى مواجها أصبعه الى القبلة ، ويثني رجله اليسرى تحتها ويجلس بمقعدته على الارض .

128 ( فإذا جلس في الركعتين ) : أي للتشهد الاول .

129 ( الرضف ) . جمع رضفة : وهي الحجارة المحماة ، وهو كناية عن تخفيف الجلوس .

130 عبيدة بن عبد الله بن مسعود الذي روى الحديث عن أبيه ابن مسعود .

131 ( اللهم ) : أي يا الله . ( صلاة الله على نبيه ) ثناؤه عليه وإظهار فضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه .

132 ( آله ) قيل : هم من حرمت عليهم الصدقة من بني هاشم وبني المطلب . وقيل هم ذريته وأزواجه ، وقيل هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة ، وقيل : هم المتقون من أمته ، قال : ابن القيم : الاول هو الصحيح ، ويليه القول الثاني وضعف الثالث والرابع ، وقال النووي : أظهرها ، وهو اختيار الازهري وغيره من المحققين أنهم جميع الامة .

133 ( الحميد ) هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودا ، وإن لم يحمده غيره ، فهو حميد في نفسه . ( والمجيد ) من كمل في العظمة والجلال .

134 المأثم : الاثم ، والمغرم : الدين .

135 ( قد قضى صلاته ) : قارب أن ينتهي منها .

136الدندنة : الكلام الغير المفهوم .

137 ( اللهم أنت السلام ومنك السلام ) السلام الاول اسم من أسماء الله تعالى . والثاني بمعنى السلامة . ( تباركت ) كثر خيرك .

138 ( قل هو الله أحد ) من المعوذات .

139 ( ذمة الله ) : حفظه .

140 ( الزبد ) : الرغوة فوق الماء ، والمراد بالخطايا : الصغائر .

141 الدثور : المال الكثير .

142 لان الحسنة بعشرة أمثالها .

143 ( يعقدهن بيده ) : أي يعدهن .

144 ( يدركه ) : أي يهلكه .

145 ( وأهلي ) : أي وأهلي مخلصين لك .

Date de dernière mise à jour : 05/07/2021