potenCiel Espace éducatif de l'Association Cultures & Citoyenneté

الحلقة 21-40

الحلقة 21-40

الحلقة الحادية والعشرون

الدرس الأول :

 

 

الحديث الحادي عشر

الأَخذ باليَقِينِ والبُعْدُ عَن الشُّبُهات

عَنْ أَبي مُحمَّدٍ الحسَنِ بْنِ عليّ بْنِ أبي طَالِب، سِبْطِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَيْحَانَتِهِ رضيَ اللهُ عنهُما، قالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى مَا لاَ يَرِيُبكَ" روَاهُ التِّرْمِذيُّ وَالنَّسَائي، وقالَ التِّرْمِذي : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس ما يدل عليه الحديث .

  2. أن يوضح الدارس مدى تطبيقه لما جاء فى الحديث .

 

مفردات الحديث:

"دع ما يَرِيبك ": دع ما تشك فيه من الشبهات. "إلى ما لا يَرِيبك" إلى ما لا تشك فيه من الحلال البَيِّن.

 

المعنى العام:

إن ترك الشبهات في العبادة والمعاملات والمناكحات وسائر أبواب الأحكام، والتزام الحلال في كل ذلك، يؤدي بالمسلم إلى الورع، وقد سبق في الحديث السادس أن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وأن الحلال المتيقَّن لا يحصل للمؤمن في قلبه منه شك أو ريب، أما الشبهات فيرضى بها الإنسان ظاهراً، ولو كَشَفْنَا ما في قلبه لوجدنا القلق والاضطراب والشك، ويكفيه هذا العذاب النفسي خسارة معنوية، والخسارة الكبرى والهلاك الأعظم أن يعتاد الشبهات ثم يجترئ على الحرام، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

- تعارض الشك واليقين: إذا تعارض الشك مع اليقين، أخذنا باليقين وقدمناه وأعرضنا عن الشك.

أما من يخوض في المُحَرَّمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشُّبَه، فإن ورعه هذا ثقيل ومظلم، ويجب علينا أن نُنْكِر عليه ذلك، وأن نُطالبه بالكَفّ عن الحرام الظاهر أولاً، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "هما رَيحانتاي من الدنيا"رواه البخاري [حديث رقم: 5994] .

- الصدق طمأنينة والكذب ريبة:

وعلامة الصدق أن يطمئن به القلب، وعلامة الكذب أن تحصل به الشكوك فلا يسكن القلب له بل ينفر منه.

- ويرشدنا الحديث : إلى أن نبني أحكامنا وأمور حياتنا على اليقين . وأن الحلال والحق والصدق طمأنينة ورضا، والحرام والباطل والكذب ريبة وقلق ونفور . كما يحث الحديث على الورع وترك الشبهات .

 

التقويم

  1. " يحث الإسلام المسلم على أن يترك الشبهات ويلتزم الحلال المتيقن " وضح ذلك .

  2. الحلال والحق والصدق طمأنينة – وضح ذلك .

  3. هل تذكر أحد المواقف التى عايشت فيها معنى الطمانينة فى التزام الحق .

  4. وضح مدى تطبيقك لما جاء فى الحديث .

 

الدرس الثاني :

 

الفقه

 

باب الطهارة

 

 

أركان الغسل

لا تتم حقيقة الغسل المشروع إلا بأمرين :

( 1 ) النية : إذ هي المميزة للعبادة عن العادة ، وليست النية إلا عملا قلبيا محضا . وأما ما درج عليه كثير من الناس واعتادوه من التلفظ بها فهو محدث غير مشروع ، ينبغي هجره والاعراض عنه وقد تقدم الكلام على حقيقة النية في الوضوء .

( 2 ) غسل جميع الاعضاء : لقول الله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) أي اغتسلوا ، وقوله : ( يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ) : أي يغتسلن . والدليل على أن المراد بالتطهر الغسل ، ما جاء صريحا في قول الله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) وحقيقة الاغتسال ، غسل جميع الاعضاء .

 

سنن الغسل

سننه يسن للمغتسل مراعاة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في غسله فيبدأ

( 1 ) بغسل يديه ثلاثا

( 2 ) ثم يغسل فرجه

( 3 ) ثم يتوضأ وضوءا كاملا كالوضوء للصلاة ، وله تأخير غسل رجليه إلى أن يتم غسله ، إذا كان يغتسل في طست ونحوه

( 4 ) ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثا مع تخليل الشعر ، ليصل الماء إلى أصوله

( 5 ) ثم يفيض الماء على سائر البدن بادئا بالشق الايمن ثم الايسر مع تعاهد الابطين وداخل الاذنين والسرة وأصابع الرجلين وذلك ما يمكن دلكه من البدن . وأصل ذلك كله ما جاء عن عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أنه قد استبرأ1 حفن على رأسه ثلاث حثيات ، ثم أفاض على سائر جسده ) ، رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لهما : ( ثم يخلل بيديه شعره ، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ) ، ولهما عنها أيضا قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشئ نحو الحلاب2 فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الايمن ثم الايسر ، ثم أخذ بكفيه فقلبهما على رأسه ) وعن ميمونة رضي الله عنها قالت : وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به ، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ، ثم دلك يده بالارض ثم مضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ويديه ، ثم غسل رأسه ثلاثا ، ثم أفرغ على جسده ، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه ، قالت : فأتيته بخرقة فلم يردها3 وجعل ينفض الماء بيده رواه الجماعة .

 

 

 

الحلقة

الثانية

والعشرون

 

الحلقة الثانية والعشرون

الدرس الأول :

الحديث الثاني عشر

الاشتغالُ بِمَا يُفيد

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه قالَ : قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ حُسْنِ إسْلاَمِ الْمَرءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ".حديث حسن ، رواه الترمذي وغيره .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس أهمية الحديث .

  2. أن ينشغل الدارس بمعالي الأمور ويبعد عن سفاسفها .

3- أن يوضح الدارس ما يعني الإنسان وما لا يعنيه .

4- أن يوضح الدارس كيف يطبق هذا الحديث على نفسه .

- أهميته :

قال ابن رحب الحنبلي: هذا الحديث أصل عظيم من أُصول الأدب.

- مفردات الحديث:

"من حسن إسلام المرء": من كمال إسلامه وتمامه، وعلامات صدق إيمانه، والمرء يُراد به الإنسان، ذكراً كان أم أنثى . "ما لا يعنيه": ما لا يهمه من أمر الدين والدنيا.

- المعنى العام :

يحرص الإسلام على سلامة المجتمع ، وأن يعيش الناس في وئام ووفاق، لا منازعات بينهم ولا خصومات، كما يحرص على سلامة الفرد وأن يعيش في هذه الدنيا سعيداً، يَألف ويُؤلف، يُكْرَم ولا يُؤذَى، ويخرج منها فائزاً رابحاً، وأكثر ما يثير الشقاق بين الناس، ويفسد المجتمع، ويورد الناس المهالك تَدَخُّل بعضهم في شؤون بعض، وخاصة فيما لا يعنيهم من تلك الشؤون، ولذا كان من دلائل استقامة المسلم وصدق إيمانه تركه التدخل فيما لا يخصه من شؤون غيره.

والمسلم مسؤول عن كل عمل يقوم به، فإذا اشتغل الإنسان بكل ما حوله، وتدخل في شؤون لا تعنيه، شغله ذلك عن أداء واجباته، والقيام بمسؤولياته، فكان مؤاخذاً في الدنيا ومعاقباً في الآخرة، وكان ذلك دليل ضعف إدراكه، وعدم تمكن الخُلُق النبوي من نفسه. وروى ابن حبان في صحيحه: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه : "بحسب امرئ من الشر ما يجهل من نفسه ويتكلف ما لا يعنيه".

وإذا أدرك المسلم واجبه، وَعقَل مسؤوليته، فإنه يشتغل بنفسه، ويحرص على ما ينفعه في دنياه وآخرته، فَيُعْرِض عن الفضول، ويبتعد عن سَفَاسِفِ الأمور، ويلتفت إلى ما يعنيه من الأحوال والشؤون.

والمسلم الذي يعبد الله عز وجل كأنه يراه، ويستحضر في نفسه أنه قريب من الله تعالى والله تعالى قريب منه، يشغله ذلك عما لا يعنيه، ويكون عدم اشتغاله بما لا يعنيه دليل صدقه مع الله تعالى وحضوره معه، ومن اشتغل بما لا يعنيه دل ذلك على عدم استحضاره القرب من الله تعالى، وعدم صدقه معه، وحَبِط عمله، وكان من الهالكين.

رُوي عن الحسن البصري أنه قال: من علامة إعراض الله عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.

- ما يعني الإنسان من الأمور وما لا يعنيه: والذي يعني الإنسان من الأمور هو: ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، من طعام وشراب وملبس ومسكن ونحوها، وما يتعلق بسلامته في معاده وآخرته، وما عدا هذا من الأمور لا يعنيه: فمما لا يعني الإنسان الأغراض الدنيوية الزائدة عن الضرورات والحاجيات: كالتوسع في الدنيا، والتنوع في المطاعم والمشارب، وطلب المناصب والرياسات ، ولا سيما إذا كان فيها شيء من المماراة والمجاملة على حساب دينه.

الفضول في الكلام مما لا يعني، وقد يجر المسلم إلى الكلام المُحَرَّم، ولذلك كان من خُلُق المسلم عدم اللَّغَط والثرثرة والخوض في كل قيل وقال. روى الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلام ابن آدم عليه لا له، إلا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر الله تعالى".

ما يستفاد من الحديث: أن من صفات المسلم الاشتغال بمعالي الأمور، والبعد عن السَفاسِفِ ومُحَقِّرَات الشؤون.

وفيه: تأديب للنفس وتهذيب لها عن الرذائل والنقائص، وترك ما لا جدوى منه ولا نفع فيه.

 

التقويم

  1. وضح أهمية الحديث .

  2. يحرص الإسلام على أن ينشغل المسلم بمعالي الأمور ويبعد عن سفاسفها . وضح ذلك

  3. وضح ما يعني الإنسان وما لا يعنيه .

  4. يحرص الإسلام على سلامة المجتمع، وأن يعيش الناس في وئام ووفاق – وضح ذلك فى ضوء فهمك للحديث .

  5. وضح كيف تطبق هذا الحديث على نفسك .

 

الدرس الثاني :

 

الفقه

 

باب الطهارة

 

غسل المرأة

غسل المرأة كغسل الرجل ، إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها ، إن وصل الماء إلى أصل الشعر ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها ، أن امرأة قالت يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه للجنابة ؟ قال : ( إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفضي على سائر جسدك ، فإذا أنت قد طهرت ) رواه أحمد ومسلم والترمذي وقال : حسن صحيح ، وعن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : بلغ عائشة رضي الله عنها أن عبد الله ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت : ( يا عجبا لابن عمر ، يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤوسهن ، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ) رواه أحمد ومسلم ، ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيض أو نفاس ، أن تأخذ قطعة من قطن ونحوه ، وتضيف إليها مسكا أو طيبا ثم تتبع بها أثر الدم ، لتطيب المحل وتدفع عنه رائحة الدم الكريهة . فعن عائشة رضي الله عنها : أن أسماء بنت يزيد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض قال : ( تأخذ إحداكم ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور4 ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها5 ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة6 فتطهر بها قالت أسماء : وكيف تطهر بها ؟ قال : ( سبحان الله ! تطهري بها ) فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك7 . تتبعي أثر الدم : وسألته عن غسل الجنابة فقال : ( تأخذي ماءك فتطهرين فتحسنين الطهور أو أبلغي الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء ) فقالت عائشة : ( نعم النساء نساء الانصار . لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين ) رواه الجماعة إلا الترمذي .

 

مسائل تتعلق بالغسل

1 - يجزئ غسل واحد عن حيض وجنابة ، أو عن جمعة وعيد ، أو عن جنابة وجمعة ، وإذا نوى الكل ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) .

2 - إذا اغتسل من الجنابة ، ولم يكن قد توضأ يقوم الغسل عن الوضوء ، قالت عائشة : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل ) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لرجل - قال له : إني أتوضأ بعد الغسل - فقال له : لقد تغمقت ، وقال أبو بكر ابن العربي : لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل ، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وتقضي عليها ، لان موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث ، فدخل الاقل في نية الاكثر ، وأجزأت نية الاكبر عنه .

3 - يجوز للجنب والحائض إزالة الشعر ، وقص الظفر والخروج إلى السوق وغيره من غير كراهية . قال عطاء يحتجم الجنب ، ويقلم أظافره ، ويحلق رأسه ، وإن لم يتوضأ رواه البخاري .

4 - لا بأس بدخول الحمام ، إن سلم الداخل من النظر إلى العورات ، وسلم من نظر الناس إلى عورته . قال أحمد : إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله ، وإلا فلا تدخل . وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ) . وذكر الله في الحمام لا حرج فيه ، فإن ذكر الله في كل حال حسن ، ما لم يرد ما يمنع ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر الله على كل أحيانه .

5 - لا بأس بتنشيف الاعضاء بمنديل ونحوه ، في الغسل والوضوء ، صيفا وشتاء .

6 - يجوز للرجل أن يغتسل ببقية الماء الذي اغتسلت منه المرأة والعكس ، كما يجوز لهما أن يغتسلا معا من إناء واحد . فعن ابن عباس قال : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها ، أو يغتسل ، فقالت له يا رسول الله : إني كنت جنبا ! فقال : ( إن الماء لا يجنب ) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ، وقال : حسن صحيح . وكانت عائشة تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، فيبادرهما وتبادره ، حتى يقول لها : دعي لي ، وتقول له : دع لي8 .

7 - لا يجوز الاغتسال عريانا بين الناس ، لان كشف العورة محرم ، فإن استتر بثوب ونحوه فلا بأس . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره فاطمة بثوب ويغتسل ، أما لو اغتسل عريانا بعيدا عن أعين الناس فلا مانع منه ، فقد اغتسل موسى عليه السلام عريانا ، كما رواه البخاري فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينا أيوب عليه السلام يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه . فناداه ربه تبارك وتعالى : ( يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى وعزتك ، ولكن لا غنى لي عن بركتك ) رواه أحمد والبخاري والنسائي .

 

 

 

 

الحلقة

الثالثة

والعشرون

 

الحلقة الثالثة والعشرون

الدرس الأول :

الحديث الثالث عشر

من تمام الإيمان

عن أبي حَمْزَةَ أَنسِ بنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه خادِم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسه". رَواهُ البُخاري ومُسلم.

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس كيف يحقق حب الخير لأخيه كما يحب لنفسه .

  2. أن يوضح الدارس كيف يدرب نفسه على حب الخير للناس .

مفردات الحديث :

"لا يؤمن": الإيمان الكامل. "أحدكم": من يدعي الإيمان والإسلام منكم.

"لأخيه": المسلم والمسلمة، وقيل : لأخيه الإنسان. "ما يحب لنفسه": مثل الذي يحبه لنفسه من الخير.

المعنى العام:

تماسك المجتمع المسلم والمحبة والود فيه: يهدف الإسلام أن يعيش الناس جميعاً متوادين ومتحابين، يسعى كل فرد منهم في مصلحة الجميع وسعادة المجتمع، حتى تسود العدالة، وتنتشر الطمأنينة في النفوس، ويقوم التعاون والتضامن فيما بينهم، ولا يتحقق ذلك كله إلا إذا أراد كل فرد في المجتمع لغيره ما يريده لنفسه من السعادة والخير والرخاء، ولذا نجده صلى الله عليه وسلم يربط ذلك بالإيمان، ويجعله خَصْلَة من خِصَاله.

الإيمان الكامل: إن أصل الإيمان يتحقق بتصديق القلب الجازم، وإذعانه لربوبية الله عز وجل ، والاعتقاد ببقية الأركان، من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقضاء والقدر، ولا يتوقف أصل الإيمان على شيء سوى ذلك. وفي هذا الحديث يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان لا ترسخ جذوره في النفس، ولا يتمكن من القلب، ولا يكمل في صدر المسلم، إلا إذا أصبح إنسان خير، بعيداً عن الأنانية والحقد، والكراهية والحسد، ومما يحقق هذا الكمال في نفس المسلم:

أن يحب لغيره من الخير المباح وفعل الطاعات ما يحبه لنفسه، وأن يبغض لهم من الشر والمعصية ما يبغضه لنفسه أيضاً.

أن يجتهد في إصلاح أخيه المسلم، إذا رأى منه تقصيراً في واجبه، أو نقصاً في دينه.

روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النار ويَدخلَ الجَّنة، فلتدركْه مَنِيَّتُهُ وهو مؤمنٌ بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يُحبُّ أن يُؤتى إليه".

من كمال الإيمان في المسلم أن لا يقتصر في حب الخير لغيره وبغض الشر له على المسلم فحسب، بل يحب ذلك لغير المسلم أيضاً، ولا سيما الإيمان، فيحب للكافر أن يسلم ويؤمن، ويكره فيه ويبغض له الكفر والفسوق، قال عليه الصلاة والسلام: "وأَحِبَّ للناس ما تُحبُّ لنفسكَ تكنْ مسلماً " رواه الترمذي. ولهذا كان الدعاء بالهداية للكافر مستحباً.

في هذا الحديث حثُّ منه صلى الله عليه وسلم لكل مسلم، أن يحمل نفسه على حب الخير للناس، ليكون ذلك برهاناً منه على صدق إيمانه وحسن إسلامه. وهكذا تسري المحبة بين الناس جميعاً، وينتشر بينهم الخير.

ما يستفاد من الحديث

- الحث على ائتلاف قلوب الناس، والعمل على انتظام أحوالهم ، وهذا من أهم ما جاء الإسلام من أجله وسعى إليه.

- التنفير من الحسد، لأنه يتنافى مع كمال الإيمان، فإن الحاسد يكره أن يفوقه أحد في خير أو يُساويه فيه، بل ربما تمنى زواله عنه ولو لم يصل إليه.

 

التقويم

  1. يحث الإسلام على ائتلاف قلوب الناس – وضح ذلك فى ضوء هذا الحديث الشريف . .

  2. يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم إلى أن يحمل نفسه على حب الخير للناس لأن ذلك من تمام الإيمان – وضح ذلك . ثم بيّن كيف تدرب نفسك على حب الخير للناس .

  3. وضح كيف تحقق حب الخير لأخيك كما تحب لنفسك .

الدرس الثاني :

 

الفقه

 

باب الطهارة

 

التيمم

1 - تعريفه : المعنى اللغوي للتيمم : القصد . والشرعي : القصد إلى الصعيد ، لمسح الوجه واليدين ، بنية استباحة الصلاة ونحوها .

 

2 - دليل مشروعيته : ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع . أما الكتاب فلقول الله تعالى : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) (سورة النساء آية 43 ) . وأما السنة ، فلحديث أبي أمامة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جعلت الارض كلها لي ولامتي مسجدا وطهورا ، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده طهوره ) رواه أحمد . وأما الاجماع ، فلان المسلمين أجمعوا على أن التيمم مشروع ، بدلا من الوضوء والغسل في أحوال خاصة .

 

3 - اختصاص هذه الامة به : وهو من الخصائص التي خص الله بها هذه الامة . فعن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي . نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث في قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة ) . رواه الشيخان .

 

4 - سبب مشروعيته : روت عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي . فأقام النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعت عائشة ؟ فجاء أبو بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم على فخذي قد نام ، فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعن بيده خاصرتي فما يمنعني من التحرك إلا مكان النبي صلى الله عليه وسلم على فخذي ، فنام حتى أصبح على غير ماء ، فأنزل الله تعالى آية التيمم ( فتيمموا ) قال السيد بن حضير : ما هي أول9 بركتكم يا آل أبي بكر ! ! فقالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه ، فوجدنا العقد تحته ) . رواه الجماعة إلا الترمذي .

 

5 - الاسباب المبيحة له : يباح التيمم للمحدث حدثا أصغر أو أكبر ، في الحضر والسفر ، إذا وجد سبب من الاسباب الاتية :

ا - إذا لم يجد الماء ، أو وجد منه ما لا يكفيه للطهارة ، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فصلى بالناس ، فإذا هو رجل معتزل فقال : ( ما منعك أن تصلي ؟ ) قال : أصابتني جنابة ، ولا ماء . قال : ( عليك بالصعيد فإنه يكفيك ) رواه الشيخان . وعن أبي ذر رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين ) رواه أصحاب السنن ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . لكن يجب عليه - قبل أن يتيمم - أن يطلب الماء من رجله ، أو من رفقته ، أو ما قرب منه عادة ، فإذا تيقن عدمه ، أو أنه بعيد عنه ، لا يجب عليه الطلب .

ب - إذا كان به جراحة أو مرض ، وخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر الشفاء ، سواء عرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الثقة من الاطباء ، لحديث جابر رضي الله عليه قال ، خرجنا في سفر ، فأصاب رجلا منا حجر ، فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات . فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال : ( قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذا لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال10 . إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليه ، ويغسل سائر جسده ) رواه أبو داود وابن ماجة والدار قطني ، وصححه ابن السكن .

ج - إذا كان الماء شديد البرودة ، وغلب على ظنه حصول ضرر بإستعماله بشرط أن يعجز عن تسخينه ولو بالاجر ، أولا يتيسر له دخول الحمام ، لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه ، أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال : احتملت في ليلة شديدة البرودة ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح . فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال : ( يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ ) . فقلت : ذكرت قول الله عزوجل : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما )11 فتيممت ثم صليت . فضحك رسول الله ولم يقل شيئا . رواه أحمد وأبو داود والحاكم والدار قطني وابن حبان ، وعلقه البخاري . وفي هذا إقرار ، والاقرار حجة لانه صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل .

د - إذا كان الماء قريبا منه ، إلا أنه يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله أو فوت الرفقة ، أو حال بينه وبين الماء عدو يخشى منه ، سواء كان العدو آدميا أو غيره ، أو كان مسجونا ، أو عجز عن استخراجه ، لفقد آلة الماء ، كحبل ودلو ، لان وجود الماء في هذه الاحوال كعدمه ، وكذلك من خاف إن اغتسل أن يرمي بما هو برئ منه ويتضرر به ، جاز التيمم12 .

ه‍ - إذا احتاج إلى الماء حالا أو مآلا لشربه أو شرب غيره ، ولو كان كلبا غير عقور ، أو احتاج له لعجن أو طبخ وإزالة نجاسة غير معفو عنها ، فإنه يتيمم ويحفظ ما معه من الماء . قال الامام أحمد رضي الله عنه : عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا لماء لشفاههم . وعن علي رضي الله عنه أنه قال - في الرجل يكون في السفر ، فتصيبه الجنابة ، ومعه قليل من الماء ، يخاف أن يعطش - : يتيمم ولا يغتسل . رواه الدار قطني . قال ابن تيمية : ومن كان حاقنا عادما للماء ، فالافضل أن يصلي بالتيمم غير حاقن من أن يحفظ وضوءه ويصلي حاقنا . و - إذا كان قادرا على استعمال الماء ، لكنه خشي خروج الوقت باستعماله في الوضوء أو الغسل ، فأنه يتيمم ويصلي ، ولا اعادة عليه .

6 - الصعيد الذي يتيمم به : يجوز التيمم بالتراب الطاهر وكل ما كان من جنس الارض ، كالرمل والحجر والرجص . لقول الله تعالى : ( فتيمموا صعيدا طيبا ) وقد أجمع أهل اللغة ، على أن الصعيد وجه الارض ، ترابا كان أو غيره .

7 - كيفية التيمم : على المتيمم أن يقدم النية13 . وتقدم الكلام عليها في الوضوء ، ثم يسمي الله تعالى ، ويضرب بيديه الصعيد الطاهر ، ويمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين . ولم يرد في ذلك أصح ولا أصرح من حديث عمار رضي الله عنه قال : اجنبت فلم أصب الماء فتمعكت في الصعيد14 وصليت ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنما كان يكفيك هكذا ) وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الارض ( وتنفخ فيهما ) ثم مسح بهما . رواه الشيخان . وفي لفظ آخر : ( إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ، ثم تنفخ فيهما ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين ) رواه الدار قطني . ففي هذا الحديث ، الاكتفاء بضربة واحدة ، والاقتصار في مسح اليدين على الكفين ، وان من السنة لمن تيمم بالتراب ، أن ينفض يديه وينفخهما منه ، ولا يعفر به وجهه .

8 - ما يباج به التيمم : التيمم بدل من الوضوء والغسل عند عدم الماء فيباح به ما يباح بهما ، من الصلاة ومس المصحف وغيرهما ، ولا يشترط لصحته دخول الوقت ، وللمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل ، فحكمه كحكم الوضوء ، سواء بسواء ، فعن أبي ذر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الصعيد طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين . فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير ) رواه أحمد والترمذي وصححه .

9 - نواقضه : ينقض التيمم كل ما ينقض الوضوء ، لانه بدل منه ، كما ينقضه وجود الماء لمن فقده ، أو القدرة على استعماله ، لمن عجز عنه . لكن إذا صلى بالتيمم ، ثم وجد الماء ، أو قدر على استعماله بعد الفراغ من الصلاة ، لا تجب عليه الاعادة ، وإن كان الوقت باقيا ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ، ثم وجد الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ، ولم يعد الاخر ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرا له ذلك ، فقال للذي لم يعد : ( أصبت السنة وأجزأتك صلاتك ) وقال للذي توضأ وأعاد : ( لك الاجر مرتين ) رواه أبو داود والنسائي . أما إذا وجد الماء وقدر على استعماله بعد الدخول في الصلاة ، وقبل الفراغ منها ، فإن وضوءه ينتقض ، ويجب عليه التطهر بالماء ، لحديث أبي ذر المتقدم . وإذا تيمم الجنب أو الحائض لسبب من الاسباب المبيحة للتيمم وصلى ، لا تجب عليه إعادة الصلاة . ويجب عليه الغسل متى قدر على استعمال الماء ، لحديث عمر رضي الله عنه قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم ، قال : ( ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم ؟ ) قال : أصابتني جنابة ولم أجد ماء . قال : ( عليك بالصعيد فإنه يكفيك ) ثم ذكر عمران : أنهم بعد أن وجدوا الماء أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أصابته الجنابة إناء من ماء وقال : ( إذهب فأفرغه عليك ) ، رواه البخاري .

 

 

 

الحلقة

الرابعة

والعشرون

 

الحلقة الرابعة والعشرون

الدرس الأول :

العقيدة

الركن الثاني : الإيمان بالملائكة

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح المقصود بالإيمان بالملائكة .

  2. أن يوضح من هم الملائكة وما حقيقتهم .

  1. أن يعرف حكم إنكار الملائكة

  1. المقصود بالإيمان بالملائكة :

المقصود به الاعتقاد الجازم بأن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور ، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ، وأنهم قائمون بوظائفهم التى أمرهم الله بالقيام بها .

فهم نوع من مخلوقات الله عز وجل ، لا يصلح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم وبما ورد فى حقهم من صفات وأعمال ، فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف .

ويجب على كل مُكلَّف شرعًا الإيمان بالملائكة، وذلك بأن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأنهم موجودون ، وبأنهم مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، وبأنهم قادرون على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة ، وهم لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة ، وهم لا يتزوجون ، ولا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا ينامون ، وهم أنواع كثيرة : فمنهم حملة العرش ، ومنهم رسل الوحى ، ومنهم الكتبة ، والحفظة ، والموكلون بقبض الأرواح ورئيس هؤلاء مَلَك الموت ، والموكلون بالأرزاق ورئيسهم ميكائيل ، والموكلون بالجنة ورئيسهم رضوان ، والموكلون بالنار ورئيسهم مالك، ومنهم القائمان بالسؤال فى القبر، ومنهم ملائكة ذُكِرَت أسماؤهم فى كتاب الله تعالى ، هم جبريل ، وميكائيل ، ومالك ، فالواجب علينا بالنسبة لمن ذُكِرَ بنوعه أن نصدق بالنوع الذى ذكر ، كحملة العرش وغيرهم ، ومن ذكر بشخصه وجب علينا التصديق بشخصه ، كجبريل وميكائيل ومالك ، ويجب الإيمان بمن ذكروا فى السنة الصحيحة كذلك، قال تعالى: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ" ( البقرة 285 )

ب - من أى شىء خلقوا وما حقيقتهم ؟

ورد فى الحديث الصحيح أنهم خلقوا من نور، فعن عائشة – رضى الله عنها- أن النبى r قال : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم " رواه مسلم ، أما حقيقتهم ، فالله أعلم بها ؛ لأن القرآن والسنة لم يذكرا شيئًا عن حقيقتهم ، وكل ما ذكر أن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، وورد أن جبريل له ستمائة جناح ، كما ثبت بالدليل القطعى أنهم أقوياء جدًّا ، فهم الذين حملوا قُرَى قوم لوط وقلبوها، ومنهم حملة العرش ، وبصيحة من مَلَك هلك قوم صالح ، وبنفخة في الصور من الملك يصعق من في السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ، وبنفخة أخرى يبعث الخلائق أجمعون .

ج - ما هو حكم إنكار الملائكة ؟

دل الكتاب والسنة والإجماع على وجود الملائكة ، فمنكر وجودهم كافر. قال تعالى : " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله فقد ضل ضلالاً بعيدا " ( النساء 136 )

** تطبيقات عملية :

  1. احرص على الاستقامة على طاعة الله وتذكر دائماً : " وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون " ( الانفطار 1.-12) .

  2. تأمل كل كلمة تلفظ بها لأنها لك أو عليك وتذكر : " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد "(ق16)

  3. احرص على حضور مجالس الذكر فالملائكة يتلمسون حلق الذكر .

  4. أكثر من الذكر والتسبيح لله حتى تتشبه بالملائكة فهم فى طاعة وتسبيح دائم لله .

  5. احرص على صلاة الجماعة وخاصة الفجر والعصر لأن الملائكة يجتمعون فيها . روى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون " .

  6. احرص على طلب العلم . فقد روى أبوداود عن أبى الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع "

  7. احرص على تعليم الناس الخير فـ " إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير " رواه الترمذى عن أبى أمامة .

التقويم

  1. وضح المقصود بالإيمان بالملائكة .

  2. وضح من هم الملائكة وما حقيقتهم .

  3. ما هو حكم إنكار الملائكة ؟

 

الدرس الثاني :

 

الفقه

 

باب الطهارة

 

المسح على الجبيرة ونحوها

مشروعية المسح على الجبيرة والعصابة : يشرع المسح على الجبيرة ونحوها مما يربط به العضو المريض . لاحاديث وردت في ذلك ، وهي وإن كانت ضعيفة ، إلا أن لها طرقا يشد بعضها بعضا . وتجعلها صالحة للاستدلال بها على المشروعية . من هذه الاحاديث حديث جابر : أن رجلا أصابه حجر ، فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه ، هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء ، فاغتسل فمات . فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبر بذلك فقال : ( قتلوه قتلهم الله ، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر أو يعصب على جرحه ، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده ) ، رواه أبو داود وابن ماجة والدار قطني وصححه ابن السكن . وصح عن ابن عمر ، أنه مسح على العصابة .

 

حكم المسح : حكم المسح على الجبيرة الوجوب ، في الوضوء والغسل ، بدلا من غسل العضو المريض أو مسحه .

 

متى يجب المسح : من به جراحة أو كسر وأراد الوضوء أو الغسل ، وجب عليه غسل أعضائه ، ولو اقتضى ذلك تسخين الماء ، فإن خاف الضرر من غسل العضو المريض ، بأن ترتب على غسله حدوث مرض ، أو زيادة ألم ، أو تأخر شفاء ، انتقل فرضه إلى مسح العضو المريض بالماء ، فإن خاف الضرر من المسح وجب عليه أن يربط على جرح عصابة ، أو يشد على كسره جبيرة ، بحيث لا يتجاوز العضو المريض إلا لضرورة ربطها ، ثم يمسح عليها مرة تعمها . والجبيرة أو العصابة لا يشترط تقدم الطهارة على شدها ، ولا توقيت فيها بزمن ، بل يمسح عليها دائما في الوضوء والغسل ، ما دام العذر قائما .

 

مبطلات المسح : يبطل المسح على الجبيرة ، بنزعها من مكانها أو سقوطها عن موضعها عن برء أو براءة موضعها ، وإن لم تسقط .

 

صلاة فاقد الطهورين

صلاة فاقد الطهورين من عدم الماء والصعيد بكل حال يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه . لما رواه مسلم عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها ، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه ، فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير . جزاك الله خيرا ، فو الله ما نزل بك أمر قط ، إلا جعل الله لك منه مخرجا ، وجعل للمسلمين منه بركة ، فهؤلاء الصحابة صلوا حين عدموا ما جعل لهم طهورا ، وشكوا ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم ينكره عليهم ، ولم يأمرهم بالاعادة : قال النووي : وهو أقوى الاقوال دليلا .

 

 

 

الحلقة

الخامسة

والعشرون

 

الحلقة الخامسة والعشرون

 

الدرس الأول :

العقيدة

الركن الثالث : الإيمان بكتب الله

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح المقصود بالإيمان بالكتب .

  2. أن يذكر بعض مزايا القرآن الكريم .

ج- أن يوضح بعض أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم .

أ- المقصود بالإيمان بكتب الله :

الاعتقاد الجازم بأن الله أنزل على رسله كتبًا فيها أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وما شاء من كلامه، وأفضل هذه الكتب على الإطلاق القرآن الكريم المنـزل على محمد عليه الصلاة والسلام ، أما الكتب الأخرى التى أخبرنا الله بها فى القرآن فهى :

التوراة المنـزلة على موسى عليه السلام ، ثم الإنجيل الذى أنزل على عيسى عليه السلام ، ثم الزبور وهو كتاب داود عليه السلام .

كما نؤمن بأن الله أنزل صحفًا ، المذكور منها فى القرآن صحف إبراهيم وموسى ، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والْكِتَابِ الَذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ والْكِتَابِ الَذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا"( النساء 136 ) . وقد أنزل الله عز وجل تلك الكتب عن طريق الوحي ؛ والوحي هو الصلة بين الله تعالى وبين رسله وأنبيائه، كي يوصل الله إليهم ما يريد إيصاله من علم وحكم وأمر ونهى وإرشاد، وغير ذلك، قال تعالى: "ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلا نُوحِى إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ". ( الأنبياء 25 )

ويجب الإيمان بأن الكتب السابقة حصل فيها تحريف وتغيير وتبديل، أما القرآن الكريم فهو كتاب محفوظ لم يُغَيَّر فيه حرف واحد ، وذلك أن الكتب السابقة وُكِّل حفظها إلى أهلها فلم يحفظوها ، أما القرآن الكريم فإن الله عز وجل هو الذى تولى حفظه ، قال تعالى فى القرآن : " إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" ( الحجر 44 ).

ب- من مزايا القرآن الكريم :

وللقرآن الكريم مزايا تميز بها عن الكتب السماوية التى تقدمته وهى :

  1. أنه تضمن خلاصة التعاليم الإلهية التى جاءت بها الكتب السابقة ، وجمع كل ما كان متفرقاً فى تلك الكتب من الحسنات والفضائل . وجاء مهيمناً ورقيباً ، يقر ما فيها من حق ويبين مادخل عليها من تحريف وتغيير قال تعالى : " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه " (المائدة 48) .

  2. أن الله سبحانه وتعالى أنزله لكل البشر فى كل زمان ومكان وليس لقوم خاصة قال تعالى : " تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا " .

  3. إن القرآن هو الكتاب الربانى الوحيد الذى تعهد الله بحفظه ، فقال عز من قائل : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " (الحجر 9) . ذلك لأن تعاليم القرآن هى كلمة الله الأخيرة لهداية البشر أراد الله لها أن تبقى على الدهر وتخلد على الزمن فصانها من أن تمتد إليها يد التحريف أو التغيير أو التبديل " وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " ( فصلت 41-42) .

  4. والله يريد لكلمته أن تذاع وتصل إلى العقول والأسماع وتتحول إلى واقع عملى ، ولا يتم إلا إذا كانت ميسرة للذكر والفهم " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر " ( القمر 17) .

 

التقويم

  1. وضح المقصود بالإيمان بالكتب .

  2. اذكر بعض مزايا القرآن الكريم .

 

الدرس الثاني :

الفقه

 

باب الطهارة

 

الحيض

( 1 ) تعريفه : أصل الحيض في اللغة : السيلان ، والمراد به هنا : الدم الخارج من قبل المرأة حال صحتها ، من غير سبب ولادة ولا افتضاض .

 

( 2 ) وقته : وقته يرى كثير من العلماء أن وقته لا يبدأ قبل بلوغ الانثى تسع سنين15 فإذا رأت الدم قبل بلوغها هذا السن لا يكون دم حيض ، بل دم علة وفساد ، وقد يمتد إلى آخر العمر ، ولم يأت دليل على أن له غاية ينتهي إليها ، فمتى رأت العجوز المسنة الدم ، فهو حيض .

 

( 3 ) لونه : يشترط في دم الحيض أن يكون على لون من ألوان الدم الاتية :

1 - السواد ، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ، أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان دم الحيضة أسود يعرف16 فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الاخر فتوضي وصلي فإنما هو عرق ) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والدار قطني . وقال : رواته كلهم ثقات ورواه الحاكم وقال : على شرط مسلم . ب - الحمرة : لانها أصل لون الدم . ج - الصفرة : وهي ماء تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار . د - الكدرة : وهي التوسط بين لون البياض والسواد كالماء الوسخ ، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه مرجانة مولاة عائشة رضي الله عنها قالت : ( كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة17 فيها الكرسف18 فيه الصفرة ، فتقول . لا تعجلن حتى ترين القصة19 البيضاء ) رواه مالك ومحمد بن الحسن وعلقه البخاري . وإنما تكون الصفرة والكدرة حيضا في أيام الحيض ، وفي غيرها لا تعتبر حيضا ، لحديث أم عطية رضي الله عنها قالت : ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا ) رواه أبو داود والبخاري ولم يذكر بعد الطهر .

 

( 4 ) مدة الحيض20 : لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره . ولم يأت في تقدير مدته ما تقوم به الحجة . ثم إن كانت لها عادة متقررة تعمل عليها ، لحديث أم سلمة رضي الله عنها : أنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال : ( لتنظر قدر الليالي والايام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر ، فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر21 ثم تصلي ) رواه الخمسة إلا الترمذي ، وإن لم تكن لها عادة متقررة ترجع إلى القرائن المستفادة من الدم لحديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدم ، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف ) فدل الحديث على أن دم الحيض متميز عن غيره ، معروف لدى النساء .

 

( 5 ) مدة الطهر بين الحيضتين : اتفق العلماء على أنه لا حد لاكثر الطهر المتخلل بين الحيضتين . واختلفوا في أقله ، فقدره بعضهم بخمسة عشر يوما ، وذهب فريق منهم إلى أنه ثلاثة عشر . والحق أنه لم يأت في تقدير أقله دليل ينهض للاحتجاج به .

 

 

 

 

الحلقة

السادسة

والعشرون

 

الحلقة السادسة والعشرون

 

الدرس الأول :

العقيدة

الركن الثالث : الإيمان بكتب الله

الأهداف الإجرائية السلوكية :

أن يوضح بعض أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم .

 

إعجاز القرآن الكريم :

ج- ومن أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم :

- الوجه الأول : حسن تأليفه وتناسق كلماته، وفصاحته، ووجوه إيجازه ، وبلاغته الخارقة عادة العرب ، تنـزيل من حكيم حميد ، أُحْكِمَتْ آياتُه ، وفُصِّلَت كلماته ، وبَهَرَت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول .

- الوجه الثانى : صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، فإن الأسلوب الذى جاء القرآن عليه ، ووقفت مقاطع آيِهِ عليه ، وانتهت فواصل كلماته إليه ، لم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ولا استطاع أحد مماثلة شىء منه ، لذلك لما سمع عتبة بن ربيعة القرآن -وهو من أشد الناس عداوة له- قال : يا قوم ، قد علمتم أنى لم أترك شيئًا إلا وقد علمته وقرأته وقلته ، والله لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط ، وما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.

- الوجه الثالث : الإخبار عن الأمور التى تقدمت من نشأة الحياة إلى وقت نزول القرآن على محمد r ، وهو النبى الأمى الذى ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية فى دهرها، وأجاب عن تحديات أهل الكتاب حين سألوه عن قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذى القرنين ، وغير ذلك .

- الوجه الرابع : الإخبار بالمغيبات فى المستقبل التى لا يمكن الاطلاع عليها إلا بالوحى ، وهى التى أخبر عنها القرآن بأنها ستقع، فوقعت كما أخبر، ولم يتخلف منها شىء، من ذلك قوله تعالى : "لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءوسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ" ( الفتح 27). ومنه قوله عز وجل: "غُلِبَتِ الرُّومُ * فِى أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سنين َ" الروم 2-3

- الوجه الخامس : كونه آية باقية ، ومعجزة خالدة ، لا يؤثر فيها مر السنين ، ولا يقلل من شأنها توالى الأحقاب إلى يوم القيامة، وهو مع بقائه وخلوده تكفل الله بحفظه وصيانته فقال تعالى: " إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر 9)، وقال عز وجل: " وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنـزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت 42) .

- الوجه السادس : جمعه لعلوم ومعارف لا عهد للعرب بها عامة ، ولا لمحمد r قبل نبوته خاصة، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم. وصدق الله القائل: " ولَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (الزمر 27) .

- الوجه السابع : الإعجاز العلمى ، حيث يتضح لقارئ كتاب الله عز وجل المتصل بالعلوم الإنسانية والكونية وغيرها، أنه ما من حقيقة علمية يصل العقل البشرى إليها، إلا ويجد لها أصلاً فى كتاب الله تعالى عن طريق الإشارة أو العبارة . ( شرائط الإعجاز العلمي فى القرآن الكريم للشيخ الزنداني ، د/ زغلول النجار )

وهذا الوجه لا آخر له ، فكلما اتسعت علوم البشر يتبين للعلماء سعة أوجه إعجاز القرآن الكريم وروعته وجلاله، وصدق الله عز وجل القائل : " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآفَاقِ وفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت 53) .

  • والوجه الثامن : الروعة التى تلحق قلوب سامعيه ، والهيبة التى تعتريهم عند تلاوته لقوة تأثيره وزيادة خطره . ولذلك كان وقع القرآن على المكذبين أعظم وأخطر، وكانوا يخشون تأثيره على أنفسهم ونسائهم وأولادهم ، وكانوا يقولون -خوفًا من تأثيره عليهم : "لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" (فصلت 26) . وأما المؤمنون فإن روعة كتاب الله تعالى وقوة تأثيره فى نفوسهم وهيبته فى قلوبهم جعلتهم يعشقون هذا الكتاب الإلهى ، ويهجرون ما سواه من أشعار وخطب ، ويعيشون مع القرآن الذى أخذ أعوادهم رطبة كَنَبْتِ الربيع ، ما السر فى ذلك كله؟ وما هو الروح الجديد الذى سرى فى دماء المؤمنين؟ وما هو السحر الذى استولى على نفوس المسلمين؟ إنه كتاب الله ، الذى جعله الله يفعل ذلك كله، وهو القائل فيه: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِى تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ" (الزمر23). وهو القائل : " لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" (الحشر) .

 

التقويم

وضح بعض أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم .

الدرس الثاني :

 

الفقه

 

باب الطهارة

 

النفاس

( 1 ) تعريفه : هو الدم الخارج من قبل المرأة بسبب الولادة وإن كان المولود سقطا .

 

( 2 ) مدته : لا حد لاقل النفاس ، فيتحقق بلحظة فإذا ولدت وانقطع دمها عقب الولادة ، أو ولدت بلا دم وانقضى نفاسها ، لزمها ما يلزم الطاهرات من الصلاة والصوم وغيرهما ، وأما أكثره فأربعون يوما . لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : ( كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما ) . رواه الخمسة إلا النسائي وقال الترمذي - بعد هذا الحديث - : قد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم ، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما ، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ، فإنها تغتسل وتصلي ، فإن رأت الدم بعد الاربعين ، فإن أكثر أهل العلم قالوا : لا تدع الصلاة بعد الاربعين . ما يحرم على الحائض والنفساء تشترك الحائض والنفساء مع الجنب في جميع ما تقدم مما يحرم على الجنب ، وفي أن كل واحد من هؤلاء الثلاث يقال له محدث حدثا أكبر

 

ويحرم على الحائض والنفساء - زيادة على ما تقدم - أمور :

( 1 ) الصوم : فلا يحل للحائض والنفساء أن تصوم ، فإن صامت لا ينعقد صيامها ، ووقع باطلا ، ويجب عليها قضاء ما فاتها من أيام الحيض والنفاس في شهر رمضان ، بخلاف ما فاتها من الصلاة ، فإنه لا يجب عليها قضاؤه دفعا للمشقة ، فإن الصلاة يكثر تكرارها ، بخلاف الصوم ، لحديث أبي سعيد الخدري قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال : ( يا معشر النساء تصدقن فإني أيتكن أكثر أهل النار ) فقلن : ولم يا رسول الله ؟ قال : ( تكترن اللعن وتكفرن العشير . ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ! ) قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟ قال : ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن : بلى . قال ( فذلك من نقضان عقلها ، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟ ) قلن : بلى . قال . ( فذلك نقصان دينها ) رواه البخاري ومسلم . وعن معاذة قالت : ( سألت عائشة رضي الله عنها ، فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ قالت : كان يصيبنا ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة . رواه الجماعة .

( 2 ) الوطء : وهو حرام بإجماع المسلمين ، بنص الكتاب والسنة ، فلا يحل وطء الحائض والنفساء حتى تطهر ، لحديث أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ، ولم يجامعوها . ولقد سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزوجل ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) (سورة البقرة آية : 222 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اصنعوا كل شئ إلا النكاح ) ، وفي لفظ ( إلا الجماع ) رواه الجماعة إلا البخاري ، ، قال النووي : ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرا مرتدا ، ولو فعله غير معتقد حله ناسيا أو جاهلا الحرمة أو وجود الحيض ، فلا إثم عليه ولا كفارة ، وإن فعله عامدا عالما بالحيض والتحريم مختارا فقد ارتكب معصية كبيرة ، يجب عليه التوبة منها . وفي وجوب الكفارة قولان : أصحهما أنه لا كفارة عليه ، ثم قال : النوع الثاني أن يباشرها فيما فوق السرة وتحت الركبة وهذا حلال بالاجماع ، والنوع الثالث أن يباشرها فيما بين السرة والركبة ، غير القبل والدبر . وأكثر العلماء على حرمته . ثم اختار النووي الحل مع الكراهة ، لانه أقوى من حيث الدليل ، انتهى ملخصا . والدليل الذي أشار إليه ، ما روي عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها شيئا . رواه أبو داود . قال الحافظ : إسناده قوي . وعن مسروق بن الاجدع ، قال : سألت عائشة : ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : ( كل شئ إلا الفرج ) رواه البخاري في تاريخه .

 

 

الحلقة

السابعة

والعشرون

 

الحلقة السابعة والعشرون

 

الدرس الأول :

مواقف من سيرة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

اختلاء الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء

الأهداف الإجرائية السلوكية :

1- أن يوضح الدارس اختلاؤه صلى الله عليه وسلم فى غار حراء .

2- أن يوضح الدارس بعض فوائد الخلوة مع الله عز وجل .

3- أن يطبق الدارس بعض الوسائل العملية التى يتحقق بها الخلوة مع الله عز وجل .

4- أن يذكر الدارس بعض الفوائد التى استشعرها من تحقيقه للخلوة مع الله عز وجل .

لما أخذت سنِّه صلى الله عليه وسلم تدنو نحو الأربعين ، نشأ لديه حب للعزلة بين الفترة والأخرى ، وحبب الله إليه الاختلاء فى غار حراء - وحراء جبل يقع فى الجانب الشمالي الغربي من مكة - فكان يخلو فيه ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فتارة عشرة وتارة أكثر من ذلك إلى شهر، ثم يعود إلى بيته فلا يكاد يمكث فيه قليلا حتى يتزود من جديد لخلوة أخرى، وهكذا إلى أن جاءه الوحي وهو فى إحدى خلواته تلك .

الخلوة :

إن لهذه الخلوة التي حببت إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فوائد كبرى في حياة المسلمين عامة والدعاة إلى الله خاصة منها :

1- تربية محبة الله تعالى في القلب : فلا يكفي مجرد الاقتناع العقلي .. وإلا لكان المستشرقون في مقدمة المؤمنين المحبين لله ورسوله.

أو هل سمعت بأحد العلماء ضحى بروحه إيمانًا منه بقاعدة رياضية أو مسألة من مسائل الجبر؟! إنما الوسيلة إلى محبة الله تعالى - بعد الإيمان به :

أ- كثرة التفكر في آيات عظمته وآلاء فضله وإحسانه.

ب- الإكثار من ذكره سبحانه بالقلب واللسان.

جـ- المحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل وهذا كله إنما يتيسر بالخلوة فترات متكررة من الزمن.

2- معالجة آفات النفس ومحاسبتها : فإن للنفس الإنسانية أمراضاً لا يقي شرها إلا الخلوة عن الناس ومحاسبتها والنظر في دوافعها بصدق: فالكبر والعجب والرياء والحسد وحب الدنيا، كلها آفات تتحكم وتتغلغل في أعماق القلب وتطفئ أنواره وتعميه رغم ما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات الكثيرة بل الاشتغال بدعوة الآخرين وإرشادهم، وفي الخلوة وعند التأمل يكتشف الإنسان حقيقة نفسه وفقرها إلى الله وحاجتها إلى معونته في كل لحظة ويكتشف ضعف الناس وعجزهم في الحقيقة عن أن ينفعوه أو يضروه وعدم جدوى مدحهم أو ذمهم، وغير ذلك من الحقائق فيخلص، ويتواضع، و.. وتنكشف آفات نفسه في أضواء الحقائق التي تكشفها له الخلوة المتكررة.

اقتراحات عملية :

وهذا كله إنما يتم بالابتعاد عن شواغل الدنيا وضوضائها وبهرجها الزائف فترات متقطعة من الزمن ومتكررة على مدار اليوم والليلة والشهور والعام مثل:

1- الاعتكاف في المسجد العشر الأواخر من رمضان أو ليلة كل شهر.

2- وقت الاستغفار في ثلث الليل الأخير كل ليلة.

3- وقت أذكار الصباح والمساء.

4- جلسة المحاسبة للنفس قبل النوم وقراءة أذكار النوم.

5- عند التبكير للصلاة في المسجد والجلوس في انتظارها [التهجير].

6- في جلسة ختام الصلاة والدعاء.

7- بل حتى في لحظات سماع الأذان وترديده خلف المؤذن كلها أوقات من شأنها قطع استرسال القلب مع الدنيا وضبط توجيه (بوصلته) إلى الله تعالى من جديد .

التقويم

1- وضح اختلاؤه صلى الله عليه وسلم فى غار حراء .

2- وضح بعض فوائد الخلوة مع الله عز وجل .

3- أذكر بعض الوسائل العملية التى يتحقق بها الخلوة مع الله عز وجل .

4- أذكر بعض الوسائل العملية التى قمت بها شخصياً والتى تنصح بها وحققت من خلالها الخلوة مع الله عز وجل . وماذا وجدت فى نفسك من ثمار وآثار تلك الخلوة .

 

الدرس الثاني :

 

الفقه

 

باب الطهارة

 

الاستحاضة

( 1 ) تعريفها هي استمرار نزول الدم وجريانه في غير أوانه .

 

( 2 ) أحوال المستحاضة : المستحاضة لها ثلاث حالات :

ا - أن تكون مدة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة ، وفي هذه الحالة تعتبر هذه المدة المعروفة هي مدة الحيض ، والباقي استحاضة ، لحديث أم سلمة : أنها استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال : ( لتنظر قدر الليالي والايام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشعر ، فتدع الصلاة ، ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي ) رواه مالك والشافعي والخمسة إلا الترمذي قال النووي : وإسناده على شرطهما . قال الخطابي : هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة ثم تستحاض فتهريق الدم ، ويستمر بها السيلان أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدع الصلاة من الشهر قدر الايام التي كانت تحيض ، قبل أن يصيبها ما أصابها ، فإذا استوفت عدد تلك الايام ، اغتسلت مرة واحدة ، وحكمها حكم الطواهر .

ب - أن يستمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة ، إما لانها حسبت عادتها ، أو بلغت مستحاضة ، ولا تستطيع تمييز دم الحيض . وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة ، على غالب عادة النساء ، لحديث جمنة بنت جحش قالت : كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بن جحش ، قالت فقلت : يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة ، فما ترى فيها ، وقد منعتني الصلاة والصيام ؟ فقال : ( أنعت لك الكرسف22 فإنه يذهب الدم ) قالت : هو أكثر من ذلك ، قال ( فتلجمي23 ) قالت : إنما أثج ثجا24 فقال : ( سآمرك بآمرين ) أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الاخر ، فان قويت عليها فأنت أعلم ، فقال لها : ( إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان ، فتحيضي ستة أيام إلى سبعة في علم الله ثم اغتسلي ، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت ، فصلي أربعا وعشرين ليلة ، أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها ، وصومي ، فإن ذلك يجزئك ، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن ، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ، فتغسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا ، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء وتجمعين الصلاتين فافعلي ، وتغتسلين مع الفجر وتصلين ، فكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك . . . ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وهذا أحب الامرين إلي ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال : هذا حديث حسن صحيح . قال : وسألت عنه البخاري فقال : حديث حسن . وقال أحمد بن حنبل : هو حديث حسن صحيح . قال الخطابي - تعليقا على هذا الحديث - : إنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام ، ولا هي مميزة لدمها ، وقد استمر بها الدم حتى غلبها ، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها إلى العرف الظاهر والامر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن . ويدل على هذا قوله : ( كما تحيض النساء ويطهرن بميقات حيضهن وطهرهن ) قال : وهذا أصل في قياس أمر النساء بعضهن على بعض ، في باب الحيض والحمل والبلوغ ، وما أشبه هذا من أمورهن .

ج - أن لا تكون لها عادة ، ولكنها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره وفي هذه الحالة تعمل بالتمييز ، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش : أنها كانت تستحاض ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف ، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة ، فإذا كان الاخر فتوضئي وصلى فإنما هو عرق ) وقد تقدم .

 

( 3 ) أحكامها : للمستحاضة أحكام نلخصها فيما يأتي :

ا - أنه لا يجب عليها الغسل لشئ من الصلاة ولا في وقت من الاوقات إلا مرة واحدة ، حينما ينقطع حيضها . وبهذا قال الجمهور من السلف والخلف .

ب - أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة ، لقوله صلى الله عليه وسلم - في رواية البخاري - : ( ثم توضئي لكل صلاة ) . وعند مالك يستحب لها الوضوء لكل صلاة ، ولا يجب إلا بحدث آخر .

ج - أن تغسل فرجها قبل الوضوء وتحشوه بخرقة أو قطنة دفعا للنجاسة ، وتقليلا لها ، فإذا لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت واستثفرت ، ولا يجب هذا ، وإنما هو الاولى .

د - ألا تتوضأ قبل دخول وقت الصلاة عند الجمهور إذ طهارتها ضرورية ، فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة .

ه‍ - أنه يجوز لزوجها أن يطأها في حال جريان الدم ، عند جماهير العلماء لانه لم يرد دليل بتحريم جماعها . قال ابن عباس : المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت الصلاة ، أعظم رواه البخاري ليعني إذا جاز لها أن تصلي ودمها جار ، وهي أعظم ما يشترط لها الطهارة ، جاز جماعها . وعن عكرمة بنت حمنة ، أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها . رواه أبو داود والبيهقي ، وقال النووي : إسناده حسن .

و - أن لها حكم الطاهرات : تصلي وتصوم وتعتكف وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتحمله وتفعل كل العبادات . وهذا مجمع عليه25 ..

 

الحلقة

الثامنة

والعشرون

 

الحلقة الثامنة والعشرون

الدرس الأول :

مواقف من سيرة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

بدء الوحي

الأهداف الإجرائية السلوكية :

1- أن يذكر الدارس مقدمات نزول الوحي

2- أن يذكر الدارس موقف السيدة عائشة عند بدء نزول الوحي .

3- أن يذكر الدارس ما قاله ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبره بما حدث .

4- أن يستخلص الدارس العبر والعظات من حادث بدء نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة تصف كيفية بدء الوحي وتقول : أول ما بدء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء .

فجاءه الملك فقال له اقرأ : فقال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ : فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني وغطني حتى بلغ منى الجهد فقال اقرأ: فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني وغطني الثالثة ثم أرسلني فقال : اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.

صفات من لا يخزيهم الله أبدًا:

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال : زملوني، زملوني، فزملوه، حتى ذهب عنه الرَّوْع فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة : كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتُكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق.

شهادة عالم وسُنَّة ماضية !

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة ابن نوفل، وكان ابن عم خديجة، وكان امرؤ قد تنصر فى الجاهلية وكان يكتب من الإنجيل فى العبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخاً كبيراً قد عمى ، فقالت له خديجة يابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس ( أي جبريل أو الوحي ) الذي نزل على موسى ياليتنى فيها جذعاً ( شاباً قوياً ) ليتنى أكون حياً إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجيّ هم ؟ قال نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرنّك نصراً مؤزرا، ثم لم يلبث ورقة أن توفى وفتر الوحي.

وروى البخاري عن جابر ابن عبد الله قال صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي : )بينما أنا أمشى إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت : زملوني زملوني فأنزل الله تعالى : يا أيها المدثر قم فأنذر - إلى قوله : والرجز فاهجر، فحمى الوحي وتتابع ) رواه البخاري . أما مدة فترة الوحي فاختلفوا فيها على عدة أقوال ، والصحيح أنه كانت أياماً وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك . الرحيق المختوم صفي الرحمن المباركفوري

التقويم

1-لابد للمؤمن من فترات يخلو فيها مع نفسه يحاسبها ؟ وضح ذلك ، و ما هو شعورك إذا وجدت نفسك مقصرا ؟

2-لابد للمؤمن من صفات حتى لا يخزيه الله ؟ وضح هذه الصفات ؟ ما هي الصفات التي ترى نفسك في حاجة إلى استكمالها ؟

3-تدبر في قول ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه و سلم ... و بماذا شعرت و أنت تقرأ قوله " ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك " ؟

4-استخلص العبر والعظات التى خرجت بها من حادث بدء نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

 

الأهدف المرحلية :

أن يدرك أن الإنسان بصفة عامة لديه استعداد للخير والشر .

  1. أن يوضح أهمية تغيير النفس إلى الأحسن وضرورته .

  2. أن يوضح صفات النفس البشرية وجوانب القصور فيها .

  3. أن يوضح وسائل تغيير النفس ( تربية النفس ) .

 

****************************************

الهدف المرحلى الأول : أن يدرك أن الإنسان بصفة عامة لديه استعداد للخير والشر .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح استعداد النفس البشرية للخير والشر .

  2. أن يوضح أقسام الناس فى تعاملهم مع نفوسهم .

********************************************

أ- استعداد النفس البشرية للخير والشر :

يقول الحق سبحانه وتعالى : "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها "26 ويقول أيضاً : "فأما من طغى . وآثر الحياة الدنيا . فإن الجحيم هى المأوى . وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى . فإن الجنة هي المأوى"27

( ومن خلال هذه الآيات وأمثالها تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها… إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة ، مزدوج الاستعداد ، مزدوج الاتجاه . ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه ( من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه ). مزود باستعدادات متساوية للخير والشر والهدي والضلال. فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر. كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء. وأن هذه القدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها" ويعبر عنها بالهداية تارة "وهديناه النجدين" فهي كامنة في صميمه فى صورة استعداد ، والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أوهناك , وهناك إلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية في ذات الإنسان هي التي يناط بها التبعة فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعدادات الخير فيها وتغليبه على استعدادات الشر فقد أفلح .و من أظلم هذه القوة و خبأها و أضعفها فقد خاب"قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها")28

( و رحمة الله بالإنسان أنه سبحانه لم يدعه لاستعدادات فطرته فأعانه بالرسالات التي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة و تكشف له عن دلائل الخير في نفسه وبذلك يتضح له الطريق فتتصرف القوة الواعية حينئذ على بصيرة وتختار الاتجاه التي تسير فيه)29.

( فعندما خلق الله تعالى النفس البشرية. خلق معها قوة الاستعداد لفعل الخير أو الشر وجعل الإنسان قادراً على استعمال هذا الجهاز الذي أودعه فيه دون أن يكون مسيراًَ لطريق ما ، بل له تمام الاختيار في اختيار المنهج "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها "30 وترتب على هذه الحرية في الاختيار الجزاء أو العقوبة يوم الحساب وذلك بقوله تعالى "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"31)32.

( ولقد خلق الله لكل عبد من عباده نفساً أمارة بالسوء ليختبر مدي صدق عبوديته له. وجعل من أهم صفاتها الجهل والظلم والشح فهي تميل إلى الشر وتفر من الخير ولا تحب المشقة وتكره التكليف. ولقد خلقها الله تعالى بهذه الصفات لتكون بمثابة المحك الرئيسي والميدان العملي لصدق عبوديتنا له. فلولا وجودها لصرنا كالملائكة لا نعصي لله أمراً. ولقد طالبنا الله عز وجل بجهاد أنفسنا ونصرته عليها لنفوز برضاه والجنة يقول تعالى "وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى"33)34.

ب- أقسام الناس فى تعاملهم مع نفوسهم :

و قد انقسم الناس في تعاملهم مع نفوسهم إلى ثلاثة أقسام

1- مجاهد لنفسه :

وهو الإنسان الذى اتصف بالصفات والأعمال الآتية :

* أيقن أن أكبر عائق يعيقه عن تجريد عبوديته لربه هو نفسه التي بين جنبيه فهي أعدي أعدائه فرفع راية الجهاد عليها ووقف لها بالمرصاد وحاسبها على الصغيرة والكبيرة.

* خالف هواه ولم يعط نفسه من الحظوظ إلا المباح بلا توسع يطغيها ولا منع يفسد عليه أعماله وعبادته. فقد باع نفسه لله فرحاً بالثمن الغالي "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " (التوبة من الآية 111).

* غني النفس قنوع لا يفرح إذا ما أقبلت الدنيا عليه وما يحزن إذا ما ولت عنه ولا ينظر لمن فوقه من أهل الدنيا.

* يتوكل على الله ويرضي بقضائه ويقدم دائماً مصلحة الدين على مصالحه الدنيوية. يتحرى الحلال ويبتعد عن الشبهات. حسن الخلق يحفظ الحرمات ويؤدي الأمانات ويفي بالوعود.

* لا يعتد برأيه ويتمثل دائماً قول الشافعي (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ).

* يتحرى السنة في أفعاله وأقواله ويسارع دائماً إلى التوبة والاستغفار.

2- عبد لنفسه وهواه :

*فأصحاب هذا القسم قد سارعوا وراء أنفسهم وهواها لا يتخلفون عن طلب تطلبه ولا شهوة تريدها.

*هذا الصنف هالك لا محالة -إن لم تتداركه رحمة ربه- ولم لا ؟ وقد استبدل عبادة ربه وخالقه ومولاه بعبادة نفسه وهواها فانطبع حاله مع قول الله عز وجل "أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا"35.

فنفسه تسوقه إلى الأرض بزخرفها ومباهجها فتمرغ في الشهوات وأطلق لبصره وفرجه العنان وملأ بطنه بكل ما تشتهيه نفسه دون النظر إلى حل ذلك أو حرمته.

*نفسه لا تطيق التكليف والمشقة فلا صلاة يحافظ عليها ولا صيام يلتزم به ولا غير ذلك من العبادات صار عبداً لنفسه أسيراً لها مكبل بشهواتها.

*لا يحب الخير إلا لنفسه ولا يعمل إلا في سبيل مصلحته شعاره ( الغاية تبرر الوسيلة).

*اتبع الشيطان فأصبح من جنده وحزبه "أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون"36.

3- يخالف نفسه تارة ويسير وراءها تارة أخري :

فأصحاب هذا الصنف قد انتصروا على نفوسهم فى مواضع كثيرة وانتصرت عليهم في مواضع أخري. ففيهم الكثير من مظاهر القوة والضعف أمام نفوسهم. وهذا الضعف موجود بيننا والكثير منا – إن لم يكن أغلبنا – يندرج تحت هذا القسم وللأسف الشديد أن البعض قد خدعتهم مظاهر قوتهم أمام أنفسهم في بعض المواضع وبخاصة المحسوسة والمرئية وظنوا أنهم قد انتصروا عليها انتصاراً تاماً. ولم ينتبهوا إلى أساليب خداعها. فمنعوا عنها حظوظها الظاهرة وساروا وراء حظوظها الخفية فانتصرت عليهم أنفسهم وساقتهم أمامها دون أن يشعروا بذلك.

 

*ويخطئ من يظن أن المعركة مع النفس معركة سهلة وفي مجالات محدودة. بل هي معركة ضخمة لا تنتهي إلا بالموت لذلك يجب علينا أن نداوم على محاسبة أنفسنا والتفتيش الدائم داخلها.

( و يؤمن المسلم أن سعادته في كلتا حياتيه –الأولى و الثانية –موقوفة على مدى تأديب نفسه و تزكيتها و تطهيرها .كما يؤمن المسلم أن ما تطهر عليه نفسه و تزكو هو حسنة الإيمان و العمل الصالح و أن ما تخبث به النفس و تفسد هو سيئة الكفر و المعاصي ، قال تعالى " و أقم الصلاة طرفي النهار و زلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات "37 و قال عز و جل " بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون "38 . و من أجل هذا يعمل المسلم دائما على تهذيب نفسه و تزكيتها و تطهيرها إذ هي أولى من يؤدب )39

 

التقويم
  1. وضح استعداد النفس البشرية للخير والشر .

  2. وضح أقسام الناس فى تعاملهم مع نفوسهم .

  3. قف مع نفسك وقفة وحدد من أى أقسام الناس أنت فى تعاملك مع نفسك وذلك من خلال مقارنتك لأخلاق كل صنف على نفسك – محدداً بعد ذلك ما يجب عليك فعله .

 

 

الحلقة

التاسعة

والعشرون

 

الحلقة التاسعة والعشرون

 

الدرس الأول :

مواقف من سيرة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

الدعوة سرًا

الأهداف الإجرائية السلوكية :

1-أن يوضح الدارس المقصود بالدعوة سرا

2-أن يوضح الدارس أهمية لقاءات التربية في دار الأرقم

3-أن يذكر الدارس اسم أول من دخلوا في الإسلام

4- أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من هذا المقطع .

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يستجيب لأمر الله، فأخذ يدعو إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام، ولكنه كان يدعو إلى ذلك سراً حذراً من وقع المفاجأة على قريش التي كانت متعصبة لشركها ووثنيتها، فلم يكن عليه الصلاة والسلام يظهر الدعوة فى المجالس العمومية لقريش، ولم يكن يدعو إلاّ من كانت تشده إليه صلة قرابة أو معرفة سابقة.

أوائل الأوائل :

وكان فى أوائل من دخل الإسلام من هؤلاء خديجة بنت خويلد رضى الله عنها وعلى بن أبي طالب، وزيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام ومتبناه، وأبو بكر بن أبى قحافة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص... الذين دعاهم أبو بكر الصديق ، وغيرهم رضى الله عنهم جميعا.

لقاءات التربية في دار الأرقم :

كان هؤلاء يلتقون بالنبي سراً وكان أحدهم إذا أراد أن يصلي أو يؤدي عبادة من العبادات ذهب إلى شعاب مكة يستخفي فيها عن أنظار قريش. ثم لما زاد الذين دخلوا فى الإسلام على الثلاثين - ما بين رجل وامرأة - اختار لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أحدهم، وهو الأرقم ابن أبي الأرقم، ليلتقي بهم فيها للتعليم والتربية ودراسة أمور الدعوة، وكانت حصيلة الدعوة فى هذه الفترة ما يقارب الأربعين رجلا وامرأة دخلوا فى الإسلام، عامتهم من الفقراء والأرقاء وممن لا شأن له بين قريش .

وكانت السرية حرصًا على الدعوة لا خوفًا على النفس: لا ريب أن تكتم النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الإسلام، خلال الثلاث سنوات الأولى ، لم يكن بسبب الخوف على نفسه، لأن الله تعالى لو أمره من أول يوم أن يصدع بالدعوة بين الناس علنًا، لم يتوانى عن ذلك ساعة، ولو كان يتراءى له في ذلك مصرعه.

ولكن الله تعالى ألهمه أن يبدأ الدعوة، في فترتها الأولى، بسرية وتكتم، وأن يلقي بها إلى من يغلب على ظنه أنه سيستجيب لها ويؤمن بها، تعليمًا للدعاة من بعده، على أن يركن فى كل ذلك على الاعتماد والاتكال على الله وحده ، حتى لا يخدش أصل الإيمان بالله تعالى.

وبناءً على ذلك فإنه يجوز لأصحاب الدعوة الإسلامية، في كل عصر أن يستعملوا المرونة في كيفية الدعوة -من حيث التكتم والجهر- حسبما يقتضيه الظرف وحال العصر الذي يعيشون فيه، وهي مرونة حددتها الشريعة الإسلامية، اعتمادًا على واقع سيرته صلى الله عليه وسلم، ضمن الأشكال أو المراحل الأربعة التي سبق ذكرها، على أن يكون النظر في كل ذلك إلى مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة الإسلامية.

ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية (تأثير) في أعدائهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع.

والحقيقة أن تقديم مصلحة النفس هنا، من حيث الظاهر فقط، أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد، فإنها في الواقع مصلحة دين، إذ المصلحة الدينية تقتضي -في مثل هذه الحال- أن تبقي أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى، وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين نفسه.

لماذا يستجيب الضعفاء والفقراء أولاً؟ وتحدثنا السيرة أن الذين دخلوا في الإسلام، في هذه المرحلة، كان معظمهم خليطًا من الفقراء والضعفاء والأرقاء، فما الحكمة في ذلك؟ وما السر في أن تتأسس الدولة الإسلامية على أركان مثل هؤلاء الناس؟

والجواب : أن هذه الظاهرة هي الثمرة الطبيعية لدعوة الأنبياء في فترتها الأولى .

والسر في ذلك : أن حقيقة هذا الدين الذي بعث الله به عامة أنبيائه ورسله، إنما هي الخروج عن سلطان الناس وحكمهم إلى سلطان الله وحكمه وحده، وهي حقيقة تخدش أول ما تخدش ألوهية المتألهين وحاكمية المتحكمين وسطوة المتزعمين، وتناسب أول ما تناسب حالة المستضعفين والمستذلين والمستعبدين، فيكون رد الفعل أمام الدعوة إلى الإسلام لله وحده هو المكابرة والعناد من أولئك المتألهين والمتحكمين، والإذعان والاستجابة من هؤلاء المستضعفين، وانظر، فإن هذه الحقيقة تتجلى لك بوضوح في الحديث الذي دار بين رستم قائد الجيش الفارسي في واقعة القادسية، وربعي بن عامر الجندي البسيط في جيش سعد بن أبي وقاص ، فقد قال له رستم :

ما الذي دعاكم إلى حربنا والولوع بديارنا؟ فقال: جئنا لنخرج مَن شاء مِن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ثم نظر إلى صفوف الناس الراكعين عن يمين رستم وشماله، فقال متعجبًا: "لقد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولكني لا أرى قومًا أسفه منكم، إننا معشر المسلمين لا يستعبد بعضنا بعضًا، ولقد ظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب لبعض..".

فالتفت الدهماء المستضعفون إلى بعضهم يتهامسون: صدق والله العربي..

أما القادة والرؤساء فقد وجدوا في كلام ربعي هذا ما يشبه الصاعقة أصابت كيانهم فحطمته، وقال بعضهم لبعض: "لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنـزع (تميل) إليه".

 

التقويم

1- لقد حرص الرسول على جمع المؤمنين به في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، في تصورك ما أهمية هذه اللقاءات ؟ وكيف نستفيد منها ؟

2- " نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد " من قائل هذه العبارة ؟ بماذا تشعر و أنت تقرأها ؟ و علام تدل

3- اذكر أوائل من آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ؟ هل لاحظت أن معظمهم من الشباب ؟ ماذا تستفيد من ذلك ؟

4- لقد بدأ الرسول بدعوة أقاربه ، علام يدل ذلك ؟ و ماذا تفعل أنت مع أقاربك ؟

5- أذكر الدروس التى استفدتها شخصياً من دراستك لهذا المقطع من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

 

 

 

 

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

 

الهدف المرحلي الثاني :أن يوضح أهمية التغير إلى الأحسن و ضرورته .

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

أن يوضح عناية القرآن الكريم والسنة المطهرة بتزكية النفوس .

  1. أن يوضح حاجة الأمة إلى أهل التزكية .

 

************************************************

أ- عناية القرآن الكريم والسنة المطهرة بتزكية النفوس :

فى القرآن الكري :

إن عملية تغيير النفس إلى الأحسن بتطهيرها و اصلاحها قد عني بها القرآن عناية كبيرة و أطلق عليها كلمة " التزكية "

و قد نوه القرآن العظيم بأهميتها و ضرورتها في مواضع كثيرة نذكر منها على سبيل المثال :-

- قول الله تعالى " و نفس و ما سواها . فألهمها فجورها و تقواها . قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها "40

فقد وصف الله عز و جل من يسعى في تزكية نفسه بالفلاح و وصف من يهملها و يدنسها و لا يسعى في تزكيتها بالخيبة

- و قوله تعالى " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين "41 فقد امتن الله عز و جل على المؤمنين بإرسال رسول فيهم من أنفسهم من أبرز مهامه و من أبرز مقومات هذه المنة أنه يزكيهم و جدير بالملاحظة في هذه الآية أن الله عز و جل قدم التزكية على تعليم الكتاب و الحكمة

- و قوله تعالى " عبس و تولى. أن جاءه الأعمى . و ما يدريك لعله يزّكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى . أما من استغنى فأنت له تصدى . و ما عليك ألا يزكى . و أما من جاءك يسعى و هو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة "42 . فقد عاتب الله عز و جل رسوله صلى الله عليه و سلم لإعراضه عن رجل أعمى جاءه يسعى إليه لطلب العلم ..لعله يزكى –و الرسول إنما أعرض عنه لانشغاله بما يظنه أهم و أخطر لمصلحة الدعوة و هو دعوته صلى الله عليه و سلم لصناديد قريش رغبة في إسلامهم و إسلام من وراءهم من قبائل العرب _ما هذا الأمر الجلل الذي استحق أن يعاتب فيه الله عز و جل رسوله الحبيب صلى الله عليه و سلم ؟ إنها إشارة واضحة إلى ارتفاع منزلة من يحرص على تزكية نفسه و ثقل وزن عملية التزكية ذاتها في ميزان الحق سبحانه و تعالى .

-و قوله تعالى لسيدنا موسى " اذهب إلى فرعون إنه طغى . فقل هل لك إلى أن تزكى و أهديك إلى ربك فتخشى " فقد أرسل الله عز و جل سيدنا موسى إلى فرعون داعيا إياه إلى أن يتزكى ( فهل لك أن تتطهر من رجس الطغيان ؟ و دنس العصيان ؟ هل لك إلى طريق الصلاة و البركة ؟ هل لك أن أعرفك طريق ربك ؟ )43 و لا يخفى أنه في تلخيص رسالة سيدنا موسى عليه السلام إلى فرعون في هذه الكلمة الموجزة ما يشير إلى مكانة التزكية و أهمية الحرص عليها .

و في السنة المطهرة :

-كان من دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم ( اللهم آت نفسي تقواها و زكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها )44

-و قوله صلى الله عليه و سلم لربيعة الأسلمي الذي طلب منه مرافقته في الجنة ( أعنى على نفسك بكثرة السجود )

و في الآثار :

-في وصية سيدنا أبي بكر الصديق لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ( أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك )

-و كان عمر رضي الله عنه يقول ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم و تزينوا للعرض الأكبر )

-و كان بعض الأئمة يقول ( مؤدب نفسه و معلمها أولى بالإجلال عندي من مؤدب الناس و معلمهم )تنويها بعلو شأنه و احترامه و ليس تقليلا من شأن تعليم الناس و دعوتهم .

-و هذا الحطيئة الشاعر يهجو الزبرقان بن بدر ببيت واحد فيغضب و يشكوه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه عابه بشيء شنيع لا يتحمله ترى ما هذا الشيء الشنيع ؟ قال له

( دع المكارم لا ترحل لبغيتها و اقعد إنك أنت الطاعم الكاسي )

أي لا شأن لك بمكارم الأخلاق ما دمت تأكل و تشرب و تكتسي ، فلا تجهد نفسك في تزكية و لا غيرها .. فنهاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ذلك و هم بتعزيره لولا أن اعتذر له .لأن سبب تفضيل الله له على باقي المخلوقات هو معرفة الله و السعي إلى مرضاته مزكيا لنفسه فإذا تخلى عن هذه الميزة و اكتفى بالطعام و الشراب و الشهوات انحط إلى أقل من درجة البهائم

و في هذا يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله ( و كما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل و لكنه يتميز عليه بخاصية الكر و الفر و حسن الهيئة فيكون الفرس مخلوقا لهذا فإذا تخلى عن ذلك انحط إلى درجة الحمار ، كذلك الإنسان إذا تخلى عن سبب تكريمه و اكتفى بمشاركة البهائم في أفعالها )45

ب- حاجة الأمة إلى أهل التزكية46 :

فقد عرفنا شيء عن أهمية التزكية و مكانتها في الدين ، أما رجالها المرابطون عليها علما و عملا فهم الروح الذي يسرى في هذه الأمة فيحييها بإذن الله و في مثل هذا المعنى يقول الشهيد حسن البنا ( محال أن تنهض أمة بغير هذه اليقظة الحقيقية في النفوس و الأرواح و المشاعر ، و لهذا أستطيع أن أقول : إن أول ما نهتم له في دعوتنا ، و أهم ما نعول عليه في نمائها و ظهورها و انتشارها هذه اليقظة الروحية المرتجاة فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح ، حياة القلوب ، صحوة حقيقية في الوجدان و المشاعر و ليس يعنينا أن نتكلم عما نريد بهذه الدعوة من فروع الاصلاح في النواحي العملية المختلفة بقدر ما يعنينا أن نركز في النفوس هذه الفكرة )47 و قد بين أن دواء امتنا في كلمة واحدة هي ( علاج النفوس و تقويم أخلاق الشعوب )48

و قد اقتضت حكمة الله عز و جل أن ترتبط عملية التزكية بإرادتك أنت لتغير من نفسك و أن تخطو أنت أولى خطواتها

  1. فقد قال الله عز و جل " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .

  2. (و يقول الله عز و جل " و الذين اهتدوا زادهم هدى و آتاهم تقواهم " و ترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر .. فالذين اهتدوا بدأوا هم بالإهتداء فكافأهم الله بزيادة الهدى و كافأهم بما هو أعمق و أكمل " و آتاهم تقواهم " و التقوى حالة في القلب تجعله أبدا واجفا من هيبة الله و شاعرا برقابته و خائفا من غضبه متطلعا لرضاه متحرجا من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها ..هذه الحساسية المرهفة هي التقوى ..و هي مكافأة يؤتيها الله عز و جل من يشاء من عباده حين يهتدون هم و يرغبون هم في الوصول إلى رضى الله عز و جل )49

  3. و يقول عز و جل عن قوم موسى عليه السلام " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم و الله لا يهدي القوم الفاسقين "50 فقد زاغوا بعدما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة فزادهم الله زيغا و أزاغ قلوبهم فلم تعد صالحة للهدى و ضلوا فكتب الله عليهم الضلال أبدا " و الله لا يهدي القوم الفاسقين "

  4. و في هذا يقول الله عز و جل أيضا " فأما من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى فسنيسره لليسرى و أما من بخل و استغنى و كذب الحسنى فسنيسره للعسرى "51

فالمفتاحان في يدك و الطريقان أمامك و لك وحدك الاختيار في إطار مشيئة الله سبحانه و تعالى
  1. و في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه " من تقرب مني شبرا تقربت منه زراعا و من تقرب مني زراعا تقربت منه باعا و من أتاني يمشي أتيته هرولة " فإذا صدقت في خطواتك الأولى المباركة في تزكية نفسك إرضاءً لله تعالى تداركتك العناية الإلهية و قصرت لك الطريق و بلغتك مقصودك يقول الله عز و جل " فأما الذين آمنوا بالله و اعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه و فضل و يهديهم إليه صراطا مستقيما "52 و يقول سبحانه " و إن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم "53

فهيا سارع و انهض بعزم و اخط بجد على طريق تغيير نفسك و اصلاحها مستعينا بربك -حتى في هذه النهضة و تلك الخطوة الأولى – فالله عز و جل يقول " و لولا فضل الله عليكم و رحمته ما زكى منكم من أحد أبدا و لكن الله يزكي من يشاء . و الله سميع عليم " 54

 

تطبيق عملى

 

ادع الله تعالى في كل سجود : اللهم آت نفسي تقواها و زكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها

احرص على حضور كل عمل يعينك على تزكية نفسك

الزم الصحبة الصالحة فإنها تزكي النفوس

 

التقويم
  1. وضح عناية القرآن الكريم والسنة المطهرة بتزكية النفوس .

  2. وضح حاجة الأمة إلى أهل التزكية .

 

 

الحلقة

الثلاثون

 

الحلقة الثلاثون

 

الدرس الأول :

مواقف من سيرة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

الجهر بالدعوة

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس كيف بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر بالدعوة .

  2. أن يذكر الدارس متى بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهر بالدعوة

  3. أن يوضح الدارس موقف قريش من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم .

  4. أن يستخلص الدارس العبر المستفادة من هذا المقطع .

  5. أن يوضح الدارس إلى أى مدى استفاد من هذه العبر فى حياته .

قال ابن هشام : ثم دخل الناس فى الإسلام أرسالا من النساء والرجال حتى فشى ذكر الإسلام بمكة وتُحدث به ، وكان الزمن بين ما أخفى رسول الله أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه.

وحينئذ بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ أمر ربه، فاستجاب لقوله تعالى فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ بأن صعد إلى جبل الصفا فجعل ينادى : يا بنى فهر، يا بنى عدىّ، حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر : ما هو ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقىّ ؟ قالوا ما جربنا عليك كذباً، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تباً لك سائر اليوم.. ألهذا جمعتنا ؟ فنزل قوله تعالى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ. ثم نزل الرسول صلى الله عليه وسلم فاستجاب لقوله تعالى وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ بأن جمع من حوله ذويه وأهل قرابته وعشيرته، فقال يا بنى كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يابنى مرة ابن كعب : أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس : أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف : أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب : أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذى نفسك من النار فإني لا أملك لك من الله شيئاً غير أن لكم رحماً سأبلّها ببلاها.

وكان رد فعل قريش أمام جهره بالدعوة، أن أدبروا عنه وتنكروا لدعوته معتذرين بأنهم لا يستطيعون أن يتركوا الدين الذي ورثوه عن آبائهم كما قال الله عز وجل فى حقهم: وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ! البقرة آية 17.

فلما عاب آلهتهم، وسفه أحلامهم، وجرّ اعتذارهم عن تمسكهم بعبادة الأصنام بأنها تقاليد آبائهم وأجدادهم ، إلى وصف آبائهم بعدم العقل - أعظموا الأمر، وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام ، وإلا عمه أبو طالب الذي حدب عليه، ومنعه، وقام دونه.

الأهل والعشيرة .. أولاً:

سؤال: لماذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتوجه بدعوة خاصة لأهله وأقاربه؟

والجواب : إن في هذا إلماحًا إلى درجات المسئولية التي تتعلق بكل مسلم عمومًا وأصحاب الدعوة خصوصًا .

فأدنى درجة في المسئولية هي مسئولية الشخص عن نفسه، ومن أجل إعطاء هذه الدرجة حقها استمرت فترة ابتداء الوحي تلك المدة الطويلة التي رأيناها، حتى يطمئن محمد صلى الله عليه وسلم إلى أنه نبي مرسل، وأن ما ينزل عليه إنما هو وحي من الله تعالى فيؤمن هو بنفسه أولاً ويوطن ذاته لقبول كل ما سيتلقاه من مبادئ ونظم وأحكام.

أما الدرجة التي تليها، فهي مسئولية المسلم عن أهله وذوي قرباه، وتوجيهًا إلى القيام بحق هذه المسئولية خصص الله الأهل والأقارب بضرورة الإنذار والتبليغ بعد أن أمر بعموم التبليغ والجهر به، وهذه الدرجة من المسئولية يشترك في ضرورة تحمل أعبائها كل مسلم صاحب أسرة أو قربى، وليس من اختلاف بين دعوة الرسول في قومه ودعوة المسلم في أسرته بين أقاربه، إلا أن الأول يدعو إلى شرع جديد منزل عليه من الله تعالى، وهذا يبلغ عنه وينطق بلسانه.

أما الدرجة الثالثة، فهي مسئولية العالم والداعي عن حيه أو بلدته، ومسئولية الحاكم عن دولته وقومه.

التقويم

1-وضح أهمية الجهر بالدعوة ؟

2-القدوة و الالتزام من أفضل وسائل الجهر بالدعوة ، وضح ذلك ؟

3-" و أنذر عشيرتك الأقربين " ماذا تستفيد من هذا النداء ؟ وضح ذلك بمواقف عملية مررت بها ؟

4- استخلص العبر المستفادة من هذا المقطع .

5- وضح إلى أى مدى استفدت من دراستك لهذا المقطع من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .

 

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

 

الهدف المرحلي الثالث : أن يدرك صفات النفس و جوانب القصور فيها

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح أبرز أنواع النفوس التى ذكرها القرآن الكريم .

  2. أن يوضح بعض صفات النفس البشرية .

**************************************************

(إن لهذه النفس التي أودعها الله فينا صفات كثيرة وقد تتعدد الصفات المتضادة في النفس الواحدة )55 ( فقد تكون النفس مطمئنة إلى ذكر الله و وعيده و أمره و نهيه و دينه و رسوله صلى الله عليه و سلم و قد تكون لوامة تلوم صاحبها على التقصير في العبادة و لكنها تضعف أحيانا و قد تكون أمارة بالسوء )56، ولا بد من معرفة أنواع الأنفس حتى نتمكن من التحلي بأحسنها ونتجنب أسوأها. وأبرز هذه الأنواع تلك التى ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم والتي منها)57 :-

أ- من أنواع الأنفس التى ذكرها القرآن الكريم :

1- النفس الأمّارة بالسوء 58 :

(عندما يتحدث أهل التزكية عن النفس و مجاهدتها و مخالفتها فالمقصود بالنفس عندهم المعنى الجامع لقوة الغضب و الشهوة في الإنسان، أو الأصل الجامع للصفات المذمومة في الإنسان )59(و إذا أردنا أن ندرك خطورة النفس على الإنسان فلنقرأ قول الله تعالى عن قابيل "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين"60و قوله تعالى على لسان يعقوب لأبنائه " بل سولت لكم أنفسكم أمرا "61و قوله تعالى على لسان السامري الذي صنع العجل لبني إسرائيل"و كذلك سولت لي نفسي "62 و قوله تعالى على لسان امرأة العزيز "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم "63

( أي لا أزكي نفسي ولا أنزهها ، فإن النفس البشرية ميالة إلى الشهوات)64 و في تفسير القرطبي إن النفس مشتهية للسوء . (و الأدلة على خطورة تسلطها على العبد و انقياده لشهواتها كثيرة جدا لذلك يقول بن القيم رحمه الله " سائر أمراض القلوب تنشأ من النفس ، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصب . ثم تنبعث منها إلى الأعضاء و أول ما تنال القلب " و قد استعاذ النبي صلى الله عليه و سلم من شرها عموما و من شر ما يتولد عنها من الأعمال . و قد اتفق السالكون على أن النفس قاطعة بين القلب و بين الوصول إلى الرب و أنه سبحانه لا يدخل عليه و لا يوصل إليه إلا بعد قهرها و مخالفتها و قال بعض العارفين " انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم ، فمن ظفر بنفسه أفلح و نجح و من ظفرت به نفسه خسر و هلك فقال تعالى "فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " (فالأصل أن النفس أمارة بالسوء و الاستثناء هو غير ذلك و هي مبعث البلاء و الشقاء و مكمن الشر و الفساد و مصدر الظلم و الطغيان و تحتاج إلى قوة إيمانية حتى تزكى و يكون هواها تبعا لشرع الله و يؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول " ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه و أطعتموه و كسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية و إن أهنتموه و أعريتموه و أجعتموه أفضى بكم إلى شر غاية –قالوا يا رسول الله : هذا شر صاحب في الأرض– قال: فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم "65 )66 فالنفس البشرية بطبيعتها ميالة إلى الشهوات ، إلا من تعب في تربيتها فانتقلت من الأمر بالسوء إلى الأمر بالخير ، فتتغير طبيعتها الأمارة بالسوء لكثرة التربية إلى طبيعة أخري وهي اللوم لاقتراف كل ما من شأنه الإبعاد عن رضى الله تعالى.

2- النفس اللوّامة :

يقول الله تعالى "ولا أقسم بالنفس اللوامة"67

(قال قرة بن خالد عن الحسن البصري في هذه الآية : إن المؤمن والله لا نراه إلا يلوم نفسه. ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وأن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه )68. فالمؤمن دائماً ينقي نفسه مما يعلق بها كل يوم من الأقوال والأفعال التي تؤخره عن دخول الجنة، ويصفها الإمام مجاهد أنها "هى التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشر لِم فعلته، وعلى الخير لِم لا تستكثر منه" فهو يتذكر ماضيه البعيد والقريب، وما اقترف فيه من المعاصي، ويعتصر قلبه لذلك الماضي الأسود، فيندم أشد الندم على تضييع الأوقات في غير طاعة الله، وعدم استغلالها في مرضاته، ويندم على استسلامه لتزيين الشيطان، فهو في محكمة دائمة مع نفسه اللوامة، لذلك فهى نفس حساسة حية تشعر بالحسن والقبيح.

يقول سيد قطب رحمه الله "فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها، وتتلفت حولها، وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها هى النفس الكريمة على الله، حتى ليذكرها مع القيامة. ثم هى الصورة المقابلة للنفس الفاجرة. نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدماً في الفجور، والذي يكذب ويتولى ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه، ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة!" وهو يستشعر دائماً شر نفسه، فيكون محفزاً منتبهاً أن تأخذه على حين غرة، فيذكر نفسه صباحاً ومساءً وقبل أن يأوي إلى فراشه "قل اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه" فطلب المعونة للوقوف أمام نفسه هو أول ما يلجئه إلى الله. وإذا ما استمر على الالتزام بهذه الصفة، فإنها توصله إلى صفة أخرى، كنتيجة طبيعية لالتزامه بصفة اللوم، ألا وهى الطمأنينة.

3- النفس المطمئنة :

يقول تعالى ( يا أيتها النفس المطمـئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً فادخلي في عبادي وادخلي جنتي )

يقول الإمام القرطبي "النفس المطمئنة: الساكنة الموقنة ، أيقنت أن الله ربها، فأخبتت لذلك".

وقال ابن عباس: أي المطمئنة لثواب الله.

وعن مجاهد: الراضية بقضاء الله، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها.

وقال الحسن البصري: إن الله تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى الله تعالى، واطمأن الله إليها".

وأنى يكون لها تلك الصفات لولا المحاسبة الدائمة لكل لفظة أو خطرة أو لحظة أو خطوة، فإن هذا اللوم الدائم يعدل من مسارها حتى تستقر على الخط الأصيل، والصراط المستقيم، فلا تؤثر فيها رياح الفتنة وزينة الدنيا، وشدة البلاء، وتسويل الشيطان، فإنها تهزأ بذلك كله بطمأنينة المؤمن الموقن بقدر الله تعالى، والمستسلم لإرادته تعالى..

يقول سيد قطب رحمة الله عليه عن هذه النفس " المطمئنة في السراء والضراء وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء.. المطمئنة فلا ترتاب. والمطمئنة فلا تنحرف. والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق. والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرهيب".

فإذا خاف الناس وإذا ارتعب الناس وإذا سقط الناس وإذا جزع الناس وإذا مال الناس

فهو أبداً ثابتاً كالجبل الأصم لا يغيره شيء، لطمأنينته التي غمرت جوانبه.

ب- من صفات النفس البشرية :

(إن لهذه النفس التي أودعها الله فينا صفات كثيرة وقد تتعدد الصفات المتضادة في النفس الواحدة )69 والمطلوب شرعاً أن يربي المسلم نفسه على الصفات الحميدة ، وأن يخلى نفسه من الصفات الذميمة ومن هذه الصفات :

1- الازدواجية فى النفس البشرية :

يقول تعالى ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكــها وقد خاب من دسها ).

إن جهاز الاختيار الذي أودعه الله تعالى في هذا الإنسان، جعله قادراً على فعل الخير أو الشر، وهو يحاسب يوم القيامة طبقاً لذلك، ولهذا فإن هذه النفس قابلة أن تتغير إما ناحية الخير أو ناحية الشر، وذلك بمقدار ما ينفق هذا الإنسان من جهد لتغييرها، فالتغيير للأحسن يسمى "التزكية" والتغيير للأسوأ يسمى "التدسية". ولهذا قال تعالى (وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) لأنه باختياره لم يتبع الحق فأصابه الشر.

فكاذب من يدعي أنه غير قادر على فعل الخير والابتعاد عن الشر، لأن الله خلق فيه هذا الاستعداد، ويبقى القرار لهذا الإنسان باختياره للخير أو للشر. والازدواجية في النفس البشرية هى الأصل في خلق الإنسان، وليست هى صفة مستقلة بالمعنى التفصيلي.

2- القدرة على التكليف :

يقول تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ).

فعندما خلق الله تعالى الاستعداد في النفس البشرية لعمل الخير أو عمل الشر، صاحب ذلك خلق القدرة لعمل ذلك الخير المأمور به لكي يسهل عليها فعله..

يقول ابن كثير رضي الله عنه "أي لا يكلف أحداً فوق طاقته وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هى الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) أي هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها فهذا لا يكلف به الإنسان".

3- التطويع :

فمن صفات النفس أنها تغري الإنسان وتسهل في عينه فعل الشر ، وتنسيه في ذات اللحظة عاقبة ما يقبل عليه فيري ذلك سهلاً فيقدم عليه ، يقول تعالى عن قصة ابني آدم قابيل وهابيل ، عندما أقبل قابيل على قتل أخيه "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" 70. يقول الإمام القرطبي ( أي سولت وسهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل له.).71

4-التسويل :

التسويل أو التزيين ، أي أن النفس تزين لصاحبها فعل الخطأ ، والزينة توضع على الشيء حتى تغير من صورته الحقيقية فتقبلها النفس .. يقول تعالى : "قال فما خطبك يا سامري ، قال بصرت بما لا يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي" 72

يقول الإمام القرطبي (أي ما أمرك وشأنك ، وما الذي حملك على ما صنعت. قال : رأيت ما لم يروا ، رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة فما ألقيته على شي إلا صار له روح ولحم ودم ، فلما سألوك أن تجعل لهم إلهاً زينت لي نفسي ذلك ) 73.

وجاءت كلمة التسويل في صورة يوسف عليه السلام ، عند قول يعقوب عليه السلام "بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبرُ جميل" 74. وكذلك قال لهم نفس العبارة عندما أبقي يوسف أخاه الصغير عنده.

5- الوسوسة :

والوسوسة هو الصوت الخافت الذي لا يسمعه الآخرون ، لذلك كانت صفة من صفات النفس ، وحديثها لصاحبها ، وهذا الحديث قد يكون خيراً أو شراً فإن كان ممن تعب في تزكيتها فإنها تأمره بالخير ، وإن لم يكن من أولئك ، فإنها تحدثه وتغريه بالسوء.

 

التقويم
  1. وضح أبرز أنواع النفوس التى ذكرها القرآن الكريم .

  2. اعرض نفسك على أنواع النفوس وحدد أين تقع نفسك – وما تنويه حيال ذلك .

  3. وضح بعض صفات النفس البشرية .

 

 

الحلقة

الحادية

والثلاثون

 

الحلقة الحادية والثلاثون

 

الدرس الأول :

 

مواقف من سيرة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

أساليب شتى لمجابهة الدعوة

الأهداف الإجرائية السلوكية :

1- أن يعدد الدارس أساليب قريش فى مواجهة الدعوة

2- أن يوضح الدارس أساليب قريش فى مواجهة الدعوة

3- أن يربط الدارس بين وسائل مجابهة الدعوة قديما و حديثا

5- أن يستخلص الدارس العبر والدروس من هذا المقطع .

6- أن يوضح الدارس إلى أى مدى استفاد هو شخصياً من هذه العبر والدروس .

ولما رأت قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يصرفه عن دعوته تكذيب ولا إعراض فكروا مرة أخرى، واختاروا لقمع هذه الدعوة أساليب، تتلخص فيما يأتي:

1- السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب ، قصدوا بها تخذيل المسلمين ، وتوهين قواهم المعنوية ، فرموا النبي صلى الله عليه وسلم بتهم هازلة، وشتائم سفيهة، فكانوا ينادونه بالمجنون وقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ75، ويصفونه بالسحر والكذب: وعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وقَالَ الكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ76، وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة وإن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ77، وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه، استهزءوا بهم، وقالوا: هؤلاء جلساؤه مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا78، قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ79، وكانوا كما قص الله علينا: إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وإذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وإذَا انقَلَبُوا إلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ . وإذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ . ومَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ80.

2-تشوية تعاليمه وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، ونشر الإيرادات الواهية حول هذه التعاليم، وحول ذاته وشخصيته، والإكثار من كل ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته، فكانوا يقولون عن القرآن: وقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلاً81، إنْ هَذَا إلا إفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ82، وكانوا يقولون: إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ83، وكانوا يقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم: وقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ84، وفي القرآن نماذج كثيرة للردود على إيراداتهم بعد نقلها أو من غير نقلها.

3- معارضة القرآن بأساطير الأولين ، وإشغال الناس بها عنه، فقد ذكروا أن النضر ابن الحارث قال مرة لقريش: يا معشر قريش! والله لقد نزل بكم أمر ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الجنون فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم .

ثم ذهب النضر إلى الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم اسبنديار فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا للتذكير بالله والتحذير من نقمته خلفه النضر، ويقول: والله ما محمد بأحسن حديثًا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم اسبنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني.

وتفيد رواية ابن العباس أن النضر كان قد اشترى قينات (مغنيات)، فكان لا يسمع برجل مال إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا سلط عليه واحدة منها، تطعمه وتسقيه، وتغني له، حتى لا يبقى له ميل إلى الإسلام، وفيه نزل قوله تعالى: ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ 85.

 

التقويم

1- عدد الأساليب التي استعملتها قريش في مجابهة الدعوة ؟

2- وضح أساليب قريش في مجابهة الدعوة ؟

3- استخلص العبر والدروس من هذا المقطع .

 

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

الهدف المرحلي الرابع : أن يوضح وسائل تزكية النفوس .

إن تزكية النفوس وتربيتها والرقى وإصلاحها مدخل إلى كل خير ، وطريق إلى كل نجاح ، وهو فى الوقت نفسه غاية عزيزة المنال ، غالية الثمن ، تحتاج إلى صدق العزم وشد الرحال وبذل الجهود ، كما تحتاج إلى وسائل عديدة وجهاد طويل ومجاهدة لا تتوقف أملاً فى الوصول إلى مرضاة الله وإلى النفوس المطمئنة ، وسوف نتناول هنا بعض أهم وسائل تزكية النفوس بشيء من التفصيل :

  1. الخوف من الله ونهي النفس عن الهوى

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح المقصود بالخوف من الله .

  2. أن يوضح أهمية الخوف من الله .

  1. أن يذكر نماذج من مراقبة النفس من حياة الصحابة والصالحين .

د- أن يقوِّم نفسه فى الخوف من الله والمراقبة له سبحانه .

أ- المقصود بالخوف من الله :

يقول تعالى "وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوي"86.

أورد القرطبي قول مجاهد تعليقاً على هذه الآية (هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند مواقعة الذنب فيقلع ). ونهي النفس عن الهوى أي زجرها عن المعاصي والمحارم 87

ويتعوذ بن مسعود رضي الله عنه من زمان سيأتي بعده ، يكون للهوى الدولة والصولة فيقول ( أنتم في زمان يقود الحق الهوى ، وسيأتي زمان يقود الهوي الحق ، فنعوذ بالله من ذلك الزمان )88.

والخوف هو الأساس في نهي النفس عن الهوى الذي يصحب صاحبه للمعصية ، ولا يمكن أن تكون للإنسان القدرة الزاجرة للنفس عن الهوى دون خوف من الله يدفعه لذلك.

ب- أهمية الخوف من الله :

( "إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا فى السماء"89 كما لا يغيب عنه سبحانه أي تصرف أو قول في ليل أو نهار ، يقول سبحانه "سواء منكم من أسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار "90 و كل ذلك محسوب لنا أو علينا ، قال تعالى "لله ما في السماوات و ما في الأرض و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء و الله على كل شيء قدير "91)92

فالفرد المسلم يخشى الله سبحانه وتعالى في كل تصرفاته وحركاته وسلوكه وهواجسه على دوام الأوقات ، ويؤمن إيماناً راسخاً بأن الله مطلع على ما يخفي وما يعلن ، ولذلك يقوم بمقارنة ما ينوي القيام به من عمل مع أوامر الله ونواهيه ، فينفذ العمل إذا كان صالحاًً ولوجه الله خالصاً ، ويجتنبه إذا كان فيه معصية أو إثم أو هوى نفس.

والقرآن الكريم حافل بالآيات الكريمة التي تدل على هذا المعنى فيقول الله – تبارك وتعالى : (يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور )93 ويقول – جل شأنه – في سورة أخرى : ( ألم يعلم بأن الله يرى )94 ويقول – سبحانه وتعالى ( وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير 95) ويقول الحكيم الخبير : ( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير )96 ويقول الله تعالى ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره )97

ويقول – سبحانه وتعالى – : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه )98 ويقول عز وجل ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت )99.

وهذه الآيات تدل على أن النفس البشرية التي يؤمن صاحبها بالله رباً ، توقن بأنه جل شأنه ، مطّلع عليها ، عليم بأسرارها ، رقيب على أعمالها ، ولذلك يقوم الفرد بمراقبة نفسه ذاتياَ عن طريق ضميره الحي اليقظ ، فيقوم بمقارنة ما يهم القيام به من فعل أو قول مع ما يجب القيام به في ضوء الأحكام والقواعد المستنبطة من القرآن والسنة سواء كانت تتعلق بالعبادات أو المعاملات ... فإذا ما تأكد ضميره واطمأن قلبه إلى شرعية ذلك استخار الله – تبارك وتعالى - ، ويقوم بتنفيذ ما ينوي القيام به قاصداً من وراء ذلك وجه الله سبحانه وتعالى ذاكراً قوله : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين )100

والفرد المسلم المرتبط قلبه بالله والذي تخشع جوارحه لذكر الله ، قادر على التحكم في نفسه الأمارة بالسوء ، ومتمكن من السيطرة على هواه ، ولذلك يراقب نفسه بنفسه .. يخاف الله في كل تصرفاته وسلوكياته ، يقول الحق – تبارك وتعالى – في هذا الخصوص : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه )101 ويقول أيضاً في سورة أخرى : ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير )102 ويؤمن المسلم بأنه سوف يحاسب أمامه يوم القيامة .. ففي ذلك خير ووقاء له من الوقوع أو الاقتراب مما نهى الله عنه.

يقول سيد قطب رحمه الله ( والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية ، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة. فظل في دائرة التوبة.

ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة. فالهوى هو الدافع القوى لكل طغيان ، وكل تجاوز ، وكل معصية ، وهو أساس البلوى، وينبوع الشر ، وقل أن يؤتي الإنسان إلا من قبل الهوى. فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأجل لعلاجها.

والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة. وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوي103.

والهوى عنيف شديد يغطى العقل ، ويقيده ، فهو يحتاج إلى قدرة هائلة لهدمه ، مرتكزة على الخوف من الله تعالى ، والخوف من الفضيحة يوم القيامة ، والشقاء في الدنيا والآخرة ، وهكذا كان التابعون يربون أنفسهم وأتباعهم على الخوف من الله تعالى متعادلاً مع رجاء عفوه ورحمته ، و كان النبي صلى الله عليه و سلم و هو رسول الله المؤيد بالوحي يقول " أنا أخوفكم لله "104 .

  1. فالذي يخاف الله يتقي سخطه و يخشى عذابه و يتحاشى الوقوع في محارمه .

  2. و الذي يخاف الله تعالى يغدو أطهر الناس قلبا و أزكاهم نفسا و أدمعهم عينا و أسخاهم يدا و صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال " اللهم ارزقني عينين هطالتين تشفيان القلب بذروف الدمع من خشيتك قبل أن تصير الدموع دما " 105

التقويم
  1. وضح المقصود بالخوف من الله .

  2. وضح أهمية الخوف من الله .

 

 

الحلقة

الثانية

والثلاثون

 

الحلقة الثانية والثلاثون

الدرس الأول :

 

مواقف من سيرة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم

أساليب شتى لمجابهة الدعوة

الأهداف الإجرائية السلوكية :

1- أن يعدد الدارس أساليب قريش فى مواجهة الدعوة

2- أن يوضح الدارس أساليب قريش فى مواجهة الدعوة

3- أن يربط الدارس بين وسائل مجابهة الدعوة قديما و حديثا

5- أن يستخلص الدارس العبر والدروس من هذا المقطع .

6- أن يوضح الدارس إلى أى مدى استفاد هو شخصياً من هذه العبر والدروس .

 

4- سياسة المفاوضات، جاء فيما علماء السيرة أن عتبة بن ربيعة - وكان سيداً ذا بصيرة ورأى فى قومه - قال فى نادى قريش : يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمور لعله يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكف عنا ؟ فقالوا بلى يا أبا الوليد : قم إليه فكلمه، فجاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يابن أخي، إنك منا حيث علمت من الشرف فى العشيرة والمكانة فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم.... فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد أسمع .

قال: يابن أخي ... إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفرغت يا أبا الوليد ؟ قال نعم.... قال فاسمع منى، ثم قرأ :حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِياً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً ونَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ وفِي آذَانِنَا وقْرٌ ومِنْ بَيْنِنَا وبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إنَّنَا عَامِلُونَ قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ثم مضى رسول الله فى القراءة وعتبة يسمع حتى وصل إلى قول الله تعالى فَإنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وثَمُودَ فأمسك عتبة بفيه وناشده أن يكف عن القراءة، وذلك خوفا مما تضمنته الآية من تهديد، ثم عاد عتبة إلى أصحابه فلما جلس بينهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائى أنى سمعت قولا ما سمعت بمثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة .. وما هو بقول بشر وأنه يعلو ولا يعلى عليه، يا معشر قريش أطيعوني وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم.

قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال هذا رأيّى فاصنعوا ما بدا لكم.

وروى الطبري وابن كثير وغيرهما أن نفرا من المشركين فيهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل جاؤوا فعرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه المال حتى يكون أغناهم وأن يزوجوه أجمل أبكارهم على أن يترك شتم آلهتهم وتسفيه عاداتهم، فلما رفض إلا الدعوة إلى الحق الذي بعث به، قالوا نعبد إلهك يوماً وتعبد آلهتنا يوما، فرفض ذلك أيضا ونزل قوله تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ.

ثم إن أشراف قريش عادوا فكرروا المحاولة التي قام بها عتبة ابن ربيعة فذهبوا إليه مجتمعين، وعرضوا عليه الزعامة والمال، وعرضوا عليه الطب إن كان هذا الذي يأتيه رئيا من الجن، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل علىّ كتاباً، وأمرني أن أكون بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علىّ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

فقالوا له : فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ولا أقل امراً ولا أشد عيشاً منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليفجر لنا أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن بعث لنا منهم قصىّ ابن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل وليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبغي.... فإن، صنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله وأنه بعثك رسولاً كما تقول، فقال لهم : ما أنا بفاعل وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، ثم إنهم قالوا له - بعد طول كلام وخصام - إنا قد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل فى اليمامة يقال له الرحمن، وأنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، فقد أعذرنا إليك يا محمد، وأنّا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. ثم قاموا وانصرفوا عنه.

5- الإيذاء ، لما رأت قريشٌ أن كل ما سبق من أساليب لا يجدي لهم نفعًا في كف الدعوة الإسلامية عن المضي في طريقها بدءوا في الإيذاء والتعذيب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض أيكم يجئ بسلاً جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم (وهو: عقبة بن أبي معيط) جاء به فنظر، حتى إذا سجد النبي لله وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر، لا أغني شيئًا، لو كانت لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون، ويتمايل بعضهم على بعض مرحًا وبطرًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة ، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: ((اللهم عليك بقريش)) ثلاث مرات، فشق ذلك عليهم، إذ دعا عليهم (وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة).

ومنه ما كانوا يواجهونه به من فنون الهزء والغمز واللمز كلما مشى بينهم أو مر بهم فى طرقاتهم أو نواديهم.

ومنه ما رواه الطبري وابن إسحاق أن بعضهم عمد إلى قبضة من التراب فنثرها على رأسه وهو يسير فى بعض سكك مكة، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهى تبكى ورسول الله يقول لها : يا بنية لا تبكى فإن الله مانع أباك، وغير ذلك من الاعتداءات الدنيئة مع ما لشخصيته القدوة من جلال ووقار وجلال في نفوس العامة والخاصة ومع حماية أبي طالب له.

وأما أصحابه رضوان الله عليهم، فقد تجرع كل منهم ألواناً من العذاب يفزع لذكرها الحليم حتى مات منهم من مات تحت التعذيب وعمى من عمى، ولم يثنهم ذلك عن دين الله شيئاً، ويطول البحث لو ذهبنا نسرد كل ما ورد ولكننا نشير إلى نماذج من العذاب الذي لاقاه بعضهم :

1- كان عم عثمان بن عفان رضي الله عنه يلفه في الحصير من أوراق النخيل ثم يشعل النار من تحته .

2- ولما علمت أم مصعب بن عمير رضي الله عنه بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته وكان من أنعم الناس عيشًا حتى تخشف جلده تخشف الحية

3- وكان بلال رضي الله عنه -مولي أمية بن خلف الجمحي- فكان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك: أحد .. أحد.

4- وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولي لبني مخزوم أسلم هو وأبوه وأمه فكان المشركون وعلى رأسهم أبو جهل يخرجونهم إلى الصحراء إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها ومر بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعذبون فقال: ((صبرًا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة))، فمات ياسر من العذاب وطعن أبو جهل سمية -أم عمار- في قُبلها بحربة فماتت وهي أول شهيدة في الإسلام وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى وبالتغريق أخرى وقالوا لا نتركك حتى تسب محمدًا أو تقول في اللات والعزى خيرًا، فوافقهم على ذلك مكرهًا وجاء باكيًا معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ106.

5- وكان مولى لبني عبد الدر اسمه أفلح -يشدون برجله الحبل ثم يجرونه على الأرض.

6- وخباب بن الأرت، كان المشركون يذيقونه ألوانًا من التنكيل وأضجعوه مرات عديدة على صخور ملتهبة ثم وضعوا عليه حجرًا حتى لا يستطيع أن يقوم فدخلت الصخور في ظهره ولما بردت سقطت وتركت تجاويف عظيمة فيه.

وقائمة المعذبين في الله طويلة ومؤلمة جدًا فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه وننقل هنا ما رواه الإمام البخاري عن خبّاب ابن الأرتّ أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردةً وهو فى ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت يا رسول الله : ألا تدعو لنا ؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .

 

 

 

 

 

التقويم

1- عدد الأساليب التي استعملتها قريش في مجابهة الدعوة ؟

2- يقول الله تعالى "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون " في ضوء هذه الآية اربط بين الأساليب التي استعملتها قريش لمجابهة الدعوة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم و ما يشابه ذلك في العصر الحديث لمن اتبع منهج الرسول صلى الله عليه وسلم وجهر به .

3- وضح إلى أى مدى استفدت شخصياً من هذه العبر والدروس .

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

الهدف المرحلي الرابع : أن يوضح وسائل تزكية النفوس

 

ج- نماذج من مراقبة النفس من حياة الصحابة والصالحين :

*راعي الغنم وعمر بن الخطاب :

قال عبد الله بن دينار : خرجن مع عمر بن الخطاب إلى مكة فعرسنا ببعض الطريق ، فانحدر علينا راعٍ من الجبل ، فقال له عمر : يا راعي : بعنى شاة من هذه الغنم ، فقال الراعي : إني مملوك ، فقال عمر : قل لسيدك : أكلها الذئب ، فقال العبد : فأين الله ؟ فبكى عمر ، ثم غدا على سيد الراعي فاشتراه منه واعتقه ، وقال : أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة ، وأرجو أن تعتقك في الآخرة .

( تتضمن هذه القصة معاني كثيرة من بينها أن الفرد المسلم الذي تربى وفقاً لمنهج الله لا يخاف من الناس ، ولا تشدهم الدنيا ولا يغريهم المال لأن ما عند الله خير وأبقى ، هؤلاء تربوا في مدرسة الإسلام فأصبحوا يخشون الله ولا يخشون الحكام ).

 

*بائعة اللبن وعمر بن الخطاب :

قال أسلم : بينما أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس يتلمس أحوال رعيته بالمدينة .. فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل .. وإذا امرأة تقول لابنتها : قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه : ( اخلطيه ) بالماء ، قالت الفتاه لأمها : أو ما علمت بما كان من عزم أمير المؤمنين؟ فقالت الأم : وماذا كان من عزمه يا بنية ؟ قالت الفتاه أنه أمر مناديه فنادى : لا يشاب ( يختلط ) اللبن بالماء ، قالت الأم لابنتها ساخرة : يا بنيتي ‍‍‍‍‍‍‍‍ قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء إنك في موضع لا يراه عمر ولا منادي عمر ، قالت لأمها غاضبة : لا يا أماه ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء وهل يغيب عنا رب عمر ،إذا غاب عمر ؟ وقد سمع عمر هذا الحوار كله : فقال لأسلم : علم الباب : واعرف الموضع ، ثم مضى عمر فلما أصبح قال : يا أسلم . امضي إلى الموضع فانظر : من القائلة : ومن المقول لها ؟ وهل لها من بعل ( زوج ) ؟ فأتيت الموضع فإذا الجارية لا بعل لها وكذلك أمها فأخبرت عمر ، فجمع أولاده وقال لهم : هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه ؟ لو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية ، وكان للجميع عدا عاصم بن عمر فتزوجها ثم ولدت له بنتاً وولدت هذه البنت عمر بن عبد العزيز – رضى الله عنه - .

 

* قصة الشيخ والغلام والطير :

حكى أنه كان لبعض المشايخ تلميذ شاب ،وكان يكرمه ويقدمه فقال له بعض أصحابه : كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ ؟ فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائراً وسكيناً وقال : ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ، ودفع إلى الشاب قبل ذلك وقال له كما قال لهم ، فرجع كل واحد منهم بطائره مذبوحاً ، ورجع الشاب والطائر حي في يده ، فقال مالك : لمْ تذبح كما ذبح أصحابك ؟ فقال : لم أجد موضعاً لا يراني فيه أحد ، إذ وجدت الله مطلعاً علىّ في كل مكان ، فاستحسنوا منه هذه المراقبة وقالوا : حق لك أن تكرم.

د- أن يقوِّم نفسه فى الخوف من الله والمراقبة له سبحانه :

فأين أنت أخي الحبيب من الخوف من الله ؟ تذكر قبل أن تقدم على أي عمل : أنك مراقب و على كل شيء محاسب .

اختر الخانة التي توافقك

لا أبدا

صفر

نادرا

1

أحيانا

2

غالبا

3

دائما

4

البند

م

 

 

 

 

 

أستشعر في خلوتي مع نفسي أن الله سبحانه يراني

1

 

 

 

 

 

أعرف في عملي ما هو لله و ما هو لنفسي

2

 

 

 

 

 

أعرف أنني مراقب في أعمالي و أستحيي ممن يراقبني من الملائكة

3

 

 

 

 

 

أحسن عملي عندما أنتبه إلى أن الله مطلع علي

4

 

 

 

 

 

أبيّن لغيرى معنى المراقبة و الخوف من الله

5

أحسب درجاتك فإن وجدت خيراً فاحمد الله عليه وإن وجدت غير ذلك فراجع نفسك فى خشيتها لله .

 

التقويم
  1. اذكر نماذج من مراقبة النفس من حياة الصحابة والصالحين .

  2. قوِّم نفسك فى الخوف من الله والمراقبة له سبحانه .

  3. اذكر نماذج عايشتها ثمثل فيها الخوف من الله عز وجل – وما تأثير تلك النماذج على نفسك ؟

  4. اذكر مواقف عملية عشتها كان للخوف من الله أثر فى تقويم سلوكك أو تدارك خطأ أوشكت على الوقوع فيه .

 

 

 

 

الحلقة

الثالثة

والثلاثون

 

الحلقة الثالثة والثلاثون

الدرس الأول :

 

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس ملخص تاريخ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى سطور .

  2. أن يذكر الدارس اسمه ولقبه وصفته رضي الله عنه .

ج- أن يوضح الدارس أبرز فضائله ومآثره رضي الله عنه .

د- أن يستخلص الدارس الدروس والعبر المستفادة من دراسة شخصية سيدنا عمر رضي الله عنه .

هـ. أن يوضح الدارس أبرز الصفات والفضائل التى تأثر بها من شخصية سيدنا عمر رضي الله عنه

و- أن يوضح الدارس أهم أقوال سيدنا عمر رضي الله عنه التى أثرت فى نفسه .

تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سطور

  1. ولد قبل بعثة الرسول بثلاثين سنة ..

  2. كان عدد المسلمين يوم أسلم تسعة وثلاثين ..

  3. كان صهر رسول الله وأبا أم المؤمنين حفصة .

  4. كان عمره يوم الخلافة خمسا وخمسين سنة ..

  5. كانت مدة الخلافة عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام ..

  6. فتحت في عهده بلاد الشام والعراق وفارس ومصر وبرقة وطرابلس الغرب وأذربيجان ونهاوند

  7. بنيت في عهده البصرة والكوفة ..

  8. أول من أرّخ بالهجرة ، ودون الدواوين ..

  9. دفن مع رسول الله وصاحبه أبى بكر في غرفة عائشة ..

1.- تزوج فى الجاهلية ، قريبة أم كلثوم بنت جرول وفى الإسلام زينب بنت مظعون ، وأم كلثوم بنت علي رضى الله عنه ، وجميلة بنت ثابت ، وأم حكيم بنت الحارث ، وعاتكة بنت زيد وقد توفى وبعضهن فى عصمته ..

11- كان له من الولد اثنا عشر : ستة من الذكور : وهم عبد الله وعبد الرحمن وزيد وعبيد الله وعاصم وعياض وست من الإناث وهن : حفصة ورقية وفاطمة وصفية وزينب وأم الوليد .

اسمه ولقبه وصفته :

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ، يجتمع نسبه مع النبى صلى الله عليه وسلمفي كعب بن لؤى ، فهو قرشى من بنى عدى .

وكنيته أبو حفص ، والحفص هو شبل الأسد ، كناه به النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر . ولقبه الفاروق ، لقبه بذلك النبىصلى الله عليه وسلم يوم إسلامه ، فأعز الله به الإسلام ، وفرّق به بين الحق والباطل .

نشأ فى مكة عاصمة العرب الدينية ، من بيت عرف بالقوة والشدة ، كما كانت إليه السفارة فى الجاهلية ، إذا وقعت بين قريش وبين غيرها حرب ، بعثته سفيرا يتكلم باسمها ، وإن نافرهم منافر ، أو فاخرهم مفاخر ، بعثوا به منافرا عنهم ، ومفاخرا بهم .

وكان طويلا بائن الطول ، إذا مشى بين الناس أشرف عليهم كأنه راكب ، أسمر ، مشربا بحمرة ، حسن الوجه ، غليظ القدمين والكفين ، أصلع خفيف العارضين، جلدا شديد الخلق ، ضخم الجثة ، قوى البنية ، جهوري الصوت . قالت فيه الشفاء بنت عبد الله : كان عمر إذا تكلم أسمع ، وإذا مشى أسرع ، وإذا ضرب أوجع ، وهو الناسك حقا .

كان من أنبه فتيان قريش وأشدهم شكيمة ، شارك فيما كانوا يتصفون به من لهو وعبادة . فشرب الخمر ، وعبد الأوثان واشتد بالأذى على المسلمين فى سنوات الدعوة الأولى ، وكان يعرف القراءة والكتابة .

وأخرج بن أبي الدنيا بسند صحيح عن أبي رجاء العطاردي قال كان عمر طويلا جسيما أصلع أشعر شديد الحمرة كثير السبلة في أطرافها صهوبة وفي عارضيه خفة وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند جيد إلى زر بن حبيش قال رأيت عمر أعسر أصلع آدم قد فرع الناس كأنه على دابة قال فذكرت هذه القصة لبعض ولد عمر فقال سمعنا أشياخنا يذكرون أن عمر كان أبيض فلما كان عام الرمادة وهي سنة المجاعة ترك أكل اللحم والسمن وأدمن أكل الزيت حتى تغير لونه ، فشحب لونه .

إسلامه :

كان عمره يوم بعث النبى صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة ، أو بضعا وعشرين سنة ، على اختلاف الروايات . وقد أسلم فى السنة السادسة من البعثة ، فى قصة مشهورة فى السيرة النبوية . ومنذ أسلم انقلبت شدته على المسلمين إلى شدة على الكافرين ، ومناوأة لهم ، فأوذي وضرب ، وقد سبقه إلى الإسلام تسعة وثلاثون صحابيا فكان هو متمما للأربعين ، وقد استجاب الله به دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم إذ قال : « اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك : أبى جهل بن هشام أو عمر بن الخطاب » ( أخرجه الترمذي ) فكان إسلامه دون أبى جهل ، دليل على محبة الله له ، وكرامته عنده.

وفي رواية أم عمر بنت حسان الثقفية عن زوجها سعيد بن يحيى بن قيس عن أبيه عن عمر فذكر قصة وفيها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم اشدد الدين بعمر اللهم اشدد الدين بعمر اللهم اشدد الدين بعمر .

وأخرج أحمد من رواية صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد قال : قال عمر : خرجت أتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت : هذا والله شاعر كما قالت قريش قال: فقرأ إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ، فقلت كاهن قال : ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ، حتى ختم السورة قال فوقع الإسلام في قلبي كل موقع .

وأخرج محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه بسند فيه إسحاق بن أبي فروة عن بن عباس أنه سأل عمر عن إسلامه فذكر قصته بطولها وفيها أنه خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة وأصحابه الذين كانوا قد اختفوا في دار الأرقم فعلمت قريش أنه امتنع فلم تصبهم كآبة مثلها قال فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق .‏

التقويم

  1. أذكر ملخص تاريخ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فى سطور .

  2. أذكر اسم ولقب وصفة سيدنا عمر رضي الله عنه .

  3. وضح أبرز فضائل ومآثر سيدنا عمر رضي الله عنه .

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

(2) محاسبة النفس

الأهداف الإجرائية السلوكية :

أ- أن يوضح المقصود بمحاسبة النفس .

ب- أن يوضح أهمية محاسبة النفس .

ج- أن يذكر نماذج من محاسبة الصحابة والصالحين لأنفسهم .

د- أن يتدرب على محاسبة النفس .

هـ أن يقوِّم مدى محاسبته لنفسه .

أ- المقصود بمحاسبة النفس :

المحاسبة … وهى من الحساب وتصفيته لمعرفة الأرباح من الخسائر .107

وتعني محاسبة النفس : أن يقوم الفرد من تلقاء ذاته بأن يحاسب نفسه بنفسه ، أولاً بأول ، عن أعماله وأحواله وسلوكه وتصرفاته ، ما ظهر منها وما بطن ، وحتى يكون على بصيرة من أمره وذلك في ضوء المشروع ، وأن يقوِّم نفسه بنفسه ، إذا ما وجد انحرافاً وذلك قبل فوات الأمر ، وانقضاء الأجل ، والوقوف أمام الله – سبحانه وتعالى – للمحاسبة الأخروية ،فمحاسبة النفس هى طريق المتقين ، وزاد المؤمنين الصالحين ، ومعيار الخوف من الله – سبحانه وتعالى - ، ومرشد السائرين إلى رب العالمين.)108

ب- أهمية محاسبة النفس :

قال الله تعالى فى كتابه العزيز : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، و لتنظر نفس ما قدمت لغد "109 و هذه إشارة إلى محاسبة النفس .

ولقد ربي الرسول – صلى الله عليه وسلم – المسلمين الأوائل على المحاسبة الذاتية ، وكان يحذرهم من شدة حساب الآخرة ، فعرف هؤلاء أن الله لهم بالمرصاد ، وأنهم سوف يحاسبون يوم القيامة على كل شيء ، ولا ينجيهم من ذلك إلا المحاسبة الذاتية وصدق المراقبة ، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف يوم القيامة ، وحضر عند السؤال جوابه ، وحسن منقلبه ومآبه ، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته ، وطالت يوم القيامة وقفاته ، فقد روى عن عبادة بن الصامت ، أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل سأله أن يوصيه ويعظه ، قال : ( إذا أردت أمراً فتدبر عاقبته ، إن كان رشداً فأمضه ، وإن كان غياً فانته عنه )

كما روى شداد بن أوس عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : ( والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله - عز وجل - )110 ]111

( والعاقل : من حاسب نفسه الآن قبل أن يحاسب ، ومن طال حسابه لنفسه الآن نجا من أهوال الحساب يوم الحساب ، وكلما كثرت محاسبة الإنسان لنفسه ، قلت عيوبه ، وكثرت ميزاته ، ونجحت خطته فى إصلاح نفسه ، ولذلك كان عمر رضى الله عنه يقول 112: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا ، وتهيؤا للعرض الأكبر : " يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية " الحاقة 18 )113

و كان الحسن رضى الله عنه يقول : المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه.

وعن ميمون بن مهران أنه قال : ( لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه ، والشريكان يتحاسبان بعد العمل ).

(ومن أهم سمات النفس المؤمنة الورعة الوجلة ، المحاسبة على التصرفات والأفعال ، ما ظهر منها وما بطن ، وذلك حتى تتأكد انها تسير على الطريق المستقيم الذي حدد معالمه القرآن الكريم ، ووضحه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسار عليه السلف الصالح ومن والاهم ، وحتى يبين لها الخطأ والانحراف عن ذلك الطريق فتعرف السبب وتعود إلى الحق ، وتتمسك به ، حتى لا تضل فتشقى . والمسلم الذي صح إسلامه هو القادر على محاسبة نفسه ، والتحكم في تصرفاته وأفعاله ، والعاقل الكيس من لام نفسه وعاتبها إذا ما أخطأت ، لأنه يخشى يوم الحساب الأعظم أمام الله الحسيب القدير.

[ويجب على المؤمن ألا يغفل على محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها ، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد ، فإضاعة هذه الأنفاس أو شراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه ، خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم ، وأقلهم عقلاً ، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

( و طالما كان المسلم عاملا في هذه الحياة ليل نهار على ما يسعده في الدار الآخرة و لما كانت الدنيا هي موسم عمله كان عليه أن ينظر إلى الفرائض الواجبة عليه كنظر التاجر إلى رأس المال و ينظر إلى الذنوب و المعاصي كالخسارة في التجارة ثم يخلو بنفسه ساعة من آخر النهار كل يوم يحاسب نفسه فيها على عمل يومه فإن رأى نقصا في الفرائص لامها و وبخها و قام إلى جبره في الحال . فإن كان مما يقضى قضاه في الحال و إن كان مما لا يقضى جبره بالإكثار من النوافل ، و إن رأى نقصا في النوافل عوض الناقص و جبره . و إن رأى خسارة بارتكاب المنهي عنه استغفر و ندم و أناب و عمل من الخير ما يراه مصلحا لما أفسد )114 هذا هو المراد من المحاسبة للنفس و هي إحدى طرق إصلاحها و تأديبها و تزكيتها و تطهيرها

 

 

التقويم
  1. وضح المقصود بمحاسبة النفس .

  2. وضح أهمية محاسبة النفس .

 

 

 

 

 

الحلقة

الرابعة

والثلاثون

 

الحلقة الرابعة والثلاثون

 

الدرس الأول :

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  • أن يوضح الدارس أبرز فضائله ومآثره رضي الله عنه .

  • أن يستخلص الدارس الدروس والعبر المستفادة من دراسة شخصية سيدنا عمر رضي الله عنه .

 

صحبته للرسول :

كان في صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم مثال المؤمن الواثق بربه ، المطيع لنبيه ، الشديد على أعداء الإسلام ، القوى فى الحق ، المتمسك بما أنزل الله من أحكام . شهد المعارك كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأثنى عليه الرسول بما يدل على عظيم منزلته عنده ، وبلائه فى الإسلام . ومما ورد فيه قوله : « إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ، وفرق الله به بين الحق والباطل » ( أخرجه الترمذي ) .

وكان ذا رأي سديد ، وعقل كبير ، وافق القرآن في ثلاث مسائل قبل أن ينزل فيها الوحي .كان من رأيه تحريم الخمر فنزل تحريمها بقوله تعالى : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون  ( المائدة 9. )

وكان من رأيه عدم قبول الفداء من أسرى بدر ، فنزل القرآن مؤيداً رأيه ، كما أشار علي النبى باتخاذ الحجاب على زوجاته أمهات المؤمنين فنزل القرآن بذلك .

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جزع لذلك جزعا شديدا ، حتى زعم أن رسول الله لم يمت ، وأنه ذهب يناجى ربه وسيعود إلى الناس مرة أخري : وأعلن أنه سيضرب كل من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. وهكذا توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمثل الشدة على أعداء الله من مشركين ومنافقين .وكان إذا رأى أحدا أساء إلى النبى صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل ، قال لرسول الله : دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق : وقد شهد له رسول الله بالجنة ، وهو أحد العشرة المبشرين بها ( جامع الأصول 8/558 ) ، وحسبه شرفا ومكانه عند الله أن رسول الله توفى وهو عنه راض .

في خلافة أبى بكر :

وكان عمر فى خلافة أبى بكر رضى الله عنه وزير صدق ، ومساعد خير ، به جمع الله القلوب على مبايعة أبى بكر يوم اختلف الصحابة فى سقيفة بنى ساعدة ، وكان الهاما موفقا من الله أن بادر عمر إلى مبايعة أبى بكر ، فبادر الأنصار والمهاجرون بعد ذلك إلى البيعة . ولقد كان أبو بكر أجدر الصحابة بملء هذا المكان الخطير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل لقد علم الصحابة جميعا ، أن الرسول حين استخلف أبا بكر على الصلاة إنما أشار بذلك إلى أهليته للخلافة العامة ، ولكن فضل عمر فى مبايعة أبى بكر ، إنما كان فى حسم مادة الخلاف الذى كاد يودى بوحدة المسلمين ، ويقضى على دولة الإسلام الناشئة .

وكانت شدة عمر فى حياة النبى عليه السلام ، هى فى حياة أبى بكر .. فأبو بكر كان رجلا حليما تملأ الرحمة برديه ، ويغلب الوقار والعفو على صفاته كلها ، فكان لابد من رجل قوى الشكيمة كعمر ، يمزج حلم أبى بكر بقوة الدولة ، وهيبة السلطان .. فكان عمر هو الذى قام هذا المقام ، واحتل تلك المنزلة . ولذلك كان أبو بكر يأخذ برأيه ، ويعمل بقوله . أمر أبو بكر يوما بأمر فلم ينفذه عمر ، فجاءوا يقولون لأبى بكر : والله ما ندرى الخليفة أنت أم عمر ؟ فقال أبو بكر : هو إن شاء والله ! ..

وتلك لعمري نفحة من نفحات العظمة الإسلامية التى أرادها الله بشير خير للمسلمين وللعالم بعد وفاة الرسول .. عمر يقول لأبى بكر يوم السقيفة : أنت أفضل منى ، وأبو بكر يجيبه بقوله : ولكنك أقوى منى .. فيقول عمر لأبى بكر : إن قوتي مع فضلك .. وبذلك تعاونت العظمتان فى بناء صرح الدولة الإسلامية الخالدة .. فضل أبى بكر وحلمه وعقله وحزمه ، مع قوة عمر وبأسه وشدته وهيبته .

 

عمر فى الخلافة :

ويتولى عمر الخلافة ، وهى أشد ما تكون حاجة إلى رجل مثله ، المسلمون يشتبكون فى حروب طاحنة مع فارس والروم ، والبلاد الإسلامية التى فتحت تحتاج إلى ولاة أتقياء أذكياء ، يسيرون فى الرعية سيرة عمر فى حزمه وعفته وعبقريته فى التشريع والإدارة ، والعرب الفاتحون قد أقبلت عليهم الدنيا فهم منها على خطر عظيم ، أن يركنوا إليها ، ويملوا حياة الجهاد والكفاح ، ويعبوا عن لذائذها وزينتها وترفها ..

تولى عمر الخلافة فسجل أروع الآثار فى تاريخ الإسلام :

  • أتم ما بدأبه أبو بكر من حرب فارس والروم ، فانتهت باستيلاء المسلمين على مصر والشام والعراق ومملكة فارس .

  • نظم جهاز الدولة , فدون الدواوين , وفرض الأعطيات , وجبى خراج الأراضي المفتوحة بأعدل طريق وأقوم سياسة , وواجه حاجات الدولة الإسلامية فى الأنظمة والقوانين , بأعظم عبقرية تشريعية عرفها تاريخ الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

  • حكم البلاد المفتوحة بيد تجمع بين القوة والرهبة , وبين الرفق والحسم , وبين العدل والتسامح , فكان حكم عمر مضرب الأمثال فى ذلك ، فى تواريخ الأمم كلها ، وقل أن عرفت الإنسانية حاكما مثله خلده التاريخ بعدله ورحمته .

التقويم

- وضح أبرز فضائل ومآثر سيدنا عمر رضي الله عنه .

الدرس الثاني :

 

 

تزكية النفس

 

(2) محاسبة النفس

 

ج- نماذج فى المحاسبة :

*وعن عمر – رضى الله عنه – أنه كان يضرب قدميه بالدرة إذا جن عليه الليل ويقول لنفسه : ماذا عملت اليوم ؟

 

*وقال أنس بن مالك : سمعت عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – يوماً قد خرج وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول : وبينى وبينه جدار وهو في الحائط : عمر بن الخطاب أمير المؤمنين : بخ بخ !! والله لتتقن الله أو ليعذبنك.

 

* وقال البحترى ابن حارثة : دخلت على عابد فإذا بين يديه نار قد أحجبها وهو يحاسب نفسه ويعاتبها حتى مات .

 

* وقيل : كان ابن الصمة يحاسب نفسه يوماً وهو ابن ستين سنة ، فحسب أيامها وهى إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال يا ويلتا ! ألقى الملك بإحدى وعشرين ألف ذنب وخمسمائة ذنب ؟! كيف وفى كل يوم عشرة آلاف ذنب !! ثم خر مغشياً عليه .

 

* كان أحد التابعين يزيد في عبادته وقرباته إلى الله حتى كان ( إذا سجد تجئ العصافير تنقر على ظهره كأنه جذم حائط )115 ، ومع كل هذه العبادة فهو على خوف دائم ، وبمحاسبة مستمرة لنفسه أن تكون أقواله غير مطابقة لأعماله حتى يجعله يقول : ( ما عرضت قولي على عملى إلا خفت أن أكون مكذباً )116 ، بمثل هذه المحاسبة يستمر العمل ويزداد ، فتحفظ النفس من الانحراف والانقلاب.

هكذا كان الصحابة والصالحون يحاسبون أنفسهم فهلا اقتدينا بهم فى ذلك حتى ننجوا من حساب يوم القيامة يوم يقال فيه : " اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " الإسراء (14)

 

د- أن يتدرب على محاسبة النفس :

ومحاسبة النفس أنواع ، منها المحاسبة المتقطعة والتي تأتي بين فترات متباعدة ، ومنها ما يعقب الخطأ الجسيم ، ومنها المحاسبة الآنية وهي أفضلها حيث يحاسب المرء نفسه على كل خطأ تقوم فيه ، وهذه المحاسبة لا يمكن أن تبدأ دونما الانتباه واليقظة لتحركات هذه النفس واتهامها ، فإن النفس خصم جاهل .

(فعندما سئل يحيى بن معاذ من خصمك ؟ قال : نفسي تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم ، بشهوة ساعة )117. إنها خواطر النفس ، عندما تزين للإنسان بهارج الدنيا ، وتزين له فعل الشهوات ، وتسهل له اقترافها ، وتصغر في عينه الجريمة ، إنه صراع المؤمن مع نفسه الأمارة والتي تنسيه لذائذ الجنة كلها ، وتعميه عنها ، وتبرز له لذة الدنيا الفانية ، هى التي تجعل الإمام يحيي بن معاذ يقول ذلك ، وإلا فحاشا لمثله أن يبع الجنة ونعيمها بشهوة ساعة. ذلك لأنه أدرك أن المحاسبة لا يمكن أن تتم دون الالتفات لهذه النفس واتهامها.

 

*يقظة دائمة :

هكذا يجب على المسلم أن ينتبه لنفسه فلا يترك لها مجالاً ولا باباً تدخل عليه منه لتجره عن الصراط المستقيم فهو يرى نفسه أقل الناس شأنا فإذا رأى من هو أكبر منه قال هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني ، وإذا رأى من هو أصغر منه قال سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني ، وإذا رأى إخوانه يكرمونه ويعظمونه قال هذا فضل أخذوا به ، وإذا رأى منهم تقصيراً قال هذا ذنب أحدثته )118..

فهو يحاصر نفسه في جميع الأحوال ، ولا يترك لها متنفساً تنفس فيه ، ولا فرصة تصطاده فيها وكلها مجالات واسعة للنفس البشرية ، تجول فيها وتصول ولكن ليس عند المؤمن اليقظ لنفسه.

 

وتتم محاسبة النفس على النحو التالي :

(1) تحديد وقت المحاسبة فقد يكون في كل لحظة أو ساعة أو في آخر النهار أو نحو ذلك .

(2) يقوم الفرد بحصر واسترجاع الأعمال والتصرفات التي تمت خلال هذه الفترة ( يمكن الاستعانة بجدول للمحاسبة ).

(3) بيان جوانب الخير في أعماله فيشكر الله – سبحانه وتعالى – على ذلك ويعمل على تنميتها وزيادتها ، وبيان جوانب النقصان والخسران وهنا يلوم نفسه ويعاقبها ويتوب ويقلع عن هذا النقصان ويجبر نفسه على تعويض ما فاته.

تطبيق عملي

لا تنام هذه الليلة قبل أن تجلس في غرفتك منفردا و تطفئ الأنوار و تغلق الأبواب لمدة نصف ساعة تحاسب نفسك خلالها على ما فعلت هذا اليوم . فإن كان خيرا فقم و صل ركعتين شكر لله و إن كان غير ذلك فتب إلى الله واعقد العزم على الخير .

هـ – هل أنت ممن يحاسبون أنفسهم ؟

يمكن بالاستعانة بمثل الاستبانة التالية أن يقوِّم الفرد نفسه فى أمر المحاسبة ليدرك هل هو من المتيقظين لأنفسهم أم من الغافلين عنها أو بين ذلك فيتدارك ما فاته قبل فوات الأوان – فمازال أمامك الوقت لإصلاح نفسك – قبل أن يأتى الحساب الذى لا رجعة بعده .

( اختر الخانة التي توافقك واحسب درجاتك )

لا أبدا

صفر

نادرا

1

أحيانا

2

غالبا

3

دائما

4

البند

م

 

 

 

 

 

أشعر كلما أقبلت على النوم أن نفسي قد لا تعود إلى الحياة

1

 

 

 

 

 

أشعر أني كلما استيقظت أنني منحت فرصة جديدة لتحصيل الثواب

2

 

 

 

 

 

أشعر بخسارة كبيرة إن فاتني فرض فرضه الله علي

3

 

 

 

 

 

أحزن إن وجدت نفسي لم تزد في فعل الخير عن الأمس

4

 

 

 

 

 

يعتريني شعور بأنني موجود في هذه الحياة بصفة مؤقتة

5

 

 

 

 

 

أذكر نفسى بأن الموت و الحياة يتعاقبان يوميا على الانسان

6

 

 

 

 

 

أراجع عملى عند كل صلاة و أستغفر للتقصير

7

 

التقويم
  1. اذكر نماذج من محاسبة الصحابة والصالحين لأنفسهم .

  2. كيف يمكن أن يتدرب الإنسان على محاسبة النفس .

  3. ما الأمور العملية من خلال ممارستك لأمر المحاسبة التى تنصح بها من يريد أن يتعلم محاسبة نفسه .

  4. اذكر مواقف عايشتها أو سمعت بها لأشخاص يحاسبون أنفسهم وما أثر تلك المواقف على نفسك .

  5. هل أنت ممن يحاسبون أنفسهم على كل عمل ؟ وهل تقف مع نفسك وقفة محاسبة فى نهاية كل يوم ؟ إذا كانت الإجابة بلا أو أن هناك خلل فى الأمر . فما تنوى عمله حيال ذلك وبماذا تنصح نفسك .

 

 

 

الحلقة

الخامسة

والثلاثون

 

الحلقة الخامسة والثلاثون

 

الدرس الأول :

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

ـ. أن يوضح الدارس أبرز الصفات والفضائل التى تأثر بها من شخصية سيدنا عمر رضي الله عنه

 

- أبرز نواحى عظمته :

  1. الدفاع عن العقيدة :

فلقد كان عمر شديد الوطأة على المسلمين حين كان يعتقد بطلان دينهم ، وأنهم مرتدون عن عقيدته وعقيدة العرب يومئذ ، فما كان يترك وسيلة للدفاع عن عقيدته الوثنية ، وإيذاء المسلمين فى دينهم الجديد إلا سلكها ، حتى إذا أسلم عمر ، بدا فى حماسة لعقيدته الجديدة ، أشد مما بدا فيه فى الدفاع عن عقيدته الموروثة، وقف بعد إسلامه على رؤوس قريش ، وهم فى فناء الكعبة ، ثم أعلن بصوته الجهوري : إنه قد صبأ عن دينه القديم إلى الإسلام .

وكان المسلمون يستخفون فى إسلامهم – فسار إليه الناس يضربونه ويضربهم ، حتى قام إليه خاله أبو جهل فأجاره ، فانكشف الناس عنه . ولكنه رأى المسلمين يضربون فقال : ألايصيبنى ما يصيب المسلمين ؟ ثم جاء إلى خاله ، فرد عليه جواره ، فعاد الناس إليه يضربونه ويضربهم ، حتى أعز الله الإسلام .

  1. شدته فى الحق :

لم يكن يرى فى سلوك طريق الحق هوادة ولا لينا ، ولا يرى أن يجامل فى سبيله صديقا ولا قريبا : كان رأيه فى أسرى بدر أن تقطع رقابهم ، وهم أشراف قريش وزعماؤها ، لما كان يرى فى ذلك من إرهاب الشرك وأهله، وعقوبة أعداء الله وأعداء رسوله .

ولم يرض يوم صلح الحديبية بالشروط التى وافق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ورأى فيها مهانة للمسلمين وضعفا ، فأتى رسول الله فقال له : يا رسول الله ألسنا على حق وهم على الباطل ! قال بلى قال : أليس قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار ؟ ! قال : نعم ، قال : فعلام نعطى الدنية فى ديننا ؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال الرسول : يا بن الخطاب ؟ إنى رسول الله ، ولن يضيعني الله أبدا . فانطلق عمر إلى أبى بكر فقال له مثل ما قال للرسول ، فأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه الرسول صلى الله عليه وسلم .

3- خضوعه للقيادة :

ومع ما كان عليه من الشدة فيما يعتقد أنه حق ، فلقد كان شديد الخضوع للقيادة حين تحزم أمرها ، ولو كان مخالفا لرأى عمر فمع ما رأيتموه فى موقف عمر يوم صلح الحديبية من شدة وغضب ، فلقد خضع لقائده رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال له : ياابن الخطاب ، إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً ، ورضى بما رضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم...

وها نحن أولاء نراه أو لا نراه يجادل أبا بكر فى حرب المرتدين ، هو يرى أن لا يحاربهم المسلمون ، وأبو بكر يرى وجوب محاربتهم فلما رأى عمر تصميم قائده أبى بكر على القتال حتى شرح الله صدر عمر وعلم أن الله أجرى الحق على لسان أبي بكر ، فكان أول من أطاع ولبى .

4- الرحمة بالشعب :

ومع هذه الشدة التى رأيتموها من عمر فى الحق ، كانت له رحمة بالشعب ، من ضعفاء ، وفقراء ، وعطف على الرعية ، قل أن نجد له مثيلا فى التاريخ .ولما خاف المسلمون من أن يشتد عليهم فى ولايته ، خطب فيهم فكان مما قاله : اعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت (تضاعفت وازدادت)، ولكنها تكون علي أهل الظلم والتعدي على المسلمين ، فأما أهل السلامة والدين والقصد ، فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض ، ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يعتدي عليه ، حتى أضع خده على الأرض ، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن بالحق . وإني بعد شدتي تلك أضع خدى على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف.

تلك هى رحمة عمر ، رحمة القوي الحازم العادل ، بمن يستحق الرحمة ، رحمة الحاكم الناصح لأمته ودينه. وبذلك كان يعس فى الليل والناس نيام ، يتفقد المنقطعين والمعوزين والبائسين .. ولعلكم جميعا تعرفون قصته مع المرأة التى كانت تدق لأطفالها الجياع على الحصى ، وتوهمهم أنها تطبخ لهم ، حتى يسكتوا ويناموا.. حتى إذا جاء عمر ورأى ما رأى حمل بنفسه الطحين والسمن ، وطبخ بيده الطعام ، وأطعم الأولاد حتى شبعوا ولعبوا

ولعل أروع مآثر عمر فى الرحمة بالشعب ، موقفه عام الرمادة ، وقد كان ذلك فى السنة 18 هـ ، إذ أصاب الناس فى الحجاز قحط عظيم دام تسعة أشهر ، حتى كانت الوحوش تأوى إلى الناس ، وكان الناس يحفرون نفق اليرابيع والجرزان ، ليأكلوا ما فيها من حشرات . واستغاث عمر بولاة الأمصار أن يمدوه بالميرة والطعام ، ففعلوا ، وكانت سنة أصاب عمر من همها وبلائها وحزنها ما نحل معه جسمه ، واسود لونه ، حتى قالوا : لو لم يرفع الله المحل وعام الرمادة ، لظننا أن عمر يموت همّاً بأمر المسلمين..

ولقد كان يؤتى إليه من الأمصار بقوافل الطحين والسمن واللحوم ، فيفرقها على المسلمين ، ما يأكل منها شيئا ، وإنما كان يأكل الزيت والخبز الأسود ، وكان يقول : لقد آليت على نفسي ألا آكل السمن واللحم حتى يشبع منهما المسلمون جميعا ...

5- يقظته فى إدارة الدولة :

كان عمر شديد المراقبة لعماله ، دقيق الاختيار لولاة الأمصار ، وكانت الكفاءة عنده هى أساس تولية العمل من غير نظر إلى شيء آخر من عبادة أو زهد ، كان يقول : أريد رجلا ، إذا كان فى القوم وليس أميرهم ، كان كأنه أميرهم ، وإذا كان أميرهم ، كان كأنه رجل منهم ، كان يستعمل رجالا مثل عمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبى سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، ويدع من هو أفضل منهم مثل عثمان وعلى وطلحة والزبير لأن أولئك كانوا أقدر على العمل ، وأحسن قياما به ، وأكثر هيبة له من هؤلاء . وكان إذا استعمل رجلا على عمل ، كتب عليه كتابا ، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأنصار . وإذا بعث عماله إلى الأمصار قال لهم : إني لم أبعثكم جبابرة ، ولكن بعثتكم أئمة ، فلا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تجمر وهم فتـفتنوهـم ( أى لا تطيلوا أمد إقامتهم فى الحرب بعيدين عن أهلهم ونسائهم ) ولا تمنعوهم فتظلموهم .

ومن قوله رضى الله عنه : إنى لأتحرج أن أستعمل الرجل ، وأنا أجد أقوى منه . وكان يعقد كل سنة مؤتمرا لعماله فى موسم الحج ليسألهم عن أحوال البلاد وشئونها ، وسير الإدارة فيها .

وكان علمه بمن بعد عنه من عماله ورعيته ، كعلمه بمن قرب منه . حتى إن عماله وأمراءه وقضاته ، كانوا يعتقدون فى قرارة أنفسهم أن عين عمر لا تفارقهم ، وأنه يعلم من أخبارهم صغيرها وكبيرها .

وكان له مفتشون ينزلون الأمصار على غير علم من ولاتها ، فيستقصون سيرة الولاة وأحوالها من أفواه الشعب ، ويرونه بأعينهم . وبذلك استقام الأمر فى الدولة الإسلامية فى عهد عمر على خير ما يرجوا عمر من عدل ونصفة وسعادة للناس أجمعين .

6- عبقريته فى التشريع :

كان عمر رضى الله عنه فقيها فى دين الله ، بعيد الغور فى فهم أسرار التشريع ، حاد الذهن فى استنباط معاني التنزيل وأحكامه . وأسقط سهم المؤلفة قلوبهم وقال لهم :

لقد كان يعطيكم رسول الله والإسلام يومئذ ضعيف ، وأما الآن فقد أعز الله الإسلام ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأسقط حد السرقة عام المجاعة بشبهة الجوع الحاملة على ذلك . وكان يحرر العبيد حين يشكون إليه ظلم أسيادهم وتعذيبهم لهم .

وهكذا كان رأس مدرسة فى الصحابة ثم التابعين وأئمة الاجتهاد من بعدهم ، عرفت بمدرسة أهل الرأي . وكان لها أثر كبير فى الفقه الإسلامي وتيسيره للناس .

رحم الله عمر وأرضاه ، وجزاه عن الإسلام كفاء ما قدم من جهد ، وبذل من نصح ، وأقام للحق والعدل والحضارة من أسس قويمة ، وقواعد راسخة .

التقويم

- وضح أبرز الصفات والفضائل التى تأثرت بها من شخصية سيدنا عمر رضي الله عنه

 

 

الدرس الثاني :

تزكية النفس

 

( 3 ) التوبة إلى الله

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح حقيقة التوبة إلى الله .

  2. أن يوضح وجوب التوبة إلى الله .

  3. أن يوضح شروط التوبة إلى الله .

  4. أن يوضح فضل التوبة إلى الله .

  5. أن يوضح كيف تكون التوبة إلى الله .

  6. أن يقوِّم نفسه فى التوبة إلى الله .

 

*******************************************************

أ- حقيقة التوبة :

( اعلم أن التوبة : عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مرتبة : علم ، وحال ، وفعل

أما العلم : معرفة عظم ضرر الذنوب ، وكونها حجاباً بين العبد وبين كل محبوب .

والحال : فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم ، فيسمى تألمه بسبب الفعل المفوت لمحبوبه ندماً .

والفعل : إذا غلب هذا الألم على القلب واستولى ، انبعث بالحال وبالماضى وبالاستقبال .

أما تعلقه بالحال : فبالترك للذنب إذا كان ملابساً .

وأما بالاستقبال : فبالعزم على ترك الذنب إلى آخر العمر .

وأما بالماضى : فبتلافى ما فات بالخير وبالقضاء إن كان قابلاً للخير .

وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى للندم وحده . وبهذا الاعتبار قال عليه الصلاة والسلام : " الندم توبة " رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث أنس وقال صحيح على شرط الشيخين . إذ لا يخلوا الندم عن علم أوجبه و أثمره ، وعن عزم يتبعه ويتلوه . )119

( و المراد بالتوبة التخلى عن سائر الذنوب و المعاصي و الندم على كل ذنب و تقصير سالف و العزم على عدم العودة إلى الذنب في مقتبل العمر )120

ب- وجوب التوبة إلى الله :

- يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار "121

- و قوله تعالى : "و توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون "122

- وقال عز وجل : " ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون "123

- ويقول عز وجل أيضاً : " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين "124

  1. و قوله صلى الله عليه و سلم : "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة "125

  2. وقال عليه الصلاة والسلام : " التائب حبيب الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له "8

وقد أجمع علماء الأمة الإسلامية على وجوب التوبة . قال القرطبى رحمه الله : " واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين " الجامع لأحكام القرآن 5/9.

وقال ابن قدامة المقدسى رحمه الله فى كتابه مختصر منهاج القاصدين : " الإجماع منعقد على وجوب التوبة لأن الذنوب مهلكات مبعدات عن الله تعالى فيجب الهروب منها على الفور " .

وهذا لأن كل إنسان – بدون استثناء – معرض للخطأ والزلل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل بنى آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون " رواه الترمذى وابن ماجة وغيرهما .

ج- و للتوبة شروط :

ذكر العلماء شروطاً للتوبة وهى مأخوذة من الآيات والأحاديث الصحيحة وهى :

  1. الندم على اقتراف الذنب . قال صلى الله عليه وسلم : " الندم توبة " رواه أحمد وغيره .

  2. ترك الذنب .

  3. العزم على عدم العودة لفعله مرة أخرى .

  4. إرجاع الحقوق المترتبة أو المأخوذة نتيجة لهذا الذنب أو طلب المسامحة أو التنازل من أصحاب الحقوق ، وذلك إذا كان الذنب فى حق العباد .

وينبغى على التائب أن يراجع نفسه وأن يفتش فيها عن ما وقع فيه من معاصى وذنوب فيما بينه وبين الله ، وما بينه وبين العباد ، كما عليه أن ينظر إلى مقادير ذنوبه ، فيطلب لكل معصية منها حسنة تناسبها ، فيأتى من الحسنات بمقدار تلك السيئات ويزيد . قال الله تعالى : " إن الحسنات يذهبن السيئات " هود 114 . وقال صلى الله عليه وسلم : " واتبع السيئة الحسنة تمحها " .

كما يجب على التائب أن تكون توبته خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى ، لا لغرض آخر ، أو لعدم القدرة على فعل الذنب ، فلا يعتبر تائباً من ترك السرقة مثلاً لأنه لم يجد ما يسرقه ، ولا لمن ترك شرب الخمر لأن الطبيب حذّره من أضراره أو لأنه لم يجده متوفراً عنده .

 

التقويم
  1. وضح حقيقة التوبة إلى الله .

  2. وضح وجوب التوبة إلى الله .

  3. وضح شروط التوبة إلى الله .

 

 

الحلقة

السادسة

والثلاثون

 

الحلقة السادسة والثلاثون

الدرس الأول :

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

- أن يوضح الدارس أهم أقوال سيدنا عمر رضي الله عنه التى أثرت فى نفسه .

من كلماته الخالدة :

قال يوم ولى الخلافة : إن الله ابتلاكم بي ، وابتلاني بكم ، وأبقاني فيكم بعد صاحبي ، فلا والله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني ، ولا يتغيب عنى فآلو فيه عن أهل الصدق والأمانة ، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم ولئن أساءوا لأنكلن بهم .

  • لكم على أن لا ألقيكم فى المهالك ، ولا أحجركم فى ثغوركم ، وإذا غبتم فى البعوث ، فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم .

  • كتب إلى الأمصار بعد عزل خالد : إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا عن خيانة ، ولكن الناس فتنوا به فخشيت أن يوكلوا إليه ويبتلوا ، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع ، وأن لا يكونوا بعرض فتنة . (أى معرضين للفتنة بخالد ) .

  • وكتب إلى سعد حين ولاه حرب العراق : لايغرنك من الله أن قيل : خال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحب رسول الله ، فإن الله عز وجل لا يمحو السىء بالسىء ، ولكنه يمحو السىء بالحسن فان الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم فى ذات الله سواء ، الله ربهم ، وهم عباده ، يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عنده بالطاعة .

أول خطبة له :

اقرءوا القرآن تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتزينوا للعرض الأكبر ، يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافيه ، إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع فى معصية الله ، ألا وإنى أنزلت نفسى من مال الله بمنزلة ولى اليتيم ، إن استغنيت عففت وإن افتقرت ، أكلت بالمعروف حياة الصحابة

ومن خطبة له :

أيها الناس، إن بعض الطمع فقر ، وإن بعض اليأس غنى ، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون ،وتأملون ما لا تدركون وأنتم مؤجلون فى دار غرور ، كنتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤخذون بالوحى , فمن أسرّ شيئا أخذ بسريرته , ومن أعلن شيئا أخذ بعلانيته , فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم , والله أعلم بالسرائر , فإنه من أظهر لنا شيئا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه , ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا , واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق , فأنفقوا خيرا لأنفسكم , ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) التغابن 16 . أيها الناس أطيبوا مثواكم , وأصلحوا أموركم , واتقوا الله ربكم [ حياة الصحابة 3/ 45. نقلاً عن تاريخ الطبري 3/282]

السر والعلانية :

أوصى سعداً حين أرسله لحرب فقال : عود نفسك ومن معك الخير واستفتح به , واعلم أن لكل عادة عتادا ( أى عدة ) فعتاد الخير الصبر , فالصبر الصبر على ما أصابك أو نابك يجتمع لك خشية الله : واعلم أن خشية الله تجتمع فى أمرين : فى طاعته واجتناب معصيته , وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة , وعصاه من عصاه بحب الدنيا و بغض الآخرة . وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاءً , منها السر ومنها العلانية , فأما العلانية فأن يكون حامده وذامّه فى الحق سواء , وأما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس , فلا تزهد فى التحبب , فإن النبيين قد سألوا محبتهم وإن الله إذا أحب عبدا حببه , وإذا أبغض عبدا بغضه , فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس ممن يشرع معك فى أمرك .

الذنوب أخوف على الجيش من العدو :

وكتب إلى سعد ومن معه من الأجناد :

أما بعد , فإنى آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال , فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو , وأقوى المكيدة فى الحرب . وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم ومن عدوكم , فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم , وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله , ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة , لأن عددنا ليس كعددهم , ولا عدتنا كعدتهم , فإن استوينا فى المعصية كان لهم الفضل علينا فى القوة , وإن لاننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا , فاعلموا أن عليكم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعملوا بمعاصى الله وأنتم فى سبيل الله , ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بنى إسرائيل ( لما عملوا بمساخط الله ) كفار المجوس  فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا , واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم .أسأل الله ذلك لنا ولكم .

( أقول ) وهذا الكتاب مما يجب أن يحفظه كل داعية إلى الله عز وجل ,

لا تنسوا سلاح الطاعة والتقوى ...

لا تنسوا أن تنتصروا على أنفسكم وشهواتكم وأحقادكم وطغيانكم , قبل أن تحاولوا النصر على اعداء الله تعالى ..

التقويم

- وضح أهم أقوال سيدنا عمر رضي الله عنه التى أثرت فى نفسك – وكيف كان هذا التأثر .

 

الدرس الثاني :

تزكية النفس

 

( 3 ) التوبة إلى الله (ج 2 )

 

 

 

التائبون طبقات أربع126

  1. ذو النفس المطمئنة : يتوب و يستقيم على التوبة إلى آخر عمره ، و يتدارك ما فرط من أمره ، و لا يحدث نفسه بالعودة إلى ذنوبه ، و هذه هي التوبة النصوح .

  2. ذو النفس اللوامة : يتوب فيسلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات و يترك كبائر الفواحش كلها لكنه يبتلى أن يقع في أحوال ذميمة من غير أن يقدم عزما على الإقدام عليها ، لكنه كلما أقدم عليها لا م نفسه و ندم و تأسف ، و جدد عزمه على أن يحترز من الأسباب التي تفضي إليها .

  3. ذو النفس الضعيفة : يتوب و يستمر مدة على الاستقامة ثم تغلبه شهوة فيقدم على بعض الذنوب قصدا و عمدا ، ثم يندم و يأمل لو قدره الله عز و جل فكفاه هذا الشر ، و لكن نفسه تسول له فيسوف توبته مرة بعد أخرى .

  4. ذو النفس الأمارة بالسوء : يتوب و بجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة الذنب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ، و من غير أن يتأسف على فعله ، و هذا الصنف يخاف عليه من سوء الخاتمة و العياذ بالله .

 

د- فضل التوبة إلى الله :

1- التوبة تمحى عنك الذنوب :

قال عليه الصلاة والسلام : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " رواه ابن ماجة وغيره .

2- التوبة تبدل السيئات إلى حسنات :

يقول الحق سبحانه وتعالى : إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً " 127

3- التوبة سبب فى الحياة المطمئنة وفى سعة الرزق والقوة :

قال تبارك وتعالى : " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى ويؤت كل ذى فضل فضله " 128

وقال أيضاً على لسان نبيه نوح : " فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا "129

4- التوبة تطهر قلب التائب :

لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت فى قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه ، وهو الران الذى ذكر الله تعالى ، كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " 130

  1. التوبة سبب الفلاح فى الدنيا والآخرة :

ويدل على ذلك قول الحق سبحانه وتعالى : " فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين " 131

وقوله تبارك وتعالى : " إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً " 132

 

التقويم
  1. وضح فضل التوبة إلى الله .

 

 

الحلقة

السابعة

والثلاثون

 

الحلقة السابعة والثلاثون

 

الدرس الأول :

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

( 4. ق . هـ - 18 هـ )

( 584 م - 639 م )

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يعرف الدارس من هو أمين الأمة

  2. أن يذكر الدارس أبرز مآثر أبى عبيدة بن الجراح رضي الله عنه .

 

- ( نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح ) :

هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك يجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى فهر بن مالك ، وأمه أميمة ابنة غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامرة ، وكنيته أبو عبيدة ولقبه النبى صلى الله عليه وسلم بالأمين ، أصرَّ أبوه على الشرك و الكفر و الضلال ، ولم يفلح فى إدخال أبيه حظيرة الإسلام ، وتلاقى الإثنان وجهاً لوجه يوم بدر فصرع أباه !!! فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان ) [ المجادلة 22 ] . وقد كان أبو عبيدة بن الجراح رجلاً طويلاً نحيفاً خفيف اللحية ، فارساً شجاعاً ، وبطلاً مغواراً ، قوى الخلق ، متين البنية ، وكان زاهداً فى الدنيا ، كثير الخشوع لله و الخشية منه ، شجاعاً فى الحرب ، هلوعاً بين يدى ربه ، فيه صلابة وفيه عزة وفيه قوة .

وقد سارع أبو عبيدة عامر بن الجراح الى الإسلام فور دعوة أبى بكر إياه ، ووقف أمام النبى صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه وشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله حقاً وصدقاً ، وأن الدين عند الله الإسلام ، وورد عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :( نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح ) .

ولقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن لكل أمة أميناً ، و أن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح )

فلقد هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحبشة ، ثم عاد منها ليقف الى جوار المصطفى عليه الصلاة و السلام وشهد معه المشاهد و المعارك كلها ، وبعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل المسيرة ، وأخلص الدعم و البذل ، زاهداً فى الدنيا ، وتزوداً للآخرة ، غاية فى التقوى و الورع و الزهد و الوفاء والأمانة .

لقد أحب رسول الله أبا عبيدة ، وأحب أبا عبيدة كذلك رسول الله فلما كانت غزوة أحد وحدث ما حدث للمسلمين فيها كان أبو عبيدة حصناً واقياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم دافع عنه بقوة وافتداء .

ولما جاء وفد نجران من اليمن الى النبى صلى الله عليه وسلم يبتغون الإسلام قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لأبعثنَّ معكم رجلاً أميناً ، حقَّ أمين ....... حقَّ أمين .........حقَّ أمين ) وبعث معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح ليعلمهم القرآن .

 

 

زهد أبى عبيدة بن الجراح :

أخرج الطبراني عن مالك رضى الله عنه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أخذ أربع مائة دينار فجعلها فى صرة فقال للغلام : اذهب بها إلى أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه ثم تلهَّ فى البيت ساعة فانظر ما يصنع ! فذهب هبا الغلام إليه ، فقال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذا فى بعض حاجتك ! فقال : وصله الله ورحمه ! ثم قال : تعالي يا جارية ! إذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ! حتى أنفذها . ورجع الغلام إلى عمر فأخبره ... . وأخرج البخاري فى التاريخ الصغير عن زيد ابن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لأصحابه : تمنوا ! فقال أحدهم أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها فى سبيل الله ! فقال : تمنوا! قال آخر أتمنى أن يكون مثل هذا البيت ذهباً فأنفقه فى سبيل الله ... وقال آخر مثله . فقال عمر لكنى أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً مثل أبى عبيدة ابن الجراح ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان رضى الله عنهم فأستعملهم فى طاعة الله ، ثم بعث بمال إلى أبى عبيدة بن الجراح فقسّمه ، ومعاذ بن جبل فقسّمه وحذيفة بن اليمان فقسّمه فقال عمر : قد قلت لكم أو كما قال .

وأخرج البيهقي عن أسلم قال : لما كان يوم عام الرمادات وأجدبت الأرض ... دعا عمر بن الخطاب أبا عبيدة بن الجراح رضى الله عنه فخرج فى ذلك ، فلما رجع بعث إليه بألف دينار ، إنى لم أعمل لك يا ابن الخطاب ! إنما عملت لله ، ولست آخذ فى ذلك شيئاً ، فقال عمر قد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أشياء بعثنا لها فكرهنا ذلك فأبى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلها أيها الرجل ! فاستعن بها على دينك ودنياك ! فقبلها أبو عبيدة . وأخرجه أيضاً ابن خزيمة والحاكم .

وقال معمر فى حديثه لما قدم عمر الشام تلقاه الناس وعظماء أهل الأرض ، فقال عمر أين أخي ؟ قالوا : من ؟ قال : أبو عبيدة ، قالوا : الآن يأتيك ! فلما أتاه نزل فاعتنقه ثم دخل عليه بيته فلم ير فى بيته إلا سيفه وترسه ورحله ، فقال له عمر : ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك ؟ فقال يا أمير المؤمنين ! هذا يبلغني المقيل ... أخرجه أبو نعيم فى الحلية ج1 ص 1.1

رقته ودعته وتواضعه :

وقد كان أبو عبيدة مثالاً حياً للرقة و الدعة ، ونفسٌ مثل هذه النفس لابد أن تكون موضع الإعجاب و التقدير .

لما بعث إليه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين فور توليه الخلافة خطاباً ليتولى مهام قيادة الجيوش الإسلامية المقاتلة محل خالد بن الوليد ، وكان خالد على وشك الدخول فى المعركة بعد بضعة أيام ثم يشتبك الجمعان ، فلما وصل مبعوث عمر الى أبى عبيدة ، فكَّر وقدَّر الموقف الحرج الذى يمر به فأخفى عن خالد بن الوليد هذا الأمر حتى إذا انتهت المعركة الفاصلة مع الأعداء ، وتقدَّم فى أدب جمٍّ وتواضعٍ شديد الى خالد وقال له : هذا كتاب أمير المؤمنين ... وأعطاه إياه ، فقال خالد : ( يرحمك الله يا أبا عبيدة ما منعك أن تخبرنى حين جاءك الكتاب ؟؟ ) .

فأجاب أبوة عبيدة :( إنى كرهت أن أكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا للدنيا نعمل ، كلنا فى الله أخوة ) .

رجل استسلمت لإمرته ولنصل سيفه أقطار الفرس ، وأباطرة الرومان ، واتسعت دائرة ملكه فى الشام لكنه يرى فى أبسط صورة وفى أيسر تكوين لأنه لم يتعلق بالفانية ، فلم يعرها التفاتاً بل كان يبدو إنساناً عادياً من الرعية لايكاد يميزه من يجهله عن كونه فرداً من أفراد قومه .

ومن تواضعه ما أخرجه عبد الرازق والخرائطي فى مكارم الأخلاق والبيهقي وابن عساكر عن تميم بن سلمة قال : لما قدم عمر رضى الله عنه الشام استقبله عبيدة بن الجراح رضى الله عنه فصافحه وقبّل يده ثم خلوا يبكيان ، فكان تميم يقول تقبيل اليد سنة . كذا فى الكنز ج5 ص 54

 

* التقويم :

  1. من هو أمين الأمة ؟

  2. أذكر أبرز مآثر أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه - وماذا تعلمت منها .

 

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

 

( 3 ) التوبة إلى الله (ج 3 )

 

 

هـ – كيف أتوب ؟

* احذر أن تستصغر ذنباً مهما كان يسيراً :

إن أول خطوة تخطوها فى التوبة هى أن تقلع فوراً عن الذنوب – صغيرها وكبيرها – لأن الذنوب الصغيرة إذا اجتمعت عليك دون أن تتوب منها قد تهلكك . قال صلى الله عليه وسلم : " إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم ، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه " 133وفى رواية أخرى : " إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه " . فيا أخى الحبيب لا تنظر إلى هوان المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت .

كما أن هناك ذنوباً قد يراها عامة الناس صغيرة لكثرة وقوعها ومجاهرة الناس بها ولكنها عند المؤمن وعند الله عظيمة . ففى مسند الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : " إنكم لتعملون أعمالاً هى فى أعينكم أدق من الشعر ، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات " ( أى المهلكات ) .

وتأمل معى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليلقى بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوى بها فى النار سبعين خريفاً "

* واحذر المجاهرة بالذنوب وإخبار الناس بما اقترفته من ذنوب ولو كانت فى الماضى :

وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أمتى معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول : يا فلان لقد عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ، ويصبح يكشف ستر الله عنه " 134

ومن أحد الأسباب التى تجعل المجاهرة بالذنب ذنباً آخر هو أن المجاهرة بالذنوب تعين على استسهال الناس واستصغارهم لها وتساعد على إشاعة الفاحشة بين الناس . قال تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون "135

وهذا لا يعنى أن يتهاون الإنسان بالمعاصى إذا خلا بنفسه طالما لا يحدث أحداً بها . وفى هذا يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم : " لأعلمن أقواماً من أمتى يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء ، فيجعلها الله هباءً منثوراً ، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها " 136.

فاحذر من المجاهرة بالمعصية واحذر الاستهانة بإقتراف المعاصى عندما تخلوا بنفسك فالله يعلم ما نسر وما نعلن والله بكل شىء عليم .

* احذر - رحمنى الله وإياك – من تأخير التوبة وتسويفها .

يقول سبحانه وتعالى : " وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون "137

فلا تدرى متى يدركك الموت وعندها لا ينفع التوبة . قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر "138

فسارع إلى التوبة من كل ذنب ولا تؤجل . قال صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ، فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلى ركعتين ، ثم يستغفر الله بذلك الذنب إلا غفر الله له "139 .

* واحذر من الإصرار على الذنوب :

لقول الحق سبحانه وتعالى : " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون "140

 

 

التقويم
  1. وضح فضل التوبة إلى الله .

  2. وضح كيف تكون التوبة إلى الله .

 

الحلقة

الثامنة

والثلاثون

 

الحلقة الثامنة والثلاثون

 

الدرس الأول :

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

( 4. ق . هـ - 18 هـ )

( 584 م - 639 م )

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  • أن يذكر الدارس وصية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لجنده عند موته .

  • أن يذكر الدارس ما تعلمه من دراسة شخصية أبى عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه

 

 

غزوة ذات السلاسل

قَالَ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ فِي (مَغَازِيْهِ):

كان عَمْرِو بنِ العَاصِ فى غزوة هِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلاَسِلِ، مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ، ، فطلب المدد من رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَانْتَدَبَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ومجموعة مِنَ المُهَاجِرِيْنَ، وجعلَ نَبِيُّ اللهِ أَبَا عُبَيْدَةَ.أميراُ عليهم

فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عَمْرِو بنِ العَاصِ، قَالَ: أَنَا أَمِيْرُكُم.

فَقَالَ المُهَاجِرُوْنَ: بَلْ أَنْتَ أَمِيْرُ أَصْحَابِكَ، وَأَمِيْرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ.

فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا أَنْتُم مَدَدٌ أُمْدِدْتُ بِكُم.

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الخُلُقِ، لَيِّنَ الشِّيْمَةِ، مُتَّبِعاً لأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَهْدِهِ، فَسَلَّمَ الإِمَارَةَ لِعَمْرٍو.

 

 

* وصيته رضي الله عنه لجنده عند موته :

أصيب أبو عبيدة بالطاعون فى ( عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) بأرض الأردن فلما حضرته الوفاة أوصى جنده فقال :

إنى موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير :

أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا شهر رمضان وتصدقوا وحجوا واعتمروا وتواصوا وانصحوا لأمرائكم ولا تغشوهم ، ولا تلهكم الدنيا فإن المرء لو عمّر ألف حَوْل ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذى ترون .. إن الله كتب الموت على بني آدم فهم ميتون وأكيسهم أطوعهم لربه ، وأعملهم ليوم ميعاده .... والسلام عليكم ورحمة الله .

ثم التفت إلى معاذ ابن جبل وقال : يا معاذ صلِّ بالناس . ثم ما لبث أن فاضت روحه الطاهرة ، فقام معاذ وقال : أيها الناس إنكم قد فجعتم برجلٍ – والله – ما أعلم أنى رأيت رجلاً أبرّ صدراً ولا أبعد غائلة ، ولا أشد حباً للعاقبة ولا أنصح للعامة منه ، فترحموا عليه يرحمكم الله .

ولفظ أبو عبيدة أنفاسه فوق الأرض التى حارب عليها وأبلى أحسن البلاء ، ثم دفن فيها بعد أن طهرها من رجس الأوثان وعبادة الأصنام وأشاع فيها العدل و الحكمة .

ولما وافت المنية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال : لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت ، فإن سئلت عنه قلت : استخلفت أمين الله وأمين رسول الله .

لقد كان أبو عبيدة صادقاً مع نفسه ومع ربه ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفياً كل الوفاء لعقيدته .

رحم الله أبا عبيدة وسقاه من سلسبيل الجنة

 

* التقويم :

  • اذكر الدارس وصية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لجنده عند موته.

  • أذكر الدروس المستفادة من دراسة شخصية أبوعبيدة ابن الجراح رضي الله عنه .

الدرس الثاني :

 

 

تزكية النفس

 

( 3 ) التوبة إلى الله (ج 4 )

 

 

* واحذر من القنوط من رحمة الله :

فقد قال الحق تبارك وتعالى : " ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون "141 . وقال أيضاً : " قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم "142

 

 

* أتبع السيئة الحسنة تمحها :

قال تعالى : " إن الحسنات يذهبن السيئات " هود 114، " إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما " الفرقان 7.

وكما قال الله تعالى فى الحديث القدسى الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه : " ومن تقرب منى شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب منى ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتانى يمشى أتيته هرولة " . وفى هذا قال الإمام ابن تيمية رحمه الله : " .. الكيس هو الذى لا يزال يأتى من الحسنات بما يمحو السيئات " . فأحسن الظن بأرحم الراحمين وسر إلى الله تائباً مستغفراً متيقناً بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه ، وسارع إلى فعل الخيرات ، ورفقة عباده الصالحين التى تعينك على فعل الخيرات ، ولا تجالس رفقاء السوء الذين يسهلون فعل المنكرات ، وداوم على ذكر الله سبحانه وتعالى فى جميع الأحوال فذكر الله من أعظم الأسباب المعينة على طرد الشيطان . كما أن عليك أن تسعى لمعرفة مكفرات الذنوب للعمل بها ونذكر منها :

  1. إسباغ الوضوء والمشى إلى المساجد : لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات ؟ قالوا بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذالكم الرباط ، فذلكم الرباط "143

  2. صيام يوم عرفة وعاشوراء : لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " صيام يوم عرفة ، إنى احتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله والسنة التى بعده ، وصيام يوم عاشوراء ، إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله "144

  3. قيام شهر رمضان : لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من قام رمضان إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه " 145

  4. الحج المبرور : لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه "146

  5. بذل السلام وحسن الكلام : قال صلى الله عليه وسلم : " إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام "147

  6. المحافظة على الصلوات الخمس والجمعة وصيام رمضان : قال صلى الله عليه وسلم : " الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " 148

  7. أذكار تكفر الذنوب : مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " من أكل طعاماً ثم قال : الحمد لله الذى أطعمنى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة ، غفر له ما تقدم من ذنبه "149 وأيضاً : " من لبس ثوباً ، فقال : الحمد لله الذى كسانى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه " 150 . وكثير من أدعية أحوال اليوم والليلة وأذكار الصباح والمساء وغيرها من أبواب الخير الكثير لا ينبغى أن تفوتنا والله وحده هو المستعان .

 

 

تطبيق عملى

 

  1. ادعوا الله أن تكون نفسك من النفوس المطمئنة .

  2. قم فصلي ركعتين ثم استغفر الله من ذنبك الذى اقترفت .

  3. اعزم على عدم العودة إلى أي ذنب أو تقصير من الآن و ادعوا الله أن يعينك على ذلك

  4. داوم على ذكر دعاء" سيد الاستغفار " ( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني و أنا عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت و أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ثلات مرات صباحا و مساءا

 

 

  1. أن يقوِّم نفسه فى التوبة إلى الله :

 

استعن بهذه الاستبانة فى الوقوف على حالك فى أمر التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ، ويمكن أن تضيف إليها بعض مما ذكر فى النقطة السابقة – كيف أتوب ؟ - وأن تقوّم درجاتك وتراجع حالك وتقوِّم من تقصيرك فخير الخطائين التوابون .

 

 

أبدا

صفر

نادرا

1

أحيانا

2

غالبا

3

دائما

4

البند

م

 

 

 

 

 

أشعر بأن الذنب يباعد بيني و بين الله

1

 

 

 

 

 

تلومني نفسي عندما أفعل ذنبا كاشفة لي ضرره

2

 

 

 

 

 

آخذ نفسى بالوسائل التى تمنعها من العودة إلى اقتراف الذنب

3

 

 

 

 

 

لا أتعمد ارتكاب ذنب تبت عنه قبل ذلك .

4

 

 

 

 

 

أتمنى لو لم أرتكب الذنب .

5

 

 

 

 

 

أحرص على تحقيق شروط التوبة

6

 

 

 

 

 

أحرص على تكرار التوبة و الاستغفار مرات كثبرة في اليوم

7

 

 

 

 

 

أتعمد أن يكون لي توبة بالنهار و أخرى بالليل

8

 

 

 

 

 

أتوقف عن عمل الذنب عند التذكر

9

 

 

 

 

 

أصمم على ترك الذنب لآخر العمر

1.

 

 

 

 

 

أعالج أثر الذنب الماضي بالتعويض أو بقضاء ما فات

11

 

التقويم
  1. وضح كيف تكون التوبة إلى الله .

  2. قوِّم نفسك فى التوبة إلى الله .

 

الحلقة

التاسعة

والثلاثون

 

الحلقة التاسعة والثلاثون

 

الدرس الأول :

سلمان الفارسى رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من مواقف ومآثر سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه

  2. أن يوضح الدارس كيف يطبق هذه العبر والدروس فى واقعه الشخصي .

  3. أن يوضح الدارس ما تعلمه شخصياً من دراسة قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه.

قصتنا هذه هى قصة الساعي وراء الحقيقة , الباحث عن الله ...

قصة سلمان الفارسى رضى الله عنه وأرضاه . فلنترك لسلمان نفسه المجال ليروى لنا أحداث قصته ... فشعوره بها أعمق , وروايته لها أدق وأصدق ...

قال سلمان : كنت فتى فارسيا من أهل ( أصبهان ) [ مدينة بوسط إيران ] , من قرية يقال لها : ( جيان ) . وكان أبى ( دهقان ) (رئيس) القرية , وأغنى أهلها غنى , وأعلاهم منزلة . وكنت أحب خلق الله إليه منذ ولدت , ثم ما زال حبه

لى يشتد ويزداد على الأيام حتى حبسني فى البيت خشية علىّ ؛ كما تحبس الفتيات .

وقد اجتهدت فى ( المجوسية ) , حتى غدوت قيّم النار التى كنا نعبدها , وأنيط بي أمر إضرامها حتى لا تخبو ساعة فى ليل أو نهار ...

وكان لأبى ضيعة عظيمة تدر علينا غلة كبيرة , وكان أبى يقوم عليها , ويجنى غلتها .

وفى ذات مرة شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل , فقال : يا بنى إنى قد شغلت عن الضيعة بما ترى , فاذهب إليها وتول اليوم عنى شأنها , فخرجت أقصد ضيعتنا , وفيما أنا فى بعض الطريق مررت بكنيسة من كنائس النصارى ؛ فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون فلفت ذلك انتباهي .

لم أكن أعرف شيئا من أمر النصارى أو أمر غيرهم من أصحاب الأديان لطول ما حجبني أبى عن الناس فى بيتنا , فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ما يصنعون .

فلما تأملتهم أعجبتني صلاتهم , ورغبت فى دينهم وقلت : والله هذا خير من الذى نحن عليه , فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس , ولم أذهب إلى ضيعة أبى , ثم إني سألتهم : أين أصل هذا الدين ؟ قالوا فى بلاد الشام .

ولما أقبل الليل عدت إلى بيتنا فتلقاني أبى يسألني عما صنعت , فقلت : يا أبت إنى مررت بأناس يصلون فى كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم , وما زلت عندهم حتى غربت الشمس ...

فذعر أبى مما صنعت وقال : أى بنى ليس فى ذلك الدين خير ... دينك ودين آبائك خير منه .

قلت : كلا – والله – إن دينهم لخير من ديننا , فخاف أبى مما أقول , وخشي أن أرتد عن ديني , وحبسني بالبيت , ووضع قيداً فى رجلي .

ولما أتيحت لىّ الفرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم : إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني .

فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجه إلى الشام , فأخبروني به فاحتلت على قيدي حتى حللته , وخرجت معهم متخفيا حتى بلغنا بلاد الشام ...

فلما نزلنا فيها , قلت : من أفضل رجل من أهل هذا الدين ؟ .

قالوا : الأسقف راعى الكنيسة , فجئته فقلت : إنى قد رغبت فى النصرانية , وأحببت أن ألزمك وأخدمك وأتعلم منك وأصلى معك . فقال : ادخل , فدخلت عنده وجعلت أخدمه .

ثم ما لبثت أن عرفت أن الرجل رجل سوء ؛ فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة ويرغبهم بثوابها , فإذا أعطوه منها شيئا لينفقه فى سبيل الله ؛ اكتنزه لنفسه ولم يعط الفقراء والمساكين منه شيئا ؛ حتى جمع سبع قلال من الذهب .

فأبغضته بغضا شديداً لما رأيته منه , ثم ما لبث أن مات فاجتمعت النصارى لدفنه , فقلت لهم : إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها , فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه , ولم يعط المساكين منها شيئا . قالوا : من أين عرفت ذلك ؟! .

قلت : أنا أدلكم على كنزه . قالوا : نعم دلنا عليه . فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وفضة , فلما رأوها قالوا :والله لا ندفنه , ثم صلبوه ورجموه بالحجارة .

ثم إنه لم يمض غير قليل حتى نصبوا رجلا آخر مكانه , فلزمته , فما رأيت رجلا أزهد منه فى الدنيا , ولا أرغب منه فى الآخرة , ولا أدأب منه على العبادة ليلاً ونهاراً , فأحببته حبا جما , وأقمت معه زماناً , فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلان إلى من توصى بي , ومع من تنصحني أن أكون من بعدك ؟.

فقال : أى بنى , لا أعلم أحداً على ما كنت عليه إلا رجلا ( بالموصل ) ، هو فلان لم يحرف ولم يبدل فالحق به

فلما مات صاحبي لحقت بالرجل فى ( الموصل ) , فلما قدمت عليه قصصت عليه خبري وقلت له : إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك , وأخبرني أنك مستمسك بما كان عليه من الحق , فقال : أقم عندي ... فأقمت عنده فوجدته على خير حال . ثم إنه لم يلبث أن مات , فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلان لقد جاءك من أمر الله ما ترى وأنت تعلم من أمري ما تعلم , فإلى من توصى بي ؟... ومن تأمرني باللحاق به؟.

فقال : أى بنى ، والله ما أعلم أن رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا ( بنصيبين ) وهو فلان فالحق به . فلما غيب الرجل فى لحده لحقت بصاحب « نصيبين » وأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي ،

فقال لى : أقم عندنا ... فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير ، فو الله ما لبث أن نزل به الموت ، فلما حضرته الوفاة قلت له : لقد عرفت من أمري ما عرفت ؛ فإلى من توصى بي ؟ .

فقال: أى بنى ، والله إنى ما أعلم أحدا بقى على أمرنا إلا رجلا( بعمورية ) هو فلان ، فالحق به ، فلحقت به وأخبرته خبري ، فقال : أقم عندي ... فأقمت عند رجل كان – والله – على هدى أصحابه ، وقد اكتسبت وأنا عنده بقرات وغنيمة .

ثم ما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه من أمر الله ، فلما حضرته الوفاة قلت له : إنك تعلم من أمري ما تعلم ؛ فإلى من توصى بي ؟... وما تأمرني أن أفعل ؟ .

فقال: يا بنى – والله – ما أعلم أن هناك أحدا من الناس بقى على ظهر الأرض مستمسكا بما كنا عليه ...

ولكنه قد أظل زمان يخرج فيه بأرض العرب نبي يبعث بدين إبراهيم ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين , وله علامات لا تخفى ...فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ... وبين كتفيه خاتم النبوة ، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل . ثم وافاه الأجل ، فمكثت بعده « بعمورية » زمناً إلى أن مر بها نفر من تجار العرب من قبيلة « كلب » ، فقلت لهم : إن حملتموني معكم إلى أرض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي ، فقالوا : نعم نحملك ، فأعطيتهم إياها وحملوني معهم حتى إذا بلغنا ( وادي القرى ) غدروا بي وباعوني لرجل من اليهود ، فالتحقت بخدمته

ثم ما لبث أن زاره ابن عمه من بنى ( قريظة ) فاشتراني منه ، ونقلني معه إلى( يثرب ) فرأيت النخل الذى ذكره لى صاحبي ( بعمورية) ، وعرفت المدينة بالوصف الذى نعتها به فأقمت بها معه .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يدعو قومه فى مكة ، لكنني لم أسمع له بذكر لانشغالي بما يوجبه علىّ الرق .

ثم ما لبث أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ( يثرب) ، فو الله إنى لفي رأس نخلة لسيدي أعمل فيها بعض العمل ، وسيدي جالس تحتها إذ أقبل عليه ابن عم له وقال له : قاتل الله بنى « قيلة » ( الأوس والخزرج ) والله إنهم الآن لمجتمعون « بقباء » ، على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي .

فما إن سمعت مقالته حتى مسنيّ ما يشبه الحمى ، واضطربت اضطرابا شديدا حتى خشيت أن أسقط على سيدي ، وبادرت إلى النزول عن النخلة ، وجعلت أقول للرجل : ماذا تقول ؟! أعد على الخبر ... فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة ، وقال لى : ما لك ولهذا ؟! عد إلى ما كنت فيه من عمل .

ولما كان المساء أخذت شيئا من تمر كنت جمعته ، وتوجهت به إلى حيث ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فدخلت عليه وقلت له : إنه قد بلغني أنك رجل صالح ، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة ، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم ، ثم قربته إليه فقال لأصحابه ( كلوا ) .. وأمسك يده فلم يأكل . فقلت في نفسي : هذه واحدة .

ثم انصرفت وأخذت أجمع بعض التمر ، فلما تحول الرسول صلى الله عليه وسلم من « قباء » إلى المدينة جئته فقلت له : إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها ... فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه .

فقلت في نفسي : هذه الثانية ... ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ( ببقيع الغرقد ) حيث كان يوارى أحد أصحابه ، فرأيته جالسا وعليه شملتان ، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره لعلى أرى الخاتم الذى وصفه لى صاحبي فى ( عمورية ) .

فلما رآني النبى صلى الله عليه وسلم أنظر إلى ظهره عرف غرضي ؛ فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرت فرأيت الخاتم ، فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.( ما خبرك ؟! ) .

فقصصت عليه قصتي ؛ فأعجب بها ، وسره أن يسمعها أصحابه منى ، فأسمعتهم إياها ، فعجبوا منها أشد العجب ، وسروا بها أعظم السرور .

 

التقويم :

  1. أذكر قصة سعي سيدنا سلمان الفارسي إلى الحقيقة .

 

 

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

 

4) ذكر الموت .

إن من أعظم وسائل تزكية النفوس ذكر الموت والاستعداد له ، فمن تفكر بأن ملك الموت على عتبة بابه فعليه أن يتجهز للرحيل معه إلى الجنة أو النار ، فما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ، والموت حق لابد منه ، وكأس كل الناس شاربه ، يقول الحق سبحانه وتعالى : " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ، لقد كنت فى غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد " ( سورة ق ) .

والدنيا دار عمل والآخرة دار حساب فتزود يا أخى لمعادك ، وأكثر من زادك ، قبل فوات الأوان . قال عز وجل : " وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين " (سورة المنافقون 1.) .

برقيات قبل الوصول151 :

قد أرسل إليك زائرك ( الموت ) برقيات تعلمك بقرب وصوله ودنو أجلك فهلا استعددت لاستقباله… أما البرقيات فهى :

  1. المرض :

دخل الناس يعودون محمد بن واسع فى مرض موته ، فقال : يا إخوتى .. يا إخوتى .. هبونى وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها ومنعنيها .. فلا تخسروا أنفسكم .

ولما مرض عبد الملك بن مروان مرض الموت جعل يلوم نفسه ويضرب بيده على رأسه ويقول : وددت أننى كنت اكتسبت يوماً بيوم ما يكفينى ، وأشتغل بطاعة الله ، فذكر ذلك لأبى حازم فقال : الحمد لله الذى جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه ، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه .

يا أخى … من استبعد موته وأطال أمله ونسى قبره فليقرأ موعظة الحسن البصرى حين قال : من لم يمت فجأة مرض فجأة ، فاتقوا الله واحذروا مفاجأة ربكم

إن الطبيب بطبـه ودوائـه لا يستطيع دفاع نحب قد أتى

ما للطبيب يموت بالداء الذى قد كان أبرأ مثله فيما مضى

مات المداوِى والمداوَى والذى حمل الدواء وباعه ومن اشترى

2- الشيب :

العمل قبل حلول المشيب ، فإنه إن حلّ فقد تقصر الهمة وتخور القوة وتضعف الإرادة ولا تسعف الطاقة ، فتسمع أحاديث فضائل الأعمال وتتمنى العمل فلا تستطيع . فهلا اغتنمت شبابك قبل هرمك كما أوصاك الرسول صلى الله عليه وسلم .

رحم الله الحسن البصرى حين أيقظ الشيوخ بقوله : يا معشر الشيوخ .. ما ينتظر بالزرع إذا بلغ ؟! قالوا : الحصاد . وأيقظ الشباب بقوله : يا معشر الشباب .. إن الزرع قد تبلغه العاهة قبل أن يبلغ .

 

3- فراق الأحبة :

كان الرجل من السلف يبلغه موت أخ من إخوانه فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون . كدت والله أن أكون أنا السواد المختطف ، فيزيده الله بذلك جداً واجتهادا .

وجاء رجل إلى الفضيل ابن عياض فقال له : أوصنى قال : هل مات والدك ؟ قال : نعم . قال : فقم عنى ، فإن من يحتاج إلى من يعظه بعد موت والديه لا تنفعه موعظة . وقد قيل : كفى بالموت واعظاً .

  1. الواعظ الصامت ( القبر ) :

أخى الحبيب .. كم مرة استمعت فيها لوعظ القبور ؟! كم مرة زرتها ؟! هل فكرت فى قبرك ..؟! وماذا أعددت له من رفيق ؟ فأكثر من زيارة القبور فإنها تذكر بالآخرة .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة " حديث صحيح

 

** كيف تذكر الموت ؟

  1. لا يكون الرجل ذاكراً للموت حتى يذكر الموت بلسانه وبقلبه وجوارحه .

  2. عندما تأوى إلى فراشك للنوم كل ليلة فاذكر الموت ففى دعاء النوم : باسمك اللهم أحيا ، وباسمك أموت ، وإذا استيقظ قال : الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور .

  3. أكثر من زيارة المرضى وأصحاب البلاء والمستشفيات فإنها تذكر الموت .

  4. إذا مات قريب لك أوحبيب لك فاحرص على حضور غسله وتكفينه .

  5. جهِز كفنك وحنوطك فى حياتك فلا تدرى متى تكون ساعتك .

  6. جهز وصيتك الشرعية وأعلم أهلك بها .

  7. لا تصرف جزءا من وقتك فى عمل تندم عليه بعد الموت وتذكر أنك محاسب عليه بعد موتك .

  8. إذا صليت فصل صلاة مودع وكأنها آخر صلاة .

  9. أنفق اليوم من مالك فى سبيل الله قبل أن يوزع على ورثتك غدا وتحاسب عليه .

  10. احرص على زيارة القبور ، وخاصة قبور من تعرف من أحبابك وأرحامك ومن كنت تعايشهم وسبقوك

  11. احرص على تشييع الجنائز .

 

 

التقويم
  • من وسائل تزكية النفس ( ذكر الموت ) ما القصود منه – وما أهميته – وكيفية تحقيقه .

 

الحلقة

الاربعون

 

الحلقة الاربعون

 

الدرس الأول :

سلمان الفارسى رضي الله عنه

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  • أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من مواقف ومآثر سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه

  • أن يوضح الدارس كيف يطبق هذه العبر والدروس فى واقعه الشخصي .

  • أن يوضح الدارس ما تعلمه شخصياً من دراسة قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه.

 

وكان سلمان من المقربين إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يقول فيه صلى الله عليه وسلم : " سلمان منا آل البيت " . وأخرج الحاكم عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : دخل سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب رضى الله عنهما وهو متكىء على وسادة ، فألقاها له ، فقال سلمان : صدق الله ورسوله ، فقال عمر : حدثنا يا أبا عبد الله ! قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكىء على وسادة فألقاها إلىّ ثم قال لى : يا سلمان ما من مسلم يدخل على أخيه المسلم فيلقي له وسادة إكراماً له إلا غفر الله له .

وكان سلمان رضى لله عنه من أهل الشورى والرأى ، يقول المباركفوري فى الرحيق المختوم : وسارع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عقد مجلس استشاري أعلى تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة ، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى ، اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضى الله عنه . قال سلمان : يا رسول الله ، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا – وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب من قبل – وأسرع الرسول صلى لله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الخطة فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين زراعاً .

وأشبع سلمان رضى الله عنه علماً ، أخرج البخاري فى صحيحه عن أبى جحيفة رضى الله عنه قال : آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما ، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء رضى الله عنها مبتذلة فقال لها ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة فى الدنيا ! ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال كل ! فإنى صائم ، قال سلمان : ماأنا بآكلٍ حتى تأكل ،فأكل . فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال سلمان : نم ! فنام ثم ذهب يقوم فقال : نم ، فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن ! فصليا . فقال له سلمان إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ! فأعط كل ذى حقٍ حقه ! فأتى النبي صلى لله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان . وفى رواية لقد أشبع سلمان علما ً .

- زهد سلمان :

أخرج أبو نعيم فى الحلية ج1 ص 198 عن عطية بن عامر قال : رأيت سلمان الفارسي رضى الله عنه أكره على طعام يأكله ؛ فقال حسبي ! حسبي ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أن أكثر الناس شبعاً فى الدنيا أطولهم جوعاً فى الآخرة ، يا سلمان ! إنما الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وأخرجه العسكري فى الأمثال نحوه

وأخرج أبو نعيم فى الحلية أيضاً ، عن الحسن قال : كان عطاء سلمان رضى الله عنه خمسة آلاف درهم وكان أميراً على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين ، وكان يخطب الناس فى عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها ، وإذا خرج عطاؤه أمضاه ، ويأكل من سفيف يده . وأخرجه ابن سعدٍ عن الحسن بنحوه .

وعند ابن سعد ( ج4 ص 163 ) عن معنٍ عن مالك بن أنس أن سلمان الفارسي رضى الله عنه كان يستظل بالفيء حيث ما دار ولم يكن له بيت . فقال له رجل : ألا أبني لك بيتاً تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد ؟ فقال له سلمان رضى الله عنه : نعم . فلما أدبر صاح به فسأله سلمان : كيف تبنيه ؟ فقال : أبنيه إن قمت فيه أصاب رأسك ، وإن اضطجعت فيه أصاب رجلك . فقال سلمان : نعم .

- خوف سلمان الفارسي رضى الله عنه وبكاؤه على بسط الدنيا :

روى الطبراني عن رجل من بني عبس قال : كنت أسير مع سلمان رضى الله عنه على شط دجلة فقال : يا أخا بني عبس ! انزل فاشرب ! فشربت فقال : ما نقص شرابك من دجلة ؟! فقلت ما عسى أن ينقص ! ، قال فإن العلم كذلك يؤخذ منه ولا ينقص ، ثم قال اركب ! فمررنا بأكداس من حنطة وشعير فقال : أفترى هذا فتح لنا وقتر على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لخير لنا وشر لهم ؟! قلت : لا أدري ، قال : ولكني أدري : شر لنا وخير لهم ، ثم قال : ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى لحق بالله عز وجل .

وأخرج أبو نعيم فى الحلية ج1 ص 195 أن سعد بن أبي وقاصٍ رضى الله عنه دخل على سلمان رضى الله عنه يعوده فبكى سلمان فقال له سعد : ما يبكيك ؟ تلقى أصحابك وترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحوض وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ ! فقال : ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فقال : " ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب ! " وهذه الأساود حولي ( وإنما حوله إجانة [ وعاء لغسل الثياب ] وجفنة ومطهرة ونحوها ) { وعند ابن حبان والطبراني فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر أو بضعة عشر درهماً } ، فقال له سعد : اعهد إلينا عهداً نأخذ به بعدك ! فقال له : اذكر ربك عند همك إذا هممت ، وعند حكمك إذا حكمت ، وعند يدك إذا قسمت . أخرجه الحاكم أيضاً فى الترغيب ج5

فسلام على سلمان الفارسى يوم قام يبحث عن الحق فى كل مكان . وسلام على سلمان الفارسى يوم عرف الحق فآمن به أوثق الإيمان . وسلام عليه يوم مات ، ويوم يبعث حيا .

التقويم :

  • استخلص العبر والدروس المستفادة من مواقف ومآثر سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه

  • وضح كيف تطبق هذه العبر والدروس فى واقعك الشخصي .

  • وضح ما تعلمته شخصياً من دراسة قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه.

الدرس الثاني :

 

تزكية النفس

 

(5) الدعاء

* أهمية الدعاء وفضله :

الدعاء من أبرز الطرق التي تزكي النفوس ، بل إن الرسول صلي الله عليه وسلم يقول "الدعاء هو العبادة"152 والدعاء كجهاز الشحن الذي يشحن القلب دائماً بالقوة والرقة ، وهو جزء من الذكر الذي يذكر الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى ، واللجوء إليه ، وبضعفه البشري ، وبأعدائه الذين بين جوانحه ، ومن بينهم هذه النفس الأمارة بالسوء.

ونلحظ حرص الصديق رضي الله عنه في تعلم ما يزكي هذه النفس ، من النبع الصافي ، قد روى أبو هريرة رضى الله عنه أن أبا بكر الصديق قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم "مرني بشيء أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال : قل اللهم عالم الغيب والشهادة ، فاطر السماوات والأرض رب كل شئ ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي ، وشر الشيطان وشركه "153

وفي حديث أبي راشد الحدرانى زيادة "وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم"154

يقول الإمام بن القيم "قد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته ، فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس ، أو من الشيطان. وغايته إما أن يعود على العامل ، أو على أخيه المسلم فتضمن الحديث مصدري الشر الذي يصدر عنهما ، وغايته اللتين يصل إليهما"155 وكون هذه الوصية من أتقي الناس لأحب الناس إليه ليلتزم بها صباحاً ومساءً ، إنما يدل على أهمية طريق (الدعاء) في تربية النفوس.

ولم يكن هذا الدعاء هو الوحيد الذي يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام كطريقة لتربية النفس ، بل إن المتصفح لأبواب الدعوات في كتب الحديث يجد فيها كنوزاً عظيمة في تربية النفوس.

* مفتاح التوفيق :

يقول الإمام بن القيم "أجمعوا أن التوفيق أن ألا يكلك الله إلي نفسك ، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك ، فإذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله لا بيد العبد ، فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجوء والرغبة والرهبة إليه. فمتي أعطي العبد هذا المفتاح فقد أراد الله أن يفتح له ، ومتى أضله عن المفتاح بقي باب الخير مرتجاً دونه "156 ولأن الدعاء هو مفتاح الخير والتوفيق كان التابعون يعتمدوه كأصل من أصول علاج هذه النفس فمما يرويه بن أبي رواد عنهم قوله "رأيت طاووساً وأصحابه إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلموا أحداً وابتهلوا في الدعاء"157

* التواصي فيما بينهم :

وكانوا رضي الله عنهم يتواصون فيما بينهم للتمسك بهذا الأصل في تربية النفوس فمما يرويه مفتي مكة التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح عن صاحبه طاووس قوله "قال لي طاووس : يا عطاء لا تنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه ، وجعل عليها حجابه ، ولكن أنولها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة ، أمرك أن تدعوه وضمن لك أن يستجيب له. "158 لا شك أن هذا الجيل الشامخ كان يعرف أسباب الاستجابة ، والتي منها إحلال المطعم واختيار الوقت المناسب ، وأن يسبقه الثناء ، وأن لا يدعوا بقطيعة رحم وغيرها من أسباب الاستجابة ، إلا أن أسرار الاستجابة الحسية التي لم يفطن لها الكثيرون بينها التابعون لتكون علامات لنا نستهدي بها ، لمعرفة قرب الاستجابة من بعدها ، أو القبول من الرفض. فقد جاء رجل لعالم اليمن التابعي الجليل الحافظ طاووس الكيساني وقال له "ادعوا الله لنا ، قال : ما أجد لقلبي خشية ، فأدعو لك "159 ، فهو يريد من هذه الإجابة أمرين : أولهما : أن يتعلم السائل أن يدعو بنفسه فليس بين الله والعبد حجاب ، ويريد أن يربي نفسه بعدم الغرور بسبب مجيء الناس له وطلب الدعاء لهم ، ومع ذلك فهو ليس بكاذب عندما أجاب بذلك ، لأن الخشية هى السر الذي لا يعرفه الكثير عندما لا يستجاب لهم. ومما يرويه لنا التابعي ثابت البناني عن أحد العباد قوله "إني لأعلم حين يستجيب لي ربي عز وجل. قال : فعجبوا من قوله ، قالوا : تعلم حين يستجيب لك ربك ؟ قال : نعم. قالوا : وكيف تعلم ذلك ؟ قال : إذا وجل قلبي واقشعر جلدي ، وفاضت عيني ، وفتح لي في الدعاء ، فثم أعلم قد استجيب لي"160 ، وهذه الأسرار بمجموعها لا تخرج عما لخصه طاوس عندما أجاب ذلك السائل ويؤكد طرفاً من هذه الأسرار قول أمير المؤمنين الفاروق بقوله "إني لا أحمل هم الإجابة ، ولكن هم الدعاء ، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه"161 من عجائب دعائهم :

وبسبب تلك الخشية التي تحدث عنها طاوس وثابت البناني يلهمهم الله العجائب من الدعاء. فمما يروى عن زين العابدين قوله في دعاءه "اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لوائح العيون علانيتي ، وتقبح في خفيات العيون سريرتي ، اللهم ما أسأت وأحسنت إلى ، فإذا عدت ، فعد على"162 وكان من دعاء التابعي البصري الزاهد الكبير طلق بن حبيب "اللهم إني أسألك علم الخائفون منك ، وخوف العالمين بك ، ويقين المتوكلين عليك ، وتوكل الموقنين بك ، وإنابة المخبتين إليك ، وإخبات المنيبين إليك ، وشكر الصابرين لك ، ولحاقاً بالأحياء المرزوقين عندك"163 ولو تحرينا كل كلمة من دعائهم لاكتشفنا من وراء ذلك علماً عميقاً وخشية واضحة.

التقويم

1- وسائل تزكية النفس ( الدعاء ) ما القصود منه – وما أهميته – وكيفية تحقيقه .

.

 

المصادر

1- فى ظلال القرآن الشهيد سيد قطب .

2- منهج التابعين فى تربية النفوس أ/ عبد الحميد البلالى .

3-إحياء علوم الدين الإمام / أبوحامد الغزالى .

4- مختصر منهاج القاصدين الإمام / ابن قدامة المقدسى .

5- منهاج المسلم الشيخ / أبو بكر الجزائرى .

6- ظاهرة الضعف النفسى د / مجدى الهلالى .

7- التزكية أ / نبيل حامد المعاذ .

8- محاسبة النفس د/ حسين شحاته .

9- مشروع برنامج تربوى إسلامى لإصلاح النفس د/ عبد الحى الفرماوى .

1.- الرسائل ( دعوتنا – المؤتمر الخامس ) الإمام الشهيد حسن البنا .

11- تفسير القرآن العظيم العلامة ابن كثير.

12- الجامع لأحكام القرآن الإمام القرطبى .

13- فلنبدأ بأنفسنا د/ مجدى الهلالى .

14- سير أعلام النبلاء

15- صفة الصفوة

16- البداية والنهاية

1 ( أنه قد استبرأ ) : أي أوصل الماء إلى البشرة .

2 ( الحلاب ) : الماء .

3 ) لم يردها ( بضم الياء وكسر الراء من الارادة ، لا من الرد كما جاء في رواية البخاري ) ثم أتيته بالمنديل فرده .

4 ( تطهر فتحسن الطهور ) أي تتوضأ فتحسن الوضوء .

5 ( شؤون رأسها ) : أي أصول شعر الرأس .

6 ( فرصة ممسكة ) . بكسر فسكون : أي قطعة قطن أو صوفة مطيبة بالمسك .

7 ( تخفي ذلك ) : تسر به إليها .

8 المراد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول لعائشة أبقي لي ماء وهي تقول كذلك .

9 ما : بمعنى ليس - أي ليست هذه أول بركة لكم ، فان بركاتكم كثيرة .

10 ( العي ) الجهل .

11 سورة النساء آية : 39 .

12 كالصديق يبيت عند صديقه المتزوج فيصبح جنبا .

13 وهي فرض في التيمم أيضا .

14 ( تمعكت ) تمرغت وزنا ومعنى . وجهه وكفيه ) .

15 تسع سنين : أي قمرية ، وتقدر السنة القمرية بنحو من : 354 يوما .

16 ( يعرف ) بضم الاول وفتح الراء : أي تعرفه النساء ، أو بكسر الراء : أي له عرف ورائحة .

17 ( بالدرجة ) بكسر أوله وفتح الراء والجيم جمع درج بضم فسكون وعاء تضع المرأة فيه طيبها ومتاعها ، أو بالضم ثم السكون تأنيث درج وهو ما تدخله المرأة من قطن وغيره ، لتعرف هل بقي من أثر الحيض شئ أم لا .

18 الكرسف : القطن .

19 ( القصة ) القطنة : أي حتى تخرج القطنة بيضاء نقية لا يخالطها صفرة .

20 اختلف العلماء في المدة فقال بعضهم لا حد لاقله وقال آخرون : أقل مدته يوم وليلة ، وقال غيرهم ثلاثة أيام ، وأما أكثره فقيل عشرة أيام ، وقيل خمسة عشر يوما .

21 ( ولستثفر ) : أي تشد خرقة على فرجها .

22 ( أنعت لك الكرسف ) : أصف لك القطن .

23 شدي خرقة مكان الدم على هيئة اللجام

24 ( والثج ) : شدة السيلان .

25 دم الحيض دم فساد ، أما دم الاستحاضة فهو دم طبيعي ، لذا منعت من العبادات في الاول دون الثاني .

26 الشمس 7-8

27 النازعات 37-41

28 الظلال تفسير سورة الشمس

29 الظلال

30 الشمس 7-8

31 الشمس 9-1.

32 منهج التابعين في تربية النفوس

33 النازعات 4.-41

34 ظاهرة الضعف النفسي الهلالي

35 الفرقان 43

36 المجادلة 19

37 هود 114

38 المطففين 14

39 منهاج المسلم

40 الشمس

41 آل عمران

42 عبس

43 الظلال

44 من حديث رواه مسلم عن زيد بن أرقم

45 الأحياء جـ 3 ص 9 بتصرف بسير

46 التزكية نبيل حامد المعاذ

47 الرسائل ( دعوتنا في طور جديد )

48 الرسائل ( المؤتمر الخامس )

49 الظلال

50 الصف

51 الليل

52 النساء

53 الحج

54 النور

55 منهج التابعين في تربية النفوس

56 التزكية نبيل المعاذ

57 منهج التابعين

58 نفس السابق

59 التزكية

60 المائدة 2.

61 يوسف 18

62 طه 96

63 يوسف 53

64 صفوة التفاسير 2/53

65 رواه مسلم

66 محاسبة النفس د . حسين شحا ته

67 القامة 2

68 تفسير بن كثير 4/445-446

69 منهج التابعين في تربية النفوس

70 المائدة 3.

71 تفسير القرطبي 6 / 138 دار الكاتب

72 طه 95-96

73 تفسير القرطبي 11 / 239

74 يوسف 18

75- الآية 6 من سورة الحجر.

76- الآية 4 من سورة ص.

77- الآية 51 من سورة القلم.

78- جزء من الآية 53 من سورة الأنعام.

79- جزء من الآية 53 من سورة الأنعام.

80- الآيات 29-33 من سورة المطففين.

81- الآية 5 من سورة الفرقان.

82- جزء من الآية 4 من سورة الفرقان.

83- جزء من الآية 1.3 من سورة النحل.

84- جزء من الآية 7 من سورة الفرقان.

85- جزء من الآية 6 من سورة لقمان.

86 النازعات 4. - 41

87 القرطبي 19 / 2.8

88 القرطبي 19 / 2.8

89 آل عمران 5

90 الرعد 1.

91 البقرة 284

92 في رياض الجنة

93 غافر 19

94 العلق 14

95 الحديد 4

96 الملك 13-14

97 القيامة 13-14

98 البقرة 235

99 الرعد 33

100 الأنعام 126

101 البقرة 135

102 الملك 12

103 الظلال

104 البخاري

105 الطبراني

106- جزء من الآية 1.6 من سورة النحل.

107 ) مشروع برنامج تربوى لإصلاح النفس د/ عبد الحى الفرماوى

108 محاسبة النفس د حسين شحاتة

109 الحشر 18

110 أحمد و الترمذي

111 محاسبة النفس

112 رواه أحمد والترمذى وابن ماجه .

113 مشروع برنامج تربوى إسلامى لإصلاح النفس د/ عبد الجى الفرماوى .

114 منهاج المسلم

115 الزهد لأحمد 363

116 سير أعلام النبلاء 5 / 61

117 صفة الصفوة 4 / 94

118 صفة الصفوة 3 / 248-فلنبدأ بأنفسنا الهلالي

119 كتاب التوبة – الإمام أبى حامد الغزالى .

120 منهاج المسلم

121 التحريم 8

122 النور 31

123 الحجرات 11

124 البقرة 222

125 رواه مسلم 8- رواه ابن ماجة من حديث ابن مسعود

126 في رياض الجنة

127 ) سورة الفرقان 7.

128 ) سورة هود 3

129 ) سورة نوح 1.-12

130 ) رواه أحمد والترمذى وغيرهما .

131 ) سورة القصص 67

132 ) سورة مريم 6.

133 ) رواه أحمد وغيره .

134 ) رواه البخارى ومسلم .

135 ) سورة النور آية 19

136 ) رواه ابن ماجة

137 ) سورة الزمر 54

138 ) رواه أحمد والترمذى

139 ) رواه أحمد وغيره

140 ) سورة آل عمران 135

141 سورة الحجر 56

142 ) سورة الزمر 53

143 ) رواه مالك ومسلم

144 ) رواه الترمذى .

145 ) رواه البخارى ومسلم .

146 ) رواه البخارى .

147 ) رواه الخرائطى وصححه الألبانى .

148 ) رواه مسلم .

149 ) رواه الترمذى .

150 ) رواه أبو داوود .

151 ) الزائر الأخير د/ خالد أبو شادى

152 رواه أحمد وصححه الألباني

153 رواه أحمد الترمذي وصححه الألباني.

154 الترمذي

155 فيض القدير 4 / 521

 

156 الفوائد 127 ، 128 – النفائس

157 صفة الصفوة 2 / 288

158 أسرار الاستجابة :

159 سير أعلام النبلاء 5 / 42

160 صفة الصفوة 3 / 261

161 الفوائد 127 ، 128 النفائس.

162 سير أعلام النبلاء 4 / 396

163 سير الأعلام 4 / 6.2 ، 6.3.

 

Date de dernière mise à jour : 05/07/2021