- Accueil
- المستوى التمهيدي
- الكتاب الثالث
- الحلقة 01-20
الحلقة 01-20
الحلقة 01-20
الحلقة الاولى
الدرس الأول :
المحور الإيماني والتعبدي
ويشمل
-
الهدف العام الأول : أن يلم بالعلوم الشرعية المناسبة .
-
أولاً : القرآن : حفظ وتفسير جزء عمّ والاهتمام بما ورد فى الآيات من أوامر ونواهى من الناحية العملية – تعلم التلاوة الصحيحة . ( مع ملاحظة أن حفظ القرآن مفتوح للجميع وليس قاصراً على جزء عمّ (
-
ثانياً : الحديث : 2. حديث من الأربعين النووية – حفظ وفهم المعنى وتنفيذ ما جاء بها من أوامر ونواهي .
-
ثالثاً : العقيدة : أركان الإيمان الستة .
-
رابعاً السيرة : مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .
بالإضافة إلى صور من حياة الصحابة دروس وعبر .
-
خامساً : الفقه : فقه السنة للشيخ سيد سابق من الجزء الأول ( الطهارة والصلاة ) .
-
الهدف العام الثاني : أن يدرك المهمة التى خلقنا الله من أجلها ويعمل لها
" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
أولاً
القرآن الكريم
دراسة حول سور الجزء الثلاثين
الجزء الثلاثين
- الأهداف العامة للجزء الثلاثين :
-
أن يوضح الدارس الطابع العام للجزء الثلاثين .
-
أن يذكر الدارس فضل كل سورة فى هذا الجزء ( إن وجدت ) .
-
أن يذكر الدارس أسباب نزول كل سورة ( إن وجدت ) .
-
أن يوضح الدارس ما تناولته كل سورة من أمور العقيدة .
-
أن يستخلص الدارس العبر والعظات المستفادة من دراسة كل سورة .
هذا الجزء كله ذو طابع غالب .. سوره مكية فيما عدا سورتي "البينة " و "النصر" وكلها من قصار السور على تفاوت في القصر . والأهم من هذا هو طابعها الخاص الذي يجعلها وحدة - على وجه التقريب - في موضوعها واتجاهها ، وإيقاعها ، وصورها وظلالها ، وأسلوبها العام .
إنها طرقات متوالية على الحس .. وصيحات . صيحات بنوم غارقين في النوم .. تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد : استيقظوا . انظروا . تلفتوا . تفكروا . تدبروا .. إن هنالك إلها . وإن هنالك تدبيرا . وإن هنالك تقديرا . وإن هنالك ابتلاء . وإن هنالك تبعة . وإن هنالك حسابا . وإن هنالك جزاء . وإن هنالك عذابا شديدا . ونعيما كبيرا.
وفي الجزء كله تركيز على النشأة الأولى للإنسان والأحياء الأخرى في هذه الأرض من نبات وحيوان . وعلى مشاهد هذا الكون وآياته في كتابه المفتوح . وعلى مشاهد القيامة العنيفة الطامة الصاخة القارعة الغاشية . ومشاهد الحساب والجزاء من نعيم وعذاب في صور تقرع وتذهل وتزلزل كمشاهد القيامة الكونية في ضخامتها وهولها .. واتخاذها جميعا دلائل على الخلق والتدبير والنشأة الأخرى وموازينها الحاسمة . مع التقريع بها والتخويف والتحذير .. وأحيانا تصاحبها صور من مصارع الغابرين من المكذبين .
سـورة الشرح
|
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس ما تضمنته السورة من تسرية وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
أن يوضح الدارس أنه لا يخلو عسر من يسر .
-
أن يذكر الدارس توجيه الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده فى آخر السورة .
نزلت هذه السورة بعد سورة الضحى . وكأنها تكملة لها . فيها ظل العطف الندي . وفيها روح المناجاة الحبيب . وفيها استحضار مظاهر العناية . واستعراض مواقع الرعاية . وفيها البشرى باليسر والفرج . وفيها التوجيه إلى سر اليسر وحبل الاتصال الوثيق ..
( ألم نشرح لك صدرك ؟) وهي توحي بأن هناك ضائقة كانت في روح الرسول لأمر من أمور هذه الدعوة التي كلفها .. توحي بأن صدره كان مثقلا لهموم هذه الدعوة الثقيلة .. وأنه كان في حاجة إلى عون ومدد وزاد ورصيد .. ثم كانت هذه المناجاة الحلوة ، وهذا الحديث الودود :
( ألم نشرح لك صدرك ؟ ) .. ألم نشرح صدرك لهذه الدعوة ؟ ونيسر لك أمرها ؟ . ونجعلها حبيبة لقلبك ، ونشرع لك طريقها ؟ وننر لك الطريق حتى ترى نهايته السعيدة .
( ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ) .. ووضعنا عنك عبئك الذي أثقل ظهرك حتى كاد يحطمه من ثقله .. وضعناه عنك بشرح صدرك له فخف وهان . وبتوفيقك وتيسيرك للدعوة ومداخل القلوب . وبالوحي الذي يكشف لك عن الحقيقة ويعينك على التسلل بها إلى النفوس في يسر وهوادة ولين .
( ورفعنا لك ذكرك ) .. رفعناه في الملأ الأعلى ، ورفعناه في الأرض ، ورفعناه في هذا الوجود جميعا .. رفعناه فجعلنا اسمك مقرونا باسم الله كلما تحركت به الشفاه :
"لا إله إلا الله . محمد رسول الله" .. وليس بعد هذا رفع ، وليس وراء هذا منزلة . وهو المقام الذي تفرد به دون سائر العالمين ..
ومع هذا فإن الله يتلطف مع حبيبه المختار ، ويسري عنه ، ويؤنسه ، ويطمئنه ويطلعه على اليسر الذي لا يفارقه :
( فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ) .. إن العسر لا يخلو من يسر يصاحبه ويلازمه . وقد لازمه معك فعلا . فحينما ثقل العبء شرحنا لك صدرك ، فخف حملك ، الذي أنقض ظهرك . وكان اليسر مصاحبا للعسر ، يرفع إصره ، ويضع ثقله . وإنه لأمر مؤكد يكرره بألفاظه : ( فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا ).
ثم يجيء التوجيه الكريم لمواقع التيسير ، وأسباب الانشراح ، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل :( فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب ) ..
فإذا فرغت من شغلك مع الناس .. ومع شواغل الحياة .. إذا فرغت من هذا كله فتوجه بقلبك كله إذن إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد .. العبادة والتجرد..( وإلى ربك فارغب ) إلى ربك وحده خاليا من كل شيء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم .. إنه لا بد من الزاد للطريق . وهنا الزاد .. وهنا ستجد يسرا مع كل عسر ، وفرجا مع كل ضيق .. هذا هو الطريق !
التقويم
-
وضح ما تضمنته السورة من تسرية وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
وضح أنه لا يخلو عسر من يسر . واذكر موقف عملى مررت به أو عايشته يؤكد هذا المعنى .
-
أن يذكر الدارس توجيه الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده فى آخر السورة .
-
[ لا بد للطريق إلى الله من زاد يتزود به السائرين إليه ] دلل على ذلك مما فهمت من الآيات . وهل لك من زاد تحرص عليه وتتزود به .
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
الهجرة الأولى إلى الحبشة
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس أسباب الهجرة إلى الحبشة .
-
أن يذكر الدارس أسباب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم أرض الحبشة للهجرة .
-
أن يذكر الدارس عدد من هاجر إلى الحبشة فى الهجرة الأولى والثانية .
-
أن يشرح الدارس فوائد الهجرة إلى الحبشة .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس من الهجرة إلى الحبشة .
-
أن يوضح الدارس كيف يستفيد من هذه العبر والدروس فى عمله .
وفي السنة الخامسة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لمّا اشتد عليهم العذاب والأذى . وقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه "
وكانت الحبشة متجر قريش . وكان أهل هذه الهجرة الأولى : اثني عشر رجلا وأربع نسوة . وكان أول من هاجر إليها : عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وممن خرج الزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو سلمة وامرأته رضي الله عنهم . خرجوا متسللين سرا ، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار . فحملوهم إلى الحبشة . وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر . فلم يدركوا منهم أحدا . وكان خروجهم في رجب . فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان . ثم رجعوا إلى مكة في شوال لما بلغهم أن قريشا صافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفوا عنه .
الهجرة الثانية للحبشة
إن هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة كانت خيراً للمسلمين وفتحاً جديداً للإسلام، استطاع المسلمون فيها أن يكسبوا أرضاً جديدة تكون منطلقاً لدعوتهم، واستطاعوا أن يقيموا شعائر دينهم بأمان. غير أن هذه الهجرة لم تدم طويلاً، حيث رجع المسلمون من أرض هجرتهم إلى مكة بعد أن بلغهم أن قريشاً هادنت الإسلام وتركت أهله أحراراً، إلا انهم بعد وصولهم إلى مكة وجدوا الأمر على خلاف ما ظنوه، فاضطروا إلى الهجرة مرة ثانية.فما خبر هذه الهجرة ؟ هذا ما سوف نعرفه في الأسطر التالية.
إن الإشاعة التي بلغت المؤمنين في أرض الهجرة تركت أثرها في قلوبهم ، فقرروا العودة إلى وطنهم، وكان سبب هذه الإشاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحرم وفيه جمع كبير من قريش، فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم، ولم يكن المشركون قد سمعوا القرآن سماع منصت من قبل, لأن أسلوبهم المتواصل كان هو العمل بما تواصى به بعضهم بعضاً {لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26) .
فلما فاجأهم النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه السورة ، وقرع آذانهم القرآن في روعة بيانه ، وجلالة معانيه ، أعطوه سمعهم ، فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى { فاسجدوا لله واعبدوا } سجد، فلم يتمالك المشركون أنفسهم فسجدوا . وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدَّعت العناد والكِبْر الذي في نفوسهم، فخروا ساجدين، فبلغ هذا الخبر مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تماماً عن صورته الحقيقية، حيث بلغهم أن قريشاً أسلمت، فرجعوا إلى مكة آملين أن يعيشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قومهم وأهليهم آمنين، فلما وصلوا قريباً من مكة عرفوا حقيقة الأمر، وأن ما وصلهم من الأخبار غير صحيح ، بل إن قريشاً أشد وأنكى على المسلمين من ذي قبل، فرجع من رجع منهم ، ومن دخل مكة دخلها مستخفياً، أو في جوار رجل من المشركين، ثم زاد المشركون في تعذيب هؤلاء العائدين وسائر المسلمين، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بداً من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ، فهي المنفذ الوحيد والمخرج بعد الله تعالى - من بلاء قريش - لما يتميز به ملِكُها النجاشي من عدل ورحمة وحسن ضيافة، وقد وجده المسلمون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لايظلم عنده أحد) ّّ
فقرر المسلمون الهجرة مرة ثانية، ولكن الهجرة في هذه المرة كانت أشق وأصعب من سابقتها، حيث تيقظت قريش لها، وقررت إحباطها ، لكن المسلمين كانوا قد أحسنوا التخطيط والتدبير لها ويسَّر الله لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن تدركهم قريش، وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلاً ، وثماني عشرة امرأة .
ولما رأت قريش أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واستقروا بأرض الحبشة ، ساءهم ذلك فائتمروا بينهم أن يرسلوا وفداً للنجاشي لإحضار من عنده من المسلمين إلى مكة ، بعد أن يوقعوا بينهم وبين ملك الحبشة ، ولكن خابت مساعيهم ورد الله كيدهم ووفق الله جعفر ابن أبى طالب لحسن الرد عليهم وأسفرت هذه المحاولة عن إسلام النجاشي " وإن أخفى إسلامه " وتأمين المسلمين عنده .
وكما كان في الهجرة الأولى خير للإسلام والمسلمين ففي هذه الهجرة كان الخير أكثر وأكثر، فازداد عددهم وانتشر خبرهم، وكانت أرض الحبشة التي أمِنوا فيها على أنفسهم ودينهم منطلقاً للدعوة الإسلامية وملاذاً لكل مضطهد وطريد من المسلمين، والله يؤيد دينه وعباده المؤمنين بما شاء من جنوده التي لا يعلمها إلا هو ، فله الحمد في الأولى والآخرة وصلى الله وسلم على سيدنا محمد و آله .
التقويم
-
أذكر أسباب الهجرة إلى الحبشة .
-
أذكر أسباب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم أرض الحبشة للهجرة .
-
أذكر عدد من هاجر إلى الحبشة فى الهجرة الأولى والثانية .
-
إشرح فوائد الهجرة إلى الحبشة .
-
ماذا تعلمت من دراستك للهجرة إلى الحبشة ؟
الحلقة
الثانية
الحلقة الثانية
الدرس الأول :
سـورة التين
|
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس الحقيقة الرئيسية التى تضمنتها السورة .
-
أن يبين الدارس قيمة الإيمان والعمل الصالح فى حياة الإنسان .
الحقيقة الرئيسية التي تعرضها هذه السورة هي حقيقة الفطرة القويمة التي فطر الله الإنسان عليها ، واستقامة طبيعتها مع طبيعة الإيمان ، والوصول بها معه إلى كمالها المقدور لها . وهبوط الإنسان وسفوله حين ينحرف عن سواء الفطرة واستقامة الإيمان .
فأما الحقيقة الداخلية في السورة فهي هذه : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) .. ومنها تبدو عناية الله بخلق هذا الإنسان ابتداء في أحسن تقويم .والله - سبحانه - أحسن كل شيء خلقه . فتخصيص الإنسان هنا .. بحسن التركيب ، وحسن التقويم .. فيه فضل عناية بهذا المخلوق .
والتركيز في هذا المقام على خصائصه الروحية . فهي التي تنتكس إلى أسفل سافلين حين ينحرف عن الفطرة ويحيد عن الإيمان.
فهو مهيأ لأن يبلغ من الرفعة مدى يفوق مقام الملائكة المقربين .. بينما هذا الإنسان مهيأ - حين ينتكس - لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط : ( ثم رددناه أسفل سافلين ) .. حيث تصبح البهائم أرفع منه وأقوم . ويقسم الله - سبحانه - على هذه الحقيقة بالتين والزيتون ، وطور سينين ، وهذا البلد الأمين.
وطور سينين هو الطور الذي نودي موسى - عليه السلام - من جانبه . والبلد الأمين هو مكة بيت الله الحرام .
وقد كثرت الأقوال المأثورة في التين والزيتون .. ومن ثم فإننا لا نملك أن نجزم بشيء من هذا الأمر . وكل ما نملك أن نقوله .. إن الأقرب أن يكون ذكر التين والزيتون إشارة إلى أماكن أو ذكريات ذات علاقة بالدين والإيمان . أو ذات علاقة بنشأة الإنسان في أحسن تقويم .
( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) .. فطرة واستعدادا .. ( ثم رددناه أسفل سافلين ) .. حين ينحرف بهذه الفطرة عن الخط الذي هداه الله إليه ، وبينه له ، وتركه ليختار أحد النجدين . ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) .. فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة ، ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح ، ويرتقون بها إلى الكمال المقدر لها ، حتى ينتهوا بها إلى حياة الكمال في دار الكمال ..( فلهم أجر غير ممنون ) دائم غير مقطوع .
ومن ثم تتجلى قيمة الإيمان في حياة الإنسان .. إنه المرتقى الذي تصل فيه الفطرة القويمة إلى غاية كمالها . إنه الحبل الممدود بين الفطرة وبارئها .. وحين ينقطع هذا الحبل .. فالنتيجة الحتمية هي الارتكاس في المنحدر الهابط إلى أسفل سافلين . وفي ظل هذه الحقيقة ينادى "الإنسان" : ( فما يكذبك بعد بالدين ؟ أليس الله بأحكم الحاكمين ؟ ) ..
فما يكذبك بالدين بعد هذه الحقيقة ؟ وبعد إدراك قيمة الإيمان في حياة البشرية ؟ وبعد تبين مصير الذين لا يؤمنون ؟
( أليس الله بأحكم الحاكمين ؟ ) .. أليس الله بأعدل العادلين حين يحكم في أمر الخلق على هذا النحو ؟ أو .. أليست حكمة الله بالغة في هذا الحكم على المؤمنين وغير المؤمنين ؟
التقويم
-
وضح الحقيقة الرئيسية التى تضمنتها السورة .
بيّن قيمة الإيمان والعمل الصالح فى حياة الإنسان
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
عام الحزن
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس سبب تسمية عام الحزن بهذا الإسم .
-
أن يوضح الدارس ما تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عام الحزن .
-
أن يستخلص الدارس العبر والعظات من هذا المقطع من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .
وبعد ما كان من أمر المقاطعة الاقتصادية والحصار الذي اتفق عليه المشركون ضد المسلمين ، وما كان فيه من الشدة والأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولماَّ انتهى ذلك الحصار، وقام بعض المشركين بنقض تلك الصحيفة الجائرة وما تضمنته من ظلم وقطيعة، انطلق المسلمون من الشِعب يستأنفون نشاطهم القديم بعدما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الجسام، والآلام العظيمة، والأحزان المتلاحقة ، وما أن تنفَّس المسلمون من الشدة التي لاقوها، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب بمصيبتين عظيمتين هما: وفاة عمه أبي طالب ، ووفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
إن أبا طالب كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء مع بقائه على ملة قومه، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم ، فظل أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ويغضب له ، ولم تستطع قريش أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد موت أبي طالب ، ولتوالي هذه الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام واحد عرف ذلك العام عند أهل السير بعام الحزن
وماتت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بأيام . فاشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه بعد موت خديجة وعمه وتجرءوا عليه وكاشفوه بالأذى . وأرادوا قتله . فمنعهم الله من ذلك .
إن خديجة رضي عنها من نعم الله العظيمة التي أنعم الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهي التي آزرته في أحرج الأوقات ، وأعانته على إبلاغ رسالته ، وشاركته أفراحه وأتراحه ، وواسته بنفسها ومالها . فهي صدِّيقة النساء ، حنّت على زوجها ساعة القلق ، ووقفت بجانبه ساعة الشدة ، وظلت ربع قرن من الزمان تتحمل معه كيد الخصوم ، وآلام الحصار ، ومتاعب الدعوة ، ولذلك كان موتها من أكبر المصائب التي مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحزن عليها أشد الحزن وظل يذكرها بالخير طول حياته ، ويبين للناس فضلها وإحسانها، عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت فغِرْتُ يوماً فقلت ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ) رواه أحمد .
واشتد إيذاء قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلك المصيبتين العظيمتين أشد ما يكون الإيذاء ، قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما " حضرتهم . وقد اجتمع أشرافهم في الحجر . فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالوا : ما رأينا مثل صبرنا عليه سفه أحلامنا . وشتم آباءنا . وفرق جماعتنا ، فبينما هم في ذلك . إذ أقبل . فاستلم الركن . فلما مر بهم غمزوه " . وفي حديث أنه قال لهم في الثانية لقد جئتكم بالذبح وأنهم قالوا له يا أبا القاسم ما كنت جهولا . فانصرف راشدا .
فلما كان من الغد اجتمعوا فقالوا : ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه . فبينما هم كذلك . إذ طلع عليهم فقالوا : قوموا إليه وثبة رجل واحد . فقام عقبة بن أبي معيط آخذا بمجامع ردائه وقام أبو بكر دونه وهو يبكي . يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ . وفي حديث أسماء فأتى الصريخ إلى أبي بكر . فقالوا : أدرك صاحبك ، فخرج من عندنا وله غدائر أربع فخرج وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر . فرجع إلينا لا يمس شيئا من غدائر إلا رجع معه .
ومرة كان يصلي عند البيت ، ورهط من أشرافهم يرونه فأتى أحدهم بسلا جزور . فرماه على ظهره . وكانوا يعلمون صدقه وأمانته . وأن ما جاء به هو الحق . لكنهم كما قال الله تعالى " فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون "
وذكر الزهري : أن أبا جهل . وجماعة معه وفيهم الأخنس بن شريق ، استمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم : ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا . وحملوا فحملنا . وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان . قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا ؟ والله لا نسمع له أبدا . ولا نصدقه أبدا " .
وفي رواية " إني لأعلم أن ما يقول حق ، ولكن بني قصي قالوا : فينا الندوة فقلنا : نعم . قالوا : وفينا الحجابة فقلنا : نعم . قالوا : فينا السقاية . فقلنا : نعم . وذكر نحوه " .
التقويم
-
وضح سبب تسمية عام الحزن بهذا الإسم .
-
وضح ما تعرض له الرسول صلى الله عليه وسلم بعد عام الحزن .
-
ماذا تعلمت من هذا الدرس .
الحلقة
الثالثة
الحلقة الثالثة
الدرس الاول :
سـورة العلق
|
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس مكانة السورة من القرآن الكريم .
-
أن يبين الدارس قاعدة التصور الإيمانى الأولى التى أرستها السورة .
-
أن يعرف الدارس مكانة العلم فى الإسلام .
-
أن يوضح الدارس جحود الإنسان لنعم ربه عليه .
-
أن يذكر الدارس سبب نزول الآيات ( أرأيت الذى ينهى … إلى آخر السورة ) ويوضح دلالاتها .
( اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ).
إنها السورة الأولى من هذا القرآن ، فهي تبدأ باسم الله . وتوجه الرسول أول ما توجه ، في أول لحظة من لحظات اتصاله بالملأ الأعلى.. توجهه إلى أن يقرأ باسم الله :( اقرأ باسم ربك ) وتبدأ من صفات الرب بالصفة التي بها الخلق والبدء :( الذي خلق ) .
ثم تخصص : خلق الإنسان ومبدأه : ( خلق الإنسان من علق ) .. من تلك النقطة الدموية الجامدة العالقةبالرحم . من ذلك المنشأ الصغير الساذج التكوين . فتدل على كرم الخالق فوق ما تدل على قدرته . فمن كرمه رفع هذا العلق إلى درجة الإنسان الذي يعلم فيتعلم : ( اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم )
وإنها لنقلة بعيدة جدا بين المنشأ والمصير . ولكن الله قادر . ولكن الله كريم .
وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم .. تعليم الرب للإنسان ( بالقلم ) ... لأن القلم كان وما يزال أوسع وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان .. ثم تبرز مصدر التعليم .. إن مصدره هو الله . منه يستمد الإنسان كل ما علم ، وكل ما يعلم . وكل ما يفتح له من أسرار هذا الوجود ، ومن أسرار هذه الحياة ، ومن أسرار نفسه .
وبهذا المقطع الواحد الذي نزل في اللحظة الأولى من اتصال الرسول بالملأ الأعلى ، بهذا المقطع وضعت قاعدة التصور الإيماني العريضة
كل أمر . كل حركة . كل خطوة . كل عمل . باسم الله . وعلى اسم الله . باسم الله تبدأ . وباسم الله تسير . وإلى الله تتجه . وإليه تصير .
والله هو الذي خلق . وهو الذي علم . فمنه البدء والنشأة ، ومنه التعليم والمعرفة .. والإنسان يتعلم ما يتعلم ، ويعلم يعلم .. فمصدر هذا كله هو الله الذي خلق والذي علم ..( علم الإنسان ما لم يعلم ) . وهذه الحقيقة القرآنية الأولى ، التي تلقاها قلب رسول الله في اللحظة الأولى هي التي ظلت تصرف شعوره ، وتصرف لسانه ، وتصرف عمله واتجاهه ، بعد ذلك طوال حياته . بوصفها قاعدة الإيمان الأولى . ولقد كان من مقتضيات تلك الحقيقة .. أن يعرف الإنسان . ويشكر . ولكن الذي حدث كان غير هذا :
( كلا ! إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى . إن إلى ربك الرجعى ) .. إن الذي أعطاه فأغناه هو الله . كما أنه هو الذي خلقه وأكرمه وعلمه . ولكن الإنسان في عمومه - لا يستثني إلا من يعصمه إيمانه - لا يشكر حين يعطى فيستغني .. ثم هو يطغى ويفجر ، ويبغي ويتكبر ، من حيث كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر .
وحين تبرز صورة الإنسان الطاغي الذي نسي نشأته وأبطره الغنى ، يجيء التعقيب بالتهديد الملفوف : ( إن إلى ربك الرجعى ) فأين يذهب هذا الذي طغى واستغنى ؟
وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أخرى من قواعد التصور الإيماني . قاعدة الرجعة إلى الله . الرجعة إليه في كل شيء وفي كل أمر ، وفي كل نية ، وفي كل حركة ، فليس هناك مرجع سواه .. ألا إلى الله تصير الأمور .. ومنه النشأة وإليه المصير . ثم يعرض صورة من صور الطغيان : صورة مستنكرة يعجب منها ، ويفظع وقوعها في أسلوب قرآني فريد .
( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ؟ أرأيت إن كذب وتولى ؟)
والتشنيع والتعجيب واضح في طريقة التعبير : ( أرأيت ) ؟ أرأيت هذا الأمر المستنكر ؟ أرأيته يقع ؟ ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ؟ ) .
أرأيت حين تضم شناعة إلى شناعة ؟ وتضاف بشاعة إلى بشاعة ؟ أرأيت إن كان هذا الذي يصلي ويتعرض له من ينهاه عن صلاته .. إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ؟ ثم ينهاه من ينهاه . مع أنه على الهدى ، آمر بالتقوى ؟ . أرأيت إن أضاف إلى الفعلة المستنكرة فعلة أخرى أشد نكرا ؟ ( أرأيت إن كذب وتولى ؟ ) .
هنا يجيء التهديد الملفوف :( ألم يعلم بأن الله يرى ؟ ) يرى تكذيبه وتوليه . ويرى نهيه للعبد المؤمن إذا صلى ، وهو على الهدى ، آمر بالتقوى . يرى . وللرؤية ما بعدها ! ( ألم يعلم بأن الله يرى ! ) . وأمام مشهد الطغيان الذي يقف في وجه الدعوة وفي وجه الإيمان ، وفي وجه الطاعة ، يجيء التهديد الحاسم الرادع :
( كلا . لئن لم ينته لنسفعن بالناصية . ناصية كاذبة خاطئه . فليدع ناديه . سندع الزبانية ) . إنه تهديد في إبانه . في اللفظ الشديد العنيف : ( كلا . لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ). هكذا ( لنسفعن ) بهذا اللفظ الشديد المصور بجرسه لمعناه . والسفع : الأخذ بعنف . والناصية : الجبهة . أعلى مكان يرفعه الطاغية المتكبر .. إنها ناصية تستحق السفع والصرع :( ناصية كاذبة خاطئة ) ! وإنها للحظة سفع وصرع . فقد يخطر له أن يدعو من يعتز بهم من أهله وصحبه : ( فليدع ناديه ) أما نحن فإننا ( سندع الزبانية ) الشداد الغلاظ .. والمعركة إذن معروفة المصير !
وفي ضوء هذا المصير المتخيل الرعيب .. تختم السورة بتوجيه المؤمن الطائع إلى الإصرار والثبات على إيمانه وطاعته ..
( كلا . لا تطعه ، واسجد ، واقترب . ) كلا ! لا تطع هذا الطاغي الذي ينهى عن الصلاة والدعوة . واسجد لربك واقترب منه بالطاعة والعبادة . ودع هذا الطاغي . الناهي دعه للزبانية . ولقد وردت بعض الروايات الصحيحة بأن السورة - عدا المقطع الأول منها - قد نزلت في أبي جهل .. ولكن دلالة السورة عامة في كل مؤمن طائع عابد داع إلى الله . وكل طاغ باغ ينهى عن الصلاة ، ويتوعد على الطاعة ، ويختال بالقوة .. والتوجيه الرباني الأخير : ( كلا ! لا تطعه واسجد واقترب ) ..
التقويم
-
وضح مكانة السورة من القرآن الكريم .
-
بيّن قاعدة التصور الإيمانى الأولى التى أرستها السورة .
-
بيّن مكانة العلم فى الإسلام كما دلت عليه الآيات .
-
وضح جحود الإنسان وطغيانه لنعم ربه عليه – دلل بمواقف عرفتها تؤكد هذا المعنى .
-
أذكر ما ورد فى سبب نزول الآيات ( أرأيت الذى ينهى … إلى آخر السورة ) ووضح دلالاتها .
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس أسباب خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف .
-
أن يسرد الدارس الأحداث التى لاقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الطائف .
-
أن يذكر الدارس دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه فى الطائف .
-
أن يسرد الدارس الأحداث التى مر بها رسول الله فى عودته من الطائف .
-
أن يشرح الدارس كيفية دخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة وطلبه للجوار .
-
أن يستخلص الدارس العبر المستفادة من رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف .
-
أن يوضح الدارس إلى أى مدى استفاد من هذه العبر فى حياته .
ذكرنا في درس سابق أن أحزان النبي صلى الله عليه وسلم وهمومه زادت وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب في عام واحد، فـخديجة كانت خير ناصر ومعين له -بعد الله تعالى-، وعمه كان يحوطه ويحميه ، ويحبه أشد الحب، وضاعف من حزنه صلى الله عليه وسلم أنه مات كافراً .
وتستغل قريش غياب أبي طالب فتزيد من إيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم وتضيَّق عليه، وكان أبو لهب من أكثر الناس كراهية للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه كان يلاحق النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج ، وفي الأسواق يرميه بالحجارة ويقول : إنه صابئ كذاب، ويحذر الناس من اتباعه، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الحال، فخرج إلى الطائف راجياً ومؤملاً أن تكون أحسن حالاً من مكة ، وأن يجد من أهلها نصرة، فماذا لقي في شوال سنة عشر من النبوة (في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة 619م) خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلاً، سارها ماشياً على قدميه جيئة وذهاباً، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها. فلما انتهى إلى الطائف عمد ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، وهم عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى اللَّه، وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة (أي يمزقها) إن كان اللَّه أرسلك. وقال الآخر أما وجد اللَّه أحداً غيرك، وقال الثالث واللَّه لا أكلمك أبداً، إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على اللَّه ما ينبغي أن أكلمك. فقام عنهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال لهم إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني.
وأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له سماطين (أي صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى حبلة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار فلما جلس إليه واطمأن، ودعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزناً مما لقي من الشدة، وأسفاً على أنه لم يؤمن به أحد، قال
(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك).
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له عداس، قالا له خذ قطفاً من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مد يده إليه قائلاً: باسم اللَّه ثم أكل.
فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني، من أهل "نينوى". فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. قال له وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذاك أخي، كان نبياً وأنا نبي، فأكب عداس على رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها.
فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
ورجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيباً محزوناً كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث اللَّه إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة.
وقد روى البخاري تفصيل القصة بسنده عن عروة بن الزبير، أن عائشة رضي اللَّه عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - وهو المسمى بقرن المنازل - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك. وقد بعث اللَّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين أي لفعلت، والأخشبان هما جبلا مكة، أبو قبيس والذي يقابله وهو قعيقعان، قال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج اللَّه عز وجل من أصلابهم من يعبد اللَّه عز وجل وحده لا يشرك به شيئاً.
وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى الله عليه وسلم تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي لا يدرك غوره.
وأفاق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، واطمأن قلبه لأجل هذا النصر الغيبي الذي أمده اللَّه عليه من فوق سبع سماوات، ثم تقدم في طريق مكة حتى بلغ وادي نخلة، وأقام فيه أياماً، وفي وادي نخلة موضعان يصلحان للإقامة - السيل الكبير والزيمة - لما بهما من الماء والخصب، ولم نقف على مصدر يعين موضع إقامته صلى الله عليه وسلم فيه.
وخلال إقامته هناك بعث اللَّه إليه نفراً من الجن، ذكرهم اللَّه في موضعين من القرآن في سورة الأحقاف: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 29-31].
وفي سورة الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1-2] إلى تمام الآية الخامسة عشر.
ومن سياق هذه الآيات وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف بحضور ذلك النفر من الجن، وإنما علم ذلك حين أطلعه اللَّه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مراراً.
وحقاً كان هذا الحادث نصراً آخر أمده اللَّه من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي لا يعلمها إلا هو، ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت في طيها بشارات بنجاح دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن أي قوة من قوات الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها {وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 32]، {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: 12].
أمام هذه النصرة، وأمام هذه البشارات، أنقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأس التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج من الطائف مطروداً مدحوراً حتى صمم على العود إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة اللَّه الخالدة بنشاط جديد وجد وحماس.
وحينئذ قال له زيد بن حارثة كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ يعني قريشاً، فقال: يا زيد إن اللَّه جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن اللَّه ناصر دينه ومظهر نبيه.
وسار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء، وبعث رجلاً من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي، فقال المطعم نعم، ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمداً، ثم بعث إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أدخل، فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى يا معشر قريش، إني قد أجرت محمداً فلا يهجه أحد منكم، وانتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.
وقيل: إن أبا جهل سأل مطعماً أمجير أنت أم متابع مسلم؟ قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من أجرت.
وقد حفظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للمطعم هذا الصنيع، فقال في أسارى بدر لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له.
ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليستأنف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ الرسالة للوفود والقبائل والأفراد، وزادت قريش من أذاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلعت جلباب الحياء والمروءة، فراح بعض رجالاتها يلاحقونه عليه الصلاة والسلام في الأسواق والمواسم يرمونه بالكذب، ويحذرون العرب من اتباعه.
وفي الختام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستسلم لهذا الواقع الأليم، بل صبر وصابر، وواصل جهاده في الدعوة متوكلاً على الله، فكان عاقبة صبره نصر من الله، وفتح عظيم تتفيأ الأمة ظلاله، وتنعم بنور الرسالة الخاتمة، فجزاه الله خير ما جزى به نبياً عن أمته والحمد لله رب العالمين.
التقويم
-
أذكر أسباب خروج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف .
-
وضح الأحداث التى لاقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الطائف .
-
أذكر دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه فى الطائف – وماذا تستفيد من هذا الموقف .
-
وضح الأحداث التى مر بها رسول الله فى عودته من الطائف .
-
" يا زيد إن اللَّه جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً " ماذا تتعلم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لزيد .
-
اشرح كيفية دخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة وطلبه للجوار .
-
ما الدروس المستفادة من أحداث للطائف .
الحلقة
الرابعة
الحلقة الرابعة
الدرس الأول :
سـورة القدر
|
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس ما المقصود بليلة القدر .
-
أن يبين الدارس منزلة ليلة القدر .
-
أن يوضح الدارس لماذا استحقت ليلة القدر هذه المنزلة .
-
أن يحدد الدارس المطلوب منه تجاه هذه الليلة.
-
أن يربط الدارس بين العبادة وحقائق العقيدة كما رسمتها السورة .
الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال .. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته ، وفي دلالته ، وفي آثاره في حياة البشرية جميعا . العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر . وما أدراك ما ليلة القدر ؟ ) .. ( ليلة القدر خير من ألف شهر ) ..
والليلة التي تتحدث عنها السورة هي الليلة التي جاء ذكرها في سورة الدخان : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ، إنا كنا منذرين ) .. والمعروف أنها ليلة من ليالي رمضان .. أي التي بدأ فيها نزول القرآن على قلب الرسول ليبلغه إلى الناس .
واسمها : ( ليلة القدر ) .. قد يكون معناه التقدير والتدبير . وقد يكون معناه القيمة والمقام . وكلاهما يتفق مع ذلك الحدث الكوني العظيم .. وهي خير من ألف شهر . والعدد لا يفيد التحديد . في مثل هذه المواضع من القرآن . إنما هو يفيد التكثير . والليلة من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الإدراك البشري :( وما أدراك ما ليلة القدر ؟ ) .
وحين ننظر اليوم من وراء الأجيال المتطاولة إلى تلك الليلة المجيدة السعيدة .. ونتدبر حقيقة الأمر الذي تم فيها ، ونتملى آثاره المتطاولة في مراحل الزمان ، وفي واقع الأرض .. فإننا نرى أمرا عظيما حقا . وندرك طرفا من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة :
( وما أدراك ما ليلة القدر ؟ ) .. ولقد فرق فيها من كل أمر حكيم . وقد وضعت فيها من قيم وأسس وموازين . وقد قررت فيها من أقدار أكبر من أقدار الأفراد . وأقدار أمم ودول وشعوب . بل أكثر وأعظم .. أقدار حقائق وأوضاع وقلوب !
ونحن - المؤمنين - مأمورون أن لا ننسى ولا نغفل هذه الذكرى ؛ وقد جعل لنا نبينا سبيلا هينا لينا لاستحياء هذه الذكرى في أرواحنا لتظل موصولة بها أبدا ، موصولة كذلك بالحدث الكوني الذي كان فيها .. وذلك فيما حثنا عليه من قيام هذه الليلة من كل عام ، ومن تحريها والتطلع إليها في الليالي العشر الأخيرة من رمضان .. في الصحيحين : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان .. وفي الصحيحين كذلك : من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ..
والمنهج الإسلامي في التربية يربط بين العبادة وحقائق العقيدة في الضمير ، ويجعل العبادة وسيلة لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف عند حدود التفكير . وهذا الربط بين ذكرى ليلة القدر وبين القيام فيها إيمانا واحتسابا ، هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم .
التقويم
-
حدد ما المقصود بليلة القدر .
-
بيّن منزلة ليلة القدر .
-
وضح لماذا استحقت ليلة القدر هذه المنزلة .
-
حدد المطلوب منه تجاه هذه الليلة .
-
اربط بين العبادة وحقائق العقيدة كما رسمتها السورة .
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
الإسراء والمعراج
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس ما روى فى أحداث الإسراء والمعراج .
-
أن يصف الدارس ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم فى رحلة الإسراء والمعراج .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من الإسراء والمعراج .
-
أن يوضح الدارس كيف يستفيد من هذه العبر والعظات فى حياته .
" لم يكن الإسراء والمعراج مجرد حادث فردي بسيط ، رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الكبرى ، وتجلى له ملكوت السموات والأرض ، مشاهدة وعياناً – بل زيادة على ذلك – اشتملت هذه الرحلة الغيبية على معان دقيقة كثيرة ، وشارات حكيمة بعيدة المدى : فقد ضمت قصة الإسراء ، وأعلنت السورتان الكريمتان اللتان نزلتا فى شأنه ( الإسراء ) ، ( النجم ) أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي القبلتين ، وإمام المشرقين والمغربين ، ووارث الأنبياء قبله ، وإمام الأجيال بعده ، فقد التقت فى شخصه وفى إسرائه مكة بالقدس ، والمسجد الحرام بالمسجد الأقصى ، وصلى بالأنبياء خلفه ، فكان هذا إيذاناً بعموم رسالته وخلود إمامته وإنسانية تعاليمه وصلاحيتها لاختلاف المكان والزمان " الأساس فى السنة سعيد حوى
روى أئمة الحديث تفاصيل هذه الوقعة. وفيما يلي نسردها بإيجاز:
قال ابن القيم : أسري برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى البيت المقدس، راكباً على البراق، صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إماماً، وربط البراق بحلقة باب المسجد.
ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى هنالك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به، ورد عليه السلام، وأقر بنبوته، وأراه اللَّه أرواح الشهداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما، فردا عليه، ورحبا به، وأقرا بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه، فرد عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه، ورحب به وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه، ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى بن عمران، فسلم عليه، ورحب به، وأقر بنبوته.
فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.
ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم عليه السلام، فسلم عليه ورحب به، وأقر بنبوته.
ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور.
ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مرّ على موسى، فقال له بم أمرك؟ قال بخمسين صلاة. قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم، إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى، وهو في مكانه هذا لفظ البخاري في بعض الطرق فوضع عنه عشراً، ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين اللَّه عز وجل، حتى جعلها خمساً، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم، فلما بعد نادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي " انتهى.
وقد وقع حادث شق صدره صلى الله عليه وسلم هذه المرة أيضاً، وقد رأى ضمن هذه الرحلة أموراً عديدة عرض عليه اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل: هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك.
ورأى أربعة أنهار في الجنة نهران ظاهران، ونهران باطنان، والظاهران هما النيل والفرات، ورأى مالك خازن النار، وهو لا يضحك، وليس على وجهه بشر وبشاشة وكذلك رأى الجنة والنار.
ورأى أكلة أموال اليتامى ظلماً لهم مشافر كمشافر الإبل، يقذفون في أفواههم قطعاً من نار كالأفهار، فتخرج من أدبارهم.
ورأى أكلة الربا لهم بطون كبيرة لا يقدرون لأجلها أن يتحولوا عن مكانهم، ويمر بهم آل فرعون حين يعرضون على النار فيطأونهم.
ورأى الزناة بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن، ويتركون الطيب السمين.
ورأى النساء اللاتي يدخلن على الرجال من ليس من أولادهم ، رآهن معلقات بثديهن.
ورأى عيراً من أهل مكة في الإياب والذهاب، وقد دلهم على بعير ندّ لهم، وشرب ماءهم من إناء مغطى وهم نائمون، ثم ترك الإناء مغطى، وقد صار ذلك دليلاً على صدق دعواه في صباح ليلة الإسراء.
قال ابن القيم فلما أصبح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم بما أراه اللَّه عز وجل من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه اللَّه له، حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئاً، وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفوراً، وأبى الظالمون إلا كفوراً.
والحكم والأسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل بحثها كتب أسرار الشريعة، ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلة المباركة وتتدفق إلى حدائق أزهار السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية، أرى أن نسجّل بعضاً منها بالإيجاز يرى القارىء في سورة الإسراء أن اللَّه ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط، ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم ، ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، فربما يظن القارىء أن الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك، فإن اللَّه تعالى يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، وأن اللَّه سينقل هذا المنصب فعلاً إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويجمع له مركزي الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة، من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحي القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم.
ولكن كيف تنتقل هذه القيادة، والرسول يطوف في جبال مكة مطروداً بين الناس؟ هذا السؤال يكشف الغطاء عن حقيقة أخرى، وهي أن دوراً من هذه الدعوة الإسلامية قد أوشك إلى النهاية والتمام، وسيبدأ دور آخر يختلف عن الأول في مجراه، ولذلك نرى بعض الآيات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديد بالنسبة إلى المشركين {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 17] إلى جانب هذه الآيات آيات أخرى تبين للمسلمين قواعد الحضارة وبنودها ومبادئها التي يبتنى عليها مجتمعهم الإسلامي كأنهم قد أووا إلى الأرض تملكوا فيها أمورهم من جميع النواحي، وكونوا وحدة متماسكة تدور عليها رحى المجتمع، ففيه إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجد ملجأ ومأمناً يستقر فيه أمره، ويصير مركزاً لبث دعوته في أرجاء الدنيا .
التقويم
-
وضح ما روى فى أحداث الإسراء والمعراج .
-
وضح دلالات هذا الحادث الجليل .
-
ماذا تعلمت من دراستك لأحداث الإسراء والمعراج .
الحلقة
الخامسة
الحلقة الخامسة
الدرس الاول :
سـورة البينة
|
لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس الحقائق الأربع التى تضمنتها السورة .
-
أن يبين الدارس الهدف من إرسال الرسول .
-
أن يوضح الدارس أسباب اختلاف أهل الكتاب .
-
أن يوضح الدارس حقيقة الدين .
-
أن يصنف الدارس الناس طبقاً لتقبل الرسالة ومصير كل منهم .
هذه السورة معدودة في المصحف وفي أكثر الروايات أنها مدنية . وقد وردت بعض الروايات بمكيتها ..والسورة تعرض عدة حقائق تاريخية وإيمانية في أسلوب تقريري هو الذي يرجح أنها مدنية إلى جانب الروايات القائلة بهذا .
والحقيقة الأولى هي أن بعثة الرسول كانت ضرورية لتحويل الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين عما كانوا قد انتهوا إليه من الضلال والاختلاف ، وما كانوا ليتحولوا عنه بغير هذه البعثة : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة : رسولا من الله يتلو صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة ) ..
والحقيقة الثانية : أن أهل الكتاب لم يختلفوا في دينهم عن جهالة ولا عن غموض فيه ، إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم وجاءتهم البينة : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) .
والحقيقة الثالثة : أن الدين في أصله واحد ، وقواعده بسيطة واضحة ، لا تدعو إلى التفرق والاختلاف في ذاتها وطبيعتها البسيطة اليسيرة : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وذلك دين القيمة ) .
والحقيقة الرابعة : أن الذين كفروا بعد ما جاءتهم البينة هم شر البرية ، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية . ومن ثم يختلف جزاء هؤلاء عن هؤلاء اختلافا بينا :
وهذه الحقائق الأربع ذات قيمة في إدراك دور العقيدة الإسلامية ودور الرسالة الأخيرة . وفي التصور الإيماني كذلك .
( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة : رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ، فيها كتب قيمة ) .
لقد كانت الأرض في حاجة ماسة إلى رسالة جديدة.. كان الفساد قد عم أرجاءها كلها بحيث لا يرتجى لها صلاح إلا برسالة جديدة ، ومنهج جديد ، وحركة جديدة . وكان الكفر قد تطرق إلى عقائد أهلها جميعا سواء أهل الكتاب الذين عرفوا الديانات السماوية من قبل ثم حرفوها ، أو المشركون في الجزيرة العربية وفي خارجها سواء .
وما كانوا لينفكوا ويتحولوا عن هذا الكفر الذي صاروا إليه إلا بهذه الرسالة الجديدة ، وإلا على يد رسول يكون هو ذاته بينة واضحة فارقة فاصلة : ( رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ) .. مطهرة من الشرك والكفر ( فيها كتب قيمة ) .. وهذه الصحف المطهرة - وهي هذا القرآن - فيها كتب قيمة أي موضوعات وحقائق قيمة .
ومن ثم جاءت هذه الرسالة في إبانها ، وجاء هذا الرسول في وقته ، وجاءت هذه الصحف وما فيها من كتب وحقائق وموضوعات لتحدث في الأرض كلها حدثا لا تصلح الأرض إلا به .
ولما قرر هذه الحقيقة في مطلع السورة عاد يقرر أن أهل الكتاب خاصة لم يتفرقوا ويختلفوا في دينهم عن جهل أو عن غموض في الدين أو تعقيد . إنما هم تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ومن بعد ما جاءتهم البينة من دينهم على أيدي رسلهم : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) ..
وكان أول التفرق والاختلاف ما وقع بين طوائف اليهود قبل بعثة عيسى - عليه السلام - فقد انقسموا شيعا وأحزابا . مع أن رسولهم هو موسى - عليه السلام - وكتابهم هو التوراة .. ثم كان التفرق بين اليهود والنصارى ، مع أن المسيح - عليه السلام - هو أحد أنبياء بني إسرائيل وآخرهم ، وقد جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ، ومع هذا فقد بلغ الخلاف والشقاق بين اليهود والمسيحيين حد العداء العنيف والحقد الذميم . وحفظ التاريخ من المجازر بين الفريقين ما تقشعر له الأبدان .
ثم كان التفرق والاختلاف بين النصارى أنفسهم ، مع أن كتابهم واحد ونبيهم واحد . تفرقوا واختلفوا أولا في العقيدة . ثم تفرقوا واختلفوا طوائف متعادية متنافرة متقاتلة . . وكان هذا الخلاف كله بين أهل الكتاب جميعا ( من بعد ما جاءتهم البينة ) .. فلم يكن ينقصهم العلم والبيان ؛ إنما كان يجرفهم الهوى والانحراف .
على أن الدين في أصله واضح والعقيدة في ذاتها بسيطة :
( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق :
عبادة الله وحده ، وإخلاص الدين له ، والميل عن الشرك وأهله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة : ( وذلك دين القيمة ) .. عقيدة خالصة في الضمير ، وعبادة لله ، تترجم عن هذه العقيدة ، وإنفاق للمال في سبيل الله ، وهو الزكاة .. فمن حقق هذه القواعد ، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب ، وكما هو في دين الله على الإطلاق .
فأما وقد جاءتهم البينة من قبل في دياناتهم على أيدي رسلهم ؛ ثم جاءتهم البينة ، حية في صورة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ؛ .. فقد تبين الطريق . ووضح مصير الذين يكفرون والذين يؤمنون : ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها . أولئك هم شر البرية ) حكم قاطع لا جدال فيه ولا محال . مهما يكن من صلاح بعض أعمالهم وآدابهم ونظمهم ما دامت تقوم على غير إيمان ، بهذه الرسالة الأخيرة ، وبهذا الرسول الأخير . لا نستريب في هذا الحكم لأي مظهر من مظاهر الصلاح ، المقطوعة الاتصال بمنهج الله الثابت القويم .
( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، أولئك هم خير البرية ) حكم كذلك قاطع لا جدال فيه ولا محال . ولكن شرطه كذلك واضح لا غموض فيه ولا احتيال . إنه الإيمان . . إنه الإيمان الذي ينشئ آثاره في واقع الحياة : ( وعملوا الصالحات ) . . والصالحات هي كل ما أمر الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل .. فمن كانوا كذلك فهم خير البرية .
( جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) ..
جنات للإقامة الدائمة في نعيمها الذي يمثله هنا الأمن من الفناء والفوات .. كما يمثله جريان الأنهار من تحتها ، وهو يلقي ظلال النداوة والحياة والجمال .. ثم يرتقي السياق درجة أو درجات في تصوير هذا النعيم المقيم :( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ..
هذا الرضى من الله وهو أعلى وأندى من كل نعيم . والرضا بهذه الصلة بينه وبينهم . الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء والطمأنينة والفرح الخالص العميق .. ( ذلك لمن خشي ربه ) ..
وذلك هو التوكيد الأخير . التوكيد على أن هذا كله متوقف على صلة القلب بالله ، ونوع هذه الصلة ، والشعور بخشيته خشية تدفع إلى كل صلاح ، وتنهى عن كل انحراف.
التقويم
-
حدد الحقائق الأربع التى تضمنتها السورة .
-
بيّن الهدف من إرسال الرسول .
-
وضح أسباب اختلاف أهل الكتاب .
-
وضح حقيقة الدين .
-
صنِّف الناس طبقاً لتقبل الرسالة ومصير كل منهم .
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
عرض الإسلام على القبائل والأفراد
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس القبائل التى عرض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام .
-
أن يوضح الدارس موقف هذه القبائل من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم .
-
أن يذكر الدارس بعض الأفراد الذين عرض الرسول عليهم الإسلام من غير أهل مكة .
-
أن يذكر الدارس المؤمنون من غير أهل مكة .
-
أن يوضح الدارس كيف كانت استجابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
أن يتعلم الدارس من أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم فى الدعوة إلى الله .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام على القبائل .
في ذي القعدة سنة عشر من النبوة في أواخر يونيو أو أوائل يوليو سنة 619م عاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى مكة؛ ليستأنف عرض الإسلام على القبائل والأفراد، ولاقتراب الموسم كان الناس يأتون إلى مكة رجالاً، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، لقضاء فريضة الحج، وليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اللَّه في أيام معلومات، فانتهز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة، فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ، ويدعوهم إليه، كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة.
القبائل التي عرض عليها الإسلام :
قال الزهري وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ودعاهم وعرض نفسه عليهم بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نصر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد.
وهذه القبائل التي سماها الزهري لم يكن عرض الإسلام عليها في سنة واحدة ولا في موسم واحد، بل إنما كان ما بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخر موسم قبل الهجرة. ولا يمكن تسمية سنة معينة لعرض الإسلام على قبيلة معينة، نعم هناك قبائل قد جزم العلامة المنصورفوري أن عرض الإسلام عليهم كان في موسم السنة العاشرة. وقد ذكر ابن إسحاق كيفية العرض وردودهم، وهاك ملخصاً:
-
بنو كلب : أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد اللَّه، فدعاهم إلى اللَّه، وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول لهم يا بني عبد اللَّه، إن اللَّه قد أحسن اسم أبيكم، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.
-
بنو حنيفة : أتاهم في منازلهم فدعاهم إلى اللَّه، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه رداً منهم.
-
وأتى إلى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى اللَّه، وعرض عليهم نفسه، فقال بحيرة بن فراس (رجل منهم): واللَّه لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك اللَّه على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى اللَّه، يضعه حيث يشاء ، فقال له أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك اللَّه كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه.
ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم لكبر سنه ، وقالوا له جاءنا فتى من قريش من بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي ، يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه ، ونخرج به إلى بلادنا، فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ؟ والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم؟
المؤمنون من غير أهل مكة :
وكما عرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الإسلام على القبائل والوفود، عرض على الأفراد والأشخاص، وحصل من بعضهم على ردود صالحة، وآمن به عدة رجال بعد هذا الموسم بقليل. وهاك لوحة منهم
-
سويد بن صامت: كان شاعراً لبيباً من سكان يثرب يسميه قومه الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه، جاء مكة حاجاً أو معتمراً، فدعاه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما الذي معك. قال: حكمة لقمان. قال: اعرضها علي. فعرضها، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله اللَّه تعالى علي، هو هدى ونور، فتلا عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم، وقال: إن هذا لقول حسن. فلما قدم المدينة لم يلبث أن قتل يوم بعاث. وكان إسلامه في أوائل سنة 11 من النبوة.
-
إياس بن معاذ: كان غلاماً حدثاً من سكان يثرب، قدم في وفد من الأوس جاؤوا يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، وذلك قبيل حرب بعاث في أوائل سنة 11 من النبوة، إذ كانت نيران العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين، وكان الأوس أقل عدداً من الخزرج، فلما علم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بمقدمهم جاءهم فجلس إليهم، وقال لهم هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول اللَّه، بعثني إلى العباد، أدعوهم أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ أي قوم هذا واللَّه خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع رجل كان في الوفد حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس، وقال: دعنا عنك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش.
وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن هلك، وكان يهلل ويكبر ويحمد، ويسبح عند موته، فلا يشكون أنه مات مسلماً.
-
أبو ذر الغفاري: وكان من سكان نواحي يثرب، ولما بلغ إلى يثرب خبر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسويد بن صامت وإياس بن معاذ وقع في أذن أبي ذر أيضاً، وصار سبباً لإسلامه.
روى البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو ذر كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي انطلق إلى هذا الرجل وكلمه، وائتني بخبره، فانطلق، فلقيه، ثم رجع، فقلت ما عندك؟ فقال: واللَّه لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير، وينهى عن الشر، فقلت له لم تشفني من الخبر، فأخذت جراباً وعصا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد. قال: فمر بي عليّ. فقال: كأن الرجل غريب؟ قال: قلت نعم. فقال: فانطلق إلى المنزل، فانطلقت معه، لا يسألني عن شيء ولا أسأله ولا أخبره. فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء. قال: فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله بعد؟ قال: قلت لا. قال: فانطلق معي، قال: فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له إن كتمت عليّ أخبرتك، قال: فإني أفعل، قال: قلت له بلغنا أنه قد خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي اللَّه، فأرسلت أخي يكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه.
فقال له أما إنك قد رشدت. هذا وجهي إليه، ادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحداً أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت. فمضى ومضيت معه حتى دخل، ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم . فقلت له اعرض عليّ الإسلام، فعرضه، فأسلمت مكاني، فقال لي يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم، فجئت إلى المسجد وقريش فيه فقلت يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابىء . فقاموا، فضربت لأموت، فأدركني العباس، فأكب عليّ ، ثم أقبل عليهم فقال، ويلكم تقتلون رجلاً من غفار؟ ومتجركم وممركم على غفار. فأقلعوا عني. فلما أن أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا قوموا إلى هذا الصابىء، فصنع بي ما صنع بالأمس، فأدركني العباس، فأكب عليّ وقال مثل مقالته بالأمس.
-
طفيل بن عمرو الدوسي: كان رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً رئيس قبيلة دوس، وكانت لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض نواحي اليمن، قدم مكة في عام 11 من النبوة، فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها، وبذلوا له أجل تحية وأكرم التقدير، وقالوا له يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئاً.
يقول طفيل فواللَّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً؛ فرقاً من أن يبلغني شيء من قوله، قال فغدوت إلى المسجد، فإذا هو قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى اللَّه إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي واثكل أمي، واللَّه إني رجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فعرضت عليه قصة مقدمي، وتخويف الناس إياي، وسد الأذن بالكرسف، ثم سماع بعض كلامه، وقلت له اعرض عليّ أمرك، فعرض علي الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فواللَّه ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت له إني مطاع في قومي، وراجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع اللَّه أن يجعل لي آية فدعا.
وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل اللَّه نوراً في وجهه مثل المصباح، فقال: اللهم في غير وجهي. أخشى أن يقولوا هذه مثلة، فتحول النور إلى سوطه، فدعا أباه وزوجته إلى الإسلام فأسلما، وأبطأ عليه قومه في الإسلام لكن لم يزل بهم حتى هاجر بعد الخندق ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من قومه، وقد أبلى في الإسلام بلاءاً حسناً، وقتل شهيداً يوم اليمامة.
-
ضماد الأزدي: كان من أزد شنوءة من اليمن، وكان يرقى من هذا الريح، قدم مكة فسمع سفهاءها يقولون إن محمداً مجنون، فقال: لو أني أتيت هذا الرجل لعل اللَّه يشفيه على يدي، فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذا الريح، فهل لك؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد.
فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه.
ست نسمات طيبة من أهل يثرب:
وفي موسم الحج من سنة 11 من النبوة يوليو سنة 620م وجدت الدعوة الإسلامية بذوراً صالحة، سرعان ما تحولت إلى شجرات باسقات، اتقى المسلمون في ظلالها الوارفة عن لفحات الظلم والطغيان طيلة أعوام.
وكان من حكمته صلى الله عليه وسلم إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل اللَّه أنه كان يخرج إلى القبائل في ظلام الليل، حتى لا يحول بينه وبينهم أحد من أهل مكة المشركين.
خرج كذلك ليلة ومعه أبو بكر وعلي فمر على منازل ذهل وشيبان بن ثعلبة وكلمهم في الإسلام. وقد دارت بين أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة، وأجاب بنو شيبان بأرجى الأجوبة، غير أنهم توقفوا في قبول الإسلام.
ثم مر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعقبة منى، فسمع أصوات رجال يتكلمون، فعمدهم حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب، كلهم من الخزرج. وهم:
-
أسعد بن زرارة (من بني النجار)
-
عون بن الحارث بن رفاعة، ابن عفراء (من بني النجار)
-
رافع بن مالك بن العجلان (من بني زريق)
-
قطبة بن عامر بن حديدة (من بني سلمة)
-
عقبة بن عامر بن نابي (من بني حرام بن كعب(
-
جابر بن عبد اللَّه بن رئاب (من بني عبيد بن غنم)
وكان من سعادة أهل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبياً من الأنبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج فنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما لحقهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم: من أنتم، قالوا: نفر من الخزرج. قال: من موالي اليهود؟ أي حلفائهم، قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فشرح لهم حقيقة الإسلام ودعوته، ودعاهم إلى اللَّه عز وجل، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: تعلمون واللَّه يا قوم، إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا.
وكانوا من عقلاء يثرب، أنهكتهم الحرب الأهلية التي مضت من قريب، والتي لا يزال لهيبها مستعراً، فأملوا أن تكون دعوته سبباً لوضع الحرب، فقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم اللَّه بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللَّه عليك فلا رجل أعز منك.
ولما رجع هؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .
عبر وعظات :
-
-
-
فى عرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام على القبائل صور من الجهاد والصبر والبذل لنشر دعوة الإسلام وما عاناه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبيل دعوة الله عز وجل ليوحي بعظمة هذه الرسالة وضخامة الجهد الذى بذل فى سبيلها حتى وصلت إلينا وما يجب أن نكون عليه فى حمل تلك الأمانة والحفاظ على تلك الرسالة فى أنفسنا وفى بيوتنا وفى أهلنا وفى مجتمعاتنا فضلاً عن حسن عرضها على غير المسلمين ولا يجب أن نشوه تلك الرسالة العظيمة بسلوكنا ولا نفرط فيها بنتقصيرنا .
-
وفى إسلام الطفيل ابن عمرو وأبى ذر وغيرهم .. دلالة على أن الهداية من الله عز وجل ومن يرد الله به خيراً يوفقه لهذا الدين ويجعله من أهله ومن الملتزمين به العاملين فى سبيله ، فهلا سعيت إلى التمسك بنعمة الله عليك ، وفضله أن وفقك لطاعته وجسن عبادته ، وهل أديت حق هذا النعمة عليك من التمسك بها وأن تعض عليها بالنواجذ وألا تفرط فيها وأن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلا .
-
-
التقويم
-
-
أذكر القبائل التى عرض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام .
-
وضح موقف هذه القبائل من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم .
-
أذكر بعض الأفراد الذين عرض الرسول عليهم الإسلام من غير أهل مكة .
-
وضح موقف هؤلاء الأفراد من هذه الدعوة الجديدة .
-
أذكر المؤمنين من غير أهل مكة .
-
وضح كيف كانت استجابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
ماذا تعلمت من عرض الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته على القبائل فى موسم الحج .
-
ما الدروس التى خرجت بها شخصياً من قصة إسلام كل من ( أبو ذر الغفاري – الطفيل ابن عمرو - .... )
-
الحلقة
السادسة
الحلقة السادسة
الدرس الاول :
سورة الزلزلة
|
إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه (8) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس مشاهد يوم القيامة فى هذه السورة .
-
أن يعبر الدارس عن مشاعره تجاه هذه الأهوال .
-
أن يبين الدارس واقع استعداده لهذا اليوم ( يوم الزلزلة ) .
هذه السورة مدنية في المصحف وفي بعض الروايات ؛ ومكية في بعض الروايات الأخرى . ونحن نرجح الروايات التي تقول بأنها مكية ، وأسلوبها التعبيري وموضوعها يؤيدان هذا .
إنها هزة عنيفة للقلوب الغافلة . هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي . وصيحة قوية مزلزلة للأرض ومن عليها ؛ فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب والوزن والجزاء في بضع فقرات قصار !. وهذا هو طابع الجزء كله ، يتمثل في هذه السورة تمثلا قويا .
( إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض أثقالها ، وقال الإنسان مالها ؟ يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ) .
إنه يوم القيامة حيث ترتجف الأرض الثابتة ارتجافا ، وتزلزل زلزالا ، وتنفض ما في جوفها نفضا ، وتخرج ما يثقلها من أجساد ومعادن وغيرها مما حملته طويلا . وكأنها تتخفف من هذه الأثقال ، التي حملتها طويلا ! وهو مشهد يهز تحت أقدام المستمعين لهذه السورة كل شيء ثابت .. مشهد يخلع القلوب من كل ما تتشبث به من هذه الأرض ، وتحسبه ثابتا باقيا ؛ وهو الإيحاء الأول لمثل هذه المشاهد التي يصورها القرآن . ويزيد هذا الأمر وضوحا بتصوير "الإنسان" حيال المشهد المعروض ، ورسم انفعالاته وهو يشهده : وهو سؤال المشدوه المبهوت .. مالها ؟ ما الذي يزلزلها هكذا ويرجها رجا ؟ مالها ؟ .
( يومئذ ) .. يوم يقع هذا الزلزال ويشده أمامه الإنسان ( تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ) .. يومئذ تحدث هذه الأرض أخبارها ، وتصف حالها وما جرى لها .. لقد كان ما كان لها ( بأن ربك أوحى لها ) .. وأمرها أن تمور مورا ، وأن تزلزل زلزالها ، وأن تخرج أثقالها ! فأطاعت أمر ربها.
وهنا و"الإنسان" مشدوه مأخوذ .. وهو يتساءل : مالها مالها ؟ هنا يواجه بمشهد الحشر والحساب والوزن والجزاء :
( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ) . وفي لمحة نرى مشهد القيام من القبور : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) .. نرى مشهدهم شتيتا منبعثا من أرجاء الأرض.. وهو مشهد لا عهد للإنسان به كذلك من قبل . مشهد الخلائق في أجيالها جميعا تنبعث من هنا ومن هناك ..( ليروا أعمالهم ) .. وهذه أشد وأدهى .. إنهم ذاهبون إلى حيث تعرض عليهم أعمالهم ، ليواجهوها ، ويواجهوا جزاءها . ومواجهة الإنسان لعمله قد تكون أحيانا أقسى من كل جزاء .. فكيف به وهو يواجه بعمله على رؤوس الأشهاد ، في حضرة الجليل العظيم الجبار المتكبر ؟!
ووراء رؤيتها الحساب الدقيق الذي لا يدع ذرة من خير أو من شر لا يزنها ولا يجازي عليها .
( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ..
ذرة .. كان المفسرون القدامى يقولون : إنها البعوضة . وكانوا يقولون : إنها الهباءة التي ترى في ضوء الشمس .. فنحن الآن نعلم أن الذرة شيء محدد يحمل هذا الإسم ، وأنه أصغر بكثير من تلك الهباءة التي ترى في ضوء الشمس .. فهذه أو ما يشبهها من ثقل ، من خير أو شر ، تحضر ويراها صاحبها ويجد جزاءها .. عندئذ لا يحقر "الإنسان" شيئا من عمله . خيرا كان أو شرا . ولا يقول : هذه صغيرة لا حساب لها ولا وزن . إنما يرتعش وجدانه أمام كل عمل من أعماله إرتعاشة ذلك الميزان الدقيق الذي ترجح به الذرة أو تشيل .
التقويم
-
وضح مشاهد يوم القيامة فى هذه السورة .
-
عبر عن مشاعرك تجاه هذه الأهوال .
-
بين واقع استعدادك لهذا اليوم ( يوم الزلزلة ) .
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
بيعة العقبة الأولى
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس متى كانت بيعة العقبة الأولى .
-
أن يذكر الدارس عدد من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيعة العقبة الأولى .
-
أن يذكر الدارس نص بيعة العقبة الأولى .
-
أن يذكر الدارس ماذا فعل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البيعة .
-
أن يشرح الدارس مدى النجاح الذى أحرزه سفير الإسلام فى المدينة .
-
أن يسرد الدارس قصة إسلام أسيد ابن حضير ، سعد ابن معاذ رضى الله عنهما .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من بيعة العقبة الأولى ومما قام به مصعب بن عمير فى المدينة .
-
أن يوضح الدارس كيف يستفيد من هذه العبر والعظات فى حياته العملية .
قد ذكرنا أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة وواعدوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إبلاغ رسالته في قومهم .
وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي موسم الحج سنة 12 من النبوة يوليو سنة 621م اثنا عشر رجلاً، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في العام السابق ، والسادس الذي لم يحضر هو جابر بن عبد اللَّه بن رئاب ، وسبعة سواهم . وهم :
-
معاذ بن الحارث ، ابن عفراء من بني النجار (من الخزرج)
-
ذكوان بن عبد القيس من بني زريق (من الخزرج)
-
عبادة بن الصامت من بني غنم (من الخزرج)
-
يزيد بن ثعلب (من حلفاء بني غنم (من الخزرج)
-
العباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم (من الخزرج)
-
أبو الهيثم بن التيهان من بني عبد الأشهل (الأوس)
-
عويم بن ساعدة من بني عمرو بن عوف (الأوس)
الأخيران من الأوس ، والبقية كلهم من الخزرج .
اتصل هؤلاء برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند العقبة بمنى، فبايعوه بيعة النساء ، أي وفق بيعتهن التي نزلت عند فتح مكة.
روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئاً ، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف فمن وفى منكم فأجره على اللَّه ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره اللَّه ، فأمره إلى اللَّه ، إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه قال : فبايعته وفي نسخة فبايعناه على ذلك .
سفير الإسلام في المدينة :
وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموسم بعث النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المبايعين أول سفير له إلى يثرب ، ليعلم المسلمين فيها شرائع الإسلام، ويفقههم في الدين، وليقوم بنشر الإسلام بين الذين لم يزالوا على الشرك ، واختار لهذه السفارة شاباً من شباب الإسلام من السابقين الأولين، وهو مصعب بن عمير العبدري رضي اللَّه عنه.
النجاح المغتبط :
نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة، وأخذا يبثان الإسلام في أهل يثرب بجد وحماس، وكان مصعب يعرف بالمقرىء . ومن أروع ما يروى من نجاحه في الدعوة أن أسعد بن زرارة خرج به يوماً يريد دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخلا في حائط من حوائط بني ظفر، وجلسا على بئر يقال لها بئر مرق، واجتمع إليهما رجال من المسلمين وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدا قومهما من بني عبد الأشهل يومئذ على الشرك، فلما سمعا بذلك قال سعد لأسيد اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك هذا.
فأخذ أسيد حربته وأقبل إليهما، فلما رآه أسعد قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق اللَّه فيه، قال مصعب إن يجلس أكلمه. وجاء أسيد فوقف عليهما متشتماً، وقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته نكف عنك ما تكره، فقال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن. قال: فواللَّه لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل وطهر ثوبه وتشهد وصلى ركعتين، ثم قال: إن ورائي رجلاً إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه، وهم جلوس في ناديهم. فقال سعد أحلف باللَّه لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به عمن عندكم.
فلما وقف أسيد على النادي قال له سعد ما فعلت؟ فقال: كلمت الرجلين فواللَّه ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت.
وقد حدث أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. فقام سعد مغضباً للذي ذكر له، فأخذ حربته، وخرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتماً، ثم قال لأسعد بن زرارة واللَّه يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟
وقد كان سعد قال لمصعب جاءك واللَّه سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فقال مصعب لسعد بن معاذ أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس. فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قال: فعرفنا واللَّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتهلله، ثم قال: كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا تغتسل، وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين. ففعل ذلك.
ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادي قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف باللَّه لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً، وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا باللَّه ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة إلا رجل واحد - وهو الأصيرم - تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم ذلك اليوم وقاتل وقتل، ولم يسجد للَّه سجدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عمل قليلاً وأجر كثيراً.
وأقام مصعب في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل. كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.
وقبل حلول موسم الحج التالي - أي حج السنة الثالثة عشر - عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشائر الفوز، ويقص عليه خبر قبائل يثرب، وما فيها من مواهب الخير، وما لها من قوة ومنعة.
عبر وعظات :
-
إحدى عشرة سنة من الجهاد والصبر المتواصل فى سبيل الله وحده لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة لمد إسلامي زاخر ومقدمة لدعائم المجتمع المسلم الذى أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
لا يتحقق التعبد بدون بذل الجهد ، وليس من العدل أن يكسب الإنسان الغنم دون أن يبذل على ذلك شيئاً من الغرم
-
رعاية الله وعنايته تحوط حياة الدعوة النبوية وتحوط دعوة الإسلام حتى يمهد الله لها الأرض والأنصار من غير بيئة الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه ، وحتى لا يظن أن دعوة الإسلام دعوة قومية حاكتها رغبات قومه صلى الله عليه وسلم وظروف بيئته .
-
لم يكن إسلام من أسلم من أهل المدينة مجرد نطق بالشهادتين أو كان إسلاماً سلبياً لا يؤثر فيمن حوله بل كان إسلامهم صبغ لسلوكهم وحياتهم بكل جوانبها بالصبغة الإسلامية وتحول لوجه الأرض من حولهم فى المدينة إلى دعوة الإسلام وهكذا يجب أن نكون ولا نكتفى بمجرد النسب إلى هذا الدين .
-
مصعب ابن عمير نموذج فى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وحسن عرض الإسلام .
التقويم
-
متى كانت بيعة العقبة الأولى ؟
-
كم عدد من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيعة العقبة الأولى ؟
-
وضح على أى شيء كانت البيعة .
-
ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل المدينة بعد البيعة ؟
-
إشرح مدى النجاح الذى أحرزه سفير الإسلام فى المدينة .
-
وضح الدروس العملية التى خرجت بها من دراسة هذه البيعة .
-
ما الذى تعلمته شخصياً من قصة إسلام ( سعد بن معاذ ، أسيد ابن حضير )
الحلقة
السابعة
الحلقة السابعة
الدرس الأول :
سورة العاديات
|
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (5) إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس طبيعة النفس البشرية كما وضحت الآيات .
-
أن يوضح الدارس وسائل تهذيب النفس البشرية التى ذكرتها السورة .
يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة .. وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة ، القادحة للشرر بحوافرها ، المغيرة مع الصباح ، المثيرة للنقع وهو الغبار ، الداخلة في وسط العدو فجأة تأخذه على غرة ، وتثير في صفوفه الذعر والفرار ! يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد ..ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور ..وفي الختام ينتهي النقع المثار ، وينتهي الكنود والشح ، وتنتهي البعثرة والجمع .. إلى نهايتها جميعا . إلى الله . فتستقر هناك : ( إن ربك بهم يومئذ لخبير ) .
يقسم الله سبحانه بخيل المعركة ، ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري ، قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها ، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو ، مثيرة للنقع والغبار . غبار المعركة على غير انتظار . وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب .
أما الذي يقسم الله - سبحانه - عليه ، فهو حقيقة في نفس الإنسان ، حين يخوى قلبه من دوافع الإيمان . حقيقة ينبهه القرآن إليها ، ليجند إرادته لكفاحها مذ كان الله يعلم عمق وشائجها في نفسه ، وثقل وقعها في كيانه : ( إن الإنسان لربه لكنود . وإنه على ذلك لشهيد . وإنه لحب الخير لشديد ) ..
إن الإنسان ليجحد نعمة ربه ، وينكر جزيل فضله . ويتمثل كنوده وجحوده في مظاهر شتى تبدو منه أفعالا وأقوالا ، فتقوم عليه مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة . وكأنه يشهد على نفسه بها . أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود : ( وإنه على ذلك لشهيد ) .. يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال !
( وإنه لحب الخير لشديد ) فهو شديد الحب لنفسه ، ومن ثم يحب الخير . ولكن كما يتمثله مالا وسلطة ومتاعا بأعراض الحياة الدنيا .. هذه فطرته . وهذا طبعه . ما لم يخالط الإيمان قلبه . فيغير من تصوراته وقيمه وموازينه واهتماماته . ويحيل كنوده وجحوده اعترافا بفضل الله وشكرانا . كما يبدل أثرته وشحه إيثارا ورحمة . ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكد والكدح . وهي قيم أعلى من المال والسلطة والمتاع الحيواني بأعراض الحياة الدنيا .
ومن ثم تجيء اللفتة الأخيرة في السورة لعلاج الكنود والجحود والأثرة والشح .. مع عرض مشهد البعث والحشر في صورة تنسي حب الخير ، وتوقظ من غفلة البطر :
( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ؟ ) .. وهو مشهد عنيف مثير . بعثرة لما في القبور .. وتحصيل لأسرار الصدور التي ضنت بها وخبأتها بعيدا عن العيون .. أفلا يعلم إذا كان هذا ؟ ولا يذكر ماذا يعلم ؟ لأن علمه بهذا وحده يكفي لهز المشاعر . ثم ليدع النفس تبحث عن الجواب ، وتتصور كل ما يمكن أن يصاحب هذه الحركات العنيفة من آثار وعواقب . ويختم هذه الحركات الثائرة باستقرار ينتهي إليه كل شيء ، وكل أمر ، وكل مصير :
( إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) .. فالمرجع إلى ربهم . وإنه لخبير بهم ( يومئذ ) وبأحوالهم وأسرارهم .. والله خبير بهم في كل وقت وفي كل حال . ولكن لهذه الخبرة ( يومئذ ) آثار هي التي تثير انتباههم لها في هذا المقام ... إنها خبرة وراءها عاقبة . خبرة وراءها حساب وجزاء .
التقويم
-
بين طبيعة النفس البشرية كما وضحت الآيات .
-
وضح وسائل تهذيب النفس البشرية التى ذكرتها السورة .
الدرس الثاني :
مواقف من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
بيعة العقبة الثانية
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس متى كانت بيعة العقبة الثانية .
-
أن يذكر الدارس عدد من حضر بيعة العقبة الثانية من أهل المدينة .
-
أن يسرد الدارس أحداث " بيعة العقبة الثانية " كما رواها كعب بن مالك .
-
أن يذكر الدارس الحوار الذى دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين تحدثوا فى هذه البيعة .
-
أن يذكر الدارس بنود " بيعة العقبة الثانية "
-
أن يوضح الدارس بعض ما ذكر يدلل على خطورة البيعة .
-
أن يوضح الدارس عقد البيعة وما تم فيه .
-
أن يذكر الدارس عدد النقباء من الأوس والخزرج ومهمتهم .
-
أن يذكر الدارس موقف الشيطان من المعاهدة .
-
أن يوضح الدارس موقف قريش من اكتشاف خبر هذه المعاهدة .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من أحداث بيعة العقبة الثانية وبنودها وحديث كل صحابي فيها .
-
أن يوضح الدارس كيف يستفيد من هذه العبر والدروس فى حياته العملية .
-
أن يوضح الدارس إلى أى مدى استفاد من هذه العبر والدروس .
في موسم الحج في السنة الثالثة عشر من النبوة يونيو سنة 622م، حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفساً من المسلمين من أهل يثرب، جاؤوا ضمن حجاج قومهم من المشركين، وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم، وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق، حتى متى نترك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟.
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.
ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الاجتماع التاريخي الذي حول مجرى الأيام في صراع الوثنية والإسلام. يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي اللَّه عنه.
"خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق، وكانت الليلة التي واعدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لها، ومعنا عبد اللَّه بن عمرو بن حرام، سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً. ثم دعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيباً".
قال كعب: "فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو، أم منيع، من بني سلمة.
فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا، ومعه (عمه) العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، وكان أول متكلم".
بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسؤلية:
وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الديني والعسكري، وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبد المطلب عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تكلم ليشرح لهم، بكل صراحة، خطورة المسؤلية التي ستلقى على كواهلهم نتيجة هذا التحالف قال:
"يا معشر الخزرج، - وكان العرب يسمون الأنصار خزرجاً، خزرجها وأوسها كليهما -، إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده. وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال كعب فقلنا له قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول اللَّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم وتصميم وشجاعة وإيمان وإخلاص في تحمل هذه المسؤولية العظيمة، وتحمل عواقبها الخطيرة.
وألقى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بيانه، ثم تمت البيعة.
بنود البيعة :
وقد روى ذلك الإمام أحمد عن جابر مفصلاً، قال جابر قلنا: يا رسول اللَّه على ما نبايعك؟ قال:
-
على السمع والطاعة في النشاط والكسل.
-
وعلى النفقة في العسر واليسر.
-
وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-
وعلى أن تقوموا في اللَّه، لا تأخذكم في اللَّه لومة لائم.
-
وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم ، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.
وفي رواية كعب التي رواها ابن إسحاق البند الأخير فقط من هذه البنود، ففيه قال كعب فتكلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فتلا القرآن، ودعا إلى اللَّه، ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم ، والذي بعثك بالحق (نبياً) لنمنعنك مما نمنع أزرنا منه فبايعنا يا رسول اللَّه، فنحن واللَّه أبناء الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً (عن كابر).
قال: فاعترض القول والبراء يكلم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول اللَّه إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك اللَّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال: فتبسم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم .
التأكيد من خطورة البيعة :
وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي 11 و12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر، ليؤكدا للقوم خطورة المسؤلية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية ويتأكدا من ذلك.
قال ابن إسحاق لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو واللَّه إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو واللَّه خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول اللَّه إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.
وفي رواية جابر (قال): فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين، فقال رويداً يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول اللَّه، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على اللَّه، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند اللَّه.
عقد البيعة :
وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة، قال جابر بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة فقالوا يا أسعد، أمط عنا يدك. فواللَّه لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها.
وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل، وتأكد منه، وكان هو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير، وبالطبع فكان هو الرئيس الديني على هؤلاء المبايعين، فكان هو السابق إلى هذه البيعة. قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده. وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قال جابر: فقمنا إليه رجلاً رجلاً فأخذ علينا البيعة، يعطينا بذلك الجنة.
وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولاً. ما صافح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط.
اثنا عشر نقيباً :
وبعد أن تمت البيعة طلب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم انتخاب اثني عشر زعيماً يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤلية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، فقال للقوم، أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومكم بما فيهم .
فتم انتخابهم في الحال ، وكانوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .
ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقاً آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين.
قال لهم أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم.
شيطان يكتشف المعاهدة :
ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين وحيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاغ زعماء قريش هذا الخبر سراً ليباغتوا المجتمعين، وهم في الشعب قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض، وصاح بأنفذ صوت سمع قط: "يا أهل الأخاشب - المنازل - هل لكم في محمد والصبأة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم".
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : هذا أزب العقبة، أما واللَّه يا عدو اللَّه لأتفرغن لك. ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم.
استعداد الأنصار لضرب قريش :
وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة: "والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا".
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا.
قريش تقدم الاحتجاج إلى رؤساء يثرب :
ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم، فما إن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب، ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة. فقد قال:
"يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه واللَّه ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم".
ولما كان مشركوا الخزرج لا يعرفون شيئاً عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون باللَّه ما كان من شيء، وما علمناه، حتى أتوا عبد اللَّه بن أبي بن سلول، فجعل يقول هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا على مثل هذا. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.
أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت، فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات.
ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين، فرجعوا خائبين.
تأكد الخبر لدى قريش ومطاردة المبايعين :
عاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر، لكنهم لم يزالوا يتنطسونه - يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه - حتى تأكد لديهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلاً. وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين ، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فطاردوهما، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه، فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم. إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم فوصل القوم جميعاً إلى المدينة.
هذه هي بيعة العقبة الثانية - التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى - وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولاء والتناصر بين أشتات المؤمنين، والثقة والشجاعة والاستبسال في هذا السبيل. فمؤمن من أهل يثرب يحنو على أخيه المستضعف في مكة، ويتعصب له، ويغضب من ظالمه، وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الأخ الذي أحبه بالغيب في ذات اللَّه.
ولم تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابرة تزول على مر الأيام، بل كان مصدرها هو الإيمان باللَّه وبرسوله وبكتابه، إيمان لا يزول أمام أي قوة من قوات الظلم والعدوان، إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب في العقيدة والعمل. وبهذا الإيمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعمالاً، ويتركوا عليها آثاراً خلا عن نظائرها الغابر والحاضر، وسوف يخلو المستقبل .
عبر وعظات :
-
عدد المبايعين فى البيعة الأولى كان اثنى عشر أم عددهم فى البيعة الثانية فقد كان بضعة وسبعين بينهم امرأتان وهذا كان ثمرة تحرك الاثنا عشر الأوائل ومعهم مصعب ابن عمير بالإسلام ( فلم ينعزل كل منهم على نفسه ويكتفى بمجرد إسلامه ) حتى لم يبق دار فى المدينة إلا ودخلها الإسلام .
-
كانت البيعة الثانية تمهيداً لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وانطلاقاً لتأسيس مجتمع مسلم فى المدينة ونشر دعوة الإسلام فى ربوع الأرض بعد ذلك .
-
فى بنود البيعة لفت لما يجب أن يكون عليه المسلم فى بيعته وعهده مع ربه ومع رسوله صلى الله عليه وسلم وإشارة لما تكبده المسلمون الأوائل فى حمل هذا الدين حتى وصل إلينا وما يجب أن نكون عليه نحو ديننا ونحو طاعة ربنا وحب رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .
التقويم
-
-
متى كانت بيعة العقبة الثانية ؟
-
أذكر عدد من حضر بيعة العقبة الثانية من أهل المدينة .
-
وضح كيف كانت هذه البيعة " بيعة العقبة الثانية " .
-
أذكر قول العباس فى خطورة هذه البيعة .
-
أذكر بنود هذه البيعة " بيعة العقبة الثانية "
-
وضح بعض ما ذكره نفر من الأنصار يدلل على خطورة البيعة .
-
وضح عقد البيعة وما تم فيه .
-
أذكر عدد النقباء من الأوس والخزرج ومهمتهم .
-
أذكر كيفية اكتشاف البيعة .
-
وضح موقف قريش من اكتشاف خبر هذه المعاهدة .
-
استخلص العبر والدروس المستفادة من أحداث بيعة العقبة الثانية وبنودها وحديث كل صحابي فيها .
-
وضح كيف تستفيد من هذه العبر والدروس فى حياتك العملية .
-
وضح إلى أى مدى استفدت شخصياً من هذه العبر والدروس .
-
الحلقة
الثامنة
الحلقة الثامنة
الدرس الأول :
سـورة القارعة
|
الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يصور الدارس مشاهد يوم القيامة التى وصفتها السورة .
-
أن يوضح الدارس مصائر الناس يوم القيامة كما رسمتها السورة .
القارعة : القيامة .. والقارعة توحي بالقرع واللطم ، فهي تقرع القلوب بهولها .. والسورة كلها عن هذه القارعة . حقيقتها . وما يقع فيها . وما تنتهي إليه .. فهي تعرض مشهدا من مشاهد القيامة . والمشهد المعروض هنا مشهد هول تتناول آثاره الناس والجبال . فيبدو الناس في ظله صغارا ضئالا على كثرتهم : فهم ( كالفراش المبثوث ) مستطارون مستخفون في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك .. وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة كالصوف المنفوش تتقاذفه الرياح .
( القارعة . ما القارعة ؟ وما أدراك ما القارعة ؟ ) ..
لقد بدأ بإلقاء الكلمة مفردة كأنها قذيفة : ( القارعة ) بلا خبر ولا صفة . لتلقي بظلها وجرسها الإيحاء المدوي المرهوب !
ثم أعقبها سؤال التهويل : ( ما القارعة ؟ ) .. فهي الأمر المستهول الغامض الذي يثير الدهش والتساؤل !
ثم أجاب بسؤال التجهيل : ( وما أدراك ما القارعة ؟ ) .. فهي أكبر من أن يحيط بها الإدراك ، وأن يلم بها التصور !
ثم الإجابة بما يكون فيها ، لا بماهيتها : ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) ..
ثم تجيء الخاتمة للناس جميعا : ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية) . في اعتبار الله وتقويمه ( فهو في عيشة راضية ) .. ويدعها مجملة بلا تفصيل ، توقع في الحس ظلال الرضى وهو أروح النعيم .
( وأما من خفت موازينه ) في اعتبار الله وتقويمه ( فأمه هاوية ) .. والأم هي مرجع الطفل وملاذه . فمرجع القوم وملاذهم يومئذ هو الهاوية.
( وما أدراك ما هيه ؟ ) .. سؤال التجهيل والتهويل المعهود في القرآن ، لإخراج الأمر عن حدود التصور وحيز الإدراك !
ثم يجيء الجواب كنبرة الختام : ( نار حامية ) .. هذه هي أم الذي خفت موازينه ! أمه التي يفيء إليها ويأوي ! والأم عندها الأمن والراحة . فماذا هو واجد عند أمه هذه .. الهاوية .. النار .. الحامية .. إنها مفاجأة تعبيرية تمثل الحقيقة القاسية
التقويم
-
صور مشاهد يوم القيامة التى وصفتها السورة .
-
وضح مصائر الناس يوم القيامة كما رسمتها السورة .
الدرس الثاني :
الهدف العام الثالث : أن يهتم بأمر المسلمين ويتابع أحوالهم يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم .
الأهداف المرحلية :
-
أن يوضح الدارس شرعية الاهتمام بأمور المسلمين و أهميته .
-
أن يدرك الدارس ما يحاك من المؤامرات بالمسلمين " جذورها في الماضي وشواهدها في الواقع " .
-
أن يوضح الدارس مظاهر الاهتمام بأمور المسلمين .
الهدف المرحلى الأول : شرعية الاهتمام بأمور المسلمين وأهميته .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح شرعية الاهتمام بأمور المسلمين .
-
أن يوضح أهمية الاهتمام بأمور المسلمين .
1- شرعية الاهتمام بأمور المسلمين :
إن الاهتمام بشئون المسلمين وأمورهم من أهم الأمور التي يقوم عليها الدين فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" خرجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان . وقد قال بعض السلف أن هذا الحديث هو ربع الدين . وقال صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة قلنا : لمن يا رسول الله ، قال : لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم ، ومن لم يصبح ولم يمس ناصحاً لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم فليس منهم " رواه مسلم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره – التقوى ها هنا ويشير إلى صدره صلى الله عليه وسلم بحسب أمرؤ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" رواه مسلم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه الشيخان .وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة " رواه مسلم . وقوله صلى الله عليه وسلم : " والله فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه " رواه الطبرانى .
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله مؤكداً هذا المعنى :
ليس الإسلام رابطة تجمع بين عدد قل أو كثر من الناس فحسب ، ولكنه جملة الحقائق التي تقرر العلاقة الصحيحة بين الناس وربهم ثم بين الناس وبعضهم ، ومن ثم فأصحاب الإسلام وحملة رسالته يجب أن يستشعروا جلال العقيدة التي شرح الله بها صدورهم وجمع عليها أمرهم ، وأن يولوا التعارف عليها ما هو جدير به من عناية وإعزاز ، وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى تؤلف بين أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها ، وتجعل منهم على إختلاف الأمكنة والأزمنة وحدة راسخة الدعامة سامقة البناء لا تنال منها العواصف الهوج .
وهذه الأخوة هي روح الإيمان الحي ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه حتى أنه ليحيا بهم ويحي لهم فكأنهم أغصان إنبثقت من دوحة واحدة أو روح واحد حل في أجساد متعددة .
2- أهمية الاهتمام بأمور المسلمين :
إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان وغول فضائله ، إذا سيطرت نزعتها على امرئ محقت خيره ونمت شره وحصرته في نطاق ضيق خسيس لا يعرف فيه إلا شخصه ، ولا يهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه من خير أو شر ، أما الدنيا العريضة والألوف المؤلفة من البشر فهو لا يعرفهم إلا في حدود ما يصل إليه عن طريقهم ليحقق آماله أو يثير مخاوفه..!!
من حق أخيك عليك أن تكره مضرته وأن تبادر إلى دفعها فإن مسه ما يتأذى به شاركته الألم وأحسست معه بالحزن ، أما أن تكون ميت العاطفة قليل الإكتراث لأن المصيبة وقعت بعيدا عنك فالأمر لا يعنيك ، فهذا تصرف لئيم ، وهو مبتوت الصلة بمشاعر الأخوة الغامرة التي تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل الرجل يتأوه للألم ينزل بأخيه ، مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر ا لأعضاء بالسهر والحمى ) رواه البخاري .
والتألم الحق هو الذي يدفعك دفعا إلى كشف ضوائق إخوانك فلا تهدأ حتى تزول غمتها وتدبر ظلمتها ، فإذا نجحت في ذلك إستنار وجهك واستراح ضميرك .
إن أعباء الدنيا جسام والمتاعب تنزل بالناس كما يهطل المطر يهمر الخصب والجدب ، والإنسان وحده أضعف من أن يقف طويلا تجاه هذه الشدائد ولإن وقف إنه لباذل من الجهد ما كان في غنىً عنه ، لو أن إخوانه هرعوا لنجدته وظاهروه في إنجاح قصده ، وقد قيل ( المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ) .
ومن حق الأخوة أن يشعر المسلم بأن إخوانه ظهير له في السراء والضراء ، وأن قوته لا تتحرك في الحياة وحدها ، بل إن قوى المؤمنين تساندها وتشد أزرها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه ) رواه البخاري
ومن ثم كانت الأخوة الخالصة نعمة المضاعفة لا نعمة التجانس الروحي فحسب بل نعمة التعاون المادي كذلك وقد كرر الله عز وجل ذكر هذه النعمة مرة ومرة في آية واحدة : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) آل عمران .
إن القاعدة التى تسوى به الصفوف تسوية ترد المتقدم إلى مكانه وتقدم المتأخر عن أقرانه هى الأخوة فإذا نشب نزاع أو حدث هرج ومرج طبقت قوانين الإخاء على الكافة ونفذ حكمها قال تعالى : (إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) الحجرات .
والإتحاد قوة وليس في شئون الناس فقط ، إنه قانون من قوانين الكون ، فالخيط الواهي إذا انضم إليه مثله أضحى حبلا متينا يجر الأثقال ، وهذا العالم الكبير ما هو إلا جملة ذرات متحدة !
وقد شرح حكيم لأولاده هذا المعنى عند وفاته ليلقنهم درسا في الإتحاد ، قدّم إليهم حزمة من العصى قد إجتمعت عيدانها فعجزوا عن كسرها فلما انفك الرباط وتفرقت الأعواد كسرت واحداً واحدا .
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا
ولو عقل المسلمون أحوالهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخهم لأحسوا أن ما لحقهم من عار يعود إلى إنحلال عراهم وتفرق هواهم .
إن الهجوم الصليبي المعاصر والهجوم الصهيوني الذي جاء في أذياله لم ينجحا في ضعضعة الدولة الإسلامية وإنتهاب خيرها إلا عقب ما مهدا لذلك بتقسيم المسلمين شيعا منحلة واهية ودويلات متدابرة يثور بينها النزاع وتتسع شقته لغير سبب ، وسياسة الغرب في احتلال الشرق وتسخيره تقوم على قاعدة (فرق تسد) .
إن الإسلام حريص على سلامة أمته وحفظ كيانها ، وهو لذلك يطفئ بقوة بوادر الخلاف ، ويهيب بالأفراد كافة أن يتكاتفوا على إخراج الأمة من ورطات الشقاق ، وأعداء الإسلام يودون أن يضعوا أيديهم على شخص واحد ليكون طرفا ناتئا يستمكنون منه ويجذبون الأمة كلها عن طريقه . ( خلق المسلم – للشيخ محمد الغزالى )
- كما أن الاهتمام بأمر المسلمين والتراحم فيما بينهم من لوازم الإيمان ، فإن من أهم صفات المؤمنين ( رحماء بينهم ) : يقول الحق سبحانه وتعالى واصفاً ذلك الطراز الرباني سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم جميعاً : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .. " [ الفتح 29 ]
والرحمة بين المؤمنين ليست وليدة أمزجة أو موروثات عصبية أو اجتماعية ، ولكنها وليدة الإيمان الذى يوجه المشاعر والعواطف ويعلم الشخص الواحد متى يكون شديداً ومع من ؟ ومتى يكون رحيماً ومع من ؟ .
كما تتبوأ الرحمة مكانة عليا فى أخلاق الإسلام ، وهى كذلك فى خلق الفرد وحياة الجماعة ، فهى صفة لن يتم الإيمان إلا بها فعنه صلى الله عليه وسلم قال : " لن تؤمنوا حتى تراحموا " رواه الطبراني ، وهى طريق إلى رحمة الله : " من لا يرحم لا يُرحم " رواه البخارى ، وفى رواية : " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " رواه الطبرانى ، وفى الحديث المشهور : " ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء " رواه الترمذى ، وغيابها طريق الشقاء " ما نزعت الرحمة إلا من شقي " رواه الحاكم والبخارى وأبو داود والترمذى .
التقويم
-
وضح شرعية الاهتمام بأمور المسلمين .
-
اذكر بعض ( الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ) التى تحث المسلم على الاهتمام بأمر المسلمين .
-
اسرد بعض المواقف من سيرة وحياة الصالحين على مر العصور التى تظهر اهتمامهم بأمور المسلمين .
-
اذكر بعض المواقف التى عايشتها والتى رأيت فيها اهتمام أصحابها بأمور المسلمين .
-
وضح أهمية الاهتمام بأمور المسلمين .
-
اذكر موقف عملى يوضح اهتمامك بأمور المسلمين والأثر الذى ترتب على هذا الموقف .
الحلقة
التاسعة
الحلقة التاسعة
الدرس الأول :
سـورة التكاثر
|
أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ (8) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس صوت النذير الذى نبهت إليه السورة .
-
أن يبين الدارس الأحداث التى قد يلقاها فى قبره .
إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها . وتلقي في الحس ما تلقي بمعناها وإيقاعها . وتدع القلب مثقلا مشغولا بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون !
إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل .. ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) .. وتنتهي ومضة الحياة الدنيا وتنطوي صفحتها الصغيرة .. ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال ؛ ويقوم الأداء التعبيري ذاته بهذا الإيحاء . فتتسق الحقيقة مع النسق التعبيري الفريد .. وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة ، بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها ، الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها .. حتى يشعر بثقل ما يحمل منها ويمضي به مثقلا في الطريق .. ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد
هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق وكأنما هي صوت نذير .. يصيح بنوم غافلين .. أشرفوا على الهاوية وعيونهم مغمضة ، وحسهم مسحور . فهو يمد بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ :
( ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر ) .. أيها اللاهون المتكاثرون بالأموال والأولاد وأعراض الحياة وأنتم مفارقون .. أيها التاركون ما تتكاثرون فيه وتتفاخرون إلى حفرة ضيقة لا تكاثر فيها ولا تفاخر .. استيقظوا وانظروا .. فقد ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) .
ثم يقرع قلوبهم بهول ما ينتظرهم هناك بعد زيارة المقابر في إيقاع عميق رزين :
( كلا سوف تعلمون ) .. ويكرر هذا الإيقاع بألفاظه وجرسه الرهيب الرصين : ( ثم كلا سوف تعلمون ) . ثم يزيد التوكيد عمقا ورهبة ، وتلويحا بما وراءه من أمر ثقيل ، لا يتبينون حقيقته الهائلة :( كلا لو تعلمون علم اليقين ) .. ثم يكشف عن هذه الحقيقة المطوية الرهيبة : ( لترون الجحيم ) .. ثم يؤكد هذه الحقيقة ويعمق وقعها الرهيب في القلوب : ( ثم لترونها عين اليقين ) ….. ثم يلقي بالإيقاع الأخير ، الذي يدع المخمور يفيق ، والغافل ينتبه ، والناعم يرتعش ويرتجف مما في يديه من نعيم
( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) ! لتسألن عنه من أين نلتموه ؟ وفيم أنفقتموه ؟ أمن طاعة وفي طاعة ؟ أم من معصية وفي معصية ؟ أمن حلال وفي حلال ؟ أم من حرام وفي حرام ؟( لتسألن ) عما تتكاثرون به وتتفاخرون .. فهو عبء تستخفونه في غمرتكم ولكن وراءه ما وراءه من هم ثقيل !
التقويم
-
بين صوت النذير الذى نبهت إليه السورة .
-
بين الأحداث التى قد يلقاها فى قبره .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الثانى : أن يدرك ما يحاك من المؤامرات بالمسلمين " جذورها في الماضي وشواهدها في الواقع " .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس جذور الصراع ( المؤامرة ضد الإسلام ) .
-
أن يوضح الدارس الصراع بين رسل الله والمكذبين من أقوامهم .
-
أن يوضح الدارس صور المؤامرة ( الصراع ) ضد الإسلام فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم .
-
أن يوضح الدارس صور المؤامرة ( الصراع ) ضد الإسلام بعد عهد النبوة إلى العصر الحديث .
-
أن يوضح الدارس الدور المطلوب منه تجاه هذا الصراع . ( حلقة نقاشية وورش عمل ) .
*****************
يدمى قلب كل من يتابع أخبار المسلمين في هذا العصر فما من بقعة في الأرض إلا وتتفجر بدمائهم وتزهق فيها أرواحهم وتنتهك حرماتهم بلا هوادة وما أصدق الشاعر وهو يصف هذه الحال باكيا :
فأنى التفت فحق سليب وأنى أصخت فرجع نحيب
وأنى سريت فدرب مريب وصد عجيب ولؤم رهيب
أسير رهين صروف الزمان وأشعر أنى وحيد غريب
وما أبلغ الشاعر الآخر وهو يؤكد أن هذا الحال أمسى وقفا على المسلمين وحدهم دون سواهم فيقول :
قد استرد السبايا كل منهزم ولم تبقَ في أسرها إلا سبايانا
وما رأيت سياط الذل دامية إلا رأيت عليها لحم أسرانا
ورغم كل هذا فإن المسلمين يوصفون في عالم اليوم بأنهم (محور الشر) ، (ومصدر الإرهاب) ، وأس البلاء ، ومظنة كل ريبة على أحسن تقدير !! مفارقة عجيبة لا تخطئها عين تشير إلى صراع مرير بعضه ظاهر وأكثره خفي – مثل جبال الثلج العائمة –
ولا عجب فى ذلك فهو الصراع الأذلي الأبدي بين الحق والباطل طرفاه هما :
حزب الله : وهم عباد الرحمن وأولياؤه بقيادة الرسل الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام .
قال الله عز وجل عنهم : ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) ( المجادلة : 22 )
وحزب الشيطان : وهم عباد الشياطين وأولياؤهم بقيادة إبليس عليه لعنة الله .
قال الله عز وجل عنهم :( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) ( المجادلة : 19)
-
بداية الصراع ( جذور المؤامرة ) :
ففي الملأ الأعلى بدأ الصراع مبكرًا حين استكبر إبليس لعنه الله عن السجود لأبينا آدم فطرده الله من رحمته فأقسم بعزة الله ليغوينه وذريته قال تعالى على لسان ابليس لعنه الله : ( قال أنظرنى إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين . قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم . ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) [ الأعراف 14-17 ]. فالصراع بين الكفر والايمان صراع قديم قدم البشرية وطويل طول الحياة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وصراع مرير لأنه صراع الأضداد ( قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً قل هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شىء وهو الواحد القهار ) [ الرعد 16 ]
وعلى مر العصور وفي كل قوم يتخذ الشيطان لنفسه أولياء من بعض الإنس والجن يجندهم ويشكل منهم جيشه الذي يهاجم بهم المؤمنين ويجهزهم بأساليبه وحيله قال سبحانه وتعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبيِ عدواً شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) [ الأنعام : 112 ]
2- صراع الرسل وأتباعهم مع المكذبين من قومهم :
وقد تحدث عنه القرآن الكريم في حوالي ثلث آياته والقصص مما يشير بقوة إلى أهمية الوعي بتاريخ ذلك الصراع وخطورته وسننه قال الله عز وجل ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود و الذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب ) [ إبراهيم 9 ] .
فهذا إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى الهدى وإلى نبذ عبادة الأوثان ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) [ العنكبوت 24 ] .
وهذا موسى عليه السلام يتحدى فرعون بالحق لا يبالى بالموت ما دام فى سبيل الله ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب . فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد فرعون إلا فى ضلال ) [ غافر 23-25 ] .
وهكذا كان شأن الكافرين مع أنبياء الله ورسله أجمعين جاء وصفهم فى القرآن الكريم ( ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ) [ البقرة 87 ] . [ قوارب النجاة أ / فتحى يكن ]
3- الصراع ضد الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم :
ظهرت دعوة الإسلام من جديد في عالم يتنازعه قوى عظمى : الفرس في الشرق والروم في الغرب كما ظهر في مجتمع كانت الولاية فيه لغير الله إنما يدين بالولاء للأصنام والكهان والقوة . وجاء الإسلام ليعلن الولاية لله الحق فوقفت (قريش ) حجر عثرة في الطريق وحاولت حصار الدعوة في مهدها وأنزلوا بالمؤمنين أشد ألوان الإبتلاء .
-
قبل الهجرة
كانت المؤامرة على الإسلام مقتصرة أو محصورة في مشركي قريش واستمرت على مدى ثلاثة عشر عاما . ومن صور هذا الصراع 1- السخرية والإستهزاء : قصدوا به تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية فرموا النبى صلى الله عليه وسلم بتهم هاذلة وشتائم سفيهة فكانوا ينادونه بالمجنون ( وقالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) [ الحجر 6 ] . ويصمونه بالسحر والكذب ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) [ سورة ص 4 ] . وقال تعالى أيضاً : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ) [ القلم 51 ] . كما أخبر سبحانه وتعالى بقوله ( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين . وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون . وما أرسلوا عليهم حافظين ) [ المطففين 29 – 33 ]
2- والمساوماتل لمساومة والمفاوضات
إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا
لواقعة:
ت على مدى ثلاثة عشرة عاما ومن معالم هذا والمفاوضات : التي حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق فكان الرد عليهم ( قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون . ولا أنتم عابدون ما أعبد . ولا أنا عابد ما عبدتم . ولا أنتم عابدون ما أعبد . لكم دينكم ولى دين ) [ سورة الكافرون ] . وقال سبحانه : ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) [ القلم : 9 ]
3- التشويه وإثارة الشبهات وبث الدعايات الكاذبة : فكانوا يقولون عن القرآن : ( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً وزورا . وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ) [ الفرقان 4- 5 ].
وقالوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا . أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا ) [ الفرقان 7 – 8 ] .
4- المقاطعة والحصار الاقتصادى : حيث اجتمعت قريش فى خيف بنى كنانة من وادى المحصب فتحالفوا على بنى هاشم وبنى المطلب ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق [ ألا يقبلوا من بنى هاشم صلحاً أبداً ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل ] . واستمر حصار المسلمين فى شعب أبى طالب ثلاث سنوات حتى بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع . [ الرحيق المختوم ]
5- الإيذاء والإخراج من الأرض : قال سبحانه : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ) [ الإسراء : 76 ]
6- التربص بالمسلمين ومحاولة الوقيعة بينهم وبين من يؤونهم خارج مكة : كما حدث في هجرة الحبشة الأولى والثانية عندما أرسل مشركوا مكة عمرو بن العاص رضى الله عنه لتأليب النجاشي على المسلمين وتسليمهم لقريش .
7- التنكيل ومحاولات القتل : قال عز وجل : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الانفال :30
ويكفي هنا ما رواه البخاري عن الخباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت : يا رسول الله ألا تدعوا الله لنا ؟ فقعد وهو محمر الوجه فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )
ب- وبعد الهجرة :
أما بعد الهجرة فقد اتسعت دائرة الصراع وتنوعت صوره ودخلت فيه قوى متعددة كلها كارهة للإسلام وهي :
- اليهود :
وعداوتهم السافرة للإسلام والمسلمين وللرسول صلى الله عليه وسلم خاصة لا مثيل لها نكشف عنها في الحديث الذي دار بين حيي ابن أخطب زعيم يهود بنى النضير وأخوه أبو ياسر عندما شاهدا الرسول صلى الله عليه وسلم أول وصوله إلى المدينة :
قال أبو ياسر لحيي بن أخطب : أهو هو ؟ ( يقصد هل تأكدت من صفاته كما وردت في التوراة )
قال حيي : نعم . قال أبو ياسر : قال فما نويت فيه ؟ قال حيي : عداوته ما بقيت !!!!
بالإضافة لدورهم المحوري في تأليب المشركين والأعراب على المسلمين في غزوة الأحزاب فقد خرج عشرون رجلاً من زعماء اليهود وسادات بنى النضير إلى قريش بمكة يحرضونهم على غزو الرسول صلى الله عليه وسلم ويوالونهم عليه ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم ، ثم خرج هذا الوفد إلى غطفان ، فدعاهم إلى ما دعا إليه قريشاً ، فاستجابوا لذلك ، ثم طاف الوفد على قبائل العرب يدعوهم إلى ذلك ، فاستجاب لهم من استجاب وكانت غزوة الأحزاب . وقد تواصلت مؤامرتهم في بنى قينقاع – وبنى النضير وبنى قريظة وخيبر [ يشار إلى مزيد من المواقف عند دراسة السيرة المطهرة بالتفصيل ].
بالإضافة إلى الفتن التي أشعلوها بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي ، الذي تظاهر بالإسلام وقاد الصراع الماكر ضد الإسلام في عهد سيدنا عثمان وسيدنا على بن أبي طالب ، مما أدى إلى قتلهما غدرا ، وتقاتل المسلمون وانفتحت أبواب الفتن والفرقة والخلافات على مصارعها على المسلمين والتي لا زالت تعصف بالمسلمين حتى اليوم .
- المنافقون : ففى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كان المنافقون لا يألون جهداً ولا يتركون فرصة للإيقاع بالمسلمين إلا اهتبلوها واستغلوها حتى أن القرآن الكريم اختصهم بسورة من سوره ( سورة المنافقون ) ليلفت المؤمنين إلى شدة خطرهم على الجماعة المسلمة ، وبرز دورهم المثبط المتآمر بعد غزوة بدر في مواطن كثيرة من أخطرها : غزوة أحد – بنو النضير – غزوة الأحزاب – بنى المصطلق ( حادث الإفك ) – غزوة تبوك – مسجد الضرار .
- الأعراب :
الذين أحسوا بخطورة وجود دولة الإسلام القائمة على الحق والعدل مما يشكل تهديدا لسلطانهم القائم على السلب والنهب فقادوا الصراع ضد الإسلام في مواطن كثيرة منها : بعث الرجيع – بئر معونة – غزوة الأحزاب – غزوة حنين .
- القوى الخارجية :
متمثلة في الفرس والروم وقد أحست بخطورة الإسلام على سلطانهم القائم على العبودية لغير الله فقادوا المؤامرة ضد الإسلام في : غزوة مؤته – غزوة تبوك
- خطر مشركي مكة :
الذي ظل قائما حتى تم فتح مكة بعد أن قادوا المؤامرة ضد الإسلام في : غزوة بدر – أحد – الأحزاب – الحديبية .
الحلقة
العاشرة
الحلقة العاشرة
الدرس الأول :
سـورة العصر
|
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس عظمة سورة العصر .
-
أن يبين الدارس الأمة المسلمة حقيقتها ووظيفتها كما وضحت السورة .
في هذه السورة الصغيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام . وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة . إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار . وتصف الأمة المسلمة : حقيقتها ووظيفتها . في آية واحدة هي الآية الثالثة من السورة .. وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله .
والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي : إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار ، وامتداد الإنسان في جميع الأدهار ، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح ، وطريق واحد ناج . هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده ، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه . وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار ..
إنه الإيمان . والعمل الصالح . والتواصي بالحق . والتواصي بالصبر .. … فما الإيمان ؟
إن الإيمان هو أصل الحياة الكبير ، الذي ينبثق منه كل فرع من فروع الخير ، وتتعلق به كل ثمرة من ثماره .. وهو المحور الذي تشد إليه جميع خيوط الحياة الرفيعة.
والعمل الصالح وهو الثمرة الطبيعية للإيمان ، والحركة الذاتية التي تبدأ في ذات اللحظة التي تستقر فيها حقيقة الإيمان في القلب .. هذا هو الإيمان الإسلامي .. لا يمكن أن يظل خامدا لا يتحرك ، كامنا لا يتبدى في صورة حية خارج ذات المؤمن .. فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت .. ومن هنا قيمة الإيمان.
أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فتبرز من خلالها صورة الأمة المسلمة - أو الجماعة المسلمة.. فمن خلال لفظ التواصي ومعناه وطبيعته وحقيقته تبرز صورة الأمة - أو الجماعة - المتضامة المتضامنة . الأمة الخيرة . الواعية . القيمة في الأرض على الحق والعدل والخير .. وهي أعلى وأنصع صورة للأمة المختارة .. وهكذا يريد الإسلام أمة الإسلام.
والتواصي بالحق ضرورة . فالنهوض بالحق عسير . والمعوقات عن الحق كثيرة : هوى النفس ، ومنطق المصلحة ، وتصورات البيئة . وطغيان الطغاة .. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية ، والأخوة في العبء والأمانة . فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية ، إذ تتفاعل معا فتتضاعف .. وهذا الدين - وهو الحق - لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامنة.
والتواصي بالصبر كذلك ضرورة . فالقيام على الإيمان والعمل الصالح ، وحراسة الحق والعدل ، من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة . ولا بد من الصبر . لا بد من الصبر على جهاد النفس ، وجهاد الغير ، والصبر على الأذى والمشقة . والصبر على تبجح الباطل. والصبر على طول الطريق وبطء المراحل ، وانطماس المعالم ، وبعد النهاية ..والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة ، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف .. وتساند الجميع ، وتزودهم بالحب .. إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها ، ولا تبرز إلا من خلالها .. وإلا فهو الخسران والضياع .
وننظر اليوم من خلال هذا الدستور الذي يرسمه القرآن لحياة الفئة الرابحة الناجية من الخسران ، فيهولنا أن نرى الخسر يحيق بالبشرية في كل مكان على ظهر الأرض بلا استثناء . يهولنا هذا الضياع الذي تعانيه البشرية في الدنيا - قبل الآخرة -.
هذا والمسلمون .. هم أبعد أهل الأرض عن هذا الخير ، وأشدهم إعراضا عن المنهج الإلهي الذي اختاره الله لهم ، وعن الدستور الذي شرعه لأمتهم ، وعن الطريق الوحيد الذي رسمه للنجاة من الخسران والضياع . ذلك شأن الربح والخسر في هذه الأرض . وهو على عظمته إذا قيس بشأن الآخرة صغير . وهناك . هناك الربح الحق والخسر الحق . . هناك الربح والخسر : ربح الجنة والرضوان ، أو خسر الجنة والرضوان .
وهذه السورة حاسمة في تحديد الطريق .. إنه الخسر .. ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ).. طريق واحد لا يتعدد . طريق الإيمان والعمل الصالح وقيام الجماعة المسلمة ، التي تتواصى بالحق وتتواصى بالصبر . وتقوم متضامنة على حراسة الحق مزودة بزاد الصبر .
إنه طريق واحد . ومن ثم كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة "العصر" ثم يسلم أحدهما على الآخر .. لقد كانا يتعاهدان على هذا الدستور الإلهي ، يتعاهدان على الإيمان والصلاح ، ويتعاهدان على التواصي بالحق والتواصي بالصبر .
التقويم
-
بيّن عظمة سورة العصر .
-
الأمة المسلمة ماحقيقتها وما وظيفتها كما وضحت السورة .
-
ما الحكمة من التلازم بين ( الإيمان والعمل الصالح ) ، ( التواصى بالحق والتواصى بالصبر ) من خلال فهمك للسورة .
الدرس الثاني :
4- الصراع ضد الإسلام بعد عصر النبوة إلى العصر الحديث :
بعد انتصارات باهرة للإسلام في عهد النبوة والخلفاء الراشدين وصدر الدولة الأموية وانطلاق المسلمين في شرق العالم وغربه وتحرير شعوبه من العبودية لغير الله ودخول أهل هذه البلاد في الإسلام طواعية – ومعظمها مستعمرات رومانية سابقة – لما وجدوا في الإسلام من مساواة وحرية وعدل وتوازن وتوافق مع الفطرة وقيم إنسانية رفيعة بالإضافة لحسن معاملة الفاتحين لهم حتى عن لغاتهم وثقافتهم وذابت جميعها في حضارة الإسلام .. لمّا حدث ذلك اعتبرت الجاهلية الشرقية والغربية هذا خسارة كبيرة يستحق عليها الاسلام كل حقد وكراهية فجابهت الإسلام في أحداث كبرى عظيمة الدلالة عميقة الأثر على طريق الصراع بين الحق والباطل هي : - الحروب الصليبية :
لم تكن الحروب الصليبية كما يحب أن يصورها مزوروا التاريخ ناشئة عن مجرد أطماع اقتصادية في الشرق العربي (الأرض التي تفيض بالعسل واللبن) كما يحلوا لهم أن يسموها...
ولكن كانت حرب دينية في المقام الاول تهدف لضرب الإسلام ووقف انتشاره تحت راية الدين المسيحي وتحت شعار الصليب متخذة من دعوى اضطهاد الحجاج المسيحيين في أرض الإسلام وإنقاذ المدينة المقدسة حجة زائفة أو (حربا عادلة ) كما يحبون أن يسموها فقد كان السيف الذي يحمله الصليبي مباركا من الكنيسة باعتباره جنديا في جيش المسيح .
لقد بدأت أحداث الحركة الصليبية الفعلية في السابع والعشرين في شهر نوفمبر سنة 1095م بالخطبة التي ألقاه البابا (إربان الثاني) 1088 – 1099م . وكانت الدعوة التي وجهها بشن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين بزعم حماية الحجاج المسيحين للقدس من بطش المسلمين الذين صورتهم الدعاية الكنسية في صورة الكفار المتوحشين فيقول : ( لست أنا ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم قساوسة المسيح أن تسارعوا لإستئصال شأفة هذا الجنس الشرير من أرضنا ويقول أيضا : إنه سوف يتم غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك سواء في مسيرتهم على الأرض أو في خضم قتالهم ضد الوثنيين "المسلمين"....).
وعلى الرغم من الفشل النهائي الذي منيت به الحركة الصليبية إلا أنها تحولت بمرور الوقت تحت تأثير وسائل الإعلام الاستعمارية إلى مثال براق يوحي بالشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المثل الأعلى .
لقد كانت الحروب الصليبية سببا رئيسًا من أسباب تعطل قوى الإبداع والنمو في الحضارة العربية والإسلامية فبعد نهاية النضال ضد الصليبيين دخلت المنطقة العربية في منحنى التدهور والأفول الذي ابتدأ بتوقف النمو العلمي والحضاري في نهايات العهد العثماني ثم انتهى هذا التوقف الحضاري إلى نهايته المحتومة التي أدت إلى حالة الاستعمار والتبعية التي لا نزال نعانيها حتى اليوم إذ أن أحداً لا يمكن أن يتجاهل أن الحملات الصليبية ضد الشرق العربي الإسلامي كانت أول المشروعات الإستعمارية الأوربية التي سبقت مرحلة الاستعمار الحديث فضلا عن أنها كانت إلهاما للتجربة الصهيوينية ذات الأهداف الإستيطانية العنصرية المتمثلة في إقامة دولة إسرائيل .
- غزو التتار :
في أواخر القرن الثاني عشر انطلقت قبائل المغول البربرية بقيادة أحد زعماء قبائلها الذي أسمى نفسه باسم جنكيز خان لتعيث في الأرض فسادا .
يقول الشهيد سيد قطب : (( عندما ظهر الوثنيون التتار على المسلمين في بغداد وقعت المأساة الدامية التي سجلتها الروايات التاريخية والتي نكتفي فيها بمقتطفات سريعة من تاريخ "البداية والنهاية" لابن كثير فيما رواه من أحداث عام 656هـ : ( ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان ودخل كثير من الناس في الآبار ، وأماكن الحشوش ، وقنى الوسخ ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظهرون . وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار، خانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار، إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم، فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة – فإنا لله وإنا إليه راجعون – كذلك في المساجد والجوامع والربط. ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم [ذلك أن اليهود والنصار (من أهل الذمة ! كانوا ممن كاتب التتار لغزو عاصمة الخلافة والقضاء على الإسلام والمسلمين فيها، وممن دلوا على عورات المدينة ، وشاركوا مشاركة فعلية في هذه الكارثة واستقبلوا التتار الوثنين بالترحاب ، ليقضوا لهم على المسلمين الذين أعطوهم ذمتهم ووفروا لهم الأمن والحماية.]
"وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الواقعة، فقيل ثمانمائة ألف. وقيل : ألف ألف. وقيل: بلغت ألفي ألف نفس – فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
"ولما انقضى الأمر المقدر ، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحداً من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنها التلول ، وقد سقط عليهم المطر ، فتغيرت صورهم، وانثنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء ، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء على بلاد الشام ، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون .
هذه صورة من الواقع التاريخي ، حينما ظهر المشركون على المسلمين فلم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة. فهل كانت صورة تاريخية من الماضي البعيد الموغل في الظلمات ، اختص بها التتار من ذلك الزمان؟ (كما يزعم أبواق الأعداء من بني جلدتنا).
كلا ! إن الواقع التاريخي الحديث لا تختلف صوره عن هذه الصورة !
- سقوط الأندلس :
يقول الأستاذ الدكتور/عبد الحليم عويس في كتابه أربعون سبباً في سقوط الأندلس : (( مضت خمسمائة سنة ميلادية الآن (1492 – 1992) على سقوط غرناطة ، وعلى طرد المسلمين من سائر شبه جزيرة أسبانيا (الأندلس الإسلامية) ولم يلتفت المسلمون إلى معطيات هذا الدرس .. بل لم يقفوا عنده!!.
-
والدرس كله منذ فتح أسبانيا على يد المسلمين بربرا وعربا سنة 93هـ(710م) وحتى سقوط غرناطة آخر المعاقل الإسلامية سنة 897هـ (1492م) لم يدرس وفق سنن الله الكونية والاجتماعية في قيام الأمم وسقوطها – بل حوله العرب – بخاصة – والمسلمون – بعامة – إلى صفحة من المجد والازدهار يتغنون بأمجادها في كتب التاريخ المدرسي التي يغلب عليها الابتسار والتلفيق!!..
-
وكان من نتيجة هذا الضعف ظهور تلك العوامل العامة التي رصدها العلامة المؤرخ ابو عبد الله محمد جعفر الكناني في كتابه (نصيحة أهل الإسلام) فوقع اختلاف كلمة المسلمين فيما بينهم وتشيعوا أحزابا في داخل الأندلس المسلمة المحاطة بالأعداء، وأهملوا الاستعداد الحربي بل تركوا الجهاد كله وأصبحت المعارك بعيدة عن معاني الجهاد، فهي في الخارج معارك دولة لا دعوة، وهي في الداخل صراع على السلطة، أو معارك للاستعلاء العنصري . وقد اسندت الأمور إلى غير أهلها في شئون الدين والدنيا، ووضع أهل الولاء والثقة في المناصب بدلا من أهل الكفاية والأمانة، وقد وقعت الموالاة للكفار والمعاداة للمسلمين خضوعا للمصالح والأهواء، واتبعت عوائد الكفار وتقاليدهم وقوانينهم حذوك النعل بالنعل، وأصبح الحكام وبطانتهم وعمالهم جبابرة ظالمين فانهارت الشورى وانهارت العدالة، وكثر الاشتغال باللهو والطرب وتبديد الأموال وبناء القصور واصبح التجاهر بالمنكرات شائعا، كما خفت صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأصبح القرآن والسنة الشريفة غريبين عن أهل الأندلس ، فابن عذاري المراكشي يحكي لنا صورة من صور عصر الطوائف – أي على مشارف القرن الخامس الهجري وقبل أن تسقط الخلافة الأموية سقوطا رسميا – يذكر فيها أن أهل قرطبة بلغ من استخفاف بعضهم بالإسلام في الفتنة التي وقعت أيام ابن عبد الجبار – أن رجلا نصرانيا وقف في أعظم شوارع قرطبة فنال من النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ نابية ، فلم يكلمه أحد من المسلمين بكلمة، فقال رجل من المسلمين غيرة للنبي : ألا تنكرون ما تسمعون ؟ - أما أنتم مسملون !! فقال له جماعة من أهل قرطبة : امش لشغلك "
- وهكذا أثمرت الشجرة الخبيثة ثمارها المرة.. شجرة الانفلات من الإسلام ، والذهول عن سنن الله في بقاء الأمم .. وانتهت الأمور على غايتها فتداعت الأندلس منذ عصر الطوائف وسقوط طليطلة ، وحتى سقوط غرناطة التي بقيت هذه الفرق تقاوم السقوط بعظمة الإسلام وجهاد بقية من الصالحين حتى حقت كلمة ربك على الأندلس حقا وعدلا .. وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم .. ولله عاقبة الأمور . ))
الحلقة
الحادية
عشر
الحلقة الحادية عشر
الدرس الأول :
سـورة الهمزة
|
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يصف الدارس هذا النمط من الناس الذى بينته السورة .
-
أن يوضح الدارس مصير هذا النمط من الناس .
تعكس هذه السورة صورة من الصور الواقعية في حياة الدعوة في عهدها الأول . وهي في الوقت ذاته نموذج يتكرر في كل بيئة .. صورة اللئيم الصغير النفس ، الذي يؤتى المال فتسيطر نفسه به ، حتى ما يطيق نفسه ! ويروح يشعر أن المال هو القيمة العليا في الحياة . القيمة التي تهون أمامها جميع القيم وجميع الأقدار : أقدار الناس . وأقدار المعاني . وأقدار الحقائق . وأنه وقد ملك المال فقد ملك كرامات الناس وأقدارهم بلا حساب !
كما يروح يحسب أن هذا المال إله قادر على كل شيء ؛ لا يعجز عن فعل شيء ! حتى دفع الموت وتخليد الحياة . ودفع قضاء الله وحسابه وجزائه إن كان هناك في نظره حساب وجزاء !
ومن ثم ينطلق بهوس بهذا المال يعده ويستلذ تعداده ؛ وتنطلق في كيانه نفخة فاجرة ، تدفعه إلى الاستهانة بأقدار الناس وكراماتهم . ولمزهم وهمزهم .. يعيبهم بلسانه ويسخر منهم بحركاته . سواء بحكاية حركاتهم وأصواتهم ، أو بتحقير صفاتهم وسماتهم .. بالقول والإشارة . بالغمز واللمز . بالفتة الساخرة والحركة الهازئة !
وهي صورة لئيمة حقيرة من صور النفس البشرية حين تخلو من المروءة وتعرى من الإيمان . والإسلام يكره هذه الصورة الهابطة من صور النفوس بحكم ترفعه الأخلاقي . وقد نهى عن السخرية واللمز والعيب في مواضع شتى . إلا أن ذكرها هنا بهذا التشنيع والتقبيح مع الوعيد والتهديد ، يوحي بأنه كان يواجه حالة واقعية من بعض المشركين تجاه رسول الله وتجاه المؤمنين .. فجاء الرد عليها في صورة الردع الشديد ، والتهديد الرعيب . وقد وردت روايات بتعيين بعض الشخصيات . ولكنها ليست وثيقة . فنكتفي نحن بما قررناه عنها ... والتهديد يجيء في صورة مشهد من مشاهد القيامة يمثل صورة للعذاب مادية ونفسية ، وصورة للنار حسية ومعنوية . وقد لوحظ فيها التقابل بين الجرم وطريقة الجزاء وجو العقاب . فصورة الهمزة اللمزة ، الذي يدأب على الهزء بالناس وعلى لمزهم في أنفسهم وأعراضهم ، وهو يجمع المال فيظنه كفيلا بالخلود ! صورة هذا المتعالي الساخر المستقوي بالمال ، تقابلها صورة "المنبوذ" المهمل المتردي في ( الحطمة ) التي تحطم كل ما يلقى إليها ، فتحطم كيانه وكبرياءه . وهي ( نار الله الموقدة ) وإضافتها لله وتخصيصها هكذا يوحي بأنها نار فذة ، غير معهودة ، ويخلع عليها رهبة مفزعة رعيبة . وهي ( تطلع ) على فؤاده الذي ينبعث منه الهمز واللمز ، وتكمن فيه السخرية والكبرياء والغرور .. وتكملة لصورة المحطم المنبوذ المهمل .. هذه النار مغلقة عليه ، لا ينقذه منها أحد ، ولا يسأل عنه فيها أحد ! وهو موثق فيها إلى عمود كما توثق البهائم بلا احترام ! وفي جرس الألفاظ تشديد : ( عدده . كلا . لينبذن . تطلع . ممددة ) وفي معاني العبارات توكيد بشتى أساليب التوكيد : ( لينبذن في الحطمة . وما أدراك ما الحطمة ؟ نار الله الموقدة .. ) فهذا الإجمال والإبهام . ثم سؤال الاستهوال . ثم الإجابة والبيان .. كلها من أساليب التوكيد والتضخيم .. وفي التعبير تهديد ( ويل . لينبذن . الحطمة ... نار الله الموقدة . التي تطلع على الأفئدة . إنها عليهم مؤصدة . في عمد ممددة ) ..
لقد كان القرآن يتابع أحداث الدعوة ويقودها في الوقت ذاته . وكان هو السلاح البتار الصاعق الذي يدمر كيد الكائدين ، ويزلزل قلوب الأعداء ويثبت أرواح المؤمنين .
وإنا لنرى في عناية الله سبحانه بالرد على هذه الصورة معنيين كبيرين :
الأول : تقبيح الهبوط الأخلاقي وتبشيع هذه الصورة الهابطة من النفوس .
والثاني : المنافحة عن المؤمنين وحفظ نفوسهم من أن تتسرب إليها مهانة الإهانة ، وإشعارهم بأن الله يرى ما يقع لهم ، ويكرهه ، ويعاقب عليه .. وفي هذا كفاية لرفع أرواحهم واستعلائها على الكيد اللئيم ...
التقويم
-
صف هذا النمط من الناس الذى بينته السورة .
-
وضح مصير هذا النمط من الناس .
الدرس الثاني :
- الصراع ضد الإسلام في العصر الحديث :
واستمراراً لمسلسل هذا الصراع ومع وجود نفس الأعداء ( الشيطان واليهود والمنافقون … ) . ومن رحم الافكار العنصرية الحاقدة خرجت مبادىء وأفكار معادية للإسلام ( كالصهيونية والماسونية والروتارى والليونز ... ) ، وولدت فرق هدامة للإسلام ( كالبابية والبهائية والقاديانية … ) ، وفى كنف الحروب الصليبية المشوهة ترعرعت ( العلمانية والاستشراق والتغريب … ) . وإن تنوعت أساليب المؤامرة وصورها و ازدادت شراسة المؤامرة واتسعت مجالاتها وتطورت أساليبها وفاقت كل أساليب الصراع ضد الإسلام في جميع العصور السابقة خبثا وتعقيدا وخفاءً وتطوراً كشأن كل شيء في هذا العصر . وإن اختلفت تلك المسميات ، وتعددت تلك الفرق ، إلا أنها يجمعها شأن واحد ، هو المعاداة للإسلام والسعى للقضاء عليه وتشويه صورته بشتى الأساليب والهيمنة على مقدّرات المسلمين وإذلالهم ، قال تعالى : ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) [ البقرة 217 ] . وقال سبحانه وتعالى : ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر .. ) [ آل عمران 118 ] . وقال سبحانه وتعالى أيضاً : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) [ البقرة 112 ] .
ودار الصراع في خمسةمجالات رئيسية وهي :
الصراع
|
|
|
|
|
|
|
العسكري |
السياسي |
الاقتصادي |
الأخلاقي |
الفكري |
أخبثها وأعمقها أثراً ( الصراع الفكري )
وأظهرها وأعلاها صوتا ( الصراع العسكري )
وبينهما تدور رحا حرب ضروس ( أخلاقيا واقتصاديا وسياسيا )
( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سورة يوسف من الآية 21
أولا : الصراع الفكري .
نقطة تحول كبرى في تاريخ الصراع :
فبعد أن قهر المسلمون أشرس ا لغزاة وأخطر التحديات العسكرية من :
الصليبيين الحاقدين بعد صراع استمر قرابة مأتي عام (489 حتى 690هـ) أو (1096 حتى 1291م)
والتتار الذين كسر المسلمين شوكتهم في (عين جالوت ثم هداهم الله للإسلام فأصبحوا قوة ضاربة مدافعة عن الإسلام والمسلمين في وسط آسيا وشرقها [ووجود الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثا عن روسيا وتركستان الشرقية المسلمة في الصين دليل على جهودهم] وحيث أن المواجهة السافرة مع المسلمين في الميدان العسكري لم تفت في عضد الإسلام والمسلمين حيث كانت صيحة ( وا إسلاماه ) تجد الاستجابة في كل الديار في العالم الإسلامي فكر قادة الغرب الصليبي فـي نقل الصراع مع المسلمين من ميدان الحديد والنار إلى ميدان الفكر [ نسب هذا القول إلى لويس التاسع ملك فرنسا قائد الحملة الصليبية السابعة والأخيرة بعد أسره في دار ابن لقمان بالمنصورة ]
فبدأت الدوامة الخبيثة : الاستشراق – التبشير (التنصير) – الاستعمار – التغريب – التبعية – العولمة ......)
بهدف إبعاد المسلم عن دينه نهائيا وزعزعة العقيدة في نفسه وتنحية سلطان الدين عن المجتمع وتشرذم الأمة كلها ليمكن التغلب عليها بتجزئتها وأكلها قطعة قطعة بسهولة وهذا ما نجني ثماره المرة الآن !!
وكان لهذا الصراع أهدافاً متعددة واتخذ فى سبيل تحقيقها وسائل متنوعة نكتفى هنا بالإشارة إليها إجمالاً :
-
أخطر وسائله
أهداف الصراع الفكرى
-
التعليم
-
الإعلام (الصحافة والمجلات والإذاعة والتليفزيون ..)
-
الفنون والثقافة ( الكتاب – السينما )
-
الإستشراق والتبشير .
تشويه الإسلام
تزوير التاريخ
تزوير الواقع
القضاء على وحدة الأمة الفكرية والثقافية
-
ثانيا : الصراع الأخلاقي .
قام الصراع الأخلاقي بين الإسلام والغرب على أساس من تشويه الإسلام وحضارته - التي سعدت بها الدنيا قرابة ألف عام – وإلصاق كل نقيصة بها وسلب كل ميزة فيها وفي المقابل تعظيم حضارة الغرب المادية ومحاولة فرض عاداته وتعاليمه على عالمنا الإسلامي تلك الحضارة التي سخرت كل شئ في كل سبيل المتع والشهوات على حساب القيم الروحية والأخلاقية وأسوأ ما في هذه الحضارة اللا أخلاقية هو ازدواج المعايير والكيل بمكيالين ، يبدو هذا بوضوح عند مقارنة تعامل الغرب مع قضاياه وقضايا العالم الإسلامي أو العالم الثالث .
-
فمثلا نجد الغرب يقيم الدنيا ولا يقعدها على هدم أصنام أفغانستان ولا يعبأ بقصف 800 أثر إسلامي في البوسنة وما يفعله (حراس الهيكل) من جمع تبرعات (بابري) ولا يعبأ بموت 400 طفل يوميا من البرد في أفغانستان ولا تبديدها طوال عشرين عاما من الحروب وزرعها بالمخدرات ثم يولول على أصنام أفغانستان!! (في حين نجد العالم الفارغ أصبح مهموماً بكل مشاكل انقراض وحيد القرن وحيوان (اللاما) والفيل الأبيض ودب (الباندا) وتجمد المياه حول الحيتان.... )
-
هذه الحضارة الطامعة التي أخمدت في الشعوب نيران حربين عالميتين حركتهما الأطماع غير المشروعة في بلدان الآخرين ، وهي حضارة لها معطيات تتناقض مع القيم الخلقية في كل دين ، كالربا وإباحة شرب الخمر وإباحة الزنا والشذوذ بنصوص القوانين أو بالأعراف هذه الحضارة المريضة تريد أن تهيمن بقيمها (وأخلاقها) علىالعالم خصوصا الإسلامي .
- من صور الصراع الأخلاقي :
- إشاعة مناخ من الإثارة الغريزية : لشغل الشباب واستنفاد طاقته وتصريف انفعالاته وهمته بعيداً عن أي قضايا جادة ليبقى خارج الصراع على أقل تقدير من خلال [ التليفزيون والمسرح والصحافة والمجلات … ]
- تشجيع الاختلاط الغير منضبط : وترسيخه في عقول ووجدان الشباب والبنات وكأنه حق مكتسب لابد أن يغتنموا نصيبهم فيه
- هدم مقومات الشخصية القوية في الشباب بإشاعة قيم : انعدام الطموحات – السلبية – الخوف – الأنانية – السطحية – الهزلية – عدم الانتماء - ...
- إشاعة روح اليأس والإحباط .. من خلال :
-
إبراز رموز فنية ورياضية تافهة - على أقل تقدير – لتكون قدوات للشباب .
-
حرمان الشباب من الممارسة السياسية الجادة لأي دور حقيقي إلا إذا كان مؤيدًا مرضيًا عنه في رسالة مؤداها ( قولوا ما تشاءون وسنفعل نحن ما نشاء ) .
ثالثا : الصراع الاقتصادي .
هدفه : السيطرة على المقدرات الاقتصادية للعالم الإسلامى بكل صورها الأولية والصناعية والحيوانية والزراعية و... حتى المياه العذبة، بحيث يظل العالم الإسلامي في حاجة على الغرب لتوفير حاجاته المادية ليعيش بالتالي في ذلة وعجز من أن يقوم بأمر نفسه في هذه الضروريات الحياتية ، فضلا عن السلاح الذي يقاوم به عدواً معتديا . بحيث يسهل فرض القرار السياسي عليه والتحكم في إرادة الأمة بأسرها بعد ذلك .
إن سياسية الغرب هي أن تمنع العالم الإسلامي بكل الوسائل الظاهر منها والخفي من أن ينتج ما يكفيه أو يجعله غير محتاج للغرب ويبقى فقط سوقا كبيرا للإنتاج الغربي .
رابعا : الصراع السياسي .
ويهدف إلى منع قيام أي نظام حكم يتخذ من الإسلام منهجا ومن شريعته قانونا ويحاربونه – لو قام – بكل ما أوتوا من قوة من ممارسة الحكمة بالإسلام في ظل ظروف عادية، حتى لا تتاح للنظام الإسلامي فرصة النجاح في أي مكان .
ومن وسائلهم في ذلك :
أ- إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين .
وتصوير الإسلام على أنه الخطر الأكبر الداهم الذي يهدد الغرب وحضارته، ويوشك أن يقتلح الاستقرار والأمن من العالم كله ، والملحظ الهام الجدير بالتأمل أن هذه التهمة للإسلام توظف حيث يريد الغرب أن يحقق مصالحه ومصالح إسرائيل .
ب- التعاون الوثيق بين الصليبيين الجدد والصهيوينة لضرب الإسلام والمسلمين ، إذ المعروف بين الناس أن الصليبيين واليهود بينهم عداوت تقليدية قديمة، وكثيرا ما اصطدموا ، غير أنهم دائما يتحالفون ويتعاونون ويتقاربون كلما كان العدو المشترك بينهم هو الإسلام والمسلمون . إن تاريخنا وتاريخهم شاهد صدق على ذلك في عديد من المواقف في التاريخ القديم والوسيط والحديث. وأوضح ما يكون هذا التعاون بين اليهود والصليبيين ما هو واقع اليوم من إنشاء إسرائيل في فلسطين ، ومدها بالمال والسلاح المطور والخبراء ، ويشير إلى هذا التعاون ما جاء في لقاء (رابين وكلينتون) في (واشنطون) بأن إسرائيل سوف تقوم بالنيابة عن الغرب – كأن الغرب بعيدا عن المنطقة العربية بنفوذه وقواعده العسكرية – بصد تيار الأصولية الإسلامية عن العالم كله بوصفها هجمة بربرية جائحة لو تركت لقضت على العالم كله. وذلك نوع من البحث لإسرائيل عن وظيفة بديلة عن وظيفتها السابقة التي كانت تدعيها دول الغرب وهي صد تيار الشيوعية يوم كانت هناك شيوعية .
ج- العمل على تجفيف منابع العمل الإسلامي
والمقصود بالمنابع كل ماله علاقة بتنمية الوعي أو الحركة أو الصحوة أو التمسك بمنهج الإسلام في الحياة مثل المدارس الإسلامية ، الجمعيات الخيرية، والمستوصفات الخدمية، وخطباء المساجد المؤثرين، الكتاتيب الإسلامية.. وغيرها فهم يحاولون القضاء على هذه المنابع تحت شعاراتهم المملة مثل : الأصولية الإسلامية ، والتطرف الإسلامي ، والإرهاب الإسلامي ، وأكثرهم يعلم أن الإسلام لا يمكن أن يوصف بهذه الأوصاف ، وكل ذلك حتى لا يؤدي العمل للإسلام في يوم من الأيام لقيام حكم إسلامي .
خامسا : الصراع العسكري .
لقد هان دم المسلم وعرضه في شتى بقاع الأرض ، فهناك تصفية جسدية للمسلمين أفراد وجماعات وهناك مصادرة للثروة وتطبيق سياسة الحصار والإفقار والحرمان ، وهناك هدم المساجد وإغلاق الكتاتيب ومنع التعليم الدينى وهناك الصلب على جذوع الأشجار وإشعال النار في الكبار والصغار وحرق قرى وأحياء كاملة بما فيها من الإنسان والحيوان كما يحدث في الهند إلى اليوم حتى هذه اللحظة . وما يحدث فى الفلبين وكشمير والشيشان وفلسطين من إبادة للمسلمين أمام كل ذى عينين .
وفي العصر الحالي يتخذ الصراع العسكري شكلا آخر
* اصطناع الخلافات والحروب بين البلدان الإسلامية واتهام بعضها بالإرهاب لضربها عسكريا وتلك خطة قديمة في الحروب الصليبة ، وإلى أن تحالفوا حديثا مع اليهود وعملوا على إسقاط دولة الخلافة في تركيا ، ثم تعاونوا على إنشاء إسرائيل على أرض فلسطين ، ولا يزالون يصطنعون هذه الخلافات وتلك الحروب ويرددون تهم الإرهاب.
وهم يحققون من وراء ذلك أرباحا ومكاسب نشير إلى بعضها فيما يلي :
أولا : تفريق كلمة المسلمين وإضعاف شوكتهم .
ثانيا : تشويه صورة الإسلام والمسلمين الذين يتعادون لأتفه الأسباب .
ثالثا : تسويق أسلحتهم بأموالنا والمضى في تطويرها والسيطرة على اقتصادنا .
رابعا: التمكين لمخاططاتهم المعادية في بلدان العالم الإسلامي بأيدينا وبأموالنا!!
الحلقة
الثانية
عشر
الحلقة الثانية عشر
الدرس الأول :
سـورة الفيل
|
أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس سبب نزول هذه السورة .
-
أن يوضح الدارس دلالات هذه القصة .
تشير هذه السورة إلى حادث مستفيض الشهرة في حياة الجزيرة العربية قبل البعثة ، عظيم الدلالة على رعاية الله لهذه البقعة المقدسة التي اختارها الله لتكون ملتقى نور الأخير ، ومحضن العقيدة الجديدة ، والنقطة التي تبدأ منها زحفها المقدس لمطاردة الجاهلية في أرجاء الأرض ، وإقرار الهدى والحق والخير فيها .
وجملة ما تشير إليها الروايات المتعددة عن هذا الحادث ، أن الحاكم الحبشي لليمن وتسميه الروايات : "أبرهة " ، كان قد بنى كنيسة في اليمن .. على نية أن يصرف بها العرب عن البيت الحرام في مكة .. ولكن العرب لم ينصرفوا عن بيتهم المقدس .. عندئذ صح عزم "أبرهة " على هدم الكعبة ليصرف الناس عنها ؛ وقاد جيشا جرارا تصاحبه الفيلة ، وفي مقدمتها فيل عظيم ذو شهرة خاصة عندهم .. فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها ، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا . ثم كان ما أراده الله من إهلاك الجيش وقائده ، فأرسل عليهم جماعات من الطير تحصبهم بحجارة من طين وحجر ، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة . كما يحكي عنهم القرآن الكريم.
( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ؟ ) .. وهو سؤال للتعجيب من الحادث ، والتنبيه إلى دلالته العظيمة . فالحادث كان معروفا للعرب ومشهورا عندهم ، حتى لقد جعلوه مبدأ تاريخ .. والمشهور أن مولد رسول الله كان في عام الفيل ذاته . ولعل ذلك من بدائع الموافقات الإلهية المقدرة . ثم أكمل القصة بعد هذا المطلع في صورة الاستفهام التقريري كذلك :
( ألم يجعل كيدهم في تضليل ؟ ) .. أي ألم يضل مكرهم فلا يبلغ هدفه وغايته ، شأن من يضل الطريق فلا يصل إلى ما يبتغيه .. ولعله كان بهذا يذكر قريشا بنعمته عليهم في حماية هذا البيت وصيانته .. لعلهم بهذه الذكرى يستحون من جحود الله الذي تقدمت يده عليهم في ضعفهم وعجزهم .. فقد حطم الله الأقوياء حينما شاءوا الاعتداء على بيته وحرمته ؛ فلعله يحطم الأقوياء الذين يقفون لرسوله ودعوته . فأما كيف جعل كيدهم في تضليل فقد بينه في صورة وصفية رائعة : ( وأرسل عليهم طيرا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل . فجعلهم كعصف مأكول ) .. والأبابيل : الجماعات . وسجيل كلمة فارسية مركبة من كلمتين تفيدان : حجر وطين . أو حجارة ملوثة بالطين . والعصف : الجاف من ورق الشجر . ووصفه بأنه مأكول : أي فتيت طحين ! حين تأكله الحشرات وتمزقه ، أو حين يأكله الحيوان فيمضغه ويطحنه ! وهي صورة حسية للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير .
فأما دلالة هذا الحادث والعبر المستفادة من التذكير به فكثيرة :
وأول ما توحي به بأن الله - سبحانه - لم يرد أن يكل حماية بيته إلى المشركين .. وتدخلت القدرة سافرة لتدفع عن بيت الله الحرام ، حتى لا تكون للمشركين يد على بيته ولا سابقة في حمايته ، بحميتهم الجاهلية .
كذلك توحي دلالة هذا الحادث بأن الله لم يقدر لأهل الكتاب - أبرهة وجنوده - أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة . حتى والشرك يدنسه ، والمشركون هم سدنته . ليبقي هذا البيت عتيقا من سلطان المتسلطين ، مصونا من كيد الكائدين . وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة ، لا يهيمن عليها سلطان ، ولا يطغى فيها طاغية ، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد ، ويقود البشرية ولا يقاد .. ونحن نستبشر بإيحاء هذه الدلالة اليوم ونطمئن .. فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب وسدنته مشركون ، سيحفظه إن شاء الله ، ويحفظ مدينة رسوله من كيد الكائدين ومكر الماكرين .
والإيحاء الثالث هو أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض . بل لم يكن لهم كيان . قبل الإسلام .. وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخ العرب أصبح لهم دور عالمي يؤدونه .. ولكن الذي هيأ للعرب هذا لأول مرة في تاريخهم هو أنهم نسوا أنهم عرب ! نسوا نعرة الجنس ، وعصبية العنصر ، وذكروا أنهم مسلمون .. ورفعوا راية الإسلام ، وراية الإسلام وحدها .. وخرجوا من أرضهم جهادا في سبيل الله وحده .. عندئذ فقط كان للعرب وجود ، وكانت لهم قوة ، وكانت لهم قيادة .. ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله . وقد ظلت لهم قوتهم . وظلت لهم قيادتهم ما استقاموا على الطريقة . حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم ، وتركوا راية الله ليرفعوا راية العصبية نبذتهم الأرض وداستهم الأمم ، لأن الله قد تركهم حيثما تركوه ، ونسيهم مثلما نسوه .. وهذا ما يجب أن يذكره العرب جيدا إذا هم أرادوا الحياة ، وأرادوا القوة ، وأرادوا القيادة .. والله الهادي من الضلال ..
التقويم
-
أذكر سبب نزول هذه السورة .
-
وضح دلالات هذه القصة .
الدرس الثاني :
* قضية فلسطين :
هى القضية المحورية للصراع فى هذا العصر الذى نعيش فيه ، وهى قضية المسلمين جميعاً ، أرض المسلمين ( فلسطين ) ومقدسات المسلمين ( المسجد القصى ) أول القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعيث فيها اليهود أعداء الإنسانية فساداً وخراباً ودماراً وتدنيساً ، ولهذه القضية تاريخ طويل مرير نعرج عليه سريعاً :
تبنت بريطانيا المشروع الصهيوني فأصدرت في نوفمبر 1917 وعد بلفور لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وتمكنت من إتمام إحتلالها لفلسطين في سبتمبر 1918 وتنكرت لوعودها للعرب – أثناء الحرب العالمية الأولى – بالحرية والاستقلال وقسمت دوائر النفوذ في بلاد الشام والعراق بينها وبين فرنسا وفق اتفاقيات سيكس بيكو مايو 1916 التي خططت لجعل فلسطين منطقة دولية ثم إن بريطانيا إستأثرت بفلسطين وفق اتفقيات سان ريموه أبريل 1920 وتمكنت من إدماج وعد بلفور في صك إنتدابها على فلسطين الذي قررته عصبة الأمم في يوليو 1922.
فتحت بريطانيا خلال احتلالها لفلسطين 1918 حتى 1948 الأبواب للهجرة اليهودية فتضاعف عدد اليهود من 55ألف سنة 1918 إلى 646 ألفًا سنة 1948 أي من 8% من السكان إلى 31% كما دعمت تملك الأراضي فتزايدت ملكية اليهود للأرض من 2% إلى 6.7% من أرض فلسطين، تسربت إلى اليهود في الغالب من الحكم البريطاني أو من أيدٍ غير فلسطينية، وتمكن شعب فلسطين رغم قسوة الظروف والمعاناة من الصمود في أرضه طوال ثلاثين عامًا محتفظا بأغلبية السكان 69% وبمعظم الأرض 93.3% وقد تمكن اليهود تحت حماية الحراب البريطانية من بناء مؤسساتهم الاقتصادية والسياسية والتعليمية والعسكرية والاجتماعية وفي سنة 1948م كانوا قد أسسوا 292 مستوطنة ، وكونوا قوات عسكرية من الهاجاناه والأرجون واشتيرن يزيد عددها عن 70ألف مقاتل واستعدوا لإعلان دولتهم .
رغم أن المؤامرة على فلسطين كانت أكبر بكثير من إمكانات الشعب الفلسطين إلا أنه رفض الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني وطالب بالاستقلال وقامت التيارات الوطنية والإسلامية بزعامة الشيخ أمين الحسيني بالتعبئة الشعبية والثورات العارمة ، فكانت ثورات القدس 1920 ويافا 1921 والبراق 1929 و أكتوبر 1933 وحركة الجهاد بقيادة الشيخ عز الدين القسام ومنظمة الجهاد المقدس ...
وتحت ضغط الثورة الكبرى 1936 – 1939 اضطرت بريطانيا في مايو 1939 - بسبب بدء الحرب العالمية الثانية وحاجتها لمساعدات العرب في الحرب - أن تتعهد بقيام الدولة الفلسطينية خلال عشر سنوات ، وأن توقف بيع الأرض لليهود بعد خمس سنوات ولكنها تنكرت لالتزاماتها في نهاية 1945 – عند انتهاء الحرب العالمية الثانية - وعادت الحياة للمشروع الصهيوني من جديد ولكن برعاية أمريكية .
في 29 نوفمبر 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية (نحو 54% للدولة اليهودية، و45% للدولة العربية ، و1% منطقة دولية "منطقة القدس"). وقرارات الجمعية العامة ليست قرارات ملزمة حتى ضمن مواثيق الأمم المتحدة نفسها . والقرار نفسه مخالف للأساس الذي قامت عليه الأمم المتحدة ، وهو حق الشعوب في الحرية وتقرير مصيرها بنفسها . ثم إن الشعب الفلسطينى المعني أساسًا بالأمر لم تتم استشارته ولا استفتائه . فضلا عن الظلم الفادح في إعطاء الأقلية اليهودية الدخيلة المهاجرة الجزء الأكبر والأفضل من الأرض .
إعلان قيام الدولة الغاصبة :
أعلن الصهاينة دولتهم "إسرائيل" في مساء يوم 14 مايو 1948 وتمكنوا من هزيمة الجيوش العربية التي مثلت نموذجا لسوء القيادة وضعف التنسيق وقلة الخبرة ، ووقوع عدد منها تحت النفوذ الاستعماري، واستولى الصهاينة على نحو 77% من أرض فلسطين، وشردوا بالقوة 800 ألف فلسطيني خارج المنطقة التي أقاموا عليهاكيانهم من أصل 925 ألفا كانوا يسكنون في هذه المنطقة ، ودمروا 478 قرية فلسطينية من أصل 585 قرية كانت قائمة في المنطقة المحتلة، وارتكبوا 34 مجزرة. اما بالنسبة لما تبقى من فلسطين فقد قامت الأردن بضم الضفة الغربية رسميًا إليها"5878 كم2" تحت إدارتها وقد وافقت الأم المتحدة على دخول الكيان الصهيوني "إسرائيل" في عضوية الأمم المتحدة بشرط السماح بعودة اللاجئين الفلسطينين إلى أرضهم، وهو مالم يفعله الكيان الصهيوني مطلقًا.
سادت شعارات "قومية المعركة" و"الوحدة طريق التحرير" فى الفترة بين (1948 – 1967) غير أن الأنظمة العربية افتقدت المنهجية الصحيحة والجدية والإرادة الحقيقة للقتال ، وتبنت المقاومة الفلسطينية لأسباب تكتيكية مرحلية ، وليس ضمن خطة استراتيجية شاملة ، وانشغلت بدغدغة عواطف الجماهير بدلاً من إعدادها للمعركة ، بينما كان الكيان الصهيوني "الغض" يشتد ويزداد قوة ورسوخا .
حتى كانت حرب يونيو 1967 هزيمة مرة للأنظمة العربية ففي بضعة أيام ضاع باقي فلسطين فسقطت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وتم تشريد 330ألف فلسطيني كما سقطت الجولان السورية (1150كم2) وسيناء المصرية (61198 كم2) وجنوب لبنان ومزارع شبعا .
وواصل الكيان الصهيوني تهويد أرض فلسطين بشكل حثيث وسعى لاجتثاث هويتها الإسلامية وقد صادر حوالي 97% من الأرض التي احتلها سنة 1948م ومعظم الأوقاف الإسلامية والكثير من الأراضي التي بقي فيها العرب هناك وبنى الصهاينة 756 مستوطنة في الأرض المحتلة سنة 1948م ، وفتحوا أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين فهاجر إليها أكثر من مليونين وثمانمائة ألف يهودي خلال الفترة من 1949 حتى 2000 ليبلغ العدد الكلي لليهود حوالي 5ملايين في فلسطين . وتستكمل حلقات الكيد والمؤامرة مروراً بمؤامرات السلام المزعوم مروراً بأوسلوا وشرم الشيخ حتى مجازر جنين ونابلس واحتلال مدن الضفة الغربية جميعها والحصار والتجويع والتشريد والإبادة وطرد عائلات الاستشهاديين ومحاولات تفريغ الضفة الغربية وضرب غزة بالطائرات الأمريكية واغتيال قيادات المقاومة الإسلامية من حماس والجهاد وغيرهم ، كل ذلك فى يتم فى ظل صمت عربى وتخاذل دولى ( والله من ورائهم محيط ) .
ركز الصهيانية علىتهويد مدينة القدس وملئها بالمهاجرين اليهود 450 ألف يهودي مقابل 200ألف فلسطيني وأعلنوا أن القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني وصادروا الحائط الغربي للمسجد الأقصى (حائط البراق) ودمروا حي المغاربة المجاور له وصادروا أرضه، وحفروا أربعة أنفاق بشكل يهدد بإنهيار المسجد في أي لحظة وتشكل نحو 25 تنظيم إرهابي يهودي يهدف إلى تدمير الأقصى وإقامة الهيكل اليهودي مكانه .
فهل يفلحون ؟ نعوذ بالله من أن يكون ذلك ..
وأخيرًا..
إن الإسلام لا يزال يقاتل (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) إن الواقع يشهد أن المعركة لا زالت دائرة وأنها تشتد ضراوتها مع الأيام حتى يأذن الله بالنصر المبين (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ يوسف 21 ].
5- ما دورنا تجاه تلك المؤامرات ؟
تجرى حلقات نقاشية وورش عمل حول : مجالات الصراع ( المؤامرة ) فى العصر الحديث [ الأهداف والوسائل فى كل مجال ودور كل منا تجاه هذه المؤامرات ] ثم نخرج بواجبات عملية عن دورنا تجاه المؤامرات .
- ويمكن التواصى بعمل بحوث عن ( أحد الفرق المعادية للإسلام - الحروب الصليبية – غزو التتار لبلاد المسلمين ) - أو قراءة كتاب - أو مشاهدة شريط فيديو أو cd عن مذابح أو مآسى المسلمين فى فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها ، ثم المناقشة سوياً حول ( ما دورنا – وكيف ننصرهم عملياً ) .
التقويم
-
وضح جذور الصراع ( المؤامرة ضد الإسلام ) .
-
اكتب الآيات التى توضح عداء الشيطان للإنسانية منذ خلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة .
-
أذكر بعض الآيات التى تدل على الصراع بين رسل الله والمكذبين من أقوامهم .
-
وضح صور المؤامرة ( الصراع ) ضد الإسلام فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم .
-
وضح صور المؤامرة ( الصراع ) ضد الإسلام بعد عهد النبوة إلى العصر الحديث .
-
حدد صور الصراع فى العصر الحديث . ثم وضح ( أهداف ووسائل )كل صورة من هذه الصور .
-
( وفي العصر الحالي يتخذ الصراع العسكري شكلا آخر ) وضح ذلك .
-
اكتب نبذة مختصرة عن تاريخ القضية الفلسطينية – موضحاً بعدها الدور المطلوب منك تجاه هذه القضية .
-
وضح الدور المطلوب منك تجاه هذا الصراع ( الفكرى – الأخلاقى – الاقتصادى – السياسى – العسكرى ) .
الحلقة
الثالثة
عشر
الحلقة الثالثة عشر
الدرس الأول :
سـورة قريش
|
لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس المنن التى يذكر الله بها قريش من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم .
-
أن يعدد الدارس بعض منن الله عليه وفضله .
-
أن يبين الدارس الواجب عليه تجاه هذه المنن وهذا الفضل .
استجاب الله دعوة خليله إبراهيم .. فجعل هذا البيت آمنا .. وجعل من يأوي إليه آمنا والمخافة من حوله في كل مكان .. حتى حين انحرف الناس وأشركوا بربهم وعبدوا معه الأصنام .. لأمر يريده سبحانه بهذا البيت الحرام . ولما توجه أصحاب الفيل لهدمه كان من أمرهم ما كان.. وحفظ الله للبيت أمنه ، وصان حرمته .. وقد كان لحادث الفيل أثر مضاعف في زيادة حرمة البيت عند العرب في جميع أنحاء الجزيرة ، وزيادة مكانة أهله وسدنته من قريش ، مما ساعدهم على أن يسيروا في الأرض آمنين .. وشجعهم على إنشاء خطين عظيمين من خطوط التجارة - عن طريق القوافل - إلى اليمن في الجنوب ، وإلى الشام في الشمال . وإلى تنظيم رحلتين تجاريتين ضخمتين : إحداهما إلى اليمن في الشتاء ، والثانية إلى الشام في الصيف .
.. وألفت نفوسهم هاتين الرحلتين الآمنتين الرابحتين ، فصارتا لهم عادة وإلفا . هذه هي المنة التي يذكرهم الله بها - بعد البعثة - .. منة إيلافهم رحلتي الشتاء والصيف ، ومنة الرزق الذي أفاضه عليهم بهاتين الرحلتين .. ومنة أمنهم الخوف . سواء في عقر دارهم بجوار بيت الله ، أم في أسفارهم وترحالهم في رعاية حرمة البيت التي فرضها الله وحرسها من كل اعتداء .. يذكرهم بهذه المنن ليستحيوا مما هم فيه من عبادة غير الله معه ؛ وهو رب هذا البيت الذي يعيشون في جواره آمنين طاعمين ؛ ويسيرون باسمه مرعيين ويعودون سالمين ..
يقول لهم : من أجل إيلاف قريش : رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي كفل لهم الأمن فجعل نفوسهم تألف الرحلة ، وتنال من ورائها ما تنال ( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع ) .. وكان الأصل – بحسب حالة أرضهم – أن يجوعوا ، فأطعمهم الله وأشبعهم من هذا الجوع ( وآمنهم من خوف ).. وكان الأصل – بحسب ما هم فيه من ضعف وبحسب حالة البيئة من حولهم – أن يكونوا في خوف فآمنهم من هذا الخوف .. وهو تذكير يستجيش الحياء في النفوس . ويثير الخجل في القلوب .
التقويم
-
أذكر المنن التى يذكِّر الله بها قريش من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم .
-
عدد بعض منن الله عليه وفضله .
-
بيّن الواجب عليك تجاه هذه المنن وهذا الفضل .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الثالث : أن يوضح الدارس مظاهر الاهتمام بأمور المسلمين .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس بعض المظاهر العملية للاهتمام بأمور المسلمين .
-
أن يوضح الدارس بعض المظاهر العملية للاهتمام بأمور المسلمين .
-
أن يوضح الدارس دوائر الاهتمام بأمور المسلمين ومظاهر الاهتمام بكل دائرة .
-
أن يقوِّم الدارس مدى اهتمامه بأمور المسلمين .
1- 2- من المظاهر العملية للاهتمام بأمور المسلمين :
-
التأثر لحال المسلمين : فهذا أهم وأول واجبات ( الجسد الواحد ) كما أشار الحديث الشريف ، وهى صفة كان ابن عباس يعتز بها ، فقد نال منه رجل يوماً فقال له : " إنك لتشتمنى وفىَّ ثلاث خصال : إنى لآتى على الآية من كتاب الله عز وجل فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم ، وإنى لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل فى حكمه فأفرح ولعلى لا أقاضى إليه أبداً [ أى لا أقف أمامه فى قضية ] وإنى لأسمع ان الغيث [ المطر ] قد أصاب بلداً من بلدان المسلمين فأفرح به ومالى به من سائمة [ أى دابة ترعى فيه ] …" حياة الصحابة 3/ 415 .
ويصور الإمام البنا رحمه الله حاله وبعض إخوانه فيقول : " ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالى كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه فى مختلف مظاهر حياتها ، ونحلل العلل والأدواء ونفكر فى العلاج وحسم الداء ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء … " رسالة المؤتمر الخامس .
فأين نحن من هذا الشعور ؟ إن أعداداً هائلة من المسلمين لم تصل إلى إيجابية ( النملة ) التى هتفت لتحذر أخواتها من جيش سليمان عليه السلام ! وأعداداً أخرى تكتفى ( بمصمصة الشفاه ) أو ترديد بعض عبارات التنديد ، إن التأثر المطلوب عمل إيجابى يدفع صاحبه – ويُلح عليه – إلى مشاركة ذوى الآلام والمصائب فى محنتهم بالنفس والمال والجهد ونشر الوعى بقضاياهم ، ومقاطعة أعدائنا وأعدائهم ، وأن نخلفهم فى أهليهم ، وأقل ما يجب الدعاء الصادق . ( الطراز الربانىّ أ / نبيل حامد المعاز )
-
نصرة المظلومين والمستضعفين :
والرحمة التى بين المسلم وأخيه المسلم تستلزم أن يشارك كل منهم الاخر فى آلامه وآماله ، وأن يدفع كل منهما عن أخيه غوائل الشر وأنواع الضرر ، وأن يأخذ بيد أخيه لينقذه من أى خطر يتهدده . ولذلك أوجب الإسلام على جميع أهل البلد من رجال ونساء أن يزودوا عن بلدهم إن هاجمه عدو ، أو باغت من فيه ، ولم تكن قوة الحماية من الرجال كافية ، وفرض على المسلمين أن يهبوا لنجدة من يستغيث بهم ، ويطلب منهم العون والمساعدة سواء كانت مساعدة من إغاثة من غرق أو حريق أو وحش أو عدو . والإسلام لم يترك أمر النصرة مبهماً غامضاً ، بل أوضحه ونظمه وجعل له قوانين أوجب على المسلمين اتباعها والعمل بها ، فإن لم يفعلوا فهم آثمون مذنبون فى حق أخيهم ، والذى يقرأ الكتاب والسنة يجد من ذلك الكثير .
فمن أخذ ماله سرقة أو غصباً وجب على المسلمين فى شحص حاكمهم أن يردوا الحق إلى صاحبه ويعاقبوا السارق بقطع يده والغاصب بما يناسبه ويوازى جريمته .
ومن قطع طريق الناس أو تسلط عليهم بالسطو والهجوم على منازلهم وممتلكاتهم فأخذ الأموال واعتدى على النفوس وأخاف الآمنين فإنما جزاءه أن يقتّل أو يصلّب أو تقطّع يده ورجله من خلاف .
ومن أثقلته الديون ولا يستطيع سدادها فله الحق فى مال الزكاة يعطى منه ما يوفى دينه ، وكذلك من عضه الفقر وأقعده العجز عن العمل .. وكل ذلك نصرة وإغاثة وإعانة واجبة للمسلم لإخوانه المسلمين .
وأولى بالنصرة وأحق بها من أسره العدو ولم يستطع فكاكاً ، فإن من حقه على المسلمين ان يبذلوا كل ما فى قدرتهم حتى ينقذوا الأسرى ولو بدفع كل أموالهم فى سبيل ذلك . قال القرطبى : قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد .. وردت الآثار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى ، وأمر بفكهم ، وجرى بذلك عمل المسلمين ، وانعقد به الإجماع أنه يجب فك الأسارى من بيت المال ، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين [ من تفسير القرطبى ج2 ص22 ] .
وقد جاءت فى أحاديث كثيرة بيان حق المسلم على أخيه المسلم ، ومن هذه الحقوق " نصرة المظلوم " ففى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " أى لا يسلمه لأعدائه ولا يخذله فى موضع يحتاج فيه إلى من ينصره ، وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : " لأن استنقذ رجلاً من المسلمين من أيدى الكفار أحب إلىّ من جزيرة العرب " [ أخرجه ابن أبى شيبة فى كنز العمال ] . [ السلوك الاجتماعى فى الإسلام للشيخ حسن أيوب ]
وأخوة الدين تفرض التناصر بين المسلمين لا تناصر العصبيات العمياء بل تناصر المؤمنين المصلحين لإحقاق الحق وإبطال الباطل وردع المعتدي وإجارة المهضوم ، فلا يجوز ترك مسلم يكافح وحده في معترك بل لا بد من الوقوف بجانبه على أي حال لإرشاده إن ضل وحجزه إن تطاول والدفع عنه إن هوجم والقتال معه إذا استبيح ، وذلك معنى التناصر الذي فرضه الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : ( أنصر أخاك ظالما أو مظلوما . قال : أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ قال : ترده عن ظلمه فذلك نصره ) البخاري .
إن خذلان المسلم شيء عظيم وهو – إن حدث – ذريعة خذلان المسلمين جميعا إذ سيقضى على خلال الإباء والشهامة بينهم ، وسيخنع المظلوم طوعا أو كرها لما وقع به من ضيم ، ثم ينزوى بعيدا وتتقطع عرى الأخوة بينه وبين من خذلوه .
وقد هان المسلمون أفراداً وهانوا أمما يوم وهنت أواصر الأخوة بينهم ، ونظر أحدهم إلى الآخر نظرة إستغراب وتنكر ، وأصبح الأخ ينتقص أمام أخيه فيهز كتفيه ويمضى لشأنه وكأن الأمر لا يعنيه .
إن هذا التخاذل جر على المسلمين الذلة والعار ، وقد حاربه الإسلام حربا شعواء ولعن من يقبعون في ظلاله الداكنة الزرية ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجلا ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدافعوا عنه) الطبراني .
فإذا ر أيت إساءة نزلت بأخيك أو مهانة وقعت عليه فأره من نفسك الإستعداد لمظاهرته والسير معه حتى ينال بك الحق ويرد الظلم ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام) الأصبهاني . [ حلق المسلم للشيخ محمد الغزالى ]
وأخطر أنواع النصرة وأكبرها دلالة على صدق الإيمان أن تنصر أخاك المسلم على نفسك ، وأن تنتصف له منها حتى يستوفى حقه منك أو يسامحك . فإن لم تبدأ بنفسك فلا خير فيك لغيرك . [ السلوك الاجتماعى فى الإسلام للشيخ حسن أيوب ]
ج- قضاء حوائج المحتاجين :
من الاهتمام بأمور المسلمين أن يكون المسلم حريصاً على قضاء حوائج إخوانه خفيفاً فى خدمتهم موقناً أنها تفضل كثيراً من القربات والطاعات ، روى البخارى ومسلم عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج فى سفر وكان من أصحابه الصائم والمفطر ، فأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئا ً واما الذين أفطروا فبعثوا الركاب [ أى أثاروا الإبل لخدمتها وسقيها وعلفها ] وامتهنوا وعالجوا [ وفى رواية : فضربوا الأخبية وسقوا الركاب ] فقال صلى الله عليه وسلم : " ذهب المفطرون اليوم بالأجر "
وبهذا الفهم يترك ابن عباس رضى الله عنهما الاعتكاف فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يضاعف الأجر ليمشى مع مسلم مهموم حزين ليقضى حاجته [ خلق المسلم للشيخ محمد الغزالى ]
وهذا الواجب العظيم يزداد تأكيدا إذا كنت ذا جاه في المجتمع أو صاحب منصب تحفه الرغبة والرهبة . إن للجاه زكاة تؤتى كما تؤتى زكاة المال ، فإذا رزقك الله سيادة في الأرض أو تمكينا بين الناس فليس ذلك لتنتفخ بعد انكماش أو تزدهي بعد تواضع ، إنما يسر الله لك ذلك ليربط بعنقك حاجات لا تقضى إلا عن طريقك ، فإن أنت سهلتها قمت بالحق المفروض ، وأحرزت الثواب الموعود ، وإلا فقد جحدت النعمة وعرضتها للزوال ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله عند أقوام نعمًا أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين مالم يملوهم فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم ) الطبراني .
وبعض الموظفين يستهينون بوقوف الناس على أبوابهم ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ، يقول صلى الله عليه وسلم : " من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخَلّتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره " [ رواه أبوداود والترمذى ]
فسّر المفسرون " الماعون " فى قوله تعالى :( فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون . الذين هم يراءون . ويمنعون الماعون ) بتفسيرات كثيرة أهمها ما ذكره ابن عباس ترجمان القرآن أن الماعون هو المعروف كله الذى يتعاطاه الناس فيما بينهم ، وقال ابن مسعود : الماعون اسم جامع لمنافع البيت كالفأس والقدر والنار و ما أشبه ذلك ، وذكر الزجاج وأبوعبيدة والمبرد أن الماعون فى الجاهلية كل ما فيه منفعة ، حتى الفأس والقدر والدلو والقداحة ، وكلها آراء متقاربة يفهم منها أن الماعون الذى يستحق مانعه العذاب والويل – هو المنفعة التى يقدر المسلم عليها ويكون أخوه محتاجاً إليها .
وقال تعالى فى سبب عذاب الكافر يوم القيامة : ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم . ولا يحض على طعام المسكين )[الحاقة :33، 34 ] ، وعدم الحض موقف سلبى لا يرضاه الله تعالى من مسلم يعلم شدة حاجة أخيه المسلم ، فلا يقوم هو بحاجته ، ولا يدعو غيره للقيام بها . وليس المقصود هنا هو الإطعام فقط ، فإن العارى من الثياب ومن الغطاء فى شدة الحر والبرد لا يقل حاجة عن طالب الطعام ، فقد يجمده البرد ويقتله ، وقد تشويه الشمس وتضربه ضربة تقضى عليه ، ومثله المجروح والمريض والعاجز .
د- الإصلاح بين الناس :
وقد بيّن الله تعالى أن الإصلاح بين الناس من خير الأعمال وأفضلها قال تعالى : ( لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيما ) [ النساء : 114 ]
والاصلاح بين الناس هو إزالة ما بينهم من النفرة والخصام . قال تعالى : ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ) [ الأنفال : 1 ] . وقال تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) [ الحجرات : 10 ] .
وعن أبى الدرداء رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالو ا : بلى . قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هى الحالقة ( المصيبة التى تهلك وتستأصل ) " رواه أبو داود والترمذى . [ السلوك الاجتماعى فى الإسلام للشيخ حسن أيوب ] .
من الآيات والأحاديث السابقة يجب على المسلمين أن يعملوا – كما أمرهم الله تعالى – على الإصلاح بين المسلمين ، وإزالة أسباب الفرقة والنزاع والخصام – ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، لأنه ليس أضر على المسلمين من وجود النزاع والخصام والشقاق والفرقة قال تعالى : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) [ الأنفال : 46 ]
هـ حب الخير للمسلمين :
الوحدة بين المسلمين هدف إسلامى من أهم الأهداف ، حتى أن القرآن اعتبرها أمراً بدهياً وتلقائياً بين الصادقين فى الإيمان حيث قال تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) [ الحجرات : 10 ] . وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " رواه البخارى ومسلم . ومن أعظم أصول هذه الوحدة وأسبابها حب الخير للمسلمين ، بل إن محبة الخير لكل مسلم أمر واجب ولازم لصدق الإيمان ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذى نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخارى ومسلم . وأنت ترى أن الحديث صريح فى نفى تمام الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه . ورد فى سبل السلام للصنعانى ج4 ص 165 عن هذا الحديث : " لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه من الخير كما يحب لنفسه من ذلك الخير ، وكلمة " الخير " جاءت مصرحاً بها فى رواية النسائى لذلك الحديث " . والفرق واضح بين حب المؤمن لذات أخيه المؤمن لوجه الله تعالى ، وهذه منزلة عالية ودرجة سامية عند الله تعالى ، وبين حب الخير لأخيه المؤمن ، وهذه درجة أقل . [ السلوك الاجتماعى فى الإسلام للشيخ حسن أيوب ]
الحلقة
الرابعة
عشر
الحلقة الرابعة عشر
الدرس الأول :
سـورة الماعون
|
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس الحقيقة التى تقررها السورة .
-
أن يوضح الدارس الدلالات التى يخرج بها من هذه الآيات .
هذه السورة مكية في بعض الروايات ، ومكية مدنية في بعض .. وهذه الأخيرة هي الأرجح . وإن كانت السورة كلها وحدة متماسكة ، ذات اتجاه واحد ، لتقرير حقيقة كلية من حقائق هذه العقيدة ، مما يكاد يميل بنا إلى اعتبارها مدنية كلها ، إذ أن الموضوع التي تعالجه هو من موضوعات القرآن المدني - وهو في جملته يمت إلى النفاق والرياء مما لم يكن معروفا في الجماعة المسلمة في مكة . إن هذه السورة الصغيرة ذات الآيات السبع القصيرة تعالج حقيقة ضخمة تكاد تبدل المفهوم السائد للإيمان والكفر تبديلا كاملا . فوق ما تطلع به على النفس من حقيقة باهرة لطبيعة هذه العقيدة ، وللخير الهائل العظيم المكنون فيها لهذه البشرية ، وللرحمة السابغة التي أرادها الله للبشر وهو يبعث إليهم بهذه الرسالة الأخيرة ..
إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس ؛ ولا تغني فيه مظاهر العبادات والشعائر ، ما لم تكن صادرة عن إخلاص لله وتجرد ، مؤدية بسبب هذا الإخلاص إلى آثار في القلب تدفع إلى العمل الصالح ، وتتمثل في سلوك تصلح به حياة الناس في هذه الأرض وترقى .
إن حقيقة الإيمان حين تستقر في القلب تتحرك من فورها .. لكي تحقق ذاتها في عمل صالح . فإذا لم تتخذ هذه الحركة فهذا دليل على عدم وجودها أصلا . وهذا ما تقرره هذه السورة نصا
( أرأيت الذي يكذب بالدين ؟ فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ) .. إنها تبدأ بهذا الاستفهام الذي يوجه كل من تتأتى منه الرؤية ليرى : ( أرأيت الذي يكذب بالدين ؟ ) وينتظر من يسمع هذا الاستفهام ليرى إلى أين تتجه الإشارة وإلى من تتجه ؟ ومن هو هذا الذي يكذب بالدين ، والذي يقرر القرآن أنه يكذب بالدين .. وإذا الجواب : ( فذلك الذي يدع اليتيم . ولا يحض على طعام المسكين ) !
إن الذي يكذب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعا بعنف - أي الذي يهين اليتيم ويؤذيه . والذي لا يحض على طعام المسكين ولا يوصي برعايته . فلو صدق بالدين حقا ، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدع اليتيم ، وما كان ليقعد عن الحض على طعام المسكين .
ثم يرتب على هذه الحقيقة الأولى صورة تطبيقية من صورها :
( فويل للمصلين ، الذين هم عن صلاتهم ساهون ، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ) إنه دعاء أو وعيد بالهلاك للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون .. فمن هم هؤلاء الذين هم عن صلاتهم ساهون ! إنهم ( الذين يراءون ويمنعون الماعون ) .. إنهم أولئك الذين يصلون ، ولكنهم لا يقيمون الصلاة . الذين يؤدون حركات الصلاة ، وينطقون بأدعيتها ، ولكن قلوبهم لا تعيش معها ، ولا تعيش بها ، وأرواحهم لا تستحضر حقيقة الصلاة وحقيقة ما فيها من قراءات ودعوات وتسبيحات . إنهم يصلون رياء للناس لا إخلاصا لله . ومن ثم هم ساهون عن صلاتهم وهم يؤدونها . ساهون عنها لم يقيموها . والمطلوب هو إقامة الصلاة لا مجرد أدائها . وإقامتها لا تكون إلا باستحضار حقيقتها والقيام لله وحده بها .
ومن هنا لا تنشئ الصلاة في نفوس هؤلاء المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون . فهم يمنعون الماعون .. يمنعون الماعون عن عباد الله . ولو كانوا يقيمون الصلاة حقا لله ما منعوا العون عن عباده ، فهذا هو محك العبادة الصادقة المقبولة عند الله .
التقويم
-
وضح الحقيقة التى تقررها السورة .
-
وضح الدلالات التى تخرج بها من هذه الآيات .
-
إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس – وضح ذلك من خلال هذه السورة .
الدرس الثاني :
-
دوائر الاهتمام بأمور المسلمين ومظاهر الاهتمام بكل دائرة :
ونحب أن ننوه أن الاهتمام بأمر المسلمين لا يقف عند حدود دائرة واحدة من المسلمين نوجه لها كل الاهتمام في حين نغفل باقي الدوائر بل ويتناقض سلوكنا معهم مع ذلك الاهتمام الذي أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم .
بمعنى تحديد الأولويات في التعامل مع دوائر المسلمين المتعددة المحيطة بالإنسان المسلم في توازن وتتابع بدءاً من الأقرب فالأقرب كما أوصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كالآتي :
أولا : الوالدان : وهم أولى الناس بالاهتمام وأقرب الأقربين وأعظم أصحاب الحقوق على الإنسان قال الله تعالى ( أن اشكر لي ولوالديك إلىّ المصير ) . ومن الاهتمام بهم : برهم وأداء حقوقهم وحسن معاملتهم والمسارعة إلى قضاء حاجاتهم ..
ثانيا : الأشقاء : وواجب المسلم نحوهم : رحمة الصغير ومساعدته ، وتوقير الكبير وخدمته ، وحسن عشرة الجميع .
ثالثا : الأخوة في الله : وهم العدة على الأعداء والزينة في الرخاء ( ورب أخ لك لم تلده أمك ) [ يمكن الرجوع للهدف الخاص بالأخوة ضمن المحتوى ] .
رابعا : ذوى القربى والأرحام : قال الله تعالى : ( وآت ذا القرب حقه ) وقال ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ).
ومنهم الأجداد والجدات والأعمام والعمات وأبناؤهم والأخوال والخالات وأبناؤهم
ومن الاهتمام بهم : صلة الرحم (التزاور ومساعدة المحتاج والنصح والدعوة.....)
خامسا : الجيران : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) ، مع العلم بأن الجار أربعون من كل اتجاه كما ورد ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم . وهم جيران المنزل أولا، جيران المنازل المجاورة في نفس الشارع ، أهل مسجد الحي ، جيران الحي من غير أهل المسجد ، زملاء العمل ورفقاء الطريق .
ومن الاهتمام بهم : كف الأذى عنهم .. التكافل معهم .. قضاء الحاجات لهم .. التزاور .. النصح والدعوة .
سادسا : أهل القرية أو الموطن : ومن الاهتمام بهم :
حسن المعاملة .. والمشاركة في الأفراح والأتراح والمناسبات العامة والتعاون علىالبر والتقوى والتكافل والنصح والدعوة .
سابعا : أبناء الوطن : الذي نشأ فيه المسلم وتربى وتعلم وحمل اسمه ونهل من خيراته.
ومن الاهتمام بالوطن : العمل على رفعته وصيانته من كل سوء بإيجابية واعتزاز فإن ( حب الوطن من الإيمان ) والرسول صلى الله عليه وسلم حينما خرج من مكة قال ( اللهم إنك أحب بلاد الله إلي .. ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت )
ثامنا : أبناء الأمة الإسلامية في كل مكان : الذين تمجمعهم قبلة واحدة وكتاب واحد ورسول واحد صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالي : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) [ المؤمنون 52 ].
- ومن الاهتمام بهم :
-
الدعاء يوميا في السر والعلن خصوصًا أهل البلاء والاضطهاد منهم وما أكثرهم .
-
متابعة أخبارهم يوميا .
-
التعريف بقضاياهم لكل من حوله ، وبحث السبل العملية لنصرتهم .
-
المشاركة في الأعمال التي تدعوا إلىنصرتهم ودعمهم (المؤتمرات والندوات ...) .
-
مقاطعة أعداء المسلمين ومنتجاتهم .
-
إنشغال الذهن للعمل لخدمة الإسلام .
-
تفريغ الوقت للعمل للإسلام .
-
تحديث النفس أسبوعيا بالغزو في سبيل الله وسؤال الله الشهادة يوميا .
4- أن يقوِّم الدارس مدى اهتمامه بأمور المسلمين :
استبانة يستعين بها الدارس فى تقويم مدى اهتمامه بأمور المسلمين .
درجة تحقيقك لهذه المظاهر |
من المظاهر العملية للاهتمام بأمر المسلمين |
|||
|
ض (1) |
ل (2) |
ج (3) |
ج . ج (4) |
|
|
|
|
|
|
ج- التعريف بقضاياهم لكل من حوله . د- المشاركة في الأعمال التي تدعوا إلىنصرتهم ودعمهم (المؤتمرات والندوات ...) . هـ - مقاطعة أعداء المسلمين ومنتجاتهم .
ى- دعمهم مالياً والتبرع لهم ببعض مالك .
( الدرجة العظمى = 4 * 14 = 56 ) |
حيث يقوم الدارس بحساب درجاته أمام كل مظهر من المظاهر ، فإذا كان مجموع درجاته الكلية أقل من (30 ) درجة ، سارع بتدارك حاله وضعف اهتمامه بأمور المسلمين ، فهذا دليل على خلل وضعف فى إيمانه ، فعليه أن يأخذ بالأسباب فى علاج ذلك الضعف مستعيناً بالله تعالى على ذلك ، وإذا وجد أن درجاته مرضية بصدق فليحمد الله عليها وليسأل الله أن يتقبل منه هذا الاهتمام بأمور المسلمين وليداوم على ذلك الخير وليستزد ما استطاع سائلاً الله دوام العون والسداد .
التقويم
-
حدد بعض المظاهر العملية للاهتمام بأمور المسلمين .
-
وضح بعض المظاهر العملية للاهتمام بأمور المسلمين .
-
وضح دوائر الاهتمام بأمور المسلمين ومظاهر الاهتمام بكل دائرة .
-
اذكر بعض المواقف التى قمت بها توضح مدى اهتمامك بأمور المسلمين حولك .
-
قوِّم مدى اهتمامك بأمور المسلمين .
المصادر
1- السلوك الاجتماعى فى الإسلام للشيخ حسن أيوب .
2- خلق المسلم للشيخ / محمد الغزالى .
3- الطراز الربانى أ/ نبيل حامد المعاز .
4- التبعية الثقافية د. عبد العظيم الديب .
5- الغزو الصليبي للعالم الإسلامي د.على عبد الحليم محمود .
6- أفيقوا أيها المسلمون قبل أن تدفعوا الجزية د. عبد الودود شلبي .
7- فلسطين بلادنا الحبيبة د. محسن صالح .
الحلقة
الخامسة
عشر
الحلقة الخامسة عشر
الدرس الأول :
سـورة الكوثر
|
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس سبب نزول هذه السورة .
-
أن يبين الدارس دلالات هذه السورة .
هذه السورة خالصة لرسول الله كسورة الضحى ، وسورة الشرح . يسري عنه ربه فيها ، ويعده بالخير ، ويوعد أعداءه بالبتر ، ويوجهه إلى طريق الشكر . ومن ثم فهي تمثل صورة من حياة الدعوة ، وحياة الداعية في أول العهد بمكة . صورة من الكيد والأذى للنبي ودعوة الله التي يبشر بها ؛ وصورة من رعاية الله المباشرة لعبده وللقلة المؤمنة معه ؛ ومن تثبيت الله وتطمينه وجميل وعده لنبيه ومرهوب وعيده لشانئه .
كذلك تمثل حقيقة الهدى والخير والإيمان . وحقيقة الضلال والشر والكفران .. الأولى كثرة وفيض وامتداد . والثانية قلة وانحسار وانبتار . وإن ظن الغافلون غير هذا وذاك ..
ورد أن سفهاء قريش ممن كانوا يتابعون الرسول ودعوته بالكيد والمكر وإظهار السخرية والاستهزاء ..من أمثال العاص بن وائل ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبي لهب ، وأبي جهل ، وغيرهم ، كانوا يقولون عن النبي إنه أبتر . يشيرون بهذا إلى موت الذكور من أولاده . وقال أحدهم : دعوه فإنه سيموت بلا عقب وينتهي أمره .
ومن ثم نزلت هذه السورة تمسح على قلبه بالروح والندى ، وتقرر حقيقة الخير الباقي الممتد الذي اختاره له ربه ؛ وحقيقة الانقطاع والبتر المقدر لأعدائه .
( إنا أعطيناك الكوثر ) .. والكوثر صيغة من الكثرة .. وهو مطلق غير محدود . يشير إلى عكس المعنى الذي أطلقه هؤلاء السفهاء .. إنا أعطيناك ما هو كثير فائض غزير . غير ممنوع ولا مبتور.. إنه الكوثر ، الذي لا نهاية لفيضه ، ولا حد لمدلوله . ومن ثم تركه النص بلا تحديد ، يشمل كل ما يكثر من الخير ويزيد .
وقد وردت روايات من طرق كثيرة أن الكوثر نهر في الجنة أوتيه رسول الله ولكن ابن عباس أجاب بأن هذا النهر هو من بين الخير الكثير الذي أوتيه الرسول . فهو كوثر من الكوثر ! وهذا هو الأنسب . ( فصل لربك وانحر ) .. غير ملق بالا إلى شرك المشركين ، وغير مشارك لهم في عبادتهم أو في ذكر غير اسم الله على ذبائحهم . ( إن شانئك هو الأبتر ) ..
في الآية الأولى قرر أنه ليس أبتر بل هو صاحب الكوثر . وفي هذه الآية يرد الكيد إلى كائديه ، ويؤكد - سبحانه - أن الأبتر ليس هو محمد ، إنما هم شانئوه وكارهوه .
ولقد صدق فيهم وعيد الله . فقد انقطع ذكرهم وانطوى . بينما امتد ذكر محمد وعلا . ونحن نشهد اليوم مصداق هذا القول الكريم ، في صورة باهرة واسعة المدى كما لم يشهدوه سامعوه الأولون .
التقويم
-
أذكر سبب نزول هذه السورة .
-
بيّن دلالات هذه السورة .
-
بيّن عدة الداعية فى مواجهة أعدائه كما رسمتها السورة .
الدرس الثاني :
الهدف العام الثاني : أن يعرف قيمة الحياة وسط مجموعة تعينه على طاعة الله
الأهداف المرحلية :
-
أن يوضح أهمية الصحبة الطيبة .
-
أن يوضح مفهوم الأخوة في الله وشرعيتها
-
أن يوضح فضائل الأخوة فى الله
-
أن يوضح شروط الأخوة فى الله
-
أن يوضح حقوق الأخوة في الله
-
أن يوضح وسائل تعميق روح الاخوة
*********************
الهدف المرحلى الأول : أن يوضح أهمية الصحبة الطيبة :-
الإنسان اجتماعي بفطرته ، لا يعيش إلا في مجتمع يتعامل ويتعاون معهم على أمور الحياة ، فهو بمفرده عاجز على تحقيق الأهداف الاجتماعية والتكاليف الدينية والاحتياجات الاقتصادية ، كما أن فطرته التي فطره الله عليها تفتقر إلى غيره ، فهو يحتاج إلى الزواج وما أودع إليه فيه من حب النسل ، وهو محتاج إلى من يصاحبه ويطمئن إليه ويأنس به حين تعتريه حالة من الضعف والخوف والعزلة والوحدة ، وبالإضافة إلى الفطرة فمن الأسباب التي جعلت الإنسان اجتماعي الغاية من الخلق ، أهو التمتع والزينة والترف في المشاكل والمشرب والملبس والمسكن ، أم هي عبادة الله وابتغاء رحمة الله وتحقيق التقوى ، قال تعالى "... نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمت ربك خير مما يجمعون. ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين " (الزخرف 32-35) قال تعالى " يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " (الحجرات 13) .
فإذا كان الأصل من الحياة تحقيق التقوى وعبادة الرحمن في صحبة متعاونة على عبادته سبحانه وتعالى لذلك بين لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خطورة الصحبة حين قال (صلى الله عليه وسلم) : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" رواه الترمذى عن أبى هريرة (2300) . فهذا الحديث يكشف لنا أهمية اختيار الصاحب قال عبد الله بن مسعود : أما من شيء أدل على شيء ولا الدخان على النار عن الصاحب على الصاحب ، ولذلك قيل : " قل لي من تصاحب أقل لك من أنت "
وكما قال الشاعر :
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فــكل قــرين بالمـقارن يقـتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
يقول علماء الاجتماع : " الطباع يسرق بعضها من بعض . ومن هنا يتأثر الإنسان بصاحبه دون أن يلحظ أو يتعمد ذلك ، فإن دوام العشرة مع المحبة يؤدي إلى التعود على ما يفعله الصاحب ، ثم قبوله ثم تقليده ثم فعله عادة "
ولهذه الأهمية للصحبة في إقامة الحياة على العبادة وشريعة الإسلام ، فقد نبه الله عز وجل في غير موضع من القرآن الكريم على الالتزام بالصحبة الطيبة . قال تعالى : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم " (التوبة 71) وقال تعالى : " أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده " الأنفال (90) " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " الزخرف (67) قال تعالى : " واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون " (لقمان 15) .
كما نبه عن البعد عن الصحبة السيئة قال تعالى : "ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا " الفرقان (27-29) وقال تعالى : " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا" النساء (140) قال تعالى : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون" هود (113) .
وحديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حول هذا المعنى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يجزيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثوبك وإما أن تأخذ منه ريحاً منتناً " متفق عليه . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي " رواه الترمذى عن أبى سعيد الخدرى (2318)
وجاء في الأثر : "عليكم بإخوان الصدق فإنهم زينة في الرخاء وعصبة في البلاء "
روى الإمام البخاري : أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : يا رسول الله متى الساعة قائمة ؟ قال : ويلك ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله قال ( صلى الله عليه وسلم ) إنك مع من أحببت "
هكذا الصحبة الصالحة حرص عليها الإسلام وأمر بها أتباعه لما فيها من خير كثير .
ومع الصحبة المؤمنة تبرز الأخوة بين أفراد هذه الصحبة وهى آصرة تنبت وتنمو بين المؤمنين بعضهم البعض ، وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى : " إنما المؤمنون إخوة " سورة الحجرات (10) . وهو أسلوب حصر وقصر بمعنى حصر وجود الاخوة التى نعنيها بين المؤمنين وقصرها عليهم . ولقد كان من أوائل الأعمال التى عمد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إقامته للدولة فى المدينة المنورة بعد هجرته ، إقامة المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وصلت إلى الحد الذى يتوارثون فيه فيما بينهم وظل الأمر كذلك حتى نزل قول الله تعالى : " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله إن الله بكل شىء عليم " الأنفال (75) ونفصل فى الأهداف التالية أهم ما يتعلق بالأخوة فى الله .
الهدف المرحلى الثانى : أن يوضح مفهوم الأخوة في الله ومشروعيتها1 :
الأخوة منحة قدسية وإشراقة ربانية ونعمة إلهية يقذفها الله عز وجل في قلوب المخلصين من عبادة والأصفياء من أوليائه والأتقياء من خلقه، قال تعالى في سورة الأنفال "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم" وقال في سورة الأنعام "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا" وقال صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" حديث صحيح أخرجه السيوطى
الأخوة هي روح الإيمان وباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم فكأنهم أغصان انبثقت من روح واحدة أو روح واحد حل في أجسام متعددة . والأخوة تجمع على التحابب في الله والتعاون على تنفيذ أوامر الله تعالى والدعوة إليه وتحقيق العدل وإسداء المعروف عن رغبة فيه والتباذل في ذات الله والإيثار عن سماحة رائعة والمساواة بين الأنساب والأجناس وتبادل الاحترام والحب والاستئناس بمشاهدة الأخ ومجاورته وزيارته إلى غير ذلك من فوائد . والإخاء الصحيح إخاء العقيدة الخالصة لوجه الله لا إخاء المنافع الزائلة أو الغايات الدنيا.لا يهبها الله عز وجل إلا لمن يأخذها بحقها.
الحلقة
السادسة
عشر
الحلقة السادسة عشر
الدرس الأول :
سـورة الكافرون
|
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس كيف بينت هذه السورة وجوب المفاصلة بين الكفر والإيمان .
( قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد . لكم دينكم ولي دين ) .
نفي بعد نفي . وجزم بعد جزم . وتوكيد بعد توكيد . بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد .
( قل ) .. فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر الله وحده . ليس لمحمد فيه شيء . إنما هو الله الآمر الذي لا مرد لأمره ، الحاكم الذي لا راد لحكمه .
( قل يا أيها الكافرون ) .. ناداهم بحقيقتهم ، ووصفهم بصفتهم .. إنهم ليسوا على دين ، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون . فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق ..
وهكذا يوحي مطلع السورة وافتتاح الخطاب ، بحقيقة الانفصال الذي لا يرجى معه اتصال !
( لا أعبد ما تعبدون ) .. فعبادتي غير عبادتكم ، ومعبودي غير معبودكم .. ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) فعبادتكم غير عبادتي ، ومعبودكم غير معبودي .
( ولا أنا عابد ما عبدتم ) .. توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الإسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها . ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) .. تكرار لتوكيد الفقرة الثانية . كي لا تبقي مظنة ولا شبهة ، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد .
ثم إجمال لحقيقة الافتراق الذي لا التقاء فيه ، والاختلاف الذي لا تشابه فيه ، والانفصال الذي لا اتصال فيه ، والتمييز الذي لا اختلاط فيه : ( لكم دينكم ولي دين ) .. مفاصلة كاملة شاملة ، وتميز واضح دقيق . ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل ، الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق . الاختلاف في جوهر الاعتقاد ، وأصل التصور ، وحقيقة المنهج ، وطبيعة الطريق .
إن التوحيد منهج ، والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان - مع الوجود كله - إلى الله وحده لا شريك له . ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان ، عقيدته وشريعته ، وقيمه وموازينه ، وآدابه وأخلاقه ، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود . هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله ، الله وحده بلا شريك . ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس . غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية .
وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية . وضرورية للمدعوين .. وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية : تصورا ومنهجا وعملا . الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق . والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام .
وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس . شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء . لهم دينهم وله دينه ، لهم طريقهم وله طريقه . لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم . ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو ، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير .. وإلا فهي البراءة الكاملة ، والمفاصلة التامة ، والحسم الصريح ..( لكم دينكم ولي دين ) .
التقويم
-
وضح كيف بينت هذه السورة وجوب المفاصلة بين الكفر والإيمان .
-
منهج التوحيد ومنهج الشرك طريقان لا يلتقيان أبداً وضح ذلك .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الثالث : أن يوضح فضائل الأخوة فى الله2 :-
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح فضائل الأخوة فى الله فى الدنيا .
-
أن يوضح الفضائل الأخروية للأخوة فى الله .
*******************************************
إن للاخوة فضائل جمة البعض منها عاجلة والأخرى ينال صاحبها الجزاء في الآخرة .
أ- فضائل الأخوة في الدنيا:
-
الإحساس بشعور واحد تجاه مآسي المسلمين في جميع أنحاء العالم.
-
التعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
-
التكافل والتناصح والتفاهم فيما بين الإخوان.
-
التعاون على إقامة شرع الله في الأرض.
-
الحب والتعارف والإيثار بين الجماعة المتحابين في الله .
-
مجالسهم مرهونة بشرع الله فلا خروج فيها مما يحدث فى كثير من المجالس من غيبة ونميمة وغير ذلك .
-
التآلف بين القلوب فهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
-
توحد الرؤيا والموازين والتصورات تجاه أحداث الدنيا.
-
إن أصحابها هم المتذوقون حلاوة الإيمان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث من كن فيه ذاق حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود للكفر كما يكره أن يقذف في النار" رواه الشيخان
ب- الفضائل الأخروية:
-
-
إن وجوههم لنور:
-
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من عباد الله لأناساً ماهم بالأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله تعالى قالوا يارسول الله تخبرنا من هم ؟ قال هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها والله إن وجوههم لنور وأنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس". رواه أبوداود
-
-
إنهم مغفورو الذنوب:-
-
روى الطبري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجر اليابسة في يوم ريح عاصف"3.
-
-
إنهم في ظل عرش الرحمن:
-
روي مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال" إن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي"4.
-
-
إنهم في كنف المحبة الإلهية:
-
روى الامام مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : قال تعالى : " وجبت محبتي للمتحابين في والمتزاورين في والمتباذلين فى "5.
-
-
انهم في جنة الرضوان:
-
لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من عاد مريضاً أو زار أخاً في الله ناد عليه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة نزلاً"6.
الهدف المرحلى الرابع : أن يوضح شروط الاخوة في الله :-
1- أن تكون الاخوة خالصه لله :
حتى يكتب لها الاستمرار والديمومة وقبض الروح عليها فهي تجرد المسلم من كل مصلحة ذاتية أو منفعة شخصية ويستطيع الإنسان بها أن يتخطى عقبات الحياة وأزمات الدنيا.
2- أن تكون الاخوة مقرونة بالإيمان والتقوى :
قال تعالى" الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين".ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي". رواه أبوداود والترمذى . فإذا كانت الأخوة كذلك كانت أرسخ من الجبال وأقوى من البنيان المتطاول الأشم
3- أن تكون الاخوة ملتزمة بمنهج الإسلام :
ولا يمكن للاخوة أن كذلك حتى يتعاهد المتآخين على تحكيم شرع الله ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث"رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" أخرجه السيوطى عن أبى هريرة أي تعاهدا في حال اجتماعهما على التزام شريعة الله وفي حالة تفرقهما على العمل بشريعة الله . ورحم الله الإمام الشافعي حين قال" لو لم ينزل من القرآن غير سورة العصر لكفت الناس"
4- أن تكون الاخوة قائمة على النصح لله :
حتى تؤتى الاخوة ثمارها المرجوة من فضائل الأعمال لابد للمتآخين من النصيحة سواء بالثناء على السلوك الطيب أو طلب من الأخ أن يتوب في حالة النقص والخلل قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة . قلنا : لمن يارسول الله قال : لله ولكتبه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ".رواه مسلم
5- أن تكون الاخوة محققة للتعاون على السراء والضراء :
إن مشاركة الآخرين في فرحهم وحزنهم شعيرة إسلامية نفيسة ، فهى بين الاخوة ألزم وأوجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". رواه الشيخان
وقال صلى الله عليه وسلم "من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" أخرجه السيوطى عن أبى سعيد الخدرى وقال حديث صحيح - وقوله عليه الصلاة والسلام : " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه الشيخان .
الحلقة
السابعة
عشر
الحلقة السابعة عشر
الدرس الأول :
سورة النصر
|
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس ما ورد فى سبب نزول هذه السورة .
-
أن يذكر الدارس البشرى التى تحملها هذه السورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
أن يبين الدارس التوجيه الذى تضمنته السورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
أن يبين الدارس ما تشير إليه السورة من دلالات .
هذه السورة الصغيرة .. كما تحمل البشرى لرسول الله بنصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا ؛ وكما توجهه حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار .. كما تحمل إلى الرسول البشرى والتوجيه .. تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج ، ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة .. والانطلاق والتحرر .. هذه القمة السامقة الوضيئة ، التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام .
وقد وردت روايات عدة عن نزول هذه السورة نختار منها رواية إلامام أحمد ( قالت عائشة : كان رسول الله يكثر في آخر أمره من قوله : سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه وقال : إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي ، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابا ؛ فقد رأيتها ..
( إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) ..
[ ورواه مسلم من طريق داود بن أبي هند بهذا النص ] ..
وقال ابن كثير في التفسير : والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة . قولا واحدا . فإن أحياء العرب كانت تتلوم [ أي تنتظر ] بإسلامها فتح مكة يقولون : إن ظهر على قومه فهو نبي ، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا ، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا ، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة .
( إذا جاء نصر الله ... ) .. فهو نصر الله يجيء به الله : في الوقت الذي يقدره . في الصورة التي يريدها . للغاية التي يرسمها . وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء ، وليس لهم في هذا النصر يد . وليس لإشخاصهم فيه كسب . وليس لذواتهم منه نصيب . وليس لنفوسهم منه حظ ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم . وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم ، وأن يقيمهم عليه حراسا ، ويجعلهم عليه أمناء .. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجا .
وبناء على هذا الإيحاء .. يتحدد شأن الرسول ومن معه بإزاء تكريم الله لهم ، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم . إن شأنه - ومن معه - هو الإتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار . التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراسا لدينه . وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه ، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجا في هذا الخير الفائض العميم ، بعد العمى والضلال والخسران .
والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة : الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح ، وفرحة الظفر بعد طول العناء .. والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي ، والشدة الطاغية والكرب الغامر .. من ضيق بالشدة ، واستبطاء لوعد الله بالنصر..والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره . فجهد الإنسان ، مهما كان ، ضعيف محدود ، وآلاء الله دائمة الفيض والهملان .
إنه الأفق الوضيء الكريم ، الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه ، وترقى في مدارجه .. وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائما ، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه ، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائما ..وهذا كان أدب محمد في حياته كلها ، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له .. انحنى لله شاكرا على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة . مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة .. فلما أن جاءه نصر الله والفتح ، نسي فرحة النصر وانحنى انحناءةالشكر ، وسبح وحمد واستغفر كما لقنه ربه ، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار . وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده ، رضي الله عنهم أجمعين .
التقويم
-
أذكر ما ورد فى سبب نزول هذه السورة .
-
أذكر البشرى التى تحملها هذه السورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
بيّن التوجيه الذى تضمنته السورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
-
بيّن ما تشير إليه السورة من دلالات .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الخامس : أن يوضح حقوق الأخوة في الله :
المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه " إن أعباء الدنيا جسام والإنسان وحده أضعف من أن يقف طويلاً تجاه هذه الشدائد ولهذا وجدت حقوق على الأخ تجاه إخوانه لا بد من السعي لتحقيقها :
( أ ) السعى لقضاء حوائج إخوانه :
لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة "رواه مسلم .
والنماذج فى ذلك فى سير الصالحين أكثر من أن تحصى نذكر منها على سبيل المثال :
* قضى بن شبرمة حاجة كبيرة لبعض إخوانه ، فجاءه بهدية ، فقال بن شبرمة : ما هذا ؟ قال أخوه : لما أسديته إلىّ من المعروف . قال ابن شبرمة : خذ مالك عافاك الله ، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه فى قضائها ، فتوضأ لصلاة ، وكبّر عليه أربع تكبيرات وعدّه فى الموتى !!
* فى عهد عمر رضى الله عنه أصاب الناس قحط وشدة ، وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل عليها أصناف الطعام واللباس قد حلّت لعثمان رضى الله عنه ، فتراكض التجار عليه يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة ، فقال لهم كم تعطونى ربحاً ؟ قالوا : خمسة فى المائة . قال : إنى وجدت من يعطينى أكثر ، فقالوا ما نعلم فى التجار من يدفع أكثر من هذا الربح ، فقال عثمان : إنى وجدت من يعطينى على الدرهم سبعمائة فأكثر ، إنى وجدت الله يقول : " مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " . أشهدكم يا معشر التجار أن القافلة وما فيها من بر ودقيق وزيت وسمن وثياب .. قد وهبتها لفقراء المدينة وأنها صدقة على المسلمين !! .
(ب) أن تحب لأخيك النفع : وتفرح لوصوله إليه ، فإن ذلك قربة لله بأذكى الطاعات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم".حديث حسن رواه ابن أبى الدنيا عن ابن عمر
(ج) التناصر : لا تناصر العصبيات العمياء ولكن تناصر المؤمنين لإحقاق الحق و إبطال الباطل وردع المعتدي وإجارة المظلوم .
(د) تسهيل الأمور الصعبة : وهذا واجب عظيم يزداد تأكيداً إذا كنت ذا جاه في المجتمع أو صاحب منصب تحفه الرغبة و الرهبة إذ أن للجاه زكاة تؤتى كما تؤتى زكاة المال فإن أديتها فقد قمت بالحق المفروض وألا فقد أضعت وجحدت النعمة .
(هـ) الوفاء والإخلاص :
والوفاء هو الثبات على الحب فى الله وإدامته إلى الموت وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه فإن الحب إنما يراد للآخرة وكلما انقطع الوفاء بداوم الحب شمت الشيطان .
(و) العفو عن الزلات والهفوات والتغاضى عن الأخطاء وستر العيوب وحفظ الغيبة :
هفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية ، أو في حقك بتقصير في الأخوة ، لذلك يقول أبوالدرداء "إذا تغير أخوك وحاد عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى".
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا يستر عبد عبداً فى الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة " رواه مسلم . وفى رواية " من ستر مسلماً ستره الله فى الدنيا والآخرة "
ولله در من قال : إذا كنت فى كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذى لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه مقارف ذنبٍ تارة ومجانبه
ومن ذا الذى ترضى سجاياه كلها كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه
وهذا التغاضى عن زلة الأخ والعفو عن زلاته لا يمنع من نصحه على انفراد مراعياً آداب النصيحة ، ولا يسقط واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا وقع فى الإثم ، لأنه لا خير فى أخوة المتآخين فى الله إن لم يتواصوا بينهم بالحق ، ولا وزن لهم عند الله إن لم يتناصحوا فى الله .
ورحم الله من قال : تعمدنى بنصحك بانفرادى وجنبنى النصيحة فى الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
(ز) من الحقوق العامة : " إفشاء السلام -رد السلام - عيادة المريض - اتباع الجنائز - إجابة الدعوة -تشميت العاطس - إبرار القسم - نصرته ظالماً أو مظلوماً – النصح له - التنفيس عن المكروب – التيسير على المعسر – الابتعاد عن الأذى كالحسد والتباغض والظلم ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حق المسلم على المسلم ست . قيل ما هن يا رسول الله ؟ قال : إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتبعه " رواه مسلم . وفي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يكذبه ولا يخذله . كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه . التقوى ها هنا ، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم " رواه الترمذى . وفى حديث ثالث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا " رواه البخاري .
الهدف المرحلى السادس : أن يوضح الوسائل العملية لتعميق روح الاخوة بين المؤمنين :
-
أن يخبر الأخ بصدق عاطفته تجاهه إذا أحبه (ويقول له إني أحبك في الله بلسان الحال والمقال)قالصلى الله عليه وسلم "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه "رواه أبوداود والترمذى .
-
أن يطلب الأخ من أخيه الدعاء له إذا فارقه بظهر الغيب ( لا تنسانا من دعائك ) عن عمر بن الخطاب قال استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن لي وقال :" لا تنسانا يا أخي من دعائك " رواه أبوداود والترمذى .
-
الابتسامة عند اللقاء : " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق " رواه مسلم عن أبىذر رضى الله عنه .
-
المبادرة بالمصافحة : باليد مع الضغط عليها ضغطاً يشعره بالحب والعاطفة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا " رواه أبوداود عن البراء رضى الله عنه .
-
مناداته بأحب الأسماء إليه والكنية ( يا أبا فلان ) .
-
الإكثار من زيارته و السؤال عليه لما روى مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : وجبت محبتى للمتحابين فىّ والمتجالسين فىّ والمتباذلين فىّ .) .
وأخرج الطبرانى بسنده عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لأصحابه حين قدموا عليه : هل
تجالسون ؟ قالوا : لا نترك ذلك . قال : هل تزاورون ؟ قالوا : نعم يا أبا عبد الرحمن ، إن الرجل
منا ليفقد أخاه فيمشى على رجليه إلى آخر الكوفة حتى يلقاه . قال : لن تزالوا بخير ما فعلتم ذلك .
-
تهنئته في المناسبات السارة قال صلى الله عليه وسلم "من لقي أخاه بما يحب ليسره سره الله عز وجل يوم القيامة".
-
مشاركته ومواساته في الأحزان .
-
الاهتمام بقضاء حاجاته . قال صلى الله عليه وسلم : " والله فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه " رواه الطبرانى
-
تقديم الهدية إذا وجدت المناسبة وبطريق تشعره بالحب والتقدير. قالصلى الله عليه وسلم:" تهادوا تحابوا" رواه الطبرانى
-
أن يفسح له في المجلس .
-
الدعاء بظهر الغيب . لما رواه الإمام مسلم بسنده عن أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة . عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل " .
وكان أبو الدرداء رضى الله عنه يقول : إنى لأدعو لسبعين من إخوانى فى سجودى أسميهم بأسمائهم .
كما أن الدعاء لأخيك في مماته بمنزلة الهدية له في حياته لذلك قال بعض السلف : أين الأخ الصالح أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعمون بما خلفت وهو منفرد بحزنك مهتم بما قدمت وما صرت إليه ويدعو لك في ظلمة الليل وأتت تحت أطباق الثرى .
-
تنفيذ حقوق الأخوة كاملة ( كما وردت فى الهدف المرحلى الخامس ) .
التقويم
1- وضح أهمية الصحبة الطيبة .
2- وضح مفهوم الأخوة في الله وشرعيتها.
3- وضح فضائل الأخوة فى الله فى الدنيا .
4- وضح الفضائل الأخروية للأخوة فى الله .
5- وضح شروط الأخوة فى الله .
6- وضح حقوق الأخوة في الله – مع ذكر أمثلة من حياة الصحابة والصالحين .
7- وضح إلى أى مدى حققت حقوق الأخوة فى الله مع إخوانك .
8- وضح الوسائل العملية لتعميق روح الأخوة فى الله بين المؤمنين .
المصادر:
1- الأخوة الإسلامية أ/ عبد الله ناصح علوان
2- الأخوة فى الله أ/ الراشد
3- رسالة الأخوة فى الله من سلسلة نحو جيل مسلم
4- إحياء علوم الدين للإمام / أبو حامد الغزالى
5- كتيب عن الصحبة الشيخ / عبد الخالق الشريف .
الحلقة
الثامنة
عشر
الحلقة الثامنة عشر
سـورة المسد
|
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس سبب نزول هذه السورة .
-
أن يبين الدارس ما تشير إليه هذه السورة من دلالات .
أبو لهب – [ واسمه عبد العزى بن عبد المطلب ] - هو عم النبي وإنما سمي أبو لهب لإشراق وجهه ، وكان هو وامرأته "أم جميل" من أشد الناس إيذاء لرسول الله وللدعوة التي جاء بها .. ولقد اتخذ أبو لهب موقفه هذا من رسول الله منذ اليوم الأول للدعوة . أخرج البخاري - بإسناده - عن ابن عباس ، أن النبي خرج إلى البطحاء ، فصعد الجبل فنادى : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش ، فقال : أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم ؟ أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب . ألهذا جمعتنا ؟ تبا لك . فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ... ) الخ . وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول : تبا لك سائر اليوم ! ألهذا جمعتنا ؟! فأنزل الله السورة .. وكان بيت أبي لهب قريبا من بيت رسول الله فكان الأذى أشد . وقد روي أن أم جميل كانت تحمل الشوك فتضعه في طريق النبي ؛ وقيل : إن حمل الحطب كناية عن سعيها بالأذى والفتنة والوقيعة .
نزلت هذه السورة ترد على هذه الحرب المعلنة من أبي لهب وامرأته . وتولى الله - سبحانه - عن رسوله أمر المعركة ..( تبت يدا أبي لهب وتب ) .. والتباب الهلاك والبوار والقطع .( وتبت ) الأولى دعاء . ( وتب ) الثانية تقرير لوقوع هذا الدعاء .
( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) .. فلم يغن عنه ماله وسعيه ولم يدفع عنه الهلاك والدمار . ذلك - كان - في الدنيا . أما في الآخرة فإنه : ( سيصلى نارا ذات لهب ) .. ( وامرأته حمالة الحطب ) .. وستصلاها معه امرأته حالة كونها حمالة للحطب .. وحالة كونها : ( في جيدها حبل من مسد ) .. أي من ليف .. تشد هي به في النار . أو هي الحبل الذي تشد به الحطب . وفي الأداء التعبيري للسورة تناسق دقيق ملحوظ مع موضوعها وجوها ..هذا التناسق القوي في التعبير جعل أم جميل تحسب أن الرسول قد هجاها بشعر . . ولكن الصورة الزرية المثيرة للسخرية التي شاعت في آياتها ، قد سجلت في الكتاب الخالد ، وسجلتها صفحات الوجود أيضا تنطق بغضب الله وحربه لأبي لهب وامرأته جزاء الكيد لدعوة الله ورسوله ، والتباب والهلاك والسخرية والزراية جزاء الكائدين لدعوة الله في الدنيا ، والنار في الآخرة جزاء وفاقا ، والذل الذي يشير إليه الحبل في الدنيا والآخرة جميعا.
التقويم
-
أذكر سبب نزول هذه السورة .
-
بيّن ما تشير إليه هذه السورة من دلالات .
-
" إن الله يدافع عن الذين آمنوا " اربط بين هذه الآية وسورة المسد والواقع الذى تعيشه .
الدرس الثاني :
الهدف العام الثالث : أن يبدى استعداداً لترك الخلاف حرصا على علاقته مع الآخرين
الأهداف المرحلية:
-
أن يدرك طبيعة الخلاف بين الناس وأسبابه
-
أن يدرك أهمية العلاقة الطيبة مع الآخرين
-
أن يوضح مفاسد الخلاف بين الأفراد
-
أن يدرب نفسه على ترك الخلاف والالتزام بأدب الحوار
*********************************************************
الهدف المرحلى الأول : أن يدرك طبيعة الخلاف بين الناس وأسبابه .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس طبيعة الخلاف بين الناس .
-
أن يوضح الدارس أنواع الخلاف وأسبابه .
*************
أ- طبيعة الخلاف بين الناس :
الاختلاف و المخالفة أن ينهح كل شخص طريقاً مغايراً للآخر فى حاله أو فى قوله . فيطلق الخلاف على المغايرة فى القول أو الرأى أو الحالة أو الهيئة أو الموقف .
قضت مشيئة الله تعالى خلق الناس بعقول ومدارك متباينة إلى جانب اختلاف الألسنة والألوان والتصورات والأفكار " ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين"7 وكل تلك الأمور تفضي إلى تعدد الآراء والأحكام وتختلف باختلاف قائليها.
وإذا كان اختلاف ألسنتنا وألواننا ومظاهر خلقنا آية من آيات الله تعالى فإن اختلاف مداركنا وعقولنا وماتثمره تلك المدارك والعقول آية من آيات الله تعالى كذلك ودليل من أدلة قدرته البالغة وإن إعمار الكون وازدهار الوجود ، وقيام الحياة لا يتحقق أي منها لو أن البشر خلقوا سواسية في كل شيء وكل ميسر لما خلق له "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"8.
فقد شاء الله أن تتنوع استعدادات الإنسان واتجاهاته وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه وأن يختار هو طريقه ويحمل تبعة الاختيار …
فكان من مقتضى هذا أن يكون الناس مختلفين وأن يبلغ هذا الاختلاف حتى أن يكون فى أصول العقيدة إلا الذين أدركتهم رحمة الله . ( فى ظلال القرآن ) .
هذا .. وقد يؤدى الاختلاف بين الناس فى القول إلى اشتداد واعتداد أحد المخالفين أو كليهما بما هو عليه من قول أو رأى أو موقف ومحاولته إقناع الآخرين وحملهم عليه ويسمى ذلك بالجدل . فالجدل يعني المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " [الكهف 54] .
فإذا اشتدت خصومة المتجادلين وآثر كل منهما الغلبة بدل الحرص على ظهور الحق ووضوح الصواب وتعذر أن يقوم بينهما تفاهم أو اتفاق سميت تلك الحالة ( الشقاق ) كما قال تعالى : " وإن خفتم شقاق بينهما ) أى خلافاً حاداً يعقبه نزاع يجعل كل واحد منهما فى شق غير شق صاحبه .
إن الاختلاف الذي وقع في سلف هذه الأمة – ولا يزال واقعاً – جزء من هذه الظاهرة الطبيعية فإن لم يتجاوز الاختلاف حدوده بل التزمت الأمة بآدابه كان ظاهرة إيجابية كثيرة الفوائد 9 .
ب- أنواع الخلاف وأسبابه :
1- اختلافات أسبابها خلقية ونفسية :
وهي معروفة للعلماء والمربين الذين يتدبرون دوافع الأحداث والمواقف ولا يكتفون بالنظر إلى سطوحها دون أن يغوصوا في أعماقها ومن هذه الأسباب:
-
الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي
-
سوء الظن بالغير والمسارعة إلى اتهامه بغير بينه
-
حب الذات واتباع الهوى ومن آثاره: الحرص على الزعامة أو الصدارة أو المنصب
-
التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب
-
التعصب لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة
وهذه كلها رذائل أخلاقية والاختلاف الذي ينشأ عنها أو بسببها اختلاف غير محمود .
2-اختلافات أسبابها فكرية :
ومردها إلى اختلاف وجهات النظر في الأمر الواحد سواء كان أمراً علمياً كالخلاف في فروع الشريعة وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية أم كان أمراً عملياً كالخلاف في المواقف السياسية واتخاذ القرارات بشأنها نتيجة الاختلاف في زوايا الرؤيا وفي تقدير النتائج تبعاً لتوافر المعلومات عند طرف ونقصها عند طرف آخر وتبعاً للاتجاهات المزاجية والعقلية للأطراف المتباينة وتأثيرات البيئة والزمن عليها سلباً وإيجاباً10. ولذلك كان طبيعياً أن نجد الاختلاف في عهد النبوة والخلافة الراشدة بين عديد من الصحابة لأسباب لم تكن تخرج عن تباين في فهم النص لأسباب لغوية أو اجتهادية. ثم في عصر الفقهاء لأسباب منها ما يعود إلى اللغة وما يترتب عليه من اختلاف في المراد من الألفاظ وحملها على المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي وأيضاً من الأسباب ما يعود إلى رواية السنن ومنها ما يرجع إلى القواعد الأصولية وضوابط الاستنباط11
وهذا الخلاف الفكرى يجب أن يكون فى إطار الخلاف المحمود ، و ألا يؤدى إلى تفرق مذموم ، بل يستغل هذا الخلاف الفكرى فى إثراء الآراء النافعة وتعددها ، حتى ينتفع بكل الجهود والآراء فيما فيه صالح الفرد والمجتمع والأمة بأسرها . وإلى هذا يشير قول القائل : " نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه " و " الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية " .
الحلقة
التاسعة
عشر
الحلقة التاسعة عشر
الدرس الأول :
سـورة الاخلاص
|
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس فضل سورة الإخلاص .
-
أن يوضح الدارس حقيقة التوحيد ومقتضياته .
هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة ..وليس في هذا من غرابة . فإن الأحدية التي أمر رسول الله أن يعلنها : ( قل هو الله أحد ) .. هذه الأحدية عقيدة للضمير ، وتفسير للوجود ، ومنهج للحياة .. وقد تضمنت السورة - من ثم - أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة .
( قل هو الله أحد ) .. وهو لفظ أدق من لفظ "واحد" .. لأنه يضيف إلى معنى "واحد" أن لا شيء غيره معه . وأن ليس كمثله شيء .
إنها أحدية الوجود .. فليس هناك حقيقة إلا حقيقته . وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده . وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي ، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية . وهي - من ثم - أحدية الفاعلية . فليس سواه فاعلا لشيء ، أو فاعلا في شيء ، في هذا الوجود أصلا .
ومعنى أن الله أحد : أنه الصمد . وأنه لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفوا أحد .. ولكن القرآن يذكر هذه التفريعات لزيادة التقرير والإيضاح :
( الله الصمد ) .. ومعنى الصمد اللغوي : السيد المقصود الذي لا يقضى أمر إلا بإذنه . والله - سبحانه - هو السيد الذي لا سيد غيره ، فهو أحد في ألوهيته والكل له عبيد . وهو المقصود وحده بالحاجات ، المجيب وحده لأصحاب الحاجات .. وهذه الصفة متحققة ابتداء من كونه الفرد الأحد .
( لم يلد ولم يولد ) .. فحقيقة الله ثابتة أبدية أزلية ، لا تعتورها حال بعد حال . صفتها الكمال المطلق في جميع الأحوال . والولادة انبثاق وامتداد ، ووجود زائد بعد نقص أو عدم ، وهو على الله محال . ثم هي تقتضي زوجية . تقوم على التماثل . وهذه كذلك محال . ومن ثم فإن صفة ( أحد ) تتضمن نفي الوالد والولد ..
( ولم يكن له كفوا أحد ) .. أي لم يوجد له مماثل أو مكافئ . لا في حقيقة الوجود ، ولا في حقيقة الفاعلية ، ولا في أية صفة من الصفات الذاتية . وهذا كذلك يتحقق بأنه ( أحد ) ولكن هذا توكيد وتفصيل .
من هنا ينبثق منهج كامل للحياة ، قائم على ذلك التفسير وما يشيعه في النفس من تصورات ومشاعر واتجاهات :
منهج لعبادة الله وحده . الذي لا حقيقة لوجود إلا وجوده ، ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعليته ، ولا أثر لإرادة إلا إرادته .
ومنهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة . في السراء والضراء . في النعماء والبأساء .
ومنهج للتلقي عن الله وحده . تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين ، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم ، والآداب والتقاليد .
من أجل هذا كله كانت الدعوة الأولى قاصرة على تقرير حقيقة التوحيد بصورتها هذه في القلوب . لأن التوحيد في هذه الصورة عقيدة للضمير ، وتفسير للوجود ، ومنهج للحياة . وليس كلمة تقال باللسان أو حتى صورة تستقر في الضمير .إنما هو الأمر كله ، والدين كله . وما بعده من تفصيلات وتفريعات لا يعدو أن يكون الثمرة الطبيعية لاستقرار هذه الحقيقة بهذه الصورة في القلوب
التقويم
-
أذكر فضل سورة الإخلاص .
-
وضح حقيقة التوحيد ومقتضياته .
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الثانى : أهمية العلاقة الطيبة مع الآخرين .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
* أن يوضح الدارس أهمية العلاقة الطيبة مع الآخرين على الرغم من وجود خلاف .
***********
"ما دام الناس في اختلاف نظراً لما بيناه سابقاً ومادام الاجتماع على أمر فرعي متعذر ومطلب مستحيل بل هو يتنافى مع طبيعة الدين إذاً لابد أن يكون هناك أصل يلتقي عليه الناس ينـزلون عليه لما فيه من مصلحة الاجتماع خير لهم من الفرقة والتشتت . فما هو هذا الأصل الذي يجب أن يلتقي عليه الناس ويسعهم أجمعين ؟ إنه سلامة الصدر مع كل من المخالفين وإصلاح ذات البين، إذ لا يكون الخلاف حائلاً دون ارتباط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير وأن يشملنا ومن يخالفنا الرأي معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده وأوسع مشتملاته ألسنا مسلمين وهم كذلك ألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟ ففيم الخلاف إذا ؟ ولماذا لا نتفاهم في جو الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم؟ 12
فينبغي أن نقترب أكثر ممن يخالفنا في الرأي ولا نبتعد عنه: طمعاً في أوبته وإحساناً لمعاملته، واحتراماً لوجهة نظره فإذا كان للخلاف مساحة محدودة فإن مساحة التعامل بجوانبها الإنسانية كثيرة ومتعددة وعندما نحسن استغلال هذه الجوانب ستضيق مساحات الخلاف وسيقتصر على حدود وجهات النظر وليس الخلاف القلبي وستصفو النوايا وتسلم الصدور.
قال تعالى "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله و رسوله إن كنتم مؤمنين"13 نزلت هذه الآيات لما اختلف المسلمون في شأن الأنفال وكادت أن تسوء أخلاقهم فنـزعها الله منهم وجعلها لله ولرسوله وردهم إلى ما هو أعلى من ذلك وأعز من الحب وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله فليشملنا ما شمل أصحاب رسول الله من معاني الإسلام الحية.
"وعن عبد الله بن مسعود قال سمعت رجلاً يقرأ آية سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم ) يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي (صلى الله عليه وسلم ) فذكرت ذلك فعرفت في وجهه الكراهة وقال "كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"14
وما أمر بدر عنا ببعيد حين استشار رسو ل الله (صلى الله عليه وسلم ) أبا بكر وعمر وعلياً في أسرى بدر فقال أبو بكر يا رسول الله :"هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان وإني أرى أن نأخذ منهم الفدية. فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا"، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "ما ترى يا ابن الخطاب" قال :قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان – قريب عمر- فأضرب عنقه وتمكن علياً من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان - أخيه- فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقاداتهم، فنـزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) على رأي أبى بكر ونزل القرآن مؤيداً رأي عمر مع الوعيد الشديد فبكى رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وأبو بكر فلما رآهما عمر رضي الله عنه قال ما يبكيكما فأبكي لبكائكما وإلا تباكيت" رواه مسلم . هذا يدل على وحدة المشاعر والوجدان لا التشفي والعصبية.
بل كان البعد عن الخلاف هو الأصل في كل عصر من العصور: ففى عصر التابعين صلى الشافعي – رحمه الله – الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة – رحمه الله – فلم يقنت والقنوت عنده سنة مؤكدة فقيل له في ذلك فقال "أخالفه وأنا في حضرته؟!" ما أفقه علماء الإسلام حتى بعد الممات كانوا يؤثرون عدم الخلاف
وفي العصر الحديث عندما وضع د. طه حسين كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" ضمنه آراءً ينادى بها بأن تتجه الثقافة في مصر إلى الغرب يقول الإمام الشهيد حسن البنا " اتصل بي بعض أصدقائنا الغيورين وطلبوا إليّ أن أنقد الكتاب وفي الموعد المحدد ذهبنا إلى دار الشبان المسلمين فوجدتها – على غير عادتها – غاصة والحاضرون هم رجالات العلم والأدب والتربية في مصر ليس من دون هذا المستوى ووقفت على المنصة واستفتحت بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وبجانبي الدكتور الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين ورأيت الكتاب كله منطبعاً في خاطري بعلاماتي التي كنت أعلِّم عليها بالقلم الرصاص وبدأت أول ما بدأت فقلت: إنني لن أنقد هذا الكتاب من عندي وإنما سأنقد بعضه ببعض وأخذت ملتزما بهذا الشرط أذكر العبارة من الكتاب وأعارضها بعبارة أخرى من نفس الكتاب ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول "يقول الدكتور طه حسين في الكتاب في صفحة كذا وأقول العبارة من خاطري وظللت على هذه الوتيرة حتى انتهيت من الكتاب كله وأنهينا المحاضرة فقام الجميع وفي مقدمتهم الدكتور الدرديري بين معانق ومقبل ولما هممت بالانصراف رجاني الدكتور الدرديري أن أنتظر برهة لأنه يريد أن يسر إليّ حديثاً واقترب مني وأسر في أذني سراً وتعجبت له قال: لما نشرنا عن موضوع محاضرتك وموعدها اتصل بي الدكتور طه حسين وطلب إلي أن أعدله مكاناً في هذه الدار يستطيع فيه أن يسمع كل كلمة تقولها دون أن يراه أو يعلم بوجوده أحد فأعددنا له المكان وحضر المحاضرة من أولها إلى آخرها ثم خرج دون أن يراه أو يعلم به أحد وفي اليوم التالي طلب الدكتور طه حسين بمكتبه بوزارة المعارف الأستاذ / أحمد الشادي – سكرتير المكتب – وقال له : أحب أن ترتب لي اجتماعاً بالأستاذ / حسن البنا في أي مكان بحيث لا يكون معنا أحد وبحيث لا يعلم به أحد وليكن هذا المكان في بيته أو بيتي أو في مكتبي هنا وأبلغني الأستاذ أحمد السكري بذلك فرأيت أن يكون الاجتماع بمكتبه بالوزارة وبدأ الدكتور طه حسين الاجتماع بقوله:- لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأنني حضرت محاضرتك وبأنني كنت حريصاً على حضورها وعلى الاستماع إلى كل كلمة تقولها وأنني أعرف من هو حسن البنا وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان مكانك ما أعرته إهتماماً. فشكرته ثم سألته عن رأيه في المواضع التي وجهت النقد إليها في الكتاب وهل لديه من رد عليها؟ قال الدكتور طه: ليس لي رد على شيء منها وهذا نوع من النقد لا يستطيعه غيرك وهذا ما عناني مشقة الاستماع إليك ولقد كنت أستمع لنقدك لي وأطرب وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت رأسي لهم ليت أعدائي مثل حسن البنا إذن لمددت لهم يدي من أول يوم . ثم تناقشنا في مواضيع مختلفة تدور حول طبيعة الفكرة الإسلامية ومدى إحاطتها بكل نواحي المجتمع فكان آخر حديث لي بعد أن تحدثنا أكثر من ساعتين أن قلت له: لو أن أصحاب الآراء حين يختلفون حول أمر من الأمور لم يعتقد كل منهم أن رأيه هو الصواب كله وأن آراء غيره هو الخطأ كله بل أضاف إلى اعتقاده في صحة رأيه اعتقاداً بأنه قد يكون في آراء الآخرين نوع من الصواب وإن لم يبن له لما اشتد الخلاف ووصل إلى خصومة تطمس في ظلماتها معالم الحقيقة وينقلب النقاش من كونه وسيله للبحث عن الحقيقة إلى محاولة للانتصار للرأي والمجادلة بالباطل"15
نعم يجب على كل مسلم حين يختلف في الرأي مع أخيه أن يتذكر أن لقاءهما الأصل لا يصح التخلي عنه وهو الحفاظ على سلامة الصدور والمودة بينهم واجتماع الكلمة فإذا استقر هذا في النفس ناقشنا بقدر وخالفنا بحساب ووقفنا من دراسة الأمر عند القدر الذي يمسك مكانة أخيك في قلبك ومكانتك في قلبه ومن الواجب أن تستحضر دائماً قوله تعالى "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا" (الأنفال 46)وقول رسولنا (صلى الله عليه وسلم ) ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"16
هذا يجعلنا بحاجة دائماً إلى أن ننظر للأمور من وجهة نظر الآخرين أيضاً وليس من وجهة نظرنا نحن فقط وتذكر دائماً قد تكون على غير الصواب حتى ولو قلت : لقد رأيت هذا الشيء بعيني.
وتذكر أيضاً أن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف عملا بكتاب الله وسنة رسوله كما بينا سالفاً نسأل الله أن يجمع القلوب المتشتتة وتتلاشى سحب الأحقاد والضغائن وتتآلف الأنفس على طاعة الله واتباع رسوله (صلى الله عليه وسلم )
قال بعض الحكماء : كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك فلا تكن به عليه بخيلا فإنه لعله يعوضك من ثواب المحسنين . وقد قال تعالى : " وقولوا للناس حسنا " وقال سبحانه وتعالى أيضاً : " وقل لعبادي يقولوا التى هى أحسن " . وقال عليه الصلاة والسلام : " من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت فى ربض الجنة ومن تركه وهو محق بني له فى وسطها ومن حسن خلقه بني له فى أعلاها " رواه الترمذى . وعن عائشة رضى الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى ، وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون ولكن فى التحريش بينهم " رواه الترمذى . وأخرج أبو داود عن أبى سعيد بن المسيب رضي الله عنهما قال : " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر فآذاه فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثالثة فانتصر أبو بكر . فقام الرسول صلى الله عليه وسلم . فقال أبو بكر : أوجدت علىّ يارسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك فلما انتصرت ذهب الملك وقعد الشيطان فلم أكن لأجلس إذا وقع الشيطان " .[ المستخلص فى تزكية الأنفس ]
الحلقة
العشرون
الحلقة العشرون
الدرس الأول :
ســورة الفلق
|
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) |
الأهداف الإجرائية السلوكية لسورتى الفلق والناس :
-
أن يذكر الدارس فضل سورتى الفلق والناس .
-
أن يبين الدارس مم يكون الاستعاذة كما وضحت السورتين .
هذه السورة والتي بعدها توجيه من الله - سبحانه وتعالى - لنبيه ابتداء وللمؤمنين من بعده جميعا ، للعياذ بكنفه ، واللياذ بحماه ، من كل مخوف : خاف وظاهر ، مجهول ومعلوم ، على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل .. وكأنما يفتح الله - سبحانه - لهم حماه ، ويبسط لهم كنفه ، ويقول لهم ، في مودة وعطف :تعالوا إلى الحمى . تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه . تعالوا فأنا أعلم أنكم ضعاف وأن لكم أعداء وأن حولكم مخاوف وهنا الأمن والطمأنينة والسلام . ومن ثم تبدأ كل منهما بهذا التوجيه . ( قل : أعوذ برب الفلق ) .. ( قل : أعوذ برب الناس )
وهنا في هذه السورة يذكر الله - سبحانه - نفسه بصفته التي بها يكون العياذ من شر ما ذكر في السورة .
( قل أعوذ برب الفلق ) .. والفلق من معانيه الصبح ، ومن معانيه الخلق كله . بالإشارة إلى كل ما يفلق عنه الوجود والحياة ..
وسواء كان هو الصبح .. أو كان هو الخلق فالاستعاذة برب الخلق الذي يؤمن من شر خلقه.
( من شر ما خلق ) .. أي من شر خلقه إطلاقا وإجمالا .. والاستعاذة بالله هنا من شرها ليبقى خيرها . والله الذي خلقها قادر على توجيهها وتدبير الحالات التي يتضح فيها خيرها لا شرها . ( ومن شر غاسق إذا وقب ) .. والغاسق في اللغة الدافق ، والوقب النقرة في الجبل يسيل منها الماء . والمقصود هنا - غالبا - هو الليل وما فيه . الليل حين يتدفق فيغمر البسيطة . والليل حينئذ مخوف بذاته . فضلا على ما يثيره من توقع للمجهول الخافي من كل شيء .
( ومن شر النفاثات في العقد ) .. والنفاثات في العقد : السواحر الساعيات بالأذى عن طريق خداع الحواس .. وهن يعقدن العقد في نحو خيط أو منديل وينفثن فيها كتقليد من تقاليد السحر والإيحاء !
والسحر لا يغير من طبيعة الأشياء ؛ ولا ينشئ حقيقة جديدة لها . ولكنه يخيل للحواس والمشاعر بما يريده الساحر .. وهذه هي طبيعة السحر كما ينبغي لنا أن نسلم بها . وهو بهذه الطبيعة يؤثر في الناس ، وينشئ لهم مشاعر وفق إيحائه .. مشاعر تخيفهم وتؤذيهم وتوجههم الوجهة التي يريدها الساحر ، وعند هذا الحد نقف في فهم طبيعة السحر والنفث في العقد .. وهي شر يستعاذ منه بالله ، ويلجأ منه إلى حماه .
( ومن شر حاسد إذا حسد ) .. والحسد انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمني زوالها . وسواء أتبع الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي ، فإن شرا يمكن أن يعقب هذا الانفعال ..فهنا شر يستعاذ منه بالله .
والله برحمته وفضله هو الذي يوجه رسوله وأمته من ورائه إلى الاستعاذة به من هذه الشرور .. ومن المقطوع به أنهم متى استعاذوا به - وفق توجيهه - أعاذهم . وحماهم من هذه الشرور إجمالا وتفصيلا .. وقد روى البخاري - بإسناده - عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ، ثم نفث فيهما ، وقرأ فيهما ، ( قل هو الله أحد ) . و ( قل : أعوذ برب الفلق ) . و ( قل : أعوذ برب الناس ) . ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، يبدأ بهما على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاث مرات .. وهكذا رواه أصحاب السنن ...
الدرس الثاني :
الهدف المرحلى الثالث : أن يوضح مفاسد الخلاف17
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس مفاسد الخلاف على مستوى الأفراد .
-
أن يوضح الدارس مفاسد الخلاف على مستوى الجماعة و الأمة والعمل الإسلامى .
*************
إن أهم مفاسد الخلاف الرئيسية ذهاب نصر الله عن الفئة المؤمنة والفشل وضياع قوتهم وهيبتهم كما يقرر الله تعالى فى كتابه الحكيم: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين " الأنفال 46 ،...والاختلاف يولد الخلاف والاختلاف بين القلوب لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ): "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" ويحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مفاسد الاختلاف حتى فى الوقوف فى صف الصلاة : " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " رواه مسلم . ويقول ابن مسعود رضى الله عنه : " الخلاف شر " العواصم من القواصم
وسنذكر بعضاً من مفاسد الخلاف الضارة وعواقبه المهلكة سواء على مستوى الأفراد أو العمل الإسلامي نفسه :-
-
على مستوى الأفراد :
1) قسوة القلب : ذلك أن المراء والجدال والاختلاف والخلاف مبني أساساً على الكلام الكثير الذي لا فائدة فيه سوى إفحام الخصم والغلبة عليه وكثرة الكلام بدون ذكر الله فيها قسوة القلب "وأن أبعد الناس على الله القلب القاسي"18
وقال مالك بن أنس إمام دار الهجرة "المراء يقسي القلوب"19
2) إغضاب الآخرين : الأمر الذي يؤدي إلى البعد والقطيعة والتآمر. الخلاف دائماً يبني على قول لا بركة فيه ولا يصحبه عمل "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"20 وقد وعى ذلك لقمان الحكيم فقال موصياً ابنه "يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك"
3) ضياع الهيبة وسقوط المروءة : وذلك أن المراء والجدال والخلاف يحمل صاحبه على كشف أوراقه ويرمي خصمه بكل ما يستطيع وإذا فعل ذلك ضاعت هيبته وسقطت مروءته لا محالة إذ المرء مخبوء تحت لسانه وفي ذلك يقول عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: "من كثر كذبه ذهب جماله ومن لاحى لرأي اختلف مع الرجل سقطت مروءته" إحياء علوم الدين 3 / 176
4) عدم أمن الفتنة في الدين : ذلك أنه كثيراً ما تعترض الشبهات للمخالفين فى الرأي وقد لا يتمكن من الرد عليها وحينئذ يتسرب الشك إلى نفسه وقد يقوى هذا الشك إلى حد الفتنة في الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله . وماذا في الحياة بعد الفتنة وضياع الدين .. قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل.
-
على مستوى الجماعة والأمة والعمل الإسلامي :
** الفرقة والتمزق والضعف :
{ إن الإختلاف المذموم يؤدى إلى تفرق الكلمة وتعادى الأمة ، وتنازع الطوائف ، ويلبسها شيعاً ويذيق بعضها بأس بعض . وهو ما حذر منه القرآن الكريم والسنة المطهرة أشد تحذير ، يقول القرآن الكريم بعد الأمر بتقوى الله حق تقاته ، والثبات على الإسلام إلى الممات : " واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " (سورة آل عمران 103 ) وفى هذا السياق يقول سبحانه : " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " (سورة آل عمران 105 ) . ويوجه الرسول والمؤمنين فى موضع آخر فيقول : " منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين . من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون " ( سورة الروم 31 ، 32 ) . وحذّر القرآن من التفرق أيما تحذير ، ومن ذلك قوله تعالى : " قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض "( الأنعام 65 ) . فجعل تفريق الأمة شيعاً ، يذوق بعضها بأس بعض ، من أنواع العقوبات القدرية التى ينزلها الله بالناس إذا انحرفوا عن طريقه ولم يعتبروا بآياته ، وقرنها القرآن بالرجم ينزل من فوقهم كالذى نزل بقوم لوط ، وبالخسف يقع من تحت أرجلهم كالذى وقع لقارون . وقال تعالى : " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم فى شىء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون " ( الأنعام 159 ) . جاء عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت فى اليهود والنصارى ، الذين تفرقوا واختلفوا فى دينهم . وجاء عن غيره أنهم أهل البدع ، وأهل الشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة } . الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم د/ يوسف القرضاوى
كما تروى كتب السيرة خطورة هذا الخلاف على الصف والجماعة ما أخرجه بن اسحاق وابن جرير عن زيد بن أسلم قال : [ مر شاس بن قيس – وكان شيخاً قد عسا ( كبر وأسن ) فى الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم – على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج فى مجلس قد جمعهم ، يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد ، والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتى شاباً معه من يهود ، فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم . ثم ذكرهم يوم بعاث ، وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ، ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيّين على الركب ، أوس بن قيضى أحد بنى حارثة من الأوس ، وجبار بن صخر أحد بنى سلمة من الخزرج ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة !! ( أى كما كانت وقت نشوبها ) ، وغضب الفريقان جميعاً وقالوا : قد فعلنا ، السلاح السلاح !! موعدكم الظاهرة– والظاهرة الحرة – فخرجوا إليها ، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التى كانوا عليها فى الجاهلية ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : " يامعشر المسلمين الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟! أبعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم امر الجاهلية ، فاستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟! " فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم لهم ، فألقوا السلاح وبكوا ، وعانق الرجال بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس ، وأنزل الله فى شأن شاس بن قيس وما صنع : " قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون " إلى قوله : " وما الله بغافل عما تعملون " وأنزل فى أوس بن قيضى وجبار بن صخر ومن كان معهما ، من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا : " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين " إلى قوله : " وأولئك لهم عذاب عظيم " ] .
{ والآيات الكريمة دعوة قوية إلى توحيد الكلمة ، واجتماع الصف المسلم على الإسلام ، وقد تضمنت :
-
التحذير من دسائس غير المسلمين ، ومن طاعتهم فيما يوسوسون به فليس وراءها إلا الإرتداد على الأعقاب ، والكفر بعد الإيمان .
-
التعبير عن الاتحاد بالإيمان ، وعن التفرق بالكفر ، فإن معنى " يردوكم بعد إيمانكم كافرين " أى بعد وحدتكم وأخوتكم متفرقين متعادين كما تدل أسباب النزول .
-
أن الاعتصام بحبل الله من الجميع هو أساس الوحدة والتجمع بين المسلمين وحبل الله هو الإسلام ، والقرآن .
-
التذكير بنعمة الأخوة الإيمانية بعد عداوات الجاهلية وإحنها وحروبها ، وهى أعظم النعم بعد الإيمان : " وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم " الأنفال 63
-
لا يجمع الأمة أمر مثل أن يكون لها هدف كبير تعيش له ، ورسالة عليا تعمل من أجلها ، وليس هناك هدف أو رسالة للأمة الإسلامية أكبر ولا أرفع من الدعوة إلى الخير الذى جاء به الإسلام ، وهذا سر قوله تعالى فى هذا السياق : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهمون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " آل عمران 104
-
التاريخ سجل العبر ، والواعظ الصامت للبشر ، وقد سجّل التارخ أن من قبلنا تفرقوا واختلفوا فى الدين فهلكوا ، ولم يكن لهم عذر ، لأنهم اختلفوا بعد ما جاءهم العلم ، وجاءتهم البينات من ربهم ، ومن هنا كان التحذير الإلهى : " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " آل عمران 105 .} الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم د/ القرضاوى
وما يحدث للمسلمين الآن وما يجرى فى العالم الإسلامى ، وما أصاب المسلمين من هوان وذل وغثائية لأوضح دليل على ذلك .
1 ) الاخوة الإسلامية أ / عبد الله ناصح
2 ) المصدر السابق
3 روى الطبري
4 رواه مسلم
5 رواه مالك
6 رواه الترمذي
7 1 الروم "52"
8 2 هود 118 - 119
9 3 أدب الاختلاف في الإسلام د. جابر فياض العلواني
10 1 أدب الاختلاف د. يوسف القرضاوي
11 2 أدب الاختلاف في الإسلام د. طه جابر العلواني
12 3 ) صحيح البخارى - كتاب الخصومات – 2233 ، فى مسند الإمام أحمد 3538
13 الأنفال (1)
14 1 فهم الإسلام في ظلال الأصول الشرعية أ / جمعة أمين
151 الإخوان أحداث صنعت التاريخ د. محمود عبد الحليم ج1
162) صحيح البخارى – باب الخصومات رقم 2233 – مسند الإمام أحمد رقم 3538
182 الحديث خرجه الترمذي في السنن كتاب الزهد باب فيه 4 / 525 رقم 2411
19 3 إحياء علوم الدين 3 / 176
20 4 الصف (3)
Date de dernière mise à jour : 05/07/2021