potenCiel Espace éducatif de l'Association Cultures & Citoyenneté

الحلقة 21-40

الحلقة 21-40

الحلقة الحادية والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

 

غزوة حنين

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدرس سبب غزوة حنين .

  2. أن يحدد الدارس الأسباب التي أدت إلى انكشاف المسلمين فى بداية معركة حنين .

  3. أن يرسم الدارس صورة لثبات النبي عليه السلام يوم حنين .

  4. أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من غزوة حنين .

  5. أن يوضح الدارس مقصد النبي عليه السلام بزيادة العطاء لحديثي العهد بالإسلام من سبي هوازن .

  6. أن يبين الدارس كيف عالج النبي عليه السلام غضب الأنصار بسبب عطاياه لقريش من الغنائم .

  7. أن يوضح الدارس حسن سياسة النبي عليه السلام للأمور مستشهداً بموقفه من رد سبي هوازن .

 

بهذا الفتح العظيم ( فتح مكة ) وسقوط دولة الأوثان دانت للإسلام جموع العرب ودخلوا فيه أفواجاً .

أما قبيلتنا هوازن وثقيف فأدركتهما حَمِيَّةُ الجاهلية واجتمع الأشراف منهم للشورى ، وقالوا : قد فرغ محمد من قتال قومه ولا ناهية له عنّا ، فلنغزه قبل أن يغزونا ، فأجمعوا أمرهم على ذلك وولّوا رياستهم مالك بن عوف النَّصْري ، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة فيهم بنو سعد بن بكر الذين كان رسول الله مسترضعاً فيهم ، وكان في القوم دُرَيْد بن الصِّمة المشهور بأصالة الرأي وشدة البأس في الحرب ، ولتقدم سنه لم يكن له في هذه الحرب إلا الرأي .

ثم إن مالك بن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم ، فلما علم بذلك دريد سأل مالكاً عن السبب فقال : سقت مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنه ، فقال دريد : وهل يردّ المنهزم شئ ، إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك ، فلم يقبل مالك مشورته وجعل النساء صفوفاً وراء المقاتلة ووراءهم الإبل ثم البقر ثم الغنم كيلا يفر أحد من المقاتلين .

أما رسول الله عليه السلام فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه ، أجمع رأيه على المسير إليهم ، وخرج معه اثنا عشر ألف غازٍ ، منهم ألفان من أهل مكة ، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة ، وخرج أهل مكة ركباناً ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعف يرجون الغنائم .

وخرج في الجيش ثمانون من المشركين ، منهم صفوان بن أمية وسهيل ابن عمرو ، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صف عليه السلام الغزاة وعقد الألوية ، فأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب ، ولواء الخزرج للحُبَاب بن المنذر ، ولواء الأوس لأسيد بن حضير ، وكذلك أعطى ألوية لقبائل العرب الأخرى ، ثم ركب عليه السلام بغلته ولبس درعين والبيضة والمغفر . هذا ، وقد أعجب المسلمون بكثرتهم ( حتى أن بعضهم قال : لن نغلب اليوم من قلة ) فلم تُغْن عنهم شيئاً . ، فإن مقدمة المسلمين توجهت جهة العدو فخرج لهم كمين كان مستتراً في شعاب الوادي ومضايقه ، وقابلهم بنبل كأنه الجراد المنتشر ، فلووا أعنّة خيلهم متقهقرين ، ولما وصلوا إلى من قبلهم تبعوهم في الهزيمة لما لحقهم من الدهشة .

أما رسول الله عليه السلام فثبت على بغلته في ميدان القتال وثبت معه قليل من المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث وأخوه ربيعة بن الحارث ومعتِّب بن أبي لهب ، وكان لعباس آخذً بلجام البغلة ، وأبو سفيان آخذاً بالركاب ، وكان عليه السلام ينادي : إلىّ أيها الناس ولا يلوي عليه أحد وضاقت بالمنهزمين الأرض بما رحبت .

أما رجال مكة الذين هم حديثوا عهد بالإسلام والذين لم ينزعوا عنهم رِبْقَة الشرك فمنهم من فرح ومنهم من ساءه هذا الإدبار . فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر . وقال أخ لصفوان بن أمية : الآن بطل السحر ، فقال له صفوان وهو على شركة : أسكت فضّ الله فاك ! والله لأن يُرَبَّني رجل من قريش خير من أن يُرَبَّني رجل من هوازن . ومرّ عليه رجل من قريش وهو يقول : أبشر بهزيمة محمدِ وأصحابه فو الله لا يجبرونها أبداً ، فغضب صفوان وقال : ويلك أتبشرني بظهور الأعراب ؟ وقال عكرمة بن أبي جهل لذاك الرجل : كونهم لا يجبرونها أبداً ليس بيدك ، الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء إن غُلِبَ اليوم فإن العاقبة له غداً ، فقال سهيل بن عمرو : والله إن عهدك بخلافه لحديث ، فقال له : يا أبا يزيد إنا كنّا على غير شيء وعقولنا ذاهبة نعبد حجراً لا يضر ولا ينفع . وبلغت هزيمة بعض الفارّين مكة ، كل هذا ورسول الله واقف مكانه يقول :

أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

ثم قال للعباس وكان جهوري الصوت : نادِ بالأنصار يا عباس ، فنادى يا معشر الأنصار يا أصحاب بيعة الرضوان ، فأسمع من في الوادي وصار الأنصار يقولون : لبيك لبيك ويريد كل واحد منهم أن يلوي عنان بعيره ، فيمنعه من ذلك كثرة الأعراب المنهزمين ، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه ترسه وينزل عن بعيره ويخلي سبيله ويؤمُّ الصوت ، حتى اجتمع حول رسول الله جمع عظيم منهم ، وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنوداً لم يروها ، فكرَّ المسلمون على عدوهم يداً واحدة ، فانتكث فتل المشركين ، وتفرقوا في كل وجه لا يلوون على شئ من الأموال والنساء والذراري ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، فأخذوا النساء والذراري وأسروا كثيراً من المحاربين ، وهرب من هرب ، وجُرِحَ في هذا اليوم خالد بن الوليد جراحات بالغة ، وأسلم ناس كثيرون من مشركي مكة لما رأوهُ من عناية الله بالمسلمين .

هذا ، والذي حصل في هذه الغزوة درس مهم من دروس الحرب ، فإن هذا الجيش دخله أخلاط كثيرون من مشركين وأعراب وحديثي عهد بالإسلام ، هؤلاء سيّان عندهم نصر الإسلام وخذلانه ، ولذلك بادروا لأول صدمة إلى الهزيمة ، وكادت تتم الكلمة على المسلمين لولا فضل الله .

فلا ينبغي أن يكون في الجيش إلا من يقاتل خالصاً مخلصاً من قلبه ، ليكون مدافعا حقاً عن دينه ، فلا تميل نفسه إلى الفرار خشية ما أعده الله للفارين من أليم العقاب ، والدرس الهام أيضاً هو الذي نبّه إليه القرآن الكريم في سورة التوبة ( ويوم حنينٍ إذ أعجتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضقت عليكم لأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى لمؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذّب الذين كفروا وذلك جزاء الكفرين ) فدلّ ذلك على أنه من اعتمد على الدنيا - بكثرة العدد – فاته الدنيا والدين ، وخاصة الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام .

ثم أمر عليه السلام بجمع السبي والغنائم ، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير ، وأكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية من الفضة فجمع ذلك كله بالجعرَّانة .

أما المشركون فتفرقوا ثلاثة فرق : فرقة لحقت بالطائف ، وفرقة لحقت بنخلة ، وفرقة عسكرت بأوطاس .

سرية أبي عامر الأشعري إلى أوطاس

فأرسل عليه الصلاة والسلام لهذه الفرقة أبا عامر الأشعري في جماعة منهم أبو موسى الأشعري فسار إليهم وبددهم وظفر بما بقي معهم من الغنائم ، وقد استشهد أبو عامر في هذه الغزوة وخلف على الغزاة ابن أخيه أبا موسى فرجع ظافراً منصوراً .

غزوة الطائف

وسار عليه الصلاة والسلام بمن معه إلى الطائف ليجهز على بقية حياة ثقيف ومن تجمّع معهم من هوازن ، وجعل على مقدمته خالد بن الوليد ، ومرّ عليه السلام بحصن لمالك بن عوف الأنصاري فأمر بهدمة ، ومر ببستان لرجل من ثقيف قد تمنع فيه ، فأرسل إليه أن اخرج وإلا حرَّقنا عليك بستانك ، فامتنع الرجل الرجل فأمر عليه السلام بحرقه .

ولما وصل المسلمون إلى الطائف وجدوا الأعداء قد تحصّنوا به ، وأدخلوا معهم قوت سنتهم فعسكر المسلمون قريب الحصن ، فرماهم المشركون بالنّبل رمياً شديداً حتى أصيب منهم كثيرون بجراحات منهم ، عبد الله بن أبي بكر وقد طاوله جرحه حتى أماته في خلافة أبيه ، ومنهم أبو سفيان بن حرب فقئت عينه ، وقد مات بالجراحات اثنا عشر رجلاً من المسلمين .

ولما رأى رسول الله أن العدو متمكن من رميهم ارتفع إلى محل مسجد الطائف الآن ، وضرب لأم سلمة وزينب قبتين هناك ، واستمر الحصار ثمانية عشر يوماً ، كان فيها ينادي خالد بن الوليد بالبِراز فلم يجبه أحد ، وناداه عبد ياليل عظيم ثقيف ، لا ينزل إليك منّا أحد ، ولكن نقيم في حصننا ، فإن فيه من الطعام ما يكفينا سنين ، فإن أقمت حتى يفنى هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعاً حتى نموت عن آخرنا .

فأمر عليه السلام بأن يُنْصَب عليهم المنجنيق فنُصِبَ ، ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين لينقبوا الحصن ، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم .

فأمر عليه السلام أن تقطع أعنابهم ونخيلهم ، فقطع المسلمون فيها قطعاً ذريعاً ، فناداه أهل الحصن أن دعها لله وللرحم ، فقال : أدعها لله وللرحم ، ثم أمر من ينادي بأنّ كل من ترك الحصن ونزل فهو آمن فخرج إليه بضعة عشر رجلاً .

لما رأى عليه السلام أن تمنُّع ثقيف شديد ، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن معاوية الديلي في الذهاب أم المقام ، فقال : يا رسول الله ثعلب في جحر إن قمت أخذته وإن تركته لم يضرك ، فأمر عليه السلام بالرحيل ، وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف فقال : ( اللهم اهد ثقيفاُ وائت بهم مسلمين )

تقسيم السبي

ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجعرانة حيث ترك السبي فأحصاه وخمسة ، وأعطى منه شيئاً كثيراً لأناس ضعف إسلامهم يتألفهم بذلك وأعطى أناساً لم يسلموا ليحبب إليهم الإسلام . ومن الأوليّن أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من الذهب ومائة من الإبل ، وكذلك ابناه معاوية ويزيد فقال له : بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب ، ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه مثلها ، وقال : يا حكيم ( إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى ) رواه البخاري .

فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها ، ثم قال : والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا ، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه .

وأعطى عليه السلام عيينة بن حصن مائة من الإبل ، وكذلك الأقرع بن حابس ، والعباس بن مرداس ، وأعطى صفوان بن أمية شعباً مملوءاً نعماً وشاه كان رآه يرمقه ، فقال له : هل يعجبك هذا ؟ قال نعم ، قال هو لك ، فقال صفوان : ما طابت بمثل هذا نفس أحد وكان سبب إسلامه .

وكان عليه السلام يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسم للمؤلفة قلوبهم ، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى فإن كثيرين ممن أعطوا في هذا اليوم لم يكونوا أشربوا في قلوبهم حب الإسلام صاروا بعد من أجلاء المسلمين وأعظمهم نفعاً كصفوان بن أمية ومعاوية بن أبي سفيان والحارث بن هشام وغيرهم .

ثم أمر عليه السلام زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وقسمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب وصاروا يقولون له : اقسم علينا حتى ألجأوه إلى شجرة فتعلق رداؤه فقال : ( ردوا ردائي أيها الناس فو الله إن كان لي شجر تهامة نعماً لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً ) روه البخاري ثم قام إلى بعيره وأخذ وبرة من سنامه وقال : ( يا أيها الناس والله ما لي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخياط والمخيط فإن الغُلول يكون على أهله عاراً وشناراً وناراً يوم القيامة ) رواه أحمد ، فصار كل من أخذ شيئاً من الغنائم خلسة يردّه ولو كان زهيداً .

ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة ، والفارس ثلاثة أمثال ذلك ، فقال رجل من المنافقين : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، فغضب عليه السلام حتى احمرّ وجهه وقال : ( ويحك من يعدل إذا لم أعدل ؟!) فلم يؤده غضبه أن ينتقم لنفسه ، حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك بل لم يزد على أن نصح وحذر .

وقال له عمر وخالد بن الوليد : دعنا يا رسول الله نضرب عنقه ، فقال لا ! لعله أن يكون يصلي ، فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ! فقال عليه الصلاة والسلام : إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم ) رواه البخاري

ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب ، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا : إن هذا لهو العجب يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم !!! فبلغه ذلك فأمر بجمعهم وليس معه غيرهم .

فلما اجتمعوا قال : يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم ؟ ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي ؟ وعالةً فأغناكم الله بي ؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي ؟ إن قريشاً حديثو عهد بكفر ومصيبة ؟ وإني أردت أن أجْبُرهم وأتألًّفهم ، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا ألفت به قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يُزلزل ؟ الا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شِعْب الأنصار ، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلَّت لحاهم وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً ، ثم انصرف عليه السلام وتفرقوا .

وفود هوازن

وبعد بضع عشرة ليلة جاءه عليه السلام وفد هوازن يرأسهم زهير بن صُرَدْ وقالوا : يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والعمّات والخالات ، وهنّ مخازي الأقوام ، ونرغب إلى الله وإليك يا رسول الله ، وقال زهير : إن في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ثم قال أبياتاً يستعطفه بها :

امنن علينا رسول الله في كرم
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
إنا لنشكر للنعماء إن كفرت
إنا نؤمل عفواً منك نلبسه
فالبس العفو من قد كنت ترضعه

فإنك المرء نرجوه وننتظر
إذ فوك مملوءة من مخضها الدرر
وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخر
هدى البرية أن تعفو وتنتصر
من أمهاتك إن العفو مشتهر

فقال عليه السلام : إن أحب الحديث إلى أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفيتن إما السبي وإما المال ، وقد كنت انتظرتكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون ، فقالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً ، أردد علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا ، ولا نتكلم في شاة ولا بعير . فقال عليه السلام : أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، فإذا أنا صليت الظهر فقوموا وقولوا : نحن نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله بعد أن تظهروا إسلامكم وتقولوا نحن إخوانكم في الدين ، ففعلوا . فقال عليه السلام لأصحابه : ( أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد عليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب بذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفئ الله علينا فليفعل ) فقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله . وامتنع من ذلك جماعة من الأعراب كالأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس ، فأخذه الرسول منهم قرضاً وأمر عليه السلام بأن تحبس عائلة مالك بن عوف النصري رئيس تلك الحرب بمكة عند عمتهم أم عبد الله بن أمية . فقال له الوفد : أولئك سادتنا ، فقال عليه السلام : إنما أريد بهم الخير ، ثم سأل عن مالك فقالوا : هرب مع ثقيف ، فقال : أخبروه أنه إن جاءني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل ، فلما بلغ ذلك مالكاً نزل من الحصن خُفية حتى أتى رسول الله بالجعرانة فأسلم وأحرز ماله ، واستعمله عليه السلام على من أسلم من هوازن .

 

عمرة الجعرانة

ثم إن الرسول عليه السلام اعتمر فأحرم من الجعرانة ودخل مكة بليل فطاف واستلم الحجر ثم رجع من ليلته ، وكانت إقامته بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة ، ثم أمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل فسار الجيش آمناً مطمئناً حتى دخل المدينة لثلاث بقين من ذي القعدة .

وغزوة حنين هي التي فرّق الله بها جموع الشرك ، وأزال دولته ، وأفقد سراة أهله ، فإن هوازن لم تترك وراءها رجلاً تمكنه الحرب إلا ساقته ، ولم تترك لها بعيراً ولا شاة إلا جاءت به معها ، فأراد الله إعزاز الإسلام بخذلان أعدائه وأخذ أموالهم ، فانكسرت حدة المشركين ، ولم يبق فيهم من يمانع أو يدافع ، ولذلك يمكننا أن نقول إن انكسار هوازن كان خاتمة لحروب العرب ، فلم يبق فيهم إلا فئات قليلة يسوقهم الطيش إلى شهر السلاح ، ثم لا يلبثون أن يغمدوا السيوف حينما تظهر لهم قوة الحق الساطعة .

 

نتائجها :

  • كانت هذه الغزوة فتحاً مبيناً للقلوب والنفوس في الجزيرة العربية ، فلم يبق منهم من يطعن على الإسلام ، أو يؤذي رسوله الكريم . . ، وما كانوا يظنون يوماً أنهم يدينون للإسلام ورسوله ، أو يرضون الإسلام ديناً .

  • بدأت وفودُ القبائل تُقبل على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تقدم الطاعة بين يديه . . مثلما قدم وفدُ طيء وعلى رأسهم سيدهم زيدُ الخيل .

  • أظهر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الحكمة وبعد النظر في قسمته للغنائم ، وعطاياه لبعض رجالات مكة وأشرافها ، ما كان له أثر عظيم . . فإن كثيرين منهم لم يكونوا أُشربوا حبَّ الإسلام ، فألّف الرسولُ القائد قلوبهم ، فصاروا من أجلاء المسلمين ، وأعظمهم نفعاً . . كصفوان بن أمية ،ومعاوية بن أبي سفيان ، والحارث بن هشام.

  • عاد المهاجرون والأنصار مغتبطين لما حققوه من النصر في مكة وحُنين وقد صاروا أكبر قوة وأكثر اتحاداً . . بعد المكاشفة النبوية لهم .. ومعرفتهم مكانتهم ، وإدراكهم سياسة القائد الحكيمة . . فكانوا أعظم ثقة وولاءً وأشدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حباً ، وأكثر طاعة .

  • جاءت هوازن ـ التي قاومت الإسلام ، وأرادت القضاء عليه في قمة انتصاره في مكة ـ معلنة إسلامها ، وطاعتها .

عِبرها :

  • الحذر من الاعتداد بالقوة وحدها عند المواجهة.

  • إن الثبات في القتال على قلة العدد والعُدد مفتاح النصر بإذن الله .

  • للقوة المعنوية والتحريض على القتال أثرٌ في المعركة العسكرية .

  • إن الله تعالى يؤيد المؤمنين الصابرين بجنود من عنده ، والنصر يتحقق بأسباب من الأرض وأسباب من السماء .

  • إن المحنة مَحَكٌّ يميز الخبيث من الطيب ، والمؤمنين من المنافقين .

  • إن سياسة الرسول القائد وكياسته كانتا سبباً في إسلام ثقيف وهوازن وفتح قلوبهم للإسلام .

  • أثر الشورى وحنكة الرسول في استثمارها لرد السبايا إلى هوازن تهدي إلى أهميتها البالغة في سياسة الأمور .

التقويم :

1- اقرأ كل عبارة مما يأتي ، ثم ضع علامة () أمام العبارة التي تراها صحيحة ، وعلامة () أمام العبارة التي تراها خطأ :

أ- اتخذ المسلمون في غزوة حنين أسلوب الدفاع لا الهجوم .

ب- إن مكاشفة رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار في أمر القسمة ، درس للحكام في الأزمات .

ج- لقد فضل الرسول القائد بعض زعماء العشائر بالعطاء لأنهم أقرباؤه .

د- وقعت هزيمة المسلمين في الجولة الأولى من حنين ، بعد مواجهة عنيفة بين الفريقين .

هـ- كان ثبات الرسول القائد ، وصيحة العباس في المهاجرين والأنصار ، من أعظم أسباب الانتصار في حنين .

2- اقرأ كل عبارة مما يأتي ، ثم ضع علامة () أ مام الجملة الصحيحة من بين الجمل التي تليها :

أ- انهزم المسلمون في الجولة الأولى بحنين :

  • لأنهم كانوا أقل من أعدائهم عددا وعتاداً

  • لاغترارهم بكثرتهم في العدد والعُدّة

  • لأن أعداءهم كانوا أكثر قوة وأعز جندا.

ب- تحقق النصر للمسلمين في الجولة الثانية :

  • لأن الملائكة تولت القتال عن المؤمنين .

  • لأن المدد وصل إليهم من معسكراتهم القريبة بمكة .

  • بفضل ثبات الرسول واستبسال المسلمين عند المواجهة .

ج- كاشف الرسول القائد الأنصار بالحقائق :

  • فرضوا أنفساً ، وازدادوا تماسكاً

  • فازدادوا ألما لتفضيل بعض زعماء مكة عليهم .

  • فاشتد حقدهم على المؤلفة قلوبهم من الرؤساء .

3- فكر ثم أجب عما يأتي :

أ- متى وقعت غزوة حنين ؟

ب- كيف انهزم المسلمون في الجولة الأولى ؟

ج- ( لقد كان للجانب المعنوي أثره في تعديل سير المعركة ) علِّق على هذه العبارة؟

د- ماذا غنم المسلمون بعد النصر ؟

هـ- لماذا أجزل الرسول القائد العطاء لبعض الزعماء ؟

و- علام اتفق الرسول مع هوازن لاسترداد أهليهم ؟ وما رأيك في هذا التصرف ؟ ولماذا ؟

ز- ما أثر قسمة الغنائم على الأنصار ؟ وماذا فعل الرسول عندئذ ؟

ح- ما أثر خطبة الرسول في الأنصار ؟

ط- لغزوة حنين نتائج متعددة اذكر منها ثلاثاً ؟ واذكر ثلاثة دروس تعلمتها .

ي- " كان للشورى أثرها في مسألة السبايا " اشرح هذه العبارة .

ك- لماذا حرص الرسول القائد على مكاشفة الأنصار بالحقائق ؟

 

 

الحلقة

الثانية

والعشرون

 

الحلقة الثانية والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

 

السرايا والوفود بعد غزوة الطائف

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يعدد الدارس السرايا التي بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الطائف .

  2. أن يذكر الدارس أسماء الوفود التي قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة االطائف .

  3. أن يذكر الدارس سبب نزول قول الله " ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم " .

  4. أن يذكر الدارس سبب نزول قول الله تعالى : " يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة " .

  5. أن يذكر الدارس الحدث الذي قال فيه النبي عليه السلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

  6. أن يروى الدارس قصة إسلام عدي بن حاتم الطائي .

  7. أن يبرز الدارس ما استفاده من حديث النبي عليه السلام لحاتم الطائي عند إسلامه .

  8. أن يستخلص الدارس العبر والعظات من كل سرية .

 

سرية قيس بن سعد إلى صُدَاء باليمن

ولما رجع عليه السلام إلى المدينة أرسل قيس بن سعد في أربعمائة ليدعو صداء ( قبيلة تسكن اليمن ) إلى الإسلام ، فجاء إلى رسول الله رجل منهم ( هو زياد بن الحرث الصدائي ) فقال : يا رسول الله إني جئتك وافداً عمن ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي ، فأمر عليه السلام برد الجيش .

 

 

 

وفود صداء

وخرج الرجل إلى قومه فقدم بخمسة عشر رجلاً منهم فنزلوا ضيوفاً على سعد بن عبادة ، ثم بايعوا رسول الله على الإسلام ، وقالوا : نحن لك على من وراءنا من قومنا ، ولما رجعوا فشا فيهم الإسلام وقدم على رسول الله منهم مائة في حجة الوداع .

سرية بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب بن خزاعة

ثم أرسل عليه السلام بشر بن سفيان العدوي إلى بني كعب بن خزاعة لأخذ صدقات أموالهم ، فمنعهم بنو تميم المجاورن لهم من أداء ما فُرِضَ عليهم ، فلما علم بذلك رسول الله أرسل إليهم عيينة بن حصن في خمسين فارساً من الأعراب ، فجاءهم وحاربهم وأخذ منهم أحد عشر رجلاً وإحدى وعشرين امرأة وثلاثين صبياً ، وتوجه بالكل إلى المدينة ، فأمر عليه الصلاة السلام بجعلهم في دار رملة بنت الحارث .

 

وفود تميم

فجاء في أثرهم وفد تميم فيه عُطارد بن حاجب والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فجلسوا ينتظرون الرسول ، فلما أبطأ عليهم نادوا من وراء الحجرات بصوت جاف : يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ، فإن مدحنا زَيْن إن ذمّنا شين ، فخرج إليهم عليه الصلاة والسلام وقد تأذى من صياحهم ، وفيهم نزل أوائل سورة الحجرات ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم ) وكان الوقت وقت الظهر ، فأذّن بلال ، ودخل النبي للصلاة ، فتعلقوا به يقولون : نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك ، فقال لهم عليه السلام : ( ما بالشعر بُعثنا ولا بالفخار أُمِرْنا ) ثم صلى الظهر واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد آبائهم ، وقد مدح عمرو بن الأهتم الزبرقان بن بدر ، فقال : إنه لمُطاع في أنديته سيد في عشيرته ، فقال الزبرقان : حسدني يا رسول الله لشرفي وقد علم أفضل مما قال . فقال عمرو : إنه لزَمِنالمروءة ، ضيق الطعن 1 لئيم الخال ، فرئي الغضب في وجه رسول الله لاختلاف قولي عمرو ، فقال : يا رسول الله لقد صدقت في الأولى ، وما كذبت في الثانية ، رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت . فقال عليه الصلاة والسلام ( إن من البيان لسحراً ) رواه البخاري ومسلم .

ثم أسلم القوم فردّ النبي عليه الصلاة والسلام أسراهم وأحسن جائزتهم وأقاموا مدة يتعلمون فيها القرآن ويتفقهون في الدين .

 

سرية الوليد بن عقبة لأخذ صدقات بني المصطلق

ثم بعث عليه الصلاة والسلام الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات بني المصطلق ، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلاً متقلدين سلاحهم احتفالاً بقدومه ومعهم إبل الصدقة ، فلما نظرهم ظنّهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية ، فرجع مسرعاً إلى المدينة وأخبر الرسول أن القوم ارتدوا ومنعوا الزكاة ، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر .

فسار إليهم في عسكره خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذنهم يؤذن بالصبح ، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة ، فرجع وأخبر الرسول ، فأرسل عليه الصلاة والسلام لهم غير الوليد لأخذ الصدقات ، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) (الحجرات 6)

 

سرية علقمة بن مجزِّز إلى جدة لقتال بعض الحبشة

ثم بلغ رسول الله أن جمعاً رآهم أهل جدة في مراكبهم يريدون الإغارة عليها فأرسل لهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة ، فذهب حتى وصل جدة ونزل في المراكب ليدركهم ، وكان الأحباش متحصنين في جزيرة هناك ، فلما رأو المسلمين يريدونهم هربوا ، ولم يلق المسلمون كيداً فرجع علقمة بمن معه . ولمّا كان بالطريق أذن لسرعان القوم أن يتعجلوا وأمّر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي ، وكان فيه دعابة2 فأوقد لهم في الطريق ناراً ، وقال لهم : ألستم مأمورين بطاعتي ؟ قالوا : نعم ، قال : عزمت عليكم إلا ما تواثبتم في هذه النار ، فقال بعضهم : ما أسلمنا إلا فراراً من النار ، وهمَّ بذلك بعضهم فمنعهم عبد الله ، وقال : كنت مازحاً ! فلما ذكروا ذلك لرسول الله قال : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) رواه البخاري ومسلم .

السنة التاسعة

سرية علي بن أبي طالب لهدم صنم طيء

في ربيع الأول أرسل عليه السلام علي بن أبي طالب في خمسين فارساً لهدم الفُلْس ( صنم لطيء ) فسار إليه وهدمه وأحرقه ، ولما حارب عبّادة هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم وسبيهم ، وكان فيه " سَفَّانة " بنت حاتم طيئ ، ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفانة من رسول الله أن يمن عليها ، فأجابها لأنه كان من سننه أن يكرم الكرام ، فدعت له وكان من دعائها ( شكرتك يد افتقرت بعد غنى ، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر ، وأصاب الله بمعروفك مواضعه ، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة ، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سبباً لردها عليه ) .

وفود عدي بن حاتم

وكانت هذه المعاملة من رسول الله سبباً في إسلام أخيها عدي بن حاتم الطائي الذي كان فرّ إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده ، وكان من حديث مجيئه أن أخته توجهت إليه بالشام ، وأخبرته بما عوملت به من الكرم ، فقال لها : ما ترين في أمر هذا الرجل ؟ فقالت : أرى أن تلحق به سريعاً ، فإن يكن نبياً فللسابق إليه فضل ، وإن يكن ملكاً فأنت أنت . قال : والله هذا هو الرأي .

فخرج حتى جاء المدينة ولقي رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام : من الرجل ؟ قال : عدي بن حاتم ، فأخذه إلى بيته وبينما هما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز فاستوقفته ، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها ، فقال عدي : والله ما هو بملك .

ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من جلد محشوة ليفاً فقدمها إلى عدي وقال : اجلس على هذه . فقال : بل أنت تجلس عليها ، فامتنع عليه السلام وأعطاها له وجلس هو على الأرض .

ثم قال : يا عدي أسلم تسلم ، قالها ثلاثاً ، فقال عدي : إني على دين ( وكان نصرانياً ) ، فقال له عليه السلام : أنا أعلم بدينك منك ، فقال عدي : أأنت أعلم بديني مني ؟ قال : نعم . ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعاً لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء ، كأخذه المرباع وهو ربع الغنائم .

ثم قال : يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدين ما ترى ، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قدرة لهم ، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم ، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم . أتعرف الحيرة ؟ قال : لم أرها وقد سمعت بها : قال : فو الله ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولعلك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم ، وأيم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ، فأسلم عدي رضي الله عنه وعاش حتى رأى كل ذلك.

 

التقويم :

  1. عدد السرايا التي بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الطائف .

  2. أذكر أسماء الوفود التي قدمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الطائف – وماذا كان من شأنهم ؟

  3. أذكر سبب نزول قول الله " ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم " .

  4. أذكر سبب نزول قول الله تعالى : " يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة " .

  5. أذكر الحدث الذي قال فيه النبي عليه السلام : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )

  6. أكمل :

    1. ثم بعث عليه السلام الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات ................ ، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلاً متقلدين سلاحهم .......... ومعهم .............. ، فلما نظرهم ظنّهم يريدون .......... لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية ، فرجع مسرعاً إلى المدينة وأخبر الرسول أن القوم .................. ، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر . فسار إليهم في عسكره خفية ، حتى إذا كان بناديهم سمع ............... ، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة ، فرجع وأخبر الرسول ، فأرسل عليه الصلاة والسلام لهم غير الوليد لأخذ الصدقات ، وفي الوليد نزل قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا ....................... )

    2. وأمّر عليهم .................... وكان فيه دعابة فأوقد لهم في الطريق ناراً ، وقال لهم : ألستم مأمورين بطاعتي ؟ قالوا : نعم ، قال : عزمت عليكم إلا ما تواثبتم في هذه النار ، فقال بعضهم : ...............، وهمَّ بذلك بعضهم فـ ................ ، وقال : كنت مازحاً ! فلما ذكروا ذلك لرسول الله قال : ( .......................... ) .

  7. كان من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرم الكرام – اشرح موقفه صلى الله عليه وسلم مع سفّانة بنت حاتم طيء وما كان لذلك من أثر في إسلام عدي بن حاتم .

  8. أرو قصة إسلام عدي بن حاتم الطائي .

  9. ما الذي استفدته من حديث النبي عليه السلام لحاتم الطائي عند إسلامه .

 

 

الحلقة

الثالثة

والعشرون

 

الحلقة الثالثة والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

 

السنة التاسعـــة

غزوة تبوك

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدرس سبب غزوة تبوك .

  2. أن يبين الدارس ما كان من بذل الصحابة وتسابقهم للإنفاق في سبيل الله للخروج لتبوك .

  3. أن يقارن الدارس بين موقف الصادقين و المنافقين عند الخروج لتبوك .

  4. أن يوضح الدارس كيف يقتدى بأبو خيثمة عند تخلفه عن النبي عليه السلام في تبوك.

  5. أن يحدد الدارس نتائج غزوة تبوك .

  6. أن يعلل الدارس لماذا هدم النبي عليه السلام مسجد الضرار .

  7. أن يستخلص الدارس العبر والدروس من غزوة تبوك .

 

سبب لغزوة :

بلغ رسول الله عليه السلام أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلده ، وكان في زمن عسرة الناس وجدب البلاد وشدة الحر ، حين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، فأمر عليه السلام بالتجهيز وكان قلما يخرج في غزوة إلا ورّى بغيرها ليعمِّي الأخبار على العدو ، إلا في هذه الغزوة ، فإنه أخبر بمقصده لبعد الشقة ولشدة العدو ليأخذ الناس عدتهم لذلك ، وبعث إلى مكة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك .

التسابق في البذل والإنفاق :

وحث الموسرين على تجهيز المعسرين ، فأنفق عثمان بن عفان عشرة آلاف دينار ، وأعطى ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرساً . فقال عليه السلام : اللهم ارض عن عثمان فإني راضٍ عنه . وجاء أبو بكر بكل ماله وهو أربعة آلاف درهم ، فقال عليه السلام : وهل أبقيت لأهلك شيئاً ؟ فقال : أبقيت لهم الله ورسوله ، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله ، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية ، وجاء العباس وطلحة بمال كثير . وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقاً من تمر ، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليّهن .

وجاءه عليه السلام سبعة أنفس من فقهاء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم ، فقال لا أجد ما أحملكم عليه ، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً لأن لا يجدوا ما ينفقون . فجهز عثمان ثلاثة منهم ، وجهز العباس اثنين وجهز يامين بن عمير اثنين .

ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفاً ، وولى على المدينة محمد بن مسلمة ، وعلى أهله على بن أبي طالب ، وتخلف كثير من المنافقين يرأسهم عبد الله بن أبيّ ، وقال : يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد !.

 

الخروج إلى تبوك وموقف المنافقين :

يحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب ؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال .

واجتمع جماعة منهم فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف ، فبلغه ذلك فأرسل إليهم عمار بن ياسر يسألهم عما قالوا فقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب .

وجاء إليه جماعة منهم الجد بن قيس يعتذرون عن الخروج ، فقالوا : يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتنّا لأنّا لا نأمن من نساء بني الأصفر ، وجاء إليه المعذرون من الأعراب ، وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلة ليؤذن لهم فأذن لهم ، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم ، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) (التوبة 43) ثم قال في حقهم : ( إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبه فهم في ريبهم يترددون ) (التوبة 45) ثم كذّبهم الله في عذرهم فقال : ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدّة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ) (التوبة 46) ثم لكيلا يأسى المسلمون على قعود المنافقين عنهم قال جل ذكره : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين ) (التوبة 47) . وتخلف جماعة من المسلمين لا يُتهمون في إسلامهم منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة .

ولما خلّف عليه السلام علياً قال المنافقون : قد استقله فتركه ، فأسرع إلى رسول الله وشكا له ما سمع ، فقال عليه السلام : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " (رواه البخاري) .

ترتيب الجيش وتوزيع المهام :

ثم سار عليه السلام بالجيش وأعطى لواءه الأعظم أبا بكر الصديق ، وفي إعطاء اللواء لأبي بكر آخر غزوة للرسول وتخليف عليّ على أهل البيت حكمة لطيفة يفهمها القارئ . وفرّق عليه الصلاة والسلام الرايات فأعطى الزبير راية المهاجرين ، وأسيد بن حضير راية الأوس ، والحباب بن المنذر راية الخزرج ، ولما مرّ الجيش بالحجر وهي ديار ثمود قال عليه السلام لأصحابه : " لا تدخلوا ديار الذين ظلموا إلا وأنتم باكون " رواه مسلم ليشعر قلوبهم رهبة الله .

وكان مستعملاً على حرس الجيش عبّاد بن بشر ، وكان أبو بكر يصلي بالجيش ولما وصلوا إلى تبوك وكانت أرضاً لا عمارة فيها ، قال الرسول عليه السلام لمعاذ ابن جبل : يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هنا ملئ بساتين ، وقد كان .

موقف أبو خيثمة :

ولما استراح الجيش لحقه أبو خيثمة ، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشتين لهما في بستان قد رشت كل منهما عريشتها وبردت فيها ماء ، وهيأت طعاماً ، وكان يوماً شديد الحر ، فلما نظر ذلك قال : يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة حسناء ! ما هذا بالنَّّصَف ، ثم قال : والله لا أدخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيئا لي زاداً ففعلتا . ثم ركب بعيره وأخذ سيفه ورمحه ، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك .

وفود صاحب ايلة

هذا ، ولم ير عليه السلام بتبوك جيشاً كما كان قد سمع فأقام هناك أياماً جاءه في أثناءها يوحنا صحاب أيلة وصحبته أهل جرباء3 وأهل أذرح4 وأهل ميناء ، فصالح يوحنا رسول الله على إعطاء الجزية ولم يسلم ، وكتب له الرسول كتاباً هذه صورته .

كتاب صاحب أيلة

( بسم الله الرحمن الرحيم : هذا أمَنَةُ من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا وأهل أيلة : سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحوز ماله دون نفسه ، وإنه لطيبة لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ما يردونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر ) .

كتاب أهل أَذْرُح وجرباء

وكتب لأهل أذرح وجرباء كتاباً صورته : ( بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح وجرباء ، إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد ، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة والله كفيل بالنصح والإحسان للمسلمين ) وصالح أهل ميناء على ربع ثمارهم .

ثم إن الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام فقال له عمر : إن كنت أُمرت بالسير فسرْ . فقال عليه الصلاة والسلام : لو كنت أمرت بالسير لم أستشر ، فقال : يا رسول الله إن للروم جموعاً كثيرة وليس بالشام أحد من أهل الإسلام ، وقد دنونا وقد أفزعهم دنوّك ، فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمراً ، فتبع عليه السلام مشورته وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة .

مسجد الضرار

ولما كان على مقربة منها بلغه خبر مسجد الضرار ، وهو مسجد أسسه جماعة من المنافقين معارضة لمسجد قباء ، ليفرقوا جماعة المسلمين ، وجاء جماعة منهم إلى الرسول طالبين منه أن يصلي لهم فيه ، فسألهم عن سبب بنائه ، فحلفوا بالله إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ، فأمر عليه السلام جماعة من أصحابه لينطلقوا إليه ويهدموه ففعلوا .

هذا ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلّفوا يعتذرون كذباً ، فقبل منهم عليه الصلاة والسلام علانيتهم ، ووكل ضمائرهم إلى الله واستغفر لهم .

 

نتائج غزوة تبوك :

1-أدت إلى كسب عدد من القبائل العربية ، القاطنة في جنوب الشام ، فقد انضمت إلى جانب الدولة الإسلامية ، وقطعت علاقاتها بالروم .

2-شعرت القبائل الأخرى بقوة المسلمين ، وامتداد نفوذهم إلى القبائل التي كانت تعمل لصالح الروم ، وتقاوم امتداد الإسلام من الشمال .

3- ضربت السيادة البيزنطية ضربة قاصمة ، وأضعفت مركزها الأدبي .

4- كسرت جدار الخوف العربي من القوة البيزنطية ، ومكنت المسلمين بعد سنين قليلة من الفتوحات العظيمة في عصر الخلفاء الراشدين .

5- كشفت المنافقين ، وقد أمر الله بالشدة معهم ، فخافوا ، وانهارت قواهم ، ولم يبق فيهم إلا من أخلص لله ورسوله.

6- شعر العرب في قلب الجزيرة العربية وأطرافها بالإسلام فأقبلت وفودهم إلى المدينة تعلن إسلامها ، وتقدم طاعتها وولاءها للمسلمين .

بعض العِبَر المستفادة من غزوة تبوك :

1- حب الصحابة وتقديرهم ، والاقتداء بهم في التضحية بالنفس والمال ، في سبيل إعلاء كلمة الله .

2- اليقين بأن الله مع المؤمنين الصادقين ، يؤيدهم وينصرهم ويلقي الرعب والفزع في قلوب أعدائهم .

3- كراهية النفاق والمنافقين ، والحذر منهم ، والعمل على تنقية صفوف المسلمين منهم.

4- التحلي بالصدق في القول والعمل والنية .

5- المبادرة بالتوبة من المعاصي ، والتكفير عن الذنوب بالأعمال الصالحة.

 

التقويم

1- ما سبب غزوة تبوك ؟ ومتى وقعت ؟

2- علل لما يأتي :

  • إعلان الرسول وجهته في غزوة تبوك .

  • انسحاب الروم عند علمهم بتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم .

3- حققت غزوة تبوك مكاسب عظيمة للمسلمين اذكر ثلاثة منها .

4- حدد صفتين تحب أن تتحلى بهما بعد دراستك لغزوة تبوك .

5- ضع علامة () أمام ما تراه صحيحاً ، وعلامة () أمام ما تراه خطأ مما يأتي:

  • اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أسلوب الدفاع .

  • الحديث عن غزوة تبوك يوجد في سورة الأنفال .

  • الحديث عن مسجد الضرار يوجد في سورة التوبة .

  • بعض المتخلفين عن تبوك لحقوا بالجيش في الطريق .

  • اللواء الأعظم في جيش المسلمين إلى تبوك كان مع أبي بكر الصديق .

  • في غزة تبوك تبرع عمر بن الخطاب بكل ماله .

6- اكتب نبذة مختصرة عن النفاق وخطورته على المسلمين ، مستعيناً بمواقفهم في غزوة تبوك .

 

 

الحلقة

الرابعة

والعشرون

 

الحلقة الرابعة والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

 

حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يروي الدارس قصة الثلاثة الذين خلِّفوا .

  2. أن يروي الدارس كيف تمت توبة كعب بن مالك .

  3. أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من موقف الثلاثة الذى خلفوا .

 

وجاءه كعب بن مالك الخرجي ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية الأوسيان مقرين بذنوبهم ، فلما دخل عليه كعب تبسم ( الرسول عليه السلام ) تبسم الغضب وقال : ما خلّفك ؟ فقال : يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أوتيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث

كذب ترضي به عنّى ، ليوشكنّ الله أن يسخط علىّ فيه ، ولئن حدثتك حديث صدق تغضب عليّ فيه ، إني لأرجو فيه عفو الله ، والله ما كان لي من عذر .

فقال عليه السلام : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك . وقال صاحباه مثل قوله ، فقال لهما عليه الصلاة والسلام كما قال لكعب ، ونهى المسلمين عن كلامهم فاجتنبهم الناس ، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ، واستأذنت زوج هلال بن أمية في خدمة زوجها لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها ، ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، ثم تاب عليهم فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام من يبشرهم بهذه النعمة الكبرى ، فتلقاهم الناس أفواجاً يهنئونهم بتوبة الله .

فلما دخل كعب المسجد تلقاه رسول الله مسروراً ، فقال أبشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك ، فقال : من عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : بل من عند الله .

فقال كعب : يا رسول الله أن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ولرسوله ، فقال عليه الصلاة والسلام : أمسك عليك بعض مالك فهو خير . ثم قرأ عليه الصلاة والسلام الآيات التي فيها توبته هو وصاحبه في سورة براءة ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) (التوبة 118)

وفود ثقيف

  1. أن يوضح الدرس كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع وفد ثقيف .

  2. أن يحدد الدارس عناصر خطاب النبي عليه السلام إلى أهل الطائف .

  3. أن يوضح الدارس كيف تعامل وفد ثقيف مع قومهم لمّا رجعو إليهم وما دلالة ذلك .

  4. أن يروى الدارس ما كان في حج أبي بكر بالناس ونزول أوائل سورة براءة .

  5. أن يوضح الدارس كيف تعامل النبي عليه السلام مع حادثة موت رأس النفاق ابن سلول .

وعقب مقدمه عليه الصلاة والسلام من تبوك وفد عليه وفد ثقيف ، وكان من خبرهم أنه لما انصرف رسول الله من محاصرتهم تبع أثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة ، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى الإسلام ، فقال له : إنهم قاتلوك فقال : يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم .

فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم لأنه كان فيه محبباً مطاعاً ، فلما جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه بالنبل فقتلوه . وبعد شهر من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلاً منهم بكلمة ، وطلبوا من عبد ياليل بن عمرو أن يكون ذلك الرجل ، فأبى وقال : لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالاً ، فبعثوا معه خمسة من أشرافهم فخرجوا متوجيه إلى المدينة ، ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا ، وكانوا يغدون إلى رسول الله كل يوم ويخلفون في رحالهم أصغرهم سناً عثمان بن أبي العاص ، فكان إذا رجعوا ذهب للنبي واستقرأه القرآن وإذا رآه نائماً استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئاً كثيراً من القرآن وهو يكتم ذلك عن أصحابه .

ثم أسلم القوم وطلبوا أن يعيّن لهم من يؤمُّهم فأمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص ، لما رآه من حرصه على الإسلام وقراءة القرآن وتعلم الدين .

كتاب أهل الطائف

ثم كتب لهم كتاباً من جملته ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد نبي ورسول الله إلى المؤمنين إن عضاه5 وجَّ وصيده حرام ، لا يعضد6 شجرة ومن وجد يفعل شيئاً من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه ) ثم سالوا رسول الله أن يؤجل هدم صنمهم شهراً حتى يدخل الإسلام في قلوب القوم ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه ، فرضي بذلك عليه الصلاة والسلام ، ولما خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم: أنا أعلمكم بثقيف اكتموا عنهم إسلامكم وخوفوهم الحرب والقتال ، وأخبروهم أن محمداً طلب أموراً عظيمة أبيناها عليه ، سألنا أن نهدم الطاغية ، وأن نترك الزنا وشرب الخمر والربا ، فلما حلّوا بلادهم جاءتهم ثقيف فقال الوفد : جئنا رجلاً فظاً غليظاً قد ظهر السيف ودان الناس له ، فعرض علينا أموراً شديدة .. وذكروا ما تقدم .

فقالوا : والله لا نطيعه أبداً فقالوا لهم : أصلحوا سلاحكم ورموا حصونكم واستعدوا للقتال ، فأجابوا واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة ، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم فقالوا : والله ما لنا بحربه من طاقة ، ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل ، فقال الوفد : قد قاضيناه وأسلمنا ، فقالوا : لم كتمتم علينا ذلك ؟ قالوا : حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان ، فأسلموا .

هدم اللات

ولما بلغ رسو الله إسلام ثقيف أرسل أبا سفيان والمغيرة بن شعبة الثقفي لهدم صنم ثقيف بالطائف فتوجهوا وهدموه حتى سووه بالأرض .

حج أبي بكر

وفي أخريات ذي القعدة أرسل عليه الصلاة والسلام أبا بكر ليحج الناس ، فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة ومعه الهدي عشرون بدنة أهداها رسول الله وساق أبو بكر خمس بدنات ، ولما سافر نزل على رسول الله أوائل سورة براءة ، فأرسل بها علياً ليبلغها الناس في الحج الأكبر ، وقال : لا يبلِّغ عني إلا رجل منّي فلحق أبا بكر في الطريق .

فقال الصديق : هل استعملك رسول الله على الحج ؟ قال : لا ولكن بعثني أقرأ أو أتلو براءة على الناس ، فلما اجتمعوا بمنى يوم النحر قرأ عليهم علىّ ثلاث عشرة آية من أول سورة براءة ، تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوفوا عهودهم وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض كيف شاءوا ، وإتمام عهد المشركين الذين لم يظاهروا على المسلمين ولم يغدروا بهم إلى مدتهم ، ثم نادى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، وكان عليّ يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر رضي الله عنهما .

وفاة ابن أبي

وفي ذي القعدة مات عبد الله بن أبي ، وقد صلى عليه رسول الله صلاة لم تطل مثلها ، وشيع جنازته حتى وقف على قبره ، وإنما فعل ذلك تطييباً لقلب ولده عبد الله بن عبد الله ، وتأليفاً لقلوب الخزرج لمكانة عبد الله بن أبي فيهم ، وقد نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين بعد هذا اليوم لما رأوه من أعمال السيد الكريم عليه السلام . وقد نهى الله رسوله بعد ذلك عن الصلاة على المنافقين ، فقال جل شأنه في سورة براءة : ( ولا تصل على أحد منه مات أبداً ولا تقم على قبره ) (التوبة 84)

وفاة أم كلثوم

وفي هذه السنة توفيت أم كلثوم بنت رسول الله وزوج عثمان رضي الله عنهما .

- التقويم :

  1. أرو قصة الثلاثة الذين خلِّفوا .

  2. أرو كيف تمت توبة لله على كعب بن مالك .

  3. استخلص الدروس المستفادة من موقف الثلاثة الذى خلفوا .

  1. وضح كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع وفد ثقيف .

  2. وضح كيف تعامل وفد ثقيف مع قومهم لمّا رجعو إليهم وماذا تتعلم من هذا الموقف ؟

  3. أرو ما كان في حج أبي بكر بالناس ونزول أوائل سورة براءة .

  4. وضح كيف تعامل النبي عليه السلام مع حادثة موت رأس النفاق ابن سلول .

 

 

 

الحلقة

الخامسة

والعشرون

 

الحلقة الخامسة والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

السنة العاشــرة

 

- الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يحدد الدارس السرايا والبعوث التي أرسلها النبي عليه السلام في العام العاشر من الهجرة .

  2. أن يذكر الدارس وصية النبي عليه السلام لكل قائد من قواد هذه السرايا والبعوث.

  3. أن يعبر الدارس عن انطباعاته عن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لقواد السرايا والبعوث .

  4. أن يقارن الدارس بين ما تفعله الدول الغربية فى حروبها بالمسلمين وبين وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقواده.

  5. أن يحدد الدارس عناصر خطبة النبي عليه السلام أثناء حجة الوداع .

  6. أن يذكر الدارس ما جاء فى كل عنصر من عناصر خطبة الوداع ما استطاع.

  7. أن يعبر الدارس عن انطباعاته عن خطبة الوداع.

  8. أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من خطبة الوداع .

 

سرية خالد بن الوليد إلى نجران لمحاربة بني عبد المدان

في ربيع الآخر أرسل عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد في جمع لبني عبد المدان بنجران من أرض اليمن وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبوا قاتلهم ، فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعوه إلى الإسلام ويقولون : أسلموا تسلموا ، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً فأقام خالد بينهم يعلمهم الإسلام والقرآن وكتب إلى رسول الله عليه السلام بذلك ، فأرسل إليه أن يقدم بوفدهم ففعل .

وحين اجتمعوا به عليه السلام قال لهم : بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ؟ قالوا : كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحداً بظلم ، قال : صدقتم ، وأمر عليهم زيد بن حصين.

 

 

 

سرية علي بن أبي طالب إلى بني مذحج

وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام علياً في جمع إلى بني مذحج ( قبيلة يمانية ) وعممه بيده وقال : سر حتى تنزل بساحتهم فادعهم إلى قول : لا إله إلا الله ، فإن قالوا نعم فمرهم بالصلاة ولا تبغ منهم غير ذلك ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك ، فلما انتهى إليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا المسلمين بالنبل فصف علي أصحابه وأمرهم بالقتال فقاتلوا حتى هزموا عدوهم فكف عن طلبهم ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا وبايعه رؤساؤهم وقالوا : نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقتنا فخذ منها حق الله ، ففعل . ثم رجع إلى رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع .

بعث العمال إلى اليمن

ثم بعث عليه السلام إلى اليمن عمالاً من قبله فبعث معاذ بن جبل على الكورة العليا من جهة عدن ، وبعث أبا موسى الأشعري على الكورة السفلى ووصاهما عليه السلام بقوله : ( يسراً ولا تعسراً وبشراً ولا تنفرا ) وقال لمعاذ : ( إنك ستأتي قوماً أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول الله ، أما أبو موسى فقدم على الرسول عليه السلام في حجة الوداع .

 

حجة الوداع

وفي السنة العاشرة حج عليه السلام بالناس حجة ودع فيها المسلمين ولم يحج غيرها وخرج لها يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة ،وولى على المدينة أبا دجانة الأنصاري ، وكان مع الرسول جمع عظيم يبلغ تسعين ألفاً وأحرم للحج حيث انبعثت به راحلته ثم لبى فقال : ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) ، ولم يزل عليه السلام سائراً حتى دخل مكة ضحى من الثنية العليا وهي ثنية كداء .

ولما رأى البيت قال : اللهم زده تشريفاً وتعظيماً ومهابة وبراً ، ثم طاف بالبيت سبعاً واستلم الحجر الأسود وصلى ركعتين عند مقام إبراهيم ثم شرب من ماء زمزم ثم سعى بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على راحلته ،وكان إذا صعد الصفا يقول : لا إله إلا الله الله أكبر لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، وفي الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى فبات بها .

 

خطبة الوداع

وفي التاسع منه توجه إلى عرفة وهناك خطب خطبته الشريفة التي بين فيها الدين كله أسه وفرعه وهاك نصها

( الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير .

أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ؟ ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد . فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها . إن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب ، وأن دماء الجاهلية موضوعة وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث ، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية .

والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير . فمن زاد فهو من أهل الجاهلية .

أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم .

أيها الناس إن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ثلاث متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادي وشعبان ، ألا هل بغلت ؟ اللهم اشهد .

أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاًً ولكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة ، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً ، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ، فلا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله ، ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم ن تراب ، أكرمكم عند الله أتقاكم . ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب .

أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا تجوز لوارث وصية ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث . والولد للفراش وللعاهر الحجر . من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ، والسلام عليكم ورحمة الله )

وفي هذا اليوم امتن الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) سورة المائدة 3 . فلا غرابة أن اتخذه المسلمون عيداً ويوماً سعيداً يظهرون فيه شكر الله على هذه النعمة الكبرى .

ثم إنه عليه السلام أدى مناسك الحج من رمي الجمار والنحر والحلق والطواف ، وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قفل إلى المدينة ولما رآها كبر ثلاثاً وقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " .

 

التقويم :

  1. حدد السرايا والبعوث التي أرسلها النبي عليه السلام في العام العاشر من الهجرة .

  2. أذكر وصية النبي عليه السلام لكل قائد من قواد هذه السرايا والبعوث.

  3. عبر عن انطباعاتك عن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لقواد السرايا والبعوث .

  4. قارن بين ما تفعله الدول الغربية فى حروبها بالمسلمين وبين وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقواده.

  5. حدد عناصر خطبة النبي عليه السلام أثناء حجة الوداع .

  6. لخص ما جاء في خطبة النبي عليه السلام أثناء حجة الوداع .

  7. عبر عن انطباعاتك عن خطبة الوداع.

  8. أستخلص الدروس المستفادة من خطبة الوداع .

 

 

الحلقة

السادسة

والعشرون

 

الحلقة السادسة والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

 

الوفود

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس أسماء الوفود التي وفدت إليه .

  2. أن يذكر الدارس الأشخاص البارزين فى كل وفد ودورهم فيه .

  3. أن يروى الدارس الأحداث والنقاشات التى دارت بين كل وفد ورسول الله صلى الله عليه وسلم .

  4. أن يحدد الدارس النتائج التى أسفرت عنها زيارة كل وفد من الوفود .

  5. أن يحدد الدارس ما يحرص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم عند مقابلته للوفود.

  6. أن يوضح الدارس ما تعنيه كثرة هذه الوفود .

  7. أن يتخلص الدارس بعض العبر من أحداث بعض الوفود .

  8. أن يعبر الدارس عن تصوراته وما الذى كان سيفعله لو كان يعيش فى عام الوفود .

  9. أن يبين الدارس ما الذى يجب أن يفعله كل فرد أو أسرة أو قبيلة الآن إقتداء بما حدث فى عام الوفود .

 

في هذه السنة والتي قبلها كان وفود العرب إلى رسول الله ليبايعوه على الإسلام وكانوا يقدمون أفواجاً ، ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم الحميدة التي يحتاج ذو الأدب أن يعرفها رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك يقيناً وينير بصيرتك فنقول :

وفود نجران

ومن الوفود : وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكباً دخلوا المسجد وعليهم ثياب الحيرة وأردية الحرير مختمين بالذهب ومعهم بسط فيها تماثيل ومسوح جاءوا بها هدية للنبي عليه السلام فلم يقبل البسط وقبل المسوح .

ولما جاء وقت صلاتهم صلوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس ، ولما أتموا صلاتهم دعاهم عليه السلام للإسلام فأبو وقالوا : كنا مسلمين قبلكم ، فقال عليه السلام : يمنعكم من الإسلام ثلاث ، عبادتكم لصليب ، أكلكم لحم الخنزير ، وزعمكم أن لله ولداً ، فمن مثل عيسى خلق من غير أب ، فأنزل الله في ذلك في سورة آل عمران : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) سورة آل عمران آية 59 . وليظهر الله لهم أنهم في شك من أمرهم أنزل : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) سورة آل عمران 61

فدعاهم عليه السلام لذلك فامتنعوا ورضوا بإعطاء الجزية ،وهي ألف حلة في صفر وألف حلة في رجب مع كل حلة أوقية من ذهب ، ثم قالوا : أرسل معنا أميناً فأرسل لهم أبا عبيدة عامر بن الجراح وكان لذلك يسمي أمين هذه الأمة .

وفود ضمام بن ثعلبة

ومن الوفود ضمام بن ثعلبة .بينما رسول الله بين أصحابه متكئاً جاء رجل من أهل البادية ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول ، فأناخ جمله في المسجد ثم قال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ فدلوه عليه فدنا منه وقال : إني سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجد علي في نفسك ، فقال : سل ما بدا لك ، فقال : أنشدك بالله : آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال : نعم ، فقال : أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة ؟ قال اللهم نعم ، فقال : أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا ؟ قال : اللهم نعم ، قال : أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من اثني عشر شهراً ؟ قال : اللهم نعم ،قال أنشدك بالله آلله أمرك أن نحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلاً ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فإني قد آمنت وصدقت وأنا ضمام بن ثعلبة . ولما ولى قال عليه السلام : فقه الرجل . ثم ذهب ضمام إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام وترك عبادة الأوثان فأسلموا كلهم .

وفود عبد القيس

ومن الوفود عبد القيس . وكان من خبرهم أن الرسول كان جالساً بين أصحابه يوماً فقال لهم : سيطلع عليكم من هنا ركب هم خير أهل المشرق لم يكرهوا على الإسلام قد أنضوا الركائب وأفنوا الزاد ، اللهم اغفر لعبد القيس .

فلما أتوا ورأوا النبي عليه السلام رموا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد وتبادروا إلى رسول الله يسلمون عليه وكان فيهم عبد الله بن عوف الأشج وكان أصغرهم سناً فتخلف عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع وأخرج ثوبين أبيضين فلبسهما ثم جاء يمشي هوناً حتى سلم على رسول الله وكان رجلاً دميماً ففطن لنظر الرسول إلى دمامته ، فقال يا رسول الله : أنه لا يستقي في مسوك جلود الرجال وإنما الرجل بأصغريه قلبه ولسانه ، فقال عليه السلام : إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والإناة.

وقد قال عليه السلام لهذا الوفد : مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى . فقالوا يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأمر فصل .

فقال :( آمركم بالإيمان بالله . أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت والمراد بذلك ما ينبذ في هذه الأواني .

فقال الأشج : يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا ، فرخص لنا في مثل هذه وأشار إلى يده ، فأومأ عليه السلام بكفيه وقال : يا أشج إن رخصت لك في مثل هذه شربته في مثل هذه وفرج بين يديه وبسطها حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فضرب ساقه بالسيف .

وإنما خص عليه السلام نهيهم بما ذكره لكثرة الأشربة بينهم .

 

وفود بني حنيفة

ومن الوفود بنو حنيفة وكان معهم مسيلمة الكذاب وكان مسيلمة يقول : إن جعل لي الأمر بعده اتبعته ، فأقبل عليه السلام ومعه قيس بن شماس وفي يد رسول الله قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال : إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها وإني لأراك الذي منه رأيت .

وكان عليه السلام قد رأى في منامه أن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما فأوحى الله إليه أن انفخهما فنفخهما فطارا فأولهما عليه السلام كذابين يخرجان من بعده ، فكان مسيلمة أحدهما والثاني الأسود العنسي صاحب صنعاء وقد أسلم بنو حنيفة .

وفود طئ

ومن الوفود وفد طئ وفيهم زيد الخيل رئيسهم وقد قال عليه السلام في حقه : ما ذكر لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل ، وسماه عليه السلام زيد الخير .

وفود كندة

ومنهم وفد كندة وفيهم الأشعث بن قيس وكان وجيهاً مطاعاً في قومه . ولما دخلوا على رسول الله خبأوا له شيئاً وقالوا أخبرنا عما خبأناه لك فقال : سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن وإن الكاهن والتكهن في النار .

ثم قال : إن الله بعثني الحق وأنزل على كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقالوا أسمعنا منه فتلا عليه السلام ( والصافات صفا * فالزاجرات زجراً * فالتاليات ذكراً * إن إلهكم لواحد * رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق ) سورة الصافات الآيات من 1 : 5 ، ثم سكت وسكن ودموعه تجري على لحيته فقالوا : إنا نراك تبكي ، أفمن مخافة من أرسلك تبكي ؟ قال : إن خشيتي منه أبكتني . بعثني على صراط مستقيم في مثل حد السيف إن زغت عنه هلكت ، ثم تلا ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً * إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيراً ) ( سورة الإسراء 86 – 87 ) ثم قال لهم عليه السلام : ألم تسلموا ؟ قالوا بلى ، قال : ما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ فعند ذلك شقوه وألقوه .

وفود أزدشنوءة

ومنهم وفد أزدشنوءة ورئيسهم صرد بن عبد الله الأزدي فأسلموا وأمره عليهم وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك .

 

وفود رسل ملوك حمير

ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذى رعين ومعافر وهمدان ، وكانوا قد أسلموا وأرسلوا رسولهم بذلك فكتب إليهم النبي عليه السلام .

كتاب ملوك حمير

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال وإلى النعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان .

أما بعد فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو .

أما بعد فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم فلقيناه بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبر ما قبلكم وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين وإن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من الغنائم خمس الله وسهم النبي وصفيه وما كتب على المؤمنين من الصدقة .

أما بعد : فإن محمداً النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيراً : معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم وأن أجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن إلا راضياً .

أما بعد فإن محمداً يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله .

ثم إن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك قد أسلمت من أول حمير وقتلت من المشركين فأبشر بخير وآمرك بحمير خيراً ولا تخونوا ولا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم ، وإن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته إنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل .

وإن مالكاً قد بلغ الخبر وحفظ الغيب وآمركم به خيراً السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) .

 

وفود همدان

ومنها وفد همدان وفيهم مالك بن نمط ،وكان شاعراً مجيداً فلقوا رسول الله مرجعه من تبوك عليهم مقطعات من الحبرات اليمنية والعمائم العدنية ، وقد أنشد مالك لرسول الله عليه السلام .

حلفت برب الراقصات إلى منى
بأن رسول الله فينا مصدق
فما حملت من ناقة فوق رحلها

صوادر بالركبان من هضب قردد
رسول أتى من عند ذي العرش مهتد
أشد على أعدائه من محمد

وقد أمره عليه السلام على من أسلم من قومه ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم فى حق همدان نعم الحى همدان ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد وفيهم أبدال وفيهم أوتاد .

وفود تجيب

ومنها وفد تجيب قبيلة من كندة وفد على رسول االله ثلاثة عشر رجلاً منهم ، معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم فسر بهم عليه السلام وأكرم مثواهم ، وقالوا : يا رسول الله إنا سقنا إليك حق الله في أموالنا ، فقال عليه السلام : ( ردوها فأقسموها على فقرائكم ) فقالوا : يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا ، قال أبو بكر : يا رسول الله ما قدم علينا من وفد من العرب مثل هذا . فقال عليه السلام : إن الهدى بيد الله فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان .

وجعلوا يسألونه عن القرآن فازداد عليه السلام رغبة فيهم ثم أرادوا الرجوع إلى أهليهم فقيل لهم : ما يعجلكم ؟ قالوا : نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤية رسول الله ولقائنا إياه وما رد علينا .

ثم جاءوا إلى رسول الله فودعوه فأجازهم بأفضل ما كان يجيز به الوفود ثم قال لهم هل بقي منكم أحد ؟ قالوا : غلام خلفناه في رحالنا وهو أحدثنا سناً ، قال : فأرسلوه إلينا فأرسلوه فأقبل الغلام وقال : يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفاً فقضيت حاجتهم فاقض حاجتي . قال : وما حاجتك ؟ قال : تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي . فقال عليه السلام : اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه ، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه .

وفود ثعلبة

ومنها وفد ثعلبة وفد على رسول الله أربعة منهم مقرين بالإسلام فسلموا عليه وقالوا : يا رسول الله إنا رسل من خلفنا من قومنا ونحن مقرون بالإسلام وقد قيل لنا إنك تقول لا إسلام لمن لا هجرة له فقال عليه السلام : ( حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم ) ثم قال لهم كيف بلادكم ؟ فقالوا مخصبون ، فقال الحمد لله ثم أقاموا في ضيافته عليه السلام أياماً ،وحين إرادتهم الانصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواق من فضة .

وفود بني سعد بن هذيم

ومنها وفد بني سعد بن هذيم من قضاعة ، قال النعمان منهم : قدمت على رسول الله وافداً في نفر من قومي وقد أوطأ رسول الله البلاد وأزاح العرب والناس صنفان إما دخل في الإسلام راغب فيه وإما خائف السيف ، فنزلنا ناحية من المدينة . ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا إلى بابه فوجدنا رسول الله عليه السلام يصلي على جنازة في المسجد فقمنا خلفه ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم وقلنا حتى يصلي رسول الله ونبايعه .

ثم انصرف رسول الله فنظر إلينا فدعا بنا فقال : ممن أنتم ؟ ففلنا : من بني سعد بن هذيم فقال : أمسلمون أنتم ؟ قلنا نعم ، فقال : هلا صليتم على أخيكم ؟

قلنا : يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز حتى نبايعك ، فقال عليه السلام أينما أسلمتم فأنتم مسلمون .

قال : فأسلمنا وبايعنا رسول الله بأيدينا .

ثم انصرفنا إلى رحالنا وقد كنا خلفنا أصغرنا فبعث عليه السلام في طلبنا ، فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه عليه السلام على الإسلام . فقلنا يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا فقال سيد القوم خادمهم بارك الله عليه

قال النعمان : فكان خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء النبي عليه السلام له . ثم أجازهم وانصرفوا .

وفود بني فزارة

ومنها وفد بني فزارة وفد على رسول الله جماعة منهم مقرين بالإسلام وهم مسنتون فسألهم عليه السلام عن بلادهم ، فقال رجل منهم : يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا ، وجاعت عيالنا ، فادع لنا ربك يغثنا واشفع لنا إلى ربك وليشفع لنا ربك إليك .

فقال عليه السلام : سبحان الله : ويلك هذا ، أنا أشفع إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه ! لا إله إلا هو العلي العظيم وسع كرسيه السماوات والأرض فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل .. الحديث ، أي من ثقل الحمل . ثم صعد عليه السلام المنبر ودعا الله عز وجل حتى أغاث بلاد هذا الوفد بالمطر الغزير والرحمة التامة .

وفود بني أسد

ومنها وفد بني أسد وفيهم ضرار بن الأزور وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك فأسلموا وقالوا : يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث إلينا بعثاً ، فأنزل الله في ذلك ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) ( سورة الحجرات 17 )

وسألوا رسول الله عليه السلام عما كانوا يفعلون في الجاهلية من العيافة والكهانة وضرب الحصباء فنهاهم عن ذلك كله ، ثم سألوه عن ضرب الرمل فقال : علمه نبي فمن صادق مثل علمه فذاك وإلا فلا .

ثم أقاموا أياماً يتعلمون الفرائض وبعد ذلك ودعوا وانصرفوا بعد أن أجيزوا .

وفود بني عذرة

ومنها وفد بني عذرة ووفد بني بلى ، ووفد بني مرة ووفد خولان وهي قبائل باليمن ، وقد أمره عليه السلام بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة وحسن الجوار لمن جاوروا وأن لا يظلموا أحداً فإن الظلم ظلمات يوم القيامة .

وفود بني محارب

ومنها وفد بني محارب وكانوا من الذين ردوا الرد القبيح حينما كان رسول الله بعكاظ يدعوا القبائل إلى الله ، فما أعظم منة الله الذي أتى بهؤلاء – وكانوا ألد الأعداء – مسلمين منقادين .

 

وفود غسان

ومنها وفد غسان ووفد بني عبس ووفد النخع ، وكان عليه السلام يقابل هذه الوفود بما جبله الله عليه من البشاشة وكرم الأخلاق ويجيزهم بما يرضيهم ، ويعلمهم الإيمان والشرائع ليعلموا من وراءهم وكانت هذه الوفود أعظم وصلة لإظهار الدين بين الأعراب في البوادي .

وفاة إبراهيم بن النبي عليه السلام

وفي هذه السنة توفي إبراهيم أبن رسول الله عليه السلام .

التقويم :

1. علل لماذا سمي العام العاشر عام الوفود .

2. أذكر ما كان بين النبي عليه السلام ووفد نجران .

3. أذكر سبب قول النبي عليه السلام في حق ضمام بن ثعلبة فقه الرجل .

4. بين : على من قال النبي عليه السلام سيطلع عليكم من هنا ركب هم خير أهل المشرق …

5. عمن قال النبي عليه السلام أن بك خلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والإناة .

6. برهن على بعد نظر النبي عليه السلام عند مقابلته مسيلمة الكذاب ضمن وفد بني حنيفة .

7. أذكر من الذي سماه النبي عليه السلام زيد الخير .

8. أذكر ما دار بين النبي عليه السلام ووفد كندة .

9. لخص ما جاء في خطاب النبي عليه السلام إلى ملوك حمير .

10. أذكر ما دار بين النبي عليه السلام وغلام وفد نجيب

11. وضح كيف يقتدي بغلام وفد نجيب .

12. أذكر مناسبة قول النبي عليه السلام " حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم "

13. أن يذكر الدارس مناسبة قول النبي عليه السلام " أينما أسلمتم فانتم مسلمون "

14. وضح ما الذي استفدته من قول النبي عليه السلام " سيد القوم خادمهم " .

15. حدد سبب نزول قول الله ( يمنون عليك أن أسلموا ) .

16. بين ما كان النبي عليه السلام يحرص عليه عن مقابلة الوفود .

17- أذكر الأشخاص البارزين فى كل وفد ودورهم فيه .

18- حدد النتائج التى أسفرت عنها زيارة كل وفد من الوفود .

19- حدد ما حرص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم عند مقابلته للوفود.

20- وضح ما تعنيه كثرة هذه الوفود .

21- بين ما الذى يجب أن يفعله كل فرد أو أسرة أو قبيلة الآن إقتداء بما حدث فى عام الوفود.

 

 

الحلقة

السابعة

والعشرون

 

الحلقة السابعة والعشرون

 

السيرة النبوية الشريفة

 

 

السنة الحادية عشــر

- الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس مدى حكمة النبي عليه السلام في اختيار أسامة بن زيد أمير الجيش .

  2. أن يحدد الدارس وصايا النبي عليه السلام لأسامة عند توليه إمارة الجيش .

  3. أن يبين الدارس كيف رد النبي عليه السلام على من انتقد تأمير أسامة .

  4. أن يوضح الدارس كيف استشعر أبا بكر بقرب أجل النبي عليه السلام .

  5. أن يبرز الدارس مشاعر النبي عليه السلام تجاه أبي بكر أثناء مرضه .

  6. أن يصف الدارس حال النبي عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه .

  7. أن يحدد الدارس وصايا النبي عليه السلام لأصحابه أثناء مرضه الذي توفي فيه .

 

سرية أسامة بن زيد إلى أبنى

لأربع بقين من صفر جهز عليه السلام جيشاً برياسة أسامة بن زيد إلى أبنى حيث قتل زيد بن حارثة والد أسامة وقال له : ( سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحاً على أهل أبني وحرق عليهم وأسرع السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله فأقل اللبث فيهم وخذ الأدلاء وقدم العيون والطلائع معك )

وكان مع أسامة في هذا الجيش كبار المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد . ثم عقد عليه السلام لأسامة اللواء وقال له : اغز باسم الله في سبيل الله وقاتل من كفر بالله .

وقد انتقد جماعة على تأمير أسامة وهو شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره على جيش فيه كبار المهاجرين ، فأبلغ الرسول هذه المقالة فغضب غضباً شديداً وخرج فقال .

أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة ولئن طعنتم في تأميري أسامة لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ؟ وأيم الله إنه كان لخليقاً بالإمارة وإن ابنه من بعده لخليق بها ، وإن كان لمن أحب الناس إلي وإنهما لمظنة لكل خير فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم .

ولم يتم لهذا الجيش الخروج في عهد المصطفى عليه السلام لأن المرض بدأه فاختاره الله للرفيق الأعلى .

وسيرى القارئ إن شاء الله خروج هذا الجيش متمماً في كتابنا : إتمام الوفاء بسيرة الخلفاء .

 

مرض الرسول عليه السلام .

لما تمم عليه الصلاة والسلام ما كلف به وأدى ما اؤتمن عليه وهدى الله به أمته ، اختاره الله للرفيق الأعلى فجلس على المنبر مرة وكان فيما قال : ( إن عبداً من عباد الله خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده ) .

فبكى أبو بكر وقال : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا .

فقال عليه السلام : ( إن أمن الناس على في صحبته وماله أبو بكر فلو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام . لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ) .

وقد بدأه عليه السلام مرضه في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة من الهجرة في بيت ميمونة واستمر مريضاً ثلاثة عشر يوماً كان في خلالها ينتقل إلى بيوت أزواجه .

ولما اشتد عليه المرض استأذن منهم أن يمرض في بيت عائشة الصديقة فأذن له ، ولما دخل بيتها واشتد عليه وجعه قال : هريقوا على من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلى أعهد إلى الناس ، فأجلس في مخضب وصب عليه الماء حتى أشار بيده أن قد فعلتن ، وكان هذا الماء لتخفيف حرارة الحمى التي كانت تصيب من يضع يده فوق ثيابه .

 

صلاة أبي بكر بالناس

ولما تعذر عليه الخروج إلى الصلاة قال : مروا أبا بكر فليصل بالناس فرضيه عليه السلام خليفة له في حياته .

ولما رأت الأنصار اشتداد وجع الرسول طافوا بالمسجد فدخل العباس وأعلمه بمكانهم وإشفاقهم فخرج عليه السلام متوكئاً على علي والفضل ، وتقدم العباس أمامهم والنبي معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر وثار الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال .

( أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم ، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث الله فأخلد فيكم ؟ ألا إني لاحق بربي وإنكم لاحقون بى ، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصي المهاجرين فيما بينهم ، فإن الله تعالى يقول : ( والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) سورة العصر . وإن الأمور تجري بإذن الله ولا يحملنكم استبطاء أمر علي استعجاله فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد ، ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) سورة محمد الآية22 .

وأوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلكم ، أن تحسنوا إليهم ، ألم يشاطروكم من الثمار ؟ ألم يوسعوا لكم الديار ؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة ؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم ، ألا ولا تستأثروا عليهم ، ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي ، ألا فإن موعدكم الخوض ، ألا فمن أحب أن يرده على غداً فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي )

وبينما المسلمون في صلاة الفجر من يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول وأبو بكر يصلي بهم إذا برسول الله عليه السلام قد كشف سجف حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ، ثم تبسم يضحك ، فنكص أبو بكر رضي الله عنه على عقبه ليصل الصف وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر .

 

وفاة رسول الله عليه السلام

- الأهداف الإجرائية السلوكية :

1- أن يذكر الدارس تاريخ وفاة النبي عليه السلام .

2- أن يوضح الدارس كيف أظهرت حادثة موت النبي عليه السلام راجحة عقل أبى بكر و ثباته .

3- أن يناقش الدارس حرص الصحابه على تحديد خليفة للنبى عليه السلام قبل دفنه عليه السلام .

4- أن يعبر الدارس عن مشاعره تجاه حادثة وفاة النبي عليه السلام .

5- أن يوضح الدارس واجباته تجاه النبي عليه السلام بعد وفاته عليه السلام .

ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله عليه السلام دنياه ولحق بمولاه وكان ذلك في يوم الاثنين 13 ربيع أول سنة 11 هـ ( 8 يونيو سنة 633 م ) فيكون عمره عليه السلام 63 سنة قمرية كاملة ، وثلاثة أيام ، وإحدى وستين سنة شمسية وأربعة وثمانين يوماً .

وكان أبو بكر غائباً بالسنح وهي منازل بني الحارث بن الخزرج عند زوجه حبيبه بنت خارجه بن زيد فسل عمر سيفه وتوعد من يقول مات رسول الله وقال : إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى فلبث عن قومه أربعين ليلة ، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم ، فلما أقبل أبو بكر وأخبر الخبر دخل بيت عائشة وكشف عن وجه رسول الله فجثا يقبله ويبكي ويقول : توفي والذي نفسي بيده . صلوات الله عليك يا رسول الله ما أطيبك حياً وميتاً بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين .

ثم خرج فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) وتلا قوله تعالى ( إنك ميت وإنهم ميتون ) الزمر 3.، وقوله ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران 144قال عمر : فكأني لم أتل هذه الآية قط . ثم مكث عليه الصلاة والسلام في بيته بقية يوم الاثنين وليلة الثلاثاء ويومه وليلة الأربعاء حتى انتهى المسلمون من إقامة خليفة عليهم فغسل ودفن .

وكان الذي يغسله علي بن أبي طالب ، ويساعده العباس وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وشقران مولى رسول الله وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة . ولما فرغوا من تجهيزه وضع على سريره في بيته ودخل الناس عليه أرسالاً متتابعين يصلون عليه ولم يؤمهم أحد ثم حفر له لحد في حجرة عائشة حيث توفي وأنزله القبر علي والعباس وولداه الفضل وقثم ورش قبره بلال بالماء ورفع قبره عن الأرض قدر شبر .

توفي رسول الله عليه السلام وترك للمسلمين ما إن اتبعوه لم يضرهم شئ كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . وترك أصحابه البررة الكرام يوضحون الدين ويتممون فتح البلاد ويظهرون في الدنيا شمس الدين الإسلامي القويم حتى يتمم الله كلمته ويحق وعده وقد فعل ، فنسأل الله أن يقدرنا على أداء شكره على هذه المنة العظمى والنعمة الكبرى .

 

 

 

التقويم :

  1. وضح حكمة النبي عليه السلام فى اختيار أسامة لقيادة الجيش .

  2. استخلص الدروس المستفادة من الأحداث التى واكبت تولية أسامة قيادة الجيش .

  3. صف مشاعر النبي عليه السلام و أبى بكر تجاه بعضهما أثناء مرض النبي عليه السلام الذي توفى فيه عليه السلام .

  4. صور حال النبي عليه السلام في مرضه الذي توفى فيه .

  5. حدد وصايا النبي عليه السلام لأصحابه أثناء مرضه عليه السلام .

  6. حدد تاريخ لوفاة النبي عليه السلام .

  7. وضح كيف كشفت حادثة وفاة النبي عليه السلام عن راجحة عقل وثبات أبي بكر.

  8. عبر عن مشاعره تجاه وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .

  9. وضح واجباته تجاه عليه السلام بعد وفاته عليه السلام .

  10. ناقش حرص الصحابة على تحديد الخليفة ثم دفن النبي عليه السلام .

 

الحلقة

الثامنة

والعشرون

 

الحلقة الثامنة والعشرون

 

صور من حياة الصحابة والتابعين

الطفيل بن عمرو الدوسى

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يصف الدارس حياة الطفيل بن عمرو في قومه قبل إسلامه .

  2. أن يسرد الدارس قصة إسلام الطفيل .

  3. أن يبين الدارس دور الطفيل بن عمرو في إسلام قبيلته .

  4. أن يبين الدارس دور الطفيل في غزوة خيبر .

  5. أن يصف الدارس دور الطفيل في حروب الردة .

  6. أن يروي الدارس الآيات التي رآها الطفيل في منامه أثناء حرب اليمامة ومدى تحققها .

  7. أن يصف الدارس حال ابن الطفيل بعد استشهاد والده .

  8. أن يصف الدارس كيف نال ابن الطفيل الشهادة مثل أبيه .

  9. أن يصف الدارس مشاعره تجاه الطفيل بن عمرو.

  10. أن يوضح الدارس ما الذي تعلمه من قراءة قصة حياة واستشهاد الطفيل بن عمرو.

  11. أن يعبر الدارس عما ينوي عمله بعد دراسته لقصة الطفيل بن عمرو.

 

أخذت نسمات الصباح تقبل من أطراف الأفق البعيد فتهتز لها رءوس النخيل وأغصان الأشجار فى حيطان ذلك الحى من العرب وسط الجزيرة .. واستمع الدوسيون إلى صوت المنادى من قبل سيدهم ، فخرجوا من بيوتهم ومضاربهم يودعون سيدهم الطفيل بن عمرو .. الذي بدأ يلقى أوامره بأن تتجهز ركائبه وتشد أمتعته وبضائعه على ظهور إبله ، استعداداً لبدء رحلته إلى مكة للتجارة ..

وقام الدوسيون يودعون سيدهم .. وساروا فى موكبه حتى بلغ ذا الكفين حيث طاف الطفيل به مرات فى مكاء وتصديه ينشد فيها وده ، ويطلب حمايته ورعايته .. ومن ثم بدأ طريقه عبر الصحراء ..

وعند مشارف مكة كان سادة قريش يهرعون إلى استقباله ومن معه من سادة دوس ورجالها ، وكل همهم أن يعدلوا به عن أى سبيل يلقى فيها محمداً .. وقال له أبو جهل بن هشام : يا طفيل : إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بيننا ، وفرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته .. إنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه ، فلا تكلمه ولا تسمع منه !!.

وما زال القرشيون بالطفيل يخوفونه ويروعونه حتى إنقلب شوقه إلى لقاء محمد خوفاً أن يراه محمد .!! فكان سيد دوس يغدوا إلى المسجد الحرام وقد حشا أذنيه قطناً ، حتى إذا صادفه صاحب الدين الجديد فى طوافه ، لا تصل إليه كلمة من قوله يكون فيها القضاء على وحدة دوس وشرفها بين القبائل ..!!

وقرت عين قريش بما كان من أمر الطفيل واستيقنت نفسها ألا تصل إلى أذنه أو أذان دوس منه جملة واحدة .. حتى لقد أطلقت عليه اسماً هو : " ذو القطنتين " .. إلى أن كان ذلك اليوم الذى وقف فيه سيد دوس يصلى بصلاته حول الكعبة ، حيث جلس سيد عبد مناف صلى الله عليه وسلم فى حلقة من أصحابه .. وأخذ صلى الله عليه وسلم يفيض من معين الحكمة العلويه ما شاء الله له أن يفيض .. فتركت معانى الخلود أذان الطفيل – على الرغم منه – فهزت أوصاله هزاً ، جعله يطيل فى صلاته وهو لا يدرى .. ليستزيد ويستزيد .. حتى صار فى أطراقه كخاشع الرهبان .. ومر الوقت الطويل كالبرق الخاطف .. ورآه الرسول الأعظم على تلك الحال ، فأحس من أمره ما أحس .. ثم قام صلى الله عليه وسلم من جلسته بين أصحابه ، وأخذ طريقه إلى بيته بأجياد

وأسرع الطفيل بخطاه فى الطريق خلف رسول الله ، والناس لا يدور بخلدهم أنه يطلبه بحال ، فلم يعيروا لوجهته التفاتاً .. فقد كان الطفيل فى طلعته وهيبته يستعين بعينيه النافذتين ليستعيض بهما عن وقار مشيته فى متابعته حتى لا يضل الطريق إلى بيته ..

وطرق سيد دوس باب رسول الله ، فخرج إليه صلى الله عليه وسلم وقد خرج النور من بين ثناياه ليختلط بمعانى الخلود فى تكريم الطفيل وإيناسه فى ساحة الحق حين يبتغيه .. ولم يلبث عظيم دوس أن قال : يا محمد .. إن قومك قالوا لى ما قالوا – لا أسمع لقولهم – ثم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه ، فسمعت قولاً حسناً ، فأعرض على أمرك .. وتفجرت ينابيع الحكمة من قلب ابن عبد الله فقرأ عليه القرآن وعرض عليه الإسلام ، والرجل من خلال ذلك الفيض مطرق خاشع يكاد أن يغيب .. وما أن انتهى الرسول من قوله ، حتى بادره الطفيل فقال : لا والله : ما سمعت قولاً أحسن من هذا ، ولا أمراً أعدل منه : وإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله !!.

وامتلأت جوانح الرسول بحب الطفيل وقد أشرق له وجهه ، فمسح بيده الشريفة على صدره ودعا له بخير .. ونظر الطفيل إلى جبين رسول الله فى إطراقه ، وأمعن فيه البصر .. وكأنه يقرأ عليه صفحات من نور ، تسطرها معانى الخلود فى الملأ الأعلى .. وما لبث أن قال : يا نبى الله .. إنى أمرؤ مطاع فى قومه ، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام ، فأدع الله أن يكون لى عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه .

ورفع النبى بصره إلى السماء .. وقال : اللهم أجعل له آية !!.

.. ولم يلبث أن وقع نور من السماء كالمصباح ، فاستقر بين عينيه ، وأخذت روعة الآية من سيد دوس بمجامع الخوف ، أن يظن قومه أن النور فى وجهه مُثلة أنزلها به إله دوس " ذو الكفين " لفراقه دين آبائه ومعتقدات أجداده .. ولم يملك الطفيل أن رفع بصره إلى السماء متضرعاً يقول : اللهم فى غير وجهى ، فإنى أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراق دينهم !! .

ولم تكن إلا لحظة حتى انتقل النور من بين عينيه ، واستقر فى طرف سوطه ، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور فى ذلك السوط كالقنديل المعلق !!.

وآذنت الشمس بالإشراق ، ونادى سيد دوس رفاقه فهرعوا إليه من خيامهم ، وشدوا أحمالهم فوق الإبل . وساروا خلف الطفيل حتى ولجوا الحي بين استقبال دوس واحتفائهم .. كل تلك العيون متسلطة على السوط فى يد السيد الدوسى ، تتساءل عن الدرة الفريدة المضيئة كالقنديل فى طرفه !! وما زادت عن الظن أنها جوهرة من نفائس عكاظ ، قد ابتاعها السيد من رجال الغارات على القصور فى أرض فارس أو الروم !!.

ودخل سيد دوس داره ، فاستقبله أهله فى فرح ولهفة ، وما كاد يجلس على فراشه حتى أتاه أبوه من حجرته ، فبادره الطفيل فقال : إليك عنى يا أبتاه ، فلست منى ولست منك !!. وقطب الشيخ جبينه ، وقد فغر فاه دهشة وغرابة ، وقال : ولم يا بنى !؟. وأجابه الطفيل من فوره فقال : إنى أسلمت واتبعت دين محمد ..

وهزت روعة الإيمان أوصال الشيخ ، فهو لم يعهد فى ابنه غير خفض الجناح معه من قبل ، وإذن فلا دافع لولده غير الصدق حيث رآه فى دين محمد صلى الله عليه وسلم فلم يهادن فى سبيله حتى أباه .. ومن ثم لم يملك الأب الشيخ إلا أن ينصاع للحق حين طرق باب قلبه .. ولم يلبث أن قال لولده : يا بنى .. دينى دينك ! فأعرضه على ، أسمع وأطع ! فقال له الطفيل : اذهب واغتسل وطهر ثيابك . وعاد الشيخ مغتسلاً طاهراً ، فقرأ عليه ما وعاه من آيات الله ، وعرض عليه قواعد الإسلام ، فأسلم .

وأقبلت عليه زوجته تحمل ولده الحبيب عمراً ، فما ملك نفسه أن قال لها هى الأخرى : إليك عنى ، فلست منك ولست منى !!. وتعثر لسان الزوجة الوفية وهى تنظر إليه فى عجب ، وتقول : ولم بأبي أنت !؟. وأجابها الطفيل على الفور : قد فرق بيني وبينك الإسلام ، إني أسلمت واتبعت دين محمد !!. فطلبت منه أن يعرض عليها الدين الجديد .. فقال لها : اذهبى إلى ماء ذى الثرى ، فتطهري منه . وعادت الزوجة .. فقرأ عليها من القرآن ما شاء أن يقرأ ، ثم عرض عليها الإسلام ، فأسلمت .. وأسلم آل بيت الطفيل جميعاً ..

وانتشر فى أرجاء الحى نبأ إسلام سيد دوس ، فهالهم الأمر وزلزل كيانهم .. فأسرعوا إليه زرافات ووحداناً .. واجتمعوا به شيباً وشباباً ، يحاولون صرفه عن عقيدته الجديدة ، ويهددون مكانته فيهم وسيادته عليهم .. وحسب الطفيل أن العبء هين أول الأمر ، فراح يصبر على نأيهم حيث يدعوهم إلى دين الله ، ولكنهم تكالبوا عليه ، وصاروا يزدادون بمرور الأيام قسوة فى معاملته وشدة على أهل بيته الذين آمنوا معه .. وكلما ألان لهم جانبه ، كلما ازدادوا عنتاً فى محاربته ، وتسفيهاً لرأيه ، حتى غدا ذلك البيت الرفيع القدر محطاً لسخرية دوس وتآمرها واضطهادها .

وضاق الطفيل بقومه ذرعاً فبدأ يتحداهم ، ويعيب أصنامهم ، ويكفر من مضى من آبائهم وأسلافهم ، حتى كاد الدوسيون أن يقتلوه ويقتلوا آل بيته جميعاً .. !!.

وخرج الطفيل بليل يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكة ، ويلتمس عنده الرأى والعون والقوة .. وكان لقاء علوياً ، نسى السيد الدوسى من خلاله كل إرهاق أصابه من قومه ، فقد كان سرور النبى به هو منتهى ما كان يأمله فى هذا الوجود .

وسأله الرسول عن حال قومه معه .. فأجابه الطفيل فى اقتضاب وقال : يا رسول الله ، قد غلبتني دوس .. فادع عليهم ..!!.

ولكن الرسول أخذ يهون عليه ما لقيه وما قد يلقاه منهم .

ورجع السيد الدوسى إلى قومه وقد امتلأ قوة وأملاً ، وازداد عزة وبأساً ، فأخذ يدعوهم ويتحبب إليهم .. لكن أنى للقلوب المشحونة بالشرك والجهالة أن تثوب من قريب .. وهكذا مضت السنون ، والطفيل يكافح ويجاهد ويجالد .. ويصبر ويعفو ويحتسب ، حتى يئس منه القوم .. وبدأ البعض يفكر فى الأمر ملياً ، حيث راعه نور الحق يملأ قلب سيد دوس فأحاله شيئاً آخر ، أقرب إلى الملائكة فى صفاء الروح ، وعلو النفس ، ونقاء السريرة .

وكان لا بد للدعوة الصادقة وهى تصدر عن القلب الكبير الصابر أن تجد آخر الأمر تربتها الصالحة فى قلوب الذين كتب الله لهم الهداية من خلقه ، فبدأت أبيات من دوس تدخل فى الإسلام سراً

وأذن الله لرسوله والذين آمنوا معه بالهجرة إلى المدينة ، وهناك لقيت دعوة الإسلام ما تصبو إليه من عزة ومنعة واستقرار .

وخرج المسلمون إلى بدر ، فسطروا أعظم الصفحات فى سجل الخلود ، ثم مضوا إلى أحد والخندق .. فجاهدوا جهاد الأبرار الخالدين .. وفات الطفيل بن عمرو سيد دوس شرف الخروج إلى تلك الغزوات الثلاث .. حتى إذا ما كان الرسول الأعظم وأصحابه فى طريقهم إلى خيبر ، كان الطفيل بن عمرو يشق طريقه نحو المدينة ، ومن خلفه ثمانون بيتاً من دوس قد آمنوا بالله ورسوله ، على رأسهم ذلك الشاب ذو البأس عمرو بن الطفيل .

ولم يستطع سيد دوس أن يمكث بالمدينة ساعة من نهار ، فلقد دفعه شوقه لنصرة الله وجهاد أعدائه إلى المضى حيث يحاصر رسول الله آخر قلعة لليهود وأقواها بالجزيرة .

وبينما المسلمون يدكون القلعة بدباباتهم ، ويقذفون بالمنجنيق جحافل الشرك من أعلاها .. والحرب يومئذ سجال ، تكتنفها حرارة النضال بين الفريقين هجوماً ودفاعاً .. إذ دوت فى الآفاق أصوات دوس بالتكبير ، وهم يقبلون سراعاً خلف سيدهم الطفيل وولده عمرو ، ويلوحون بسيوفهم ورماحهم فى الفضاء .. ونظر الرسول إلى أصحابه وهم يتساءلون عن أمر القوم ، وما لبث أن أعلمهم أنها دوس قد أقبلت لتدفع ضريبة الوفاء للإيمان .

ودارت رحى الحرب شديدة طاحنة ، والدوسيون يسطرون صحائف إخلاصهم جهاداً واستبسالاً .. ومن خلال الوطيس الحامى رأى الطفيل ابن عمرو شدة أهل خيبر واستعصاءهم على التسليم ، وبخاصة ذلك الركن الجنوبى من القلعة ، فقد كان من الكثرة والمنعة بحيث عطل النصر على المسلمين .. فتقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله ، اجعلنا ميمنتك ، واجعل شعارنا " مبرور " !!. ولمح الرسول الأعظم نور البر بالعقيدة يشرق من وجه سيد دوس ، فأقره على ما طلب ..ثم نظر صلى الله عليه وسلم إلى ولده الحبيب عمرو بن الطفيل وقد أكبر فيه شدة بأسه وحرصه على الشهادة .. ورأى أن يبقى عليه ليكون درع الدعوة فى دوس بعد أبيه لو نال الشهادة .. وطلب منه أن يعود إلى قومه يستحثهم ويستمدهم ، ولكن السيد الشاب قال : وقد نشب القتال يا رسول الله تغيبنى عنه !؟. فأشرق وجه الرسول بالسرور ، ومسح صدره وقال : أما ترضى أن تكون رسول رسول الله !؟. ونزلت الكلمات السامية بالسكينة على قلب الشاب فقال : يا رسول الله ، سمعاً وطاعة ..

ووقفت دوس خلف سيدها يواجهون ذلك السيل المتدفق من رماح الأعداء وسهامهم ونبلهم ، بصدور ملؤها الصبر والصدق والإيمان ، ويردون عليهم بضربات لا تعرف الهوادة أو الضعف .. ولم تكن إلا ساعة حتى انخذل اليهود عن مواصلة القتال ، ورفعوا راية التسليم .. وانتهى أمرهم إلى الجلاء عن الجزيرة كلها .. ولكن بعد أن دفع المسلمون ثمن النصر جراحاً واستشهاداً .. وبعد أن دفعت دوس من دمائها وأرواحها هى الأخرى ضريبة الكفاح الخالص والنضال الرهيب ، فى أول موطن من مواطن البر والوفاء .

وبينما الرسول ينظم جيشه لإخضاع هوازن وثقيف ، إثر الفتح ، وقريش كلها تسير فى ركابه حيث يريد ، كان سيد دوس يطلب إليه صلى الله عليه وسلم أن يأذن له فى اللحاق بقومه ، ليحرق صنمهم " ذى الكفين " ويأتى بهم جميعاً إلى حلبة الإيمان .

ومكث الطفيل فى قومه تسعة أشهر ، عاد بعدها مع ابنه اليافع عمرو بن طفيل ، ليكونا إلى جوار رسول الله فى المدينة ، وليعيشا فى كنفه ما شاء الله لهما أن يعيشا ، وليظلا رهن إشارته وطوع بنانه حيال كل أمر وحال .. ولم تطل الإقامة عند مشرق النور ، فقد قضت إرادة الله أن تستأثر بالنبى الأعظم إلى الرفيق الأعلى ، بعد أن دخلت الجزيرة كلها فى حوزة الإسلام .. فبكاه الطفيل وابنه مع المسلمين أشد البكاء . ثم لم يلبثوا أن رأوا رايات الشرك والكفران ترفع من جديد .. فارتدت بعض القبائل الضاربة فى نجد واليمن ، وأوغلت فى العداء وطردت من ديارها سفراء الإسلام وجباة الزكاة .. ومن ثم أعلنت حربها على أهل التوحيد ، وكتلت قواها للقضاء على المسلمين ، وسارت فى ركابها شتى القبائل جرأة على أنصار الله بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانت محنة عظمى ، تقلصت معها رقعة الإسلام وانكمشت ، حتى لم تعد تتعد المدينة ومكة والطائف وعبد القيس .!!

ونادى خليفة رسول الله أبو بكر بالخروج إلى حرب المرتدين ، فاجتمع له أحد عشر جيشاً .. كان الطفيل بن عمرو وابنه عمرو بن الطفيل على رأس دوس فى المقدمة من أخطرها وجهة وأشقها طريقاً .. حيث التحم بجحافل الوثنية ، وعلى رأسها طليحة الأسدى ، فألقوا عليها درساً علوياً فى سجل النصر ، فانكسرت شوكتها ، وعاد من بقى منها إلى الإسلام راضياً أو صاغراً ليعصم دماءه ، بعد أن حز المسلمون رأس طليحة !! وجاهد الطفيل وابنه عمرو خلال المعركة الضارية جهاد الأبطال الأوفياء ، وحرصاً على الشهادة فلم ينالاها . ومن ثم اتجها على رأس الجيش الرهيب إلى نجد ، فأخضعوا قبائلها وأعادوها كلها إلى حظيرة الإسلام .. ثم واصلا طريق النصر فى مقدمة الجيش نفسه نحو اليمامة ، حيث اجتمعت فيها رءوس الكفر فى أضخم جيش واجهه المسلمون فى حروب الردة .. وكانت محنة أخرى قضى فيها من قضى ، ولما يأت النصر رغم القتال البئيس والصمود العنيد .. ليل نهار ..!!

وجاءت ليلة لم يستطع الفريقان المتباينان عدداً وعتاداً مواصلة الحروب .. المسلمون فى قلتهم وغربتهم .. وأعداؤهم فى كثرتهم ومنعتهم ، فنام الجيشان من فرط الجهد استعداداً لمعركة الصباح .

ووقفت ربيئة من المسلمين تحرس جند الإسلام فى جنح الظلام .. وغفا الطفيل من بينهم إغفاءة يسيرة ، قام على إثرها مكبراً مهللاً يقول لمن حوله : إنى رأيت رؤيا ، فاعبروها .. إنى رأيت رأسى حلق ، وأنه خرج من فمى طائر ، وأنه لقيتنى امرأة فأدخلتنى فى فرجها .. ورأيت ابنى عمراً يطلبنى طلباً حثيثاً ، ثم رأيته حبس عنى !! ونظر القوم بعضهم إلى بعض ، وفهموا من الرؤيا معانى شتى .. ولم يملكوا إلا أن يقولوا للطفيل بلسان واحد : إنها رؤيا خير إن شاء الله . ولكن الطفيل قد ابتسم ، ونظر إلى أصحابه وقال : أما أنا فقد أولتها .. أما حلق رأسى فقطعها ، وأما الطائر فروحى ، وأما المرأة التى أدخلتنى فى فرجها فالأرض تحفر لى فأغيب فيها .. وأما طلب ابنى لى ثم حبسه عنى ، فإنى أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابنى .!!

وأقبلت نسمات السحر ، واستيقظ المسلمون من نومهم بين ذكر وصلاة واستغفار ، وانتظمت الصفوف ، واشتبك جند الله مع بنى حنيفة فى أشد وقعة وأعنف ميدان .. وتخطى سيد دوس مقدمة المسلمين ومن خلفه ولده عمرو .. وظلا يقاتلان فى بأس واستماتة يطلبان من خلالها نعمة الشهادة . وما لبث السيد الدوسى وهو يطيح برقاب الشرك يميناً وشمالاً أن رماه رجل بسيفه المصلت رمية غادرة وهو يفر من أمام الطفيل يأساً ، فقطع منه العنق فخر شهيداً .. أما ابنه فقد ألهبته شهادة أبيه شدة فوق شدة ، فصار يطلب الشهادة لنفسه ولكنه لا ينالها .. فهو لم يجد أمامه من يقف من أعداء الله فى سبيله وهو يحصد رقابهم حصداً ، حتى اجتمعت عليه فى النهاية قوة من الأعداء ، ظل يكافحها وحده ، حتى قطعت يده .!!

وانجلت المعركة الحامية عن ذبح زعيم الشرك مسيلمة ، وقتل الجانب العظيم من قواته ، بعد فرار من استطاع منها أن يفر .. وتم النصر للمسلمين ..

وانتقل خليفة رسول الله إلى دار البقاء ، وانتقلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب .. وأذن مؤذن الخليفة فى الناس يطلب المدد ممن بقى من أهل المدينة وما حولها ، لموافاة أبى عبيدة بن الجراح باليرموك من أرض الروم .. وعمرو بن الطفيل من خلال ذلك يخاف ألا يأذن له أمير المؤمنين بالخروج ..!

وبينما هو فى بيته إذ دعاه رسول الخليفة فوافاه ابن الطفيل على الفور فى داره ، فوجد عنده رجالاً من الأنصار يقتربون من طعام ، وما أن شاهده عمر حتى أفسح له بجواره ، ولكن ابن الطفيل لم يشأ أن يأكل .. فلقد كان يحب أن يدعوه الخليفة إلى القتال لا إلى الكراع .. وألح عليه الخليفة ليأكل ، فجلس كارهاً إلى جواره من ناحية يده المبتورة ، ولم يلبث أن تنحى عن الطعام .. فقال له الخليفة : مالك !؟ لعلك تنحيت لمكان يدك .!؟ فأجابه ابن الطفيل وقال : أجل يا أمير المؤمنين .. فنظر إليه عمر بن الخطاب بجسده كله ، وقال : والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك ، فوالله ما فى القوم أحد بعضه فى الجنة غيرك ..!!

ونزلت الكلمة الكريمة على قلب ابن الطفيل ، فغمرته بالأمل فى أن يخرج مع المسلمين إلى اليرموك .. وشعر ابن الخطاب بإحساس ابن الطفيل نحو الجهاد ، فأذن له بالخروج ..

وانطلق سيد شباب دوس انطلاق الأسد من غل الأسر .. فكان فى مقدمة الصفوف .. والتقى المسلمون بالروم فى حرب ضروس ، خر من خلالها آلاف وآلاف من الفريقين .. وازداد هجوم الأعداء شدة ، وصمد المسلمون على قتلهم ، وبدأوا يتساقطون واحداً إثر واحد .. ثم جاءت الريح لأنصار الله ورسوله .. فانقلب ميزان المعركة ، وتم النصر ، وارتفعت رايات الإسلام على أرض الشام كلها .. ودفع المسلمون ثمن النصر غالياً من أرواح شهدائهم .! وكان من بين أولئك الشهداء الأوفياء .. فتى دوس وابن سيدهم .. عمرو بن الطفيل سطور مضيئة :

      • الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص الدوسي الأزدي .

      • أحد الأشراف فى الجاهلية والإسلام .

      • كان شاعراً فحلاً من شعراء العرب .

      • نشأ بين أسرة شريفة كريمة فى أرض دوس .

      • كان كثير الضيافة .

      • كان مطاعاً فى قومه .

      • فى سوق عكاظ حيث يجتمع الشعراء والأدباء بمكة حذرته قريش من سماع الرسول صلى الله عليه وسلم وألحوا عليه

      • وضع فى أذنه قطناً لئلا يسمع ، ولكن شاء الله له أن يسمع ويعجب بالقرآن ، ويسلم على النبى صلى الله عليه وسلم ويطلب منه أن يجعل له آية فى قومه حتى يهديهم الله ، فدعا له النبى صلى الله عليه وسلم .

      • دعا أباه وأمه وزوجته فأسلموا جميعاً ، وأسلم أبو هريرة من القبيلة ، ورفضت القبيلة الإسلام .

      • عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يدعوعليهم فدعا لهم وقال : اللهم اهد دوساً وآت بهم مسلمين ، وأوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفق معهم .

      • أسلمت القبيلة كلها وعددها ثمانين أسرة ، وبعد فتح خيبر جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

      • فى فتح مكة ذكر إن عمرو بن حممة الذى كان ينزل الطفيل ضيفاً عنده كان له صنماً يدعى ذا الكفين ، فاستأذن النبى صلى الله عليه وسلم أن يحرقه ، فأذن له فكان يضرم فيه النار ويقول :

يا ذا الكفين لست من عبادك ميلادنا أقدم من ميلادك

إنى حشوت النار فى فؤادك

      • قال لأصحابه يوماً : إني رأيت رؤيا فاعبروها . إني رأيت رأسي حلقاً وأنه خرج من فمى طائر وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني فرجها ، وأرى ابني عمراً يطلبني طلباً حثيثاً ثم رأيته حبس عنى . فقالوا له: خيراً. وقال : أما أنا فقد أولتها ، أما حلق رأسي فقطعه وأما الطائر فروحي وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها ، وأما طلب ابني ثم حبسه عنى فإنى أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني.. فقتل الطفيل باليمامة شهيداً وجرح ابنه عمرو ثم عوفي وتوفى واستشهد عام اليرموك .

      • استشهد فى موقعة اليمامة سنة 11 هـ .

التقويم :

  1. صف حياة الطفيل بن عمرو في قومه قبل إسلامه .

  2. اسرد قصة إسلام الطفيل .

  3. بين دور الطفيل بن عمرو في إسلام قبيلته .

  4. بين دور الطفيل في غزوة خيبر .

  5. صف ما فعله الطفيل في قومه بعد غزوة خيبر لتجمعهم على الإسلام .

  6. صف دور الطفيل في حروب الردة .

  7. أذكر الآيات التي رأها الطفيل في منامه أثناء حرب اليمامة ومدى تحققها .

  8. صف حال ابن الطفيل بعد استشهاد والده .

  9. صف كيف نال بن الطفيل الشهادة مثل أبيه .

  10. صف مشاعرك تجاه الطفيل بن عمرو.

  11. وضح ما الذي تعلمته من قراءة قصة حياة واستشهاد الطفيل بن عمرو.

  12. عبر عما تنوي عمله بعد دراستك لقصة الطفيل بن عمرو.

 

 

الحلقة

التاسعة

والعشرون

 

الحلقة التاسعة والعشرون

 

صور من حياة الصحابة والتابعين

 

الحَســــن البصـــــــري

" كيف يضلُّ قومُ فيهم مِثلُ الحسن البصــري ؟! "

[ مَسْلَمَةُ بنُ عبد الملك ]

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر نسب الحسن البصري .

  2. أن يوضح جوانب من طفولة الحسن البصري .

  3. أن يبين طلب الحسن البصري العلم .

  4. أن يعلل نبوغ الحسن البصري .

  5. أن يوضح جوانب من فقه الحسن البصري وزهده وورعه وشجاعته في الحق .

  6. أن يصف الدارس مشاعره تجاه الحسن البصري .

  7. أن يوضح الدارس ما الذي استفاده من دراسة قصة حياة الحسن البصري .

  8. أن يعبر الدارس عما ينوي عمله بعد دراسته لقصة الحسن البصري .

جاء البشير يُبشر زوج النبي " أُم سلمة " بأن مولاتها " خيرة " قد وضعت حملها وولدت غُلاماً .

فغمرت الفرحة فؤاد أُم المؤمنين رضوان الله عليها وطفح البشر (7) على مُحيَّاهَا(8) النبيل الوقور .

وبادرت فأرسلت رسولاً ليحمل إليها الوالدة ومولودها ، لتقضي فترة النفاس في بيتها.

فقد كانت " خيرةُ " أثيرة (9) لدى أُمِّ سلمة ، حبيبة إلى قلبها . . وكان بها لهفة وتشوقُ ؛ لرؤية وليدها البكر . . وما هو إلا قليل حتى جاءت " خيرةُ " تحمل طفلها على يديها . فلما وقعت عيناً أُمِّ سلمة على الطفل امتلأت نفسُها أُنساً به ، وارتياحاً له . . . فقد كان الوليد الصغيرُ قسيماً وسيماً بهيَّ الطلعة ، تامَّ الخِلقةِ ؛ يملأُ عينَ مُجتليه(10) ويأسرُ فُؤاد رائيه .

ثم التفتت أُمُّ سلمة إلى مولاتها وقالت : أسمَّيتِ غُلامَكِ يا " خيرَةُ ؟ . فقالت : كلا يا أُمَّاهُ . . .

لقد تركت ذلك لك ؛ لتختاري له من الأسماء ما تشائين . فقالت : نُسمِّيه ـ على بركة الله ـ الحسن .

ثم رفعت يديها ودعت له بصالح الدُّعاء .

لكن الفرحة بالحسن لم تقتصر على بيت أُم المؤمنين أُمِّ سلمة رضوان الله عليها ، وإنما شاركها فيها بيتُ آخرُ من بُيوت المدينة . هو بيت الصحابي الجليل زيد بن ثابت كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذلك أنَّ " يساراً " والدَ الصبي كان مولى له أيضاً . . وكان من آثر (11) الناس عنده ، وأحبهم إليه .

دَرَجَ الحسنُ بن يسار [ الذي عُرف فيما بعدُ بالحسن البصري ] في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم . . .

ورُبي في حجر زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم هي " هند بنتُ سُهيل " المعروفة بأُمِّ سَلَمَة .

وأُمُّ سلمة ـ إن كنت لا تعلم ـ كانت من أكمل نساء العرب عقلاً ، وأوفرهنَّ فضلاً ، وأشدهن حزماً .

كما كانت من أوسع زوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علماً ، وأكثرهن رواية عنه . حيث روت عن النبي صلوات الله عليه ثلاثمئة وسبعة وثمانين حديثاً . وكانت إلى ذلك كُله من النساء القليلات النادرات اللواتي يكتُبن في الجاهلية .

ولم تقف صلة الصَّبيِّ المحظوظ بأُمِّ المؤمنين " أُمِّ سلمة " عند هذا الحد . وإنما امتدت إلى أبعد من ذلك . .

فكثيراً ما كانت " خيرَةُ " أُمُّ الحسن تخرُجُ من البيت لقضاء بعض حاجات أُم المؤمنين ، فكان الطفل الرَّضيعُ يبكي من جُوعه ، ويشتد بكاؤُهُ فتأخذه أُمُّ سلمة إلى حجرها ، وتُلقمُه ثديها ؛ لتُصبِّرَهُ به وتُعللهُ (12) عن غياب أُمِّهِ . . فكانت لشدة حُبِّها إيَّاه يدُرُّ ثديُها لبناً سائغاً في فمه فيرضعُهُ الصَّبي ويسكُتُ عليه .

وبذلك غدت أُمُّ سلمة أُمَّاً للحسن من جهتين :

فهي أُمُّهُ بوصفه أحد المؤمنين . . وهي أُمُّهُ من الرَّضاع أيضاَ . . .

وقد أتاحت الصلاتُ الواشجة بين أمهات المؤمنين ، وقُرب بيوت بعضهن من بعض للغلام السعيد أن يتردد على هذه البيوت كلها . وأن يتخلق بأخلاق رباتها (13) جميعاً . وأن يهتدي بهديهن . . . . وقد كان ـ كما يُحدِّثُ عن نفسه ـ يملأ هذه البيوت بحركته الدائبة ، ويُترعُها بلعبه النشيط . . .

حتى إنه كان ينال سُقُوف بيوت أُمهات المؤمنين بيديه وهو يقفز فيها قفزاً .

ظل الحسنُ يتقلب في هذه الأجواء العبقة بطُيُوف النُّبوة ، المتألقة بسناها . . .

وينهل من تلك الموارد العذبة التي حفلت بها بيوت أُمَّهات المؤمنين . ويتتلمذ على أيدي كبار الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . . حيث روى عن عُثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن عمر . . وعبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وغيرهم وغيرهم . .

لكنه أُولِعَ أكثر ما أُولِعَ بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

فقد راعَهُ مِنْهُ صلابتُهُ في دينه ، وإحسانُهُ لعبادته ، وزهادته بزينة الدُّنيا وزُخُرُفها... وخلبه (14) منه بيانُهُ المشرق ، وحكمته البالغة ، وأقواله الجامعة ، وعظاته التي تهز القلوب هزاً . فتخلق بأخلاقه في التُّقى والعبادة . . ونسج على منواله في البيان والفصاحة . ولما بلغ الحسن أربعة عشر ربيعاً من عُمُرِه ، ودخل في مداخل الرِّجال انتقل مع أبويه إلى " البصرة " واستقر فيها مع أسرته .

ومن هُنا نُسِبَ الحسنُ إلى " البصرة " ، وعُرف بين الناس بالحسن البصري . . .

كانت " البصرة " يوم أمَّها الحسنُ ؛ قلعةً من أكبر قِلاع العِلم في دولة الإسلام ، وكان مسجدها العظيم ؛ يموج بمن ارتحل إليها من كبار الصحابة ، وجلَّة التابعين ، وكانت حلقات العلم على اختلاف ألوانها ؛ تعمُرُ باحات المسجد ومُصلاه .

وقد لزم الحسن المسجد ، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حَبْرِ أُمَّةِ محمد وأخذ عنه التفسير والحديث والقراءات . كما أُخذ عنه وعن غيره الفقه واللغة والأدب وغيرها وغيرها ، حتى غدا عالماً جامعاً فقيهاً ثقة . فأقبل الناس عليه ينهلون من علمه الغزير ، والتفُّوا حوله يصيخون (15) إلى مواعظه التي تستلين القُلُوب القاسية ، وتستدرُّ الدُّموع العاصية ، ويعون حكمته التي تخلِبُ الألباب ، ويتأسون بسيرته التي كانت أطيب من نَشْرِ المسك .

ولقد انتشر أمر الحسن البصري في البلاد وفشا ذكره بين العباد . . .

فجعل الخُلفاء والأُمراء يتساءلون عنه ويتتبعون أخباره . . .

حدَّث خالد بن صفوان قال : لقيت مَسلَمَة بن عبد الملك في " الحيرة " فقال لي : أخبرني يا خالد عن حسن البصرة فإني أظن أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك .

فقلت : أصلح الله الأمير . . أنا خير من يُخبرك عنه بعلم . . فأنا جاره في بيته وجليسُهُ في مجلسه ، وأعلم أهل " البصرة " به .. فقال مَسلَمَةُ : هات ما عندك .

فقُلت : إنه امرُؤُُ سريرتُهُ كعلانيته . . وقولُهُ كَفِعلِهِ . . إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به . . وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له . . ولقد رأيته مستغنياً عن الناس ؛ زاهداً مما في أيديهم . . ورأيت الناس مُحتاجين إليه ؛ طالبين ما عنده .

فقال مَسْلَمَةُ : حَسْبُك يا خالد حسبك !! . كيف يضلُّ قوم فيهم مثل هذا ؟ !.

ولما ولى الحجاج بن يوسف الثقفي " العراق " ، وطغى في ولايته وتجبَّرَ . . .

كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله ، وصدعوا بكلمة الحق في وجهه .

من ذلك أن الحجاج بني لنفسه بناء في " واسط " (16). فلما فرغ منه ، نادى في الناس أن يخرجوا للفُرجة عليه والدُّعاء له بالبركة . فلم يشأ الحسن أن يُفوِّت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه ، فخرج إليهم ليعظهم ويذكرهم ، ويُزهدهم بعرض الدُّنيا ، ويُرغبهم بما عند الله عز وجل . ..

ولما بلغ المكان ، ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المُنيف مأخوذة بروعة بنائه ، مدهوشة بسعة أرجائه مشدودة إلى براعة زخارفه . . وقف فيهم خطيباً ، وكان في جُملة ما قاله : لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين ؛ فوجدنا أنَّ " فرعون " شَيَّدَ أعظم مما شَيَّدَ ، وبنى أعلى مما بنى ، ثم أهلك الله " فرعون " وأتى على ما بنى وشَيَّدَ .

ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه ، وأن أهل الأرض قد غرُّوه (17) . . .

ومضى يتدفق على هذا المنوال حتى أشفق عليه أحد السامعين من نقمة الحجاج فقال له : حسبُك يا أبا سعيد . .. حسبُك . فقال له الحسن : لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليُبَيِّنُنَّهُ للناس ولا يكتمونه . . .

وفي اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميَّزُ من الغيظ وقال لجُلاَّسه : تبَّا لكم وسُحقاً . .

يقوم عبدُ من عبيد أهل " البصرة " ويقول فينا ما شاء أن يقول ، ثم لا يجدُ فيكم من يرده أو يُنكر عليه !! . . . والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجُبناء . ثم أمر بالسيف والنطع (18) . . . فأُحضرا . . .

ودعا بالجلاد ؛ فمثل واقفاً بين يديه . ثم وجَّه إلى الحسن بعض شُرَطِهِ . . وأمرهم أن يأتوه به . . .

وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن ، فشخصت نحوه الأبصار ، ووجفت عليه القُلُوب .

فلما رأى الحسنُ السَّيْفَ والنَّطع والجلاد ، حرَّك شفتيه ، ثُمَّ أقبل على الحجاج وعليه جلال المؤمن ، وعزَّةُ المُسلم ووقار الدَّاعية إلى الله . فلما رآه الحجاج على حاله هذه ؛ هابه أشَدَّ الهيبة وقال له : ها هُنا يا أبا سعيد . . . ها هُنا . .. ثم ما زال يُوسِّعُ له ويقول : ها هُنا . . . والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه .

ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج ، وجعل يسأله عن بعض أُمور الدين ، والحسن يُجيبه عن كل مسألة بجنان ثابت ، وبيان ساحر ، وعلم واسع .

فقال له الحجاج : أنت سيد العُلماء يا أبا سعيد . ثم دعا بغالية (19) وطيَّب له بها لحيتهُ وودَّعهُ .

ولما خرج الحسن من عنده ، تبعهُ حاجب الحجاج وقال له : يا أبا سعيد ، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك ، وإني رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع ؛ قد حرَّكتَ شفتيك ، فماذا قُلتَ ؟.

فقال الحسن : لقد قُلتُ : يا وليَّ نعمتي وملاذي عند كُربتي ؛ اجعل نقمته برداً وسلاماً عليَّ كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .

ولقد كثرت مواقف الحسن البصري هذه مع الولاة والأمراء فكان يخرج من كل منها عظيماً في أعين ذوي السلطان ، عزيزاً بالله ، محفوظاً بحفظه . ..

من ذلك أنه بعد أن انتقل الخليفة الزاهد عُمرُ بن عبد العزيز إلى جوار ربه وآلت الخلافة إلى يزيد بن عبد الملك ، ولَّى على " العراق " عُمر بن هُبيرة الفزاري..

ثم زاده بسطة في السلطان فأضاف إليه "خُراسان "أيضاً .

وسار يزيد في الناس سيرة غير سيرة سلفه العظيم . فكان يُرسلُ إلى عُمر بن هُبيرة بالكتاب تلو الكتاب ، ويأمُرُه بإنفاذ ما فيها ولو كان مجافياً للحق أحياناً . . .

فدعا عُمر بن هُبيرة كُلاَّ من الحسن البصري ، وعامر بن شُراحبيل المعروف بالشعبي وقال لهما :

إنَّ أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده ، وأوجب طاعته على الناس .

وقد ولاني ما ترون من أمر " العراق " ثم زادني فولاني " فارس ".

وهو يُرسلُ إليَّ أحياناً كُتُباً يأمُرُني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته . فهل تجدان لي في مُتابعتي إياه وإنفاذ أوامره مخرجاً في الدين ؟ . فأجاب الشعبي جواباً فيه ملاطفة للخليفة ، ومُسايرة للوالي . والحسن ساكت .

فالتفت عُمرُ بن هبيرة إلى الحسن وقال : وما تقول أنت يا أبا سعيد ؟.

فقال : يا بن هُبيرة خَفِ الله في يزيد ؛ ولا تخف يزيد في الله . . .

واعلم أن الله جل وعز يمنعُك من يزيد ، وأن يزيد لا يمنعُك من الله . . .

يا بن هُبيرة إنه يُوشكُ أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره فيُزيلك عن سريرك هذا ، وينقُلَكَ من سعة قصرك إلى ضيق قبرك . . حيث لا تجد هناك يزيد ، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد . . يا بن هُبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد ابن عبد الملك في الدنيا والآخرة . . . وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى ؛ فإن الله يكلُك إلى يزيد .

واعلم يا بن هُبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائناً من كان في معصية الخالق عز وجل .

فبكى عُمرُ بن هُبيرة حتى بلَّلت دُمُوعه لحيتهُ . . ومال عن الشَّعبيِّ إلى الحسن . . وبالغ في إعظامه وإكرامه . . فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد ، فاجتمع عليهما النَّاسُ ، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير " العراقين " (20).

فالتفت الشعبي إليهم وقال : أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسنُ لعُمرَ بن هُبيرة قولاً أجهلُهُ ، ولكني أردتُ فيما قُلتُهُ وجه ابن هُبيرة ، وأراد فيما قاله وجه الله ، فأقصاني الله من ابن هُبيرة وأدناه منه وحبَّبهُ إليه .

وقد عاش الحسن البصري نحواً من ثمانين عاماً ملأ الدُّنيا خلالها علماً وحكمةً وفقها.

وكان من أجل ماورثه للأجيال رقائقُهُ التي ظلت على الأيام ربيعاً للقلوب . ومواعظُهُ التي هزت وما زالت تهُزُّ الأفئدة ، وتستدر الشُّئون (21) ، وتدل التائهين على الله ، وتُنبِّهُ الغارِّين الغافلين إلى حقيقة الدُّنيا ، وحال الناس معها .

من ذلك قولُهُ لسائل سأله عن الدُّنيا وحالها : تسألني عن الدنيا والآخرة !! . إن مثل الدُّنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب . . متى ازددت من أحدهما قُرباً ازددت من الآخر بُعْداً . وتقول لي صف لي هذه الدار !! . . فماذا أصِف لك من دار أَوَّلُها عناءً ، وآخرها فناء . . وفي حلالها حِسابُ ، وفي حرامها عقاب . . من استغنى فيها فُتن ، ومن افتقر فيها حزن . . ومن ذلك أيضاً قولُهُ لآخر سأله عن حاله وحال الناس : ويحنا ماذا فعلنا بأنفسنا ؟ !! . . لقد أهزلنا ديننا وسمَّنا دُنيانا . . وأخلقنا (22) أخلاقنا ، وجدَّدنا فُرُشَنا وثيابنا . . يَتَّكِئُ أحدنا على شماله ، ويأكُلُ من مال غير ماله . . طعامه غصبُُ . . وخدمتُهُ سُخْرَةُُ (23). . يدعو بحُلوٍ بَعْدَ حامض ، وبحارٍّ بعد بارد ، وَبِرَطْبٍ بعد يابس . حتى إذا أخذتهُ الكظَّةُ (24) تجشَّأ(25) من البشم(26) ثم قال : يا غُلام . . . هات هاضوماً يهضم الطعام . . يا أُحيمقُ (27) ـ والله ـ لن تهضم إلا دينك . . . أين جارُك المُحتاج ؟ !!. أين يتيم قومكَ الجائعُ ؟ !!. أين مِسكينُك الذي ينظر إليك ؟ !!. أين ما وصَّاك به الله عز وجل ؟!!. ليتك تعلم أنك عددُُ . .. وأنَّه كُلما غابت عنك شمس يوم نقص شيء من عددك . . . ومضى بعضُك معه . . .

ويصف الحسن نفسية المؤمن فيقول : ( إن المؤمن يصبح حزيناً ، ويمسي حزيناً ولا يسعه غير ذلك ، لأنه بين مخافتين ، بين ذنب قد مضى ، لا يدري ما الله يصنع فيه ، وبين أجل قد بقى لا يدري ما يصيبه فيه من المهالك )

وفي ليلة الجُمعة من غُرَّةِ رجب سنة مئة وعشر ، لبَّى الحسن البصري نداء ربِّه. . .

فلما أصبح الناس وشاع فيهم نعيُه ؛ ارتجت " البصرة " لموته رجًّا . . .

فغُسِّلَ وكُفِّن وصُلِّي عليه بعد الجمعة في الجامع الذي قضى في رحابه جُلَّ حياته عالماً ومُعلِّماً ، وداعياً إلى الله . ثم تبع الناس جميعاً جنازته . فلم تقم صلاة العصر في ذلك اليوم في جامع " البصرة " . لأنه لم يبق فيه أحد يقيم الصلاة . ولا يعلم الناس أن الصلاة عُطِّلَتْ في جامع " البصرة " مُنْذُ ابتناه المُسلمون إلا في ذلك اليوم . يوم انتقال الحسن البصري إلى جوار ربه

سطور مضيئة :

  • الحسن بن يسار البصري ، وكنيته أبو سعيد .

  • ولد في المدينة سنة 21 هـ ، ولد في خلافة عمر بن الخطاب وحنكه عمر بيده .

  • كان أبوه مولي لزيد بن ثابت وأمه خيرة مولاة لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها.

  • حفظ القرآن في خلافة عثمان وكان إمام أهل البصرة ، وكان فصيحاً بليغاً تنصب الحكمة من فمه .

  • كان كثير الغزو والجهاد في سبيل الله ، وشارك في غزوة إلى خراسان .

  • روى عن عمران بن الحصين والمغيرة بن شعبة والنعمان بن بشير رضي الله عنهم أجمعين .

  • روى عنه مالك بن دينار وحميد الطويل وأبو الأشهب .

  • من مؤلفاته " تفسير القرآن " وفضائل مكة " .

  • حيث أطلق " الحسن " في كتب الفقه والحديث والرجال والورع والأخلاق والتصوف فهو المقصود

  • توفي سنة 11. هـ وعمره 89 سنة .

التقويم :

  1. أذكر نسب الحسن البصري .

  2. وضح جوانب من طفولة الحسن البصري .

  3. بين طلب الحسن البصري العلم .

  4. علل نبوغ الحسن البصري .

  5. وضح جوانب من فقه الحسن البصري وزهده وورعه وشجاعته في الحق .

  6. " كان من أجل ماورثه الحسن البصري للأجيال رقائقُهُ التي ظلت على الأيام ربيعاً للقلوب . ومواعظُهُ التي هزت وما زالت تهُزُّ الأفئدة ، وتُنبِّهُ الغارِّين الغافلين " أذكر بعضاً مما أثر فيك من مواعظه وأقواله – مبيناً فيم كان التأثير .

  7. ( كثرت مواقف الحسن البصري مع الولاة والأمراء فكان يخرج من كل منها عظيماً في أعين ذوي السلطان ، عزيزاً بالله ، محفوظاً بحفظه ) أذكر أحد هذه المواقف التى تأثرت بها ، وماذا تعلمت من هذا الموقف .

 

 

الحلقة

الثلاثون

 

الحلقة الثلاثون

 

صور من حياة الصحابة والتابعين

" كان سعيد بن المُسيب يُفتِي والصحابة أحياءُُ " [ المؤرخون ]

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر مواقف سعيد بن المسيب في خدمة الإسلام والمسلمين .

  2. أن يدلل على فقهه وورعه وعلمه .

  3. أن يوضح قصة زواج ابنة سعيد بن المسيب وما فيها من عبر .

  4. أن يوضح الدارس الدروس العملية التى تعلمها من دراسته للتابعي الجليل سعيد بن المسيب .

  5. أن يعبر الدارس عما ينوي عمله بعد دراسته لقصة سعيد بن المسيب .

عقد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان العزم على حج بيت الله الحرام . . وزيارة ثاني الحرمين الشريفين

والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه .

فلما أقبل شهر ذي القعدة ، زمَّ الخليفة العظيم ركائبه وتوجه إلى أرض الحجاز يصحبُهُ السادة الأماجد من أُمراء بني " أُميَّة " . . .

ونفرٌ من كبار رجال دولته . . وبعض أولاده . . ومضى الركب في طريقه من " دمشق " إلى المدينة المُنورة من غير ريث ولا عجل . . فكانوا كُلَّما نزلوا منزلاً نُصبت لهم الخيام ، وفُرشت لهم الفُرُشُ ، وعُقِدت لهم مجالس العلم والتذكرة ؛ ليزدادوا تفقهاً في الدين . ويتعهدوا قُلُوبهم ونُفُوسهم بالحكمة والموعظة الحسنة . ولما بلغ الخليفة المدينة المنورة ، أمَّ حرمها الشريف . . وتشرف بالسلام على ساكنها مُحمدٍ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وسَعِدَ بالصلاة في الرَّوضة المُطهرة الغرَّاء .

فذاق من بَردِ الرَّاحَةِ وسلام النفس ما لم يَذُق مثلهُما من قبلُ . . .

وعزم على أن يُطيل إقامته في مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام ما وجد إلى ذلك سبيلاً .

وكان من أشد ما استأثر باهتمامه في المدينة المنورة حلقات العلم التي كانت تعمُرُ المسجد النبوي الشريف .

ويتألق فيها العُلماء الأفذاذ من كبار التابعين كما تتألق النجوم الزُّهْرُ في كَبِدِ السماء . . . فهذه حلقةُ عُروَةَ بن الزُّبير . . . وتلك حلقةُ سعيد بن المُسَيَّب . . . هُناك حلقةُ عبد الله بن عُتبَةَ .

وفي ذات يوم صحا الخليفة من قيلولته في وقت كان لا يصحو فيه عادة ، فنادى حاجبه وقال : يا ميسرة . قال : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : امض إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وادع لنا أحد العُلماء ليُحدِّثنا... مضى ميسرة إلى المسجد النبوي الشريف ، وأجال نظرهُ فيه فلم يَرَ غيرَ حَلقَةٍ واحدة توسطها شيخ نيف (28) على الستين من عُمُره فيه بساطة العلماء . . وعليه هيبتُهُم ووقارُهُمْ . . .

فوقف غير بعيد من الحلقة ، وأشار للشيخ بإصبعه . . فلم يلتفت إليه الشيخ ، ولم يأبه له .

فاقترب منه وقال : ألم تر أنِّي أُشِيرُ إليك ؟! .

قال : إليَّ أنا ؟! . قال : نعم . قال : وما حاجتُك ؟.

قال : استيقظ أميرُ المؤمنين وقال : امض إلى المسجد وانظر هل ترى أحداً من حُدَّاثي ، فأتني به .

فقال له الشيخ : ما أنا من حُدَّاثِه . فقال له ميسرة : ولكنَّهُ يبغي مُحدِّثاً يُحدِّثُهُ .

فقال الشيخ : إنَّ من يبغي شيئاً يأتي إليه . . . وإنَّ في حلقة المسجد متسعاً له إذا كان راغباً في ذلك .

والحديث يؤتى إليه ، ولكنَّه لا يأتي . . .

فعاد الحاجب أدراجه وقال للخليفة: ما وجدت أحداً في المسجد غير شيخ أشرتُ إليه فلم يقُم ، فدنوت منه وقلت : إنَّ أمير المؤمنين استيقظ في هذا الوقت وقال لي : انظُر هل ترى أحداً من حُداثي في المسجد فادعُهُ لي . . فقال لي في هدوء وحزم : إنني لست من حُداثه . وإن في حلقة المسجد متسعاً له إذا كان راغباً في الحديث . فتنهَّدَ عبد الملك بن مروان . . وهبَّ قائماً ، واتجه إلى داخل المنزل وهو يقول : ذلك سعيد بن المسيب . . ليتك لم تأته ، ولم تُكلِّمْهُ . . فلما ابتعد عن المجلس وصار في الداخل ، التفت أصغر أولاد عبد الملك إلى أخٍ له أكبر منه وقال : من هذا الذي يمتنع على أمير المؤمنين ، ويستكبر على المُثُول بين يديه ، وحُضُور مجلسه . . وقد دانت له الدنيا وخضعت لهيبته مُلوكُ " الروم " .

فقال الأخ الأكبر : ذاك الذي خطب أميرُ المؤمنين بنته لأخيك الوليد ؛ فأبى أن يُزوجها منه .

فقال الأخ الأصغر : أبى أن يُزوجها من الوليد بن عبد الملك ؟!!.

وهل كان يرُومُ لها بعلاً أسمى من ولي عهد أمير المؤمنين؟! . . .

وخليفة المسلمين من بعده . فسكت الأخ الأكبر ولم يُجبهُ بشيء . . .

فقال الأخ الأصغر : إذا كان قد ضنَّ بابنته على ولي عهد أمير المؤمنين ، فهل وجد لها الكُفء الذي يليق بها ؟ . . أم إنه حال دونها ودون الزواج كما يفعل بعض الناس . . وتركها قعيدة بيت .

فقال له أخوه الأكبر : الحق أنني لا أعرف شيئاً من خبرها ، وخبره معها . . .

فالتفت إليهما أحدُ الجُلاَّس من أبناء المدينة وقال : إذا أَذِنَ لي الأمير قصصتُ عليه خبرها كُلَّهُ . . .

فقد تزوجت فتى من فتيان حَيِّنَا يُقال له : " أبو وداعة " . وهو جارُنا بيت بيت (29). . .

ولزواجه منها قصَّةُ طريفةُُ رَوَاها لي بنفسه . فقال له الأخوان : هاتِها . . .

فقال الرَّجُلُ : حَدَّثني أبُو وداعة قال : كُنتُ ـ كما تعلمُ ـ أُلازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم .

وكُنت أُداوِمُ على حلقة سعيد بن المُسَيَّب ، وأُزاحم النَّاس عليها بالمناكب . . . فتغيبتُ عن حلقة الشيخ أياماً ، فتفقدني ، وظن أنَّ بي مرضاً ، أو عرض لي عارضُُ . فسأل عني من حوله ، فلم يجد عند أحدٍ منهم خبراً .

فلما عُدْتُ إليه بعد أيام حيَّاني ، ورَحَّبَ بي وقال : أين كُنتَ يا أبا وداعة ؟.

فقُلتُ : تُوُفِّيَتْ زوجتي ، فاشتغلت بأمرها . فقال : هلاَّ أخبرتنا يا أبا وداعة فنُواسيك ، ونشهد جنازتها معك ، ونُعينك على ما أنت فيه . فقُلتُ : جزاك الله خيراً . . . وهممتُ أن أقُوم . . فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس ، ثم قال لي : أما فكَّرت في استحداث زوجةٍ لك يا أبا وداعة ؟.

فقُلتُ : يرحمك الله . . ومن يزوجني ابنته وأنا شابُّ نشأ يتيماً ، وعاش فقيراً . . فأنا لا أملك غير درهمين ، أو ثلاثة دراهم . فقال : أنا أُزوجك ابنتي . فانعقد لساني وقُلتُ : أنت ؟ ! . . . أتُزوجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت ؟! . فقال : نعم . . فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخُلُقه زوجناه ، وأنت عندنا مرضيُّ الدِّينِ والخُلُقِ . ثم التفت إلى من كان قريباً منا ، وناداهم فلما أقبلوا عليه ، وصاروا عنده ؛ حمد الله عز وجل وأثنى عليه ، وصلَّى على نبيه محمد صلوات الله وسلامُهُ عليه .

وعقد لي على ابنته ، وجعل مهرها درهمين اثنين . . . فقُمت وأنا لا أدري ما أقولُ من الدَّهشة والفرح . .

ثم قصدت بيتي ، وكُنتُ يومئذ صائماً ؛ فنسيت صومي وجعلت أقولُ : ويحك يا أبا وداعة . .

ما الذي صنعت بنفسك ؟ ! . . ممَّن تستدينُ ؟ ! . . وممن تطلُبُ المال ؟! . وظللتُ على حالي هذه حتى أُذِّن للمغرب . . فأديت المكتوبة ، وجلست إلى فُطُوري ، وكان خُبزاً ، وزيتاً . . فما إن تناولت منه لُقمةً أو لُقمتين حتى سمعت الباب يُقرَعُ . فقُلت : من الطارق ؟ . فقال : سعيد . . .

فوالله لقد مَرَّ بخاطري كُلُّ إنسان اسمُهُ سعيد أعرِفُهُ إلا سعيد بن المُسيب . . .

ذلك لأنه لم يُرَ منذ أربعين سنةً إلا بين بيته والمسجد . ففتحت الباب ، فإذا بي أمام سعيد بن المُسيب . . .

فظننت أنه قد بدا له في أمر زواجي من ابنته شيء . . .

وقُلتُ له : أبا محمد ؟ ! . . . هلا أرسلت إليَّ فآتيك . فقال : بل أنت أحقُّ بأن آتي إليك اليوم .

فقُلتُ : تفضل عليَّ . . فقال : كَلاَّ ، وإنما جئتُ لأمر . . فقُلتُ : وما هو يرحمُك الله ؟ . . .

فقال : إن ابنتي أصبحت زوجة لك بشرع الله مُنذُ الغداة (30) ، وأنا أعلم أنَّه ليس معك أحدُ يُؤنس وحشتك ، فكرهتُ أن تبيت أنت في مكان وزوجتُك في مكان آخر ؛ فجئتُك بها .

فقُلتُ : وَيْحِي . . . جئتني بها ؟! . فقال : نعم . . .

فنظرت ، فإذا هي قائمة بطولها . فالتفت إليها وقال : أُدخُلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله ، وبركته . . فلما أرادت أن تخطُو ؛ تعثرت بمُلاءتها من الحياء حتى كادت تسقُط على الأرض .

أما أنا فقد وقفت أمامها مشدوهاً (31) لا أدري ما أقول . . ثم إني بادرت فسبقتُها إلى القصعة التي فيها الخُبْزُ والزَّيتُ ؛ فنحَّيتُها من ضوء السراج حتى لا تراها .

ثُمَّ صَعِدتُ إلى السطح وناديت الجيران ، فأقبلوا عليَّ وقالوا : ما شأنك ؟ .

فقُلتُ : عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد . . وقد جاءني بها الآن على غفلةٍ . . .

فتعالوا آنسُوها حتى أدعُوَ أُمِّي ، فهي بعيدة الدَّار . فقالت عجوز منهن : ويحك أتدري ما تقول ؟ ! . .

أزوَّجك سعيد بن المُسيب بنفسه ؟ ! . . وهو الذي ضَنَّ بها على الوليد بن عبد الملك !!.

فقُلتُ : نعم . . وها هي ذي عندي في بيتي ، فهَلُمُّوا إليها ، وانظروها .

فتوجه الجيران إلى البيت ، وهم لا يكادون يُصدقونني ، ورحَّبوا بها ، وآنسوا وحشتها . . .

وما هو إلا قليل حتى جاءت أُمِّي ، فلما رأتها التفتت إليَّ وقالت : وجهي من وجهك حرام إن لم تَترُكها لي حتى أُصلح شأنها . . ثم أزُفها إليك كما تُزفُ كرائم النساء . فقُلتُ : أنت وما تُريدين . . .

فضمَّتهَا إليها ثلاثة أيام ، ثُمَّ زَفَّتها إليَّ . فإذا هي من أبهى نساء المدينة جمالاً . . .

وأحفظ الناس لكتاب الله عز وجل .. وأرواهم لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام . . وأعرف النساء بحُقوق الزوج . فمكثت معها أياماً لا يزورني أبوها أو أحد من أهلها .

ثم إني أتيتُ حلقة الشيخ في المسجد ؛ فسلَّمت عليه ، فردَّ عليَّ السلام ، ولم يُكلمني.

فلمَّا انفض المجلس ، ولم يبق غيري قال : ما حالُ زوجتِك يا أبا وداعة ؟.

فقُلتُ : هي على ما يُحبُ الصَّدِيقُ ويَكرَهُ العدُوُّ . .. فقال : الحمد لله .

فلما عُدْتُ إلى بيتي ، وجدتُهُ قد وجَّه إلينا مبلغاً وفيراً من المال لنستعين به على حياتنا .

فقال ابنُ عبد الملك : عجيب أمرُ هذا الرجل . . فقال له رجُلُُ من أهل المدينة : وما وجهُ العجب فيه أيها الأمير ؟ . . إنه امرؤٌ جعل دُنياه مطيَّةً لأُخراهُ . .واشترى لنفسه ولأهله الباقية بالفانية . .

فوالله إنَّه ما ضنَّ علي ابن أمير المؤمنين بابنته . . ولا رآهُ غير كُفء لها ، وإنَّما خاف عليها فتنة الدُّنيا . .

ولقد سأله بعض أصحابه فقال : أتَرُدُّ خُطبَةَ أمير المؤمنين وتُزوجُ ابنتك من رجل من عامة المسلمين ؟ ! .

فقال إن ابنتي أمانة في عُنُقي ، وقد تحريتُ فيما صنعتُهُ لها صلاحَ أمرِهَا . فقيل له : وكيف ؟

فقال : ما ظنكم بها إذا انتقلت إلى قُصُور بني " أُميَّة " . وتقلَّبت بين رياشها (32) وأثاثها . .

وقام الخدم والحشم والجواري بين يديها ، وعن يمينها ، وعن شمالها . . ثم وجدت نفسها بعد ذلك زوجة للخليفة ؟ أين يُصبحُ دينُها يومئذ ؟ . فقال رجُل من أهل الشام : يبدو أن صاحبكُم طرازُُ فريد من الناس

فقال الرَّجُلُ المَدَني : والله ما عدوت (33) الحق أبداً . . . فهو صوَّام نهار . . . قوَّام ليل . .

حجَّ نحواً من أربعين حجَّة . . . وما فاتتهُ التكبيرة الأولى في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام منُذُ أربعين عاماً... ولا عُرِفَ عنهُ أنَّهُ نظر إلى قفا رجُل في الصلاة خلال ذلك أبداً ؛ لمحافظته على الصف الأول . وقد كان في وُسعه أن يتزوج بمن يشاء من نساء قُريش فآثر بنت أبي هُريرة رضي الله عنه على سائر النساء . وذلك لمنزلته من رسول الله صلوات الله وسلامُهُ عليه . . . وسعة روايته لحديثه . .

وشدة رغبته في الأخذ عنه . ولقد نذر نفسه للعلم مُنذُ نعومة أظفاره . . .

فدخل على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ، وتأثر بهنَّ . . .

وتتلمذ على يدي زيد بن ثابت ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عُمَرَ . . وسمع من عُثمان وعلي ، وصهيب ، وغيرهم من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم . وتخلق بأخلاقهم . وتحلى بشمائلهم . . .

ولقد كانت له كلمة يُرَدِّدُها على الدَّوام حتى غدت وكأنَّها شعار له ، وهي قولُهُ : ما أعَزَّتِ العِبَادُ نفسها بمثل طاعة الله . ولا أهانت نفسها بمثل معصيته .

سطور مضيئة :

  • سعيد بن المسيب بن حزم ابن أبي وهب وكنيته أبو محمد .

  • ولد سنة 15 هجرية .

  • جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع وكان كثير الصوم ، وكان يقال له فقيه الفقهاء .

  • يقول عن نفسه : ما بقي أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر مني .

  • تزوج من ابنة أبي هريرة ليكون قريباً منه يأخذ عنه علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته .

  • تتلمذ على يد زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وسمع الحديث من عثمان وعلي وصهيب وغيرهم .

  • كان يفتي في المدينة والصحابة أحياء فقد كان من فقهاء المدينة السبعة .

  • من أقواله : " ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله وما أذلت نفسها بمثل معصيته " .

  • توفى بالمدينة سنة 94 هجرية .

التقويم :

  1. أذكر مواقف لسعيد بن المسيب في خدمة الإسلام والمسلمين .

  2. دلل على فقهه وورعه وعلمه .

  3. وضح قصة زواج ابنة سعيد بن المسيب وما فيها من عبر .

  4. وضح الدروس المستفادة من دراستك لشخصية سعيد بن المسيب .

  5. ما المواقف العملية التى تعلمتها شخصياً من دراستك للتابعي الجليل سعيد بن المسيب .

 

 

الحلقة

الحادية

والثلاثون

 

الحلقة الحادية والثلاثون

 

وجوب العمل الجماعي

 

الهدف العام

أن يؤمن بوجوب العمل الجماعي

و تتحقق لديه الرغبة الأكيدة للانضمام للجماعة

الأهداف المرحلية :

  1. أن يوضح وجوب العمل الجماعى .

  2. أن يوضح الشبهات المثارة حول العمل الجماعي .

  3. أن يوضح فوائد العمل الجماعي على الفرد .

  4. أن يوضح شروط و متطلبات العمل الجماعي .

  5. أن يوضح المواصفات التي يجب توافرها في الجماعة .

  6. أن يبدي استعدادا و رغبة أكيدة للعمل معها .

الهدف المرحلى الأول : أن يوضح وجوب العمل الجماعي .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح أهمية العمل الجماعى .

  2. أن يوضح شرعية العمل الجماعى .

أولاً : أهمية العمل الجماعى .

لا يستطيع إنسان أن يعيش بمفرده فى هذا الكون الفسيح ، وإلا كتب على نفسه الفناء ، فلا غناء عن التعاون و التآزر والعمل الجماعي حتى فى أبسط الأمور الحياتية وتأتى أهمية العمل الجماعي للأسباب الآتية :-

 

أ - الجماعة سنة كونية :-

فلما هو مشاهد فى هذا الوجود أو هذا الكون من أن كل مجموعة متجانسة تتعاون وتتآزر فيما بينها لتحقيق ما خلقت له ، فها هي المجموعة الشمسية تتعاون لتوفير الضياء ، والدفء وأسباب الحياة لسائر الكائنات الحية . وها هي جماعة النحل تتعاون فى بناء بيوتها وتنظيفها وتوفير الحماية لها ثم تسرح لتمتص رحيق الأزهار ولتخرجه فى النهاية عسلا مصفي فيه شفاء للناس وقل مثل ذلك فى جماعة النمل وباقي المخلوقات الأمر الذي حدا بالشاعر أن يقول :

النمل تبني قراها فى تماسكها والنحل تجني رحيق الشهد أعوانا

وليس الإنسان بدعا من هذه المخلوقات ، وإنما هو واحد منها تقوم حياته – بضرورتها ، وكمالياتها – على معنى التعاون والتآزر .

الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

وإذا كان هذا شأن الإنسان فى شئون الحياة الدنيا ، وهى فانية ، فأولي أن يكون كذلك فى شئون الآخرة الباقية والتي إليها معاده وفيها سعادته أوشقاؤه ونجاته أوهلاكه34 .

 

ب- لا غنى عن الجماعة حتى فى الشئون العادية من الحياة :

وذلك مثل :- السفر ، المبيت ، الطعام ، سائر العادات

إذ يقول صلي الله عليه وسلم " لو يعلم الناس ما فى الوحدة لم يسر راكب بليل وحده أبدا " الحديث أخرجه الدارمي فى السنن ، ونهى صلي الله عليه وسلم عن الوحدة : أن يبيت الرجل وحده ، أو يسافر وحده وشكا إليه بعض أصحابه قائلين : يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع ، قال : " فلعلكم تأكلون متفرقين " قالوا نعم ، قال : فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه " الحديث أخرجه ابن ماجة فى السنن .

وقال فى حديث آخر : كلوا جميعا ، ولا تفرقوا ، فإن البركة مع الجماعة . الحديث أخرجه ابن ماجة فى السنن

وأبعد من هذا حرص الرسول صلي الله عليه وسلم : على أن يجتمع المسلمون حتى فى المظهر الشكلي فقد رآهم يوما وهم يجلسون متفرقين فقال لهم " اجتمعوا : فاجتمعوا " يقول راوي الحديث : فلو بسط عليهم ثوبه لوسعهم " .الحديث أخرجه أبو داود فى السنة

وهكذا كان صلي الله عليه وسلم : وهو الصورة العملية للإسلام يحض على الجماعة حتى فى العادات ليحمل المسلم حملا على الارتماء فى أحضان الجماعة والالتزام بما لها من ضوابط وآداب ، فيما هو أكبر وأهم من الأخلاق والعادات .

 

ج) عظم تكاليف الإسلام :

إن تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدي لها إنسان بمفرده فالعمل للإسلام يستهدف هدم الجاهلية برمتها وإقامة الإسلام مكانها وهذا يتطلب من التكاليف و الإمكانيات والمجهود ما يعجز عن القيام بأعبائه فرد ، بل لا يقوي على النهوض به مع الجهد والمكابدة والمعاناة إلا تنظيم حركي يكون فى مستوي المواجهة وعيا وتنظيما وقدرة .

 

د) لمواجهة التحديات :

إن نظرة فاحصة الى الأوضاع التي يعيشها المسلمون تؤكد ضرورة قيام عمل اسلامي لدفع التمييز والعنصرية ضدهم ، بل وتجعل القيام بذلك تكليفاً شرعيا لا يجوز القعود عنه أو التهاون فيه .

فالمسلمون يشهدون نوع من العنصرية لا تخفي على أحد وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي اتخذوها ذريعة لايذاء المسلمين.

ثانياً : شرعية العمل الجماعى .

  1. الأمر بلزوم الجماعة صراحة : نص الإسلام على لزوم الجماعة صراحة سواء من خلال القرآن أو السنة .

أولا القرآن : " وتعاونوا على البر والتقوا ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " المائدة 2

" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " آل عمران 1.3

" ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " آل عمران 1.5

" وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " الأنفال 46

ثانيا الحديث :

" من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " الحديث أخرجه أبو داود

" يد الله مع الجماعة " أخرجه الترمذي في السنن

"من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " أخرجه أحمد في المسند

" وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد فى سبيل الله ، فمن خرج من الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه الى أن يرجع " قالوا : يا رسول الله ، وإن صلي وصام ؟ قال : وإن صلي وصام وزعم أنه مسلم " الحديث جزء من حديث طويل أخرجه الأمام أحمد في المسند

" إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية وإياكم والشعاب وعليكم والعامة " أخرجه أحمد في المسند

  1. لإزالة المنكر الأكبر : يجب العمل فى جماعة لإزالة المنكر الأكبر وهو جريمة إقصاء الإسلام عن الحياة وتحكيم الشرائع الوضيعة الوثنية ويجب الأمر بالمعروف الأكبر وهو إعادة القرآن الى الحياة بجوانبه المختلفة لأن كل فساد البشرية ينبع من هذه القضية الكبرى" والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالإجماع "وأن التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض بها .

 

3) لأنه منهج رسول الله صلي الله عليه وسلم :

ولأن هذا هو المنهج الذي سلكه رسول الله صلي الله عليه وسلم فى الدعوة الى الله ، فقد حرص صلي الله عليه وسلم لأول وهلة على الظفر والانحياز الى جماعة تؤيده ، وتؤازره وتعينه على أمره وكان يقول للناس – وهو يعرض نفسه عليهم فى موسم الحج ، وفى أسواقهم العامة : " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ رسالة ربي فإن قريشا منعوني أن أبلغ رسالة ربي " . الحديث أخرجه أبو داود فى السنة

وما زال كذلك حتى قيض الله له نفرا من الأوس والخزرج حملوه الى المدينة المنورة وبذلوا الأرواح فداءً له ولدعوته حتى تمت كلمة ربه الحسنى .

وإذا كان هذا هو المنهج الذي سلكه رسول الله صلي الله عليه وسلم دون غيره فى تجميع الناس على الإسلام فإن الواجب والمفروض علينا أن نقتدي وأن نتأسى به صلي الله عليه وسلم ولنا فى رسول الله الأسوة والقدوة .

" لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنه لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا " الأحزاب 21

" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " آل عمران 31

 

التقويم

س1- وضح أهمية العمل الجماعى ؟

س2 – قال صلى الله عليه و سلم " كلوا جميعا و لا ........ ، فان ...................... " اكمل الحديث ؟

س3 – اذكر دليلان على الأمر بلزوم الجماعة من القران الكريم و آخران من الحديث الشريف ؟

س4 – ما هو المنكر الأكبر ؟ و ما السبيل لإزالته ؟

س5- استشهد بالسيرة النبوية المطهرة فى تأكيد وجوب و ضرورة العمل الجماعى ؟

س6- اذكر مشاهد من الكون الفسيح تدلل بها على ان الجماعة سنة كونية ؟

س7- أكمل ما يأتي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم :

يقول صلى الله عليه وسلم " لو يعلم الناس ما فى الوحدة ........................... " .

يقول صلى الله عليه وسلم " كلوا جميعا و لا ......................................... " .

س8- اذكر شئون و أحوال من حياتك تحملك على العيش مع غيرك ؟

س9- تكاليف الإسلام و التحديات اكبر من ان يتصدى لها مسلم بفرده ، دلل على صحة هذه العبارة ؟

س10- أكمل الآيات القرآنية التالية :

( و المنافقون و المنافقات بعضهم ..................................................... ) .

( و لا يزالون يقاتلونكم حتى.......................................................... ) .

س 11- ما الذى يعود على الفرد من عمله فى جماعة ؟ وضح بأمثلة .

س 12- وضح من السيرة النبوية ومن أحداث التاريخ وجوب العمل الجماعي .

 

 

 

 

الحلقة

الثانية

والثلاثون

 

الحلقة الثانية والثلاثون

 

وجوب العمل الجماعي

الهدف المرحلى الثانى : أن يوضح الشبهات المثارة حول العمل الجماعي.

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يحدد الشبهات المثارة حول العمل الجماعى .

  2. أن يوضح الرد على الشبهات التى تثار حول العمل الجماعى .

 

1- بعض الشبهات التى تثار حول العمل الحماعى والرد عليها :

وقد يحلو لبعض القاعدين أو الخائفين من لزوم الجماعة ، وما يجره عليهم هذا اللزوم من مشقات ، ومتاعب ، أن يبرروا قعودهم أو خوفهم هذا بإثارة الشبهات ، و من هذه الشبهات :

الشبهة الأولي :

أن لزوم الجماعة يلغي ذاتية الفرد ، ويؤثر على شخصيته فتذوب ، وعلى رأيه وتفكيره فينعدم ويجمد ، وتتلاشى مسئوليته الفردية أو ينعدم الإحساس بها .

وللرد على هذه الشبهة نقول : إن منهج الإسلام يقوم على دعوة الفرد و أن يعيش فى كنف الجماعة ، ويستظل بظلها ، فى الوقت الذي يؤكد له أنه مسئول مسئولية كاملة عن كل تصرف يقع منه ، فيقول سبحانه وتعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخري .. )الزمر 7 ( كل نفس بما كسبت رهينة ) المدثر 38 ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) البقرة 123 ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقي معاذيره ) القيامة 14-15 ( وإن تدع مثقلة الى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربي ) .

وأن عليه أن يبذل النصيحة بشروطها وآدابها لكل واحد فى الجماعة مهما علا كعبه ، ومهما عظمت مكانته ، فيقول صلي الله عليه وسلم : " الدين النصيحة " قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : " لله و لكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " " المؤمن مرآه المؤمن والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه " وفى رواية : " المؤمن مرآه أخيه وإن رأى فيه عيبا قوّمه " .

ولقد عاش الصحابة مع النبي صلي الله عليه وسلم وعاش المسلمون الأولون بعضهم مع بعض فما رأينا فردا ذابت شخصيته أو تلاشت فرديته فى الجماعة وإنما رأينا النصيحة والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما قول بعضهم لعمر : " لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا " عنا ببعيد .

وبهذا المنهج ينشأ ويبني فى نفس المسلم كيان داخلي ومتميز ، واضح المعالم والحدود وتبقي أعصابه صاحية منتبهة لكل ما يمسه ولو من بعيد .

الشبهة الثانية :

" إن الله يحب التقي النقي الخفي " " أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك " " فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة ، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " .

وللرد على هذه الشبهة نقول : إن النصوص الشرعية الداعية الى السير تحت لواء الجماعة والعيش فى كنفها كثيرة كقوله تعالي ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) آل عمران 1.3 ( و تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة 2 ( إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) الصف 4

وكقوله صلي الله عليه وسلم " إياكم والفرقة ، وعليكم بالجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة "

والجمع بين هذه النصوص يقتضي أن يلزم المسلم الجماعة بادئ ذي بدء ويخالط الناس ولا يلجأ إلى العزلة إلا إذا خشي على نفسه الفتنة ، وضياع الدين .

وعلى مثل هذا الفهم يحمل قول ابن مسعود رضي الله عنه " خالط الناس ، ودينك لاتكلمنّه " .

الشبهة الثالثة :

إن الجماعة تشغل بتكاليفها المسلم عن صرف الأوقات فى العبادة من قراءة قرآن ، وذكر ، ودعاء ، واستغفار ، ومحاسبة ، وزيارة قبور ، واعتكاف .... الخ وهذه ضرورة لتطهير النفس ، وتزكيتها .

وللرد على هذه الشبهة نقول : إن العبادة فى الإسلام ليست مقصورة على مجرد الشعائر التعبدية ، بل هي – كما يعرفها شيخ الإسلام ابن تيميه " اسم أو كلمة جامعة لكل ما يحبه الله ، ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " .

وعليه فحضور المسلم مجالس العلم مفيدا ، أو مستفيدا عبادة ، وعيادة المريض وتشييع الجنائز عبادة ، وزيارة الإخوان تأكيدا لمودتهم أو تهنئة بنعمة ، أو تعزية فى مصيبة عبادة ، وإرشاد الناس إلى الخير ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر عبادة ، ومد يد المعاونة للآخرين ، ومساعدتهم فى سد حاجتهم وتقوية شوكتهم عبادة ... و هلم جرا .

وعلى أن لزوم الجماعة لا يمنع أن تكون للمسلم أوقات يخلو فيها بنفسه ليؤدي واجبا ، أو يتقرب إلى الله بنفل ، أو يحفظ علما ، أو يحقق مسألة أو يذكر ، أو يتفكر ، أو يحاسب نفسه ، وذلك معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه " خذوا حظكم من العزلة "

الشبهة الرابعة :

أن الشر أصبح فى هذا العصر مستطيرا ، والفساد صار منتشرا ، بحيث بات من الصعب على المسلم أن يسلم فى دم ، أو مال ، أو عرض ، كأن الجماعة إذن تكاليف وتبعات وتعرض للأذى .

وللرد على هذه الشبهة نقول : إنه على الرغم من استطارة الشر وانتشار الفساد فى هذا العصر ، فإن الناس لا زالوا بخير ، ولا زالت فيهم سلامة فطرة وسرعة استجابة ، غاية ما فى الأمر أنه لكثرة صوارف الحياة والدعايات الكاذبة اعترى الناس شئ من الغفلة والإعراض ، ويمكن القضاء على ذلك بقليل من البذل مع الإخلاص ، والصدق ، وشئ من التحمل .

على أن الصدق فى أداء الأمانة ، والخروج من التكاليف التي كلفنا الله عز وجل بها ، لا يكون إلا بمخالطة الناس ، والعمل معهم ، ثم الصبر على أذاهم ويصدِّق ذلك قوله صلي الله عليه وسلم " الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم ، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم "

التقويم

س1- اذكر أهم الشبهات التى تثار حول العمل الجماعى ؟

س2- وضح كيف ترد على كل شبهة من الشبهات المثارة حول العمل الجماعي بما يدحضها من الكتاب و السنة و العقل ؟

س3- يقول عمر رضي الله عنه " خذوا حظكم من العزلة " وضح كيف تطبق هذه النصيحة فى واقعك ؟

س4- يعرف شيخ الاسم ابن تيمية العبادة فيقول " اسم او كلمة ....................................... " أكمل ؟

س5- قال صلى الله عليه و سلم " الذى يخالط الناس و .............................................. " أكمل ؟

س6- في ضوء حرص الإسلام على دفع أبنائه إلى التكافل و عيادة المرضى و زيارة الإخوان و تشييع الجنائز و إرشاد الناس إلى الخير ، وضح كيف تطبق مقولة عمر بن الخطاب " خذوا حظكم من العزلة " ؟

س7- اذكر شبهات واجهتك حول وجوب العمل الجماعي و كيف تغلبت عليها ؟

س8- حدد أى من العبارات الآتية صحيح و أيها خطأ مع ذكر السبب ؟

*- إن لزوم الجماعة تنعدم معه المسئولية الفردية .

*- إن الجماعة تشغل المسلم عن قراءة القران و الذكر .

س 9- عاش الصحابة مع النبى صلى الله عليه و سلم و عاش المسلمون الأولون مع بعضهم البعض فى جماعة فما ذابت شخصياتهم و لا تلاشت فرديتهم ، وضح هذه العبارة مع الاستشهاد بنماذج ؟

س10- وضح كيف يلتزم المسلم بمقولة ابن مسعود " خالط الناس و دينك لا تكلمنه " ؟

س 11- وضح الشبهات التى واجهتك حول وجوب العمل الجماعي وكيف تغلبت عليها ؟

 

 

الحلقة

الثالثة

والثلاثون

 

الحلقة الثالثة والثلاثون

وجوب العمل الجماعي

الهدف المرحلى الثالث : أن يوضح الدارس فوائد العمل الجماعي .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس فوائد العمل الجماعى ( بالنسبة للفرد وبالنسبة للجماعة ) .

  2. أن يوضح الدارس فوائد العمل الجماعى .

 

1- فوائد العمل الجماعى :

إن للعمل الجماعى فوائد جمة بالنسبة للفرد نذكر منها :

أ ) اكتشاف النفس : -

أي مساعدة المسلم على اكتشاف شخصيته وما تنطوي عليه من كمال أو نقص قوة ، أو ضعف ، وذلك أن الإنسان مهما يكن ذكاؤه ومهما تكن فطنته لا يمكنه وحده التعرف على أبعاد شخصيته معرفة دقيقة ، وإنما لابد له من آخرين يساعدونه على ذلك ، وعلى سبيل المثال لا الحصر لا يستطيع الإنسان أن يكتشف ما فى شخصيته من أثرة وأنانية أو إيثار وتعاون إلا إذا عاش فى جماعة ، وخالط أفرادها ورأي أصحاب الحاجات منهم ، ثم يبصر نفسه هل تقسو وتجمد ؟ فتشح وتبخل وحينئذ تكون الأثرة والأنانية ، أو ترق وتلين ؟ فتجود وتعطي ، وحينئذ يكون الإيثار والتعاون وكذلك لا يمكنه أن يقف على ما فى شخصيته من حلم وأناة ، أو حمق وعجلة ، إلا إذا كان فى جماعة ، وصادق طبقات من غير أولي الكياسة ، ونظر هل يقابل خشونة ألسنتهم باللين ، وغلظة قلوبهم بالرفق ، وهنا يكون الحلم والأناة ، أو يقابلها بمثلها وأشد ، وهنا يكون الحمق والعجلة ، وأيضا لا يعرف الإنسان ما عنده من الشجاعة الأدبية أو الجبن والخور إلا إذا لزم الجماعة ورأي من يخطئ ، ثم تأمل نفسه هل يهون عليها أن تقول لهذا المخطئ أن الصواب فى غير ما نطقت ، والحق فى غير ما رأيت ، والخير فى غير ما أتيت ، وهنا تكون الشجاعة الأدبية ، أو يعز عليها أن تقول ذلك فتصمت وتخرس وهنالك يكون الجبن والخور .

وبالمثل لا يدرك الإنسان ما تنطوي عليه شخصيته من صدق وكذب ، من أمانة وخيانة من نظام وفوضي إلا إذا عاش وسط جماعة ، وحدث أفرادها أو ائتمنوه على أموالهم ودمائهم وأعراضهم أو ضرب لهم موعدا ، أو أعطي من نفسه عهدا ، أو أعطي من نفسه عهدا لهم ثم نظر ... هل يحدثهم بما يوافق الحقيقة والواقع ؟ فيكون صادقا ، أو بما يخالفهما فيكون كاذبا .. وهل يحافظ على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ؟ فيكون أمينا أو يعتدي عليها ويهدرها فيكون خائنا ، وهل يحافظ على عهده ويفي بوعده ؟ فيكون دقيقا منضبطا منظما أو يهمل ويخالف ؟ فيكون فوضويا غير دقيق ولا منضبط ولا منظم .

وهكذا تعد الجماعة حقلا تجريبيا يطلع المسلم من خلاله على ما فى نفسه من كمال أو قصور ، ومن قوة أو ضعف ، الآمر الذي يسهِّل عليه – إذا كان جادا وراغبا فى إقامة هذا الدين فى نفسه – أن يعمل على تنمية ورعاية جوانب القوة ، وتقويم وعلاج جوانب الضعف .

وقد لفت النبي صلي الله عليه وسلم الأنظار الى هذا الدور للجماعة حين قال : " المؤمن مرآة أخيه والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه " أخرجه أبو داود

وكأنه يقول : الطريق التي يعرف بها المسلم عيبه ومواطن القصور والضعف فى شخصيته ، إنما هي الجماعة . لأنها بالنسبة له كالمرآة . والشأن فيمن يعرف عيبه ويدرك قصوره وضعفه أن يسعي جاهدا لإصلاحه وتهذيبه كما يصنع من يقف أمام المرآة وتدله على حاله .

ب - تقويم الأعوجاج :

أي إصلاح وتهذيب وتقويم ما عساه يكون فى شخصيته من قصور أو ضعف أو عوج ، ذلك أن الجماعة إذا ساعدت المسلم على اكتشاف عيوبه ثم رأت أنه يعمل على التخلص منها لسبب أو لأخر بادرت الى القيام بدورها بما تراه مناسبا .

فتارة تمارس أمامه الصورة الصحيحة والنموذج الأمثل ليقتدي به ويتأسي . وتارة تستخدم النصيحة بشروطها وآدابها . وتارة تلجأ الى العتاب واللوم وتارة تستخدم التوبيخ والتقريع وتارة تستخدم الهجر والقطيعة لأمد معين .

وهكذا تمارس الجماعة مختلف الأساليب والوسائل . وتسلك سائر الطرق لتعود بشخصية المسلم الى ما ينبغي .

ولعل هذا الدور للجماعة هو الذي عناه النبي صلي الله عليه وسلم بقوله فى تكملة الحديث " المؤمن مرآة أخيه ( إن رأي فيه عيبا قوّمه ) وبقوله : " الدين النصيحة " قلنا لمن يا رسول ؟ قال : " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " أخرجه أبو داود فى السنن

ج - توظيف الطاقات :

أى توظيف سائر طاقاته وإعمال غرائزه بما يؤدي الى التوازن والتكامل فى شخصيته ، ويقضي على أي فراغ يمكن أن يستغله شياطين الإنس والجن فى إغوائه وإضلاله . ذلك أن الإنسان – كما قدمنا – مؤلف من جسد وعقل وروح والروح مزود بطائفة من الغرائز تشبه الخطوط الدقيقة المتقابلة المتوازية ، كل غريزتين منها متجاورتان فى النفس ، وهما فى الوقت ذاته مختلفتان فى الاتجاه : كالخوف والرجاء ، والحب والكره ، الاتجاه الى الواقع والاتجاه الى الخيال ، الطاقة الحسية والطاقة المعنوية الإيمان بما تدركه الحواس ، والإيمان بما لا تدركه الحواس ، حب الالتزام والميل الى التطوع ، الفردية والجماعية .. السلبية والإيجابية .. الخ .

كلها غرائز متوازية ومتقابلة – كما ترى – وهي بتوازنها وتقابلها تؤدي مهمتها فى ربط الكائن البشري بالحياة ، كأنما هي أوتاد متفرقة متقابلة تشد الكيان كله وتربطه من كل جانب يصلح للارتباط ، وهي فى الوقت ذاته توسع أفقه وتفسح مجال حياته ، فلا ينحصر فى نطاق واحد ولا فى مستوي واحد .. بيد أن تحقيق التوازن والتكامل فى حياة المسلم مرهون بإعطاء كل غريزة من هذه الغرائز حقها دون زيادة أو نقص .

والجماعة هي المجال الوحيد الذي يوظف سائر طاقات المسلم ، ويجعل كل الغرائز تعمل بدرجات متساوية ومتوازية فى نفس الوقت ، الأمر الذي يؤدي الى تكوين الشخصية السوية المتزنة المتكاملة ، الخالية من أي انفصام أو عوج ، والمحصنة ضد كيد الشيطان وإغوائه ، ولعل هذا هو ما أشار إليه النبي صلي الله عليه وسلم بقوله " عليكم بالجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " أخرجه الترمذى فى السنن .

د- بث الأمل ودفع اليأس :

أي بث الثقة والأمل فى نفسه .. ذلك أن المسلم الذي يعمل منفردا لدين الله يعتريه بين الحين والحين خاطر : ( ماذا أصنع وحدي ، وأعداء الله – فى داخل الأمة وخارجها كثر ، ولهم خططهم وأساليبهم الخبيثة الماكرة ، وممسكون الآن بخناق العالم الإسلامي ) ؟ ولا يزال هذا الخاطر يلح عليه وليس عنده ما يدفعه به حتى يدب اليأس والقنوط الى نفسه فيترك العمل لدين الله .

أما إذا كان يعمل لهذا الدين من خلال جماعة ، وعرض له مثل هذا الخاطر ، فإنه يستطيع دفعه بأنه ليس وحيدا فى الميدان ، وإنما هناك آخرون غيره يسيرون معه فى نفس الطريق ، ولهم من الوسائل والأساليب والإمكانيات ما يعينهم على مواجهة أعدائهم وإحباط مكايدهم ومخططاتهم .

وهكذا تبث الجماعة فى نفس المسلم الثقة والأمل بأن نصر الله آت لا محالة ، وأن السيادة والغلبة ستكون لدين الله عز وجل .

هـ- تجديد النشاط والهمة :

أي تجديد نشاطه بما يقوي عزيمته ويعلي همته ويضاعف من جهده .. ذلك أن المسلم تعتريه فى بعض الأحيان حال من الفتور والتراخي بسبب ضخامة الأعباء ، وبعد الطريق ، ومشقة العمل ، فإذا ما التقي بإخوانه وتفرس نور الطاعة فى وجوههم ، ورأي كثرة خشوعهم ، وشدة إقبالهم على ربهم .. زال هذا الفتور وذلك التراخي وامتلأ حماسا وحيوية ونشاطا فيضاعف من جهده ، كأنما لم يعمل لدين الله من قبل .

وقد أشار النبي صلي الله عليه وسلم الى هذا الدور حين قال : " ألا أخبركم بخير الناس قالوا : بلي يا رسول الله ، قال : من تذكركم رؤيته بالله عز وجل " أخرجه ابن ماجة فى السنن

و- اكتساب الخبرات والتجارب :

أي تزويده بكثير من الخبرات والتجارب التي تعينه على مواجهة ما يعترض طريقه من صعاب وعقبات .. ذلك أن طريق العمل لدين الله طريق مليئة بالعقبات ومحفوفة بالمخاطر ، والمسلم الحصيف الذكي هو الذي يملك الخبرة أو التجربة آلتي تعينه فى التغلب على هذه العقبات والنجاة من تلك المخاطر وليس هناك مجال أرحب وأوسع يكتسب فيه المسلم الخبرات ويتعلم التجارب سوي الجماعة ، ولعلنا بذلك نستطيع أن نفسر دقة السلوكيات والتصرفات الواقعة من الفرد المخالط للجماعة عن نظيراتها من الفرد الذي يعيش وحده .

ز- التعاون من أجل نصرة دين الله :

أي إعانته على تأدية واجبه نحو دين الله عز وجل ، إذ أن من واجب المسلم نحو دين الله : الدعوة الى هذا الدين ، ونصرته ، وتبقي رايته عالية فى العالمين ، ولن يستطيع المسلم القيام بهذين الواجبين وحده ، وإنما لابد له من أعوان يشدون أزره ويقوون عضده ويعينونه على أمره . ولعل أوضح مثال يؤكد لنا عجز المسلم عن القيام بهذين الواجبين وحده : رغيف الخبز فإنه مع صغر حجمه لا يصل الى الإنسان إلا بعد عمل عشرات بل مئات من البشر تعاونت على تجهيزه وإعداده وتقديمه .

ومن كان فى شك من ذلك فليسأل نفسه : من حرث الأرض ؟ ومن بذر فيها الحب ؟ ومن سقاه بالماء ؟ ومن اقتلع الحشائش الضارة منه ؟ ومن حصده ؟ ومن نقله الى الجرن ؟ ومن درسه ؟ ومن فصل الحب عن التبن ؟ ومن طحنه ؟ ومن عجنه ؟ ومن خبزه ؟ ومن سواه بالنار ؟ ومن حمله إلينا ؟ ومن ؟ ومن .. ؟ هذا فضلا عن القوي الكونية الأخرى كالشمس والهواء والماء والتربة … الخ ، وفوق هذا وذاك يد الله – عز وجل – ( أفرأيتم ما تحرثون ، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) الواقعة 63 ، 64 وعليه فمن زعم أن بوسعه الاعتماد على نفسه فى تحصيل هذا الرغيف - الصغير فى حجمه البسيط فى مكوناته - فانه سيموت أو يشرف على الموت قبل أن يحصل عليه .

و إذا كان الحال كذلك فى أمر بسيط هين كرغيف الخبز فكيف لو كان الأمر أمر دعوة و جهاد . و لعل هذا هو ما عناه الحق تبارك و تعالى حين قال : " و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون " سورة آل عمران 1.4 . " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله" سورة الأنفال 39 " و جاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم " سورة الحج 78 إلى غير ذلك من الآيات.

ح- حفظ الهيبة والكرامة :

أي حفظ هيبته وحرمته وكرامته فلا يجرؤ الأعداء على إيذائه أو التطاول عليه فى دم أو مال أو عرض ، لأن له من جماعة المؤمنين ظهيرا ونصيرا ، وحتى لو تجرأ هؤلاء فآذوه فى دم أو مال أو عرض فإن إخوانه سينصفونه وسيردون له مظلمته على نحو ما حدث حين اعتدي يهود بني قينقاع على حرمة امرأة مسلمة ، وإجلاء النبي صلي الله عليه وسلم لهم ، وكما حدث حين لطم الرومي المرأة المسلمة فى عمورية ، واستنجدت بالخليفة المعتصم العباسي فجهز الخليفة جيشا ضخما آخره عنده ، وأوله فى عمورية لتأديب الروم على هذه الفعلة القبيحة .

هذا هو شأن المسلم حين يكون فى جماعة ، أما إذا كان وحده فإن الأعداء سيتربصون به الدوائر ، وسيكيدون له بكل ما أوتوا من قوة ووسيلة .

ولعل هذا هو السر فى حرص الأعداء على أن يظل المسلمون منقسمين على أنفسهم إيمانا منهم بأن السيطرة عليهم والإذلال لهم ونهب ثرواتهم وخيرات بلادهم كل ذلك لا يتم إلا فى جو من الفرقة والشقاق ، ومن شعاراتهم فى هذا الصدد ( فرق تسد ) .

وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن أن ندرك الهدف من أمر الله عز وجل للجماعة المسلمة بالوحدة ونبذ الفرقة والتنازع : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) آل عمران 1.3. ( و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) . الأنفال 46

ط- فتح مجال الأجر والثواب :

أي فتح مجالات للأجر والثواب أمام المسلم : ذلك أن المسلم مع الجماعة يجد الفرصة أمامه سانحة لتحصيل مزيد من الأجر والثواب ، فهو يسلم على المؤمنين ، وينصح لهم ، ويلبي دعوتهم ، ويشمت عاطسهم ، ويعود مريضهم ، ويشيع ميتهم ، ويتفقد غائبهم ، ويودع مسافرهم ، ويستقبل قادمهم ، ويقرض محتاجهم ، ويفرج عن مكروبهم ، ويهدي لهم ، ويقبل هديتهم ، ويشير عليهم ، ويعلم جاهلهم ، ويتعلم من عالمهم ،... الخ هذه المجالات المؤدية الى الأجر والثواب ، أما إذا كان وحده فأني له أن يقوم بشيء من ذلك ؟ والمجال أمامه مغلق أو مسدود .

ى - التأهل لتأييد الله :

أي استجلاب عون الله وتأييده ونصره ، ذلك أن المسلمين مهما كانت كثرتهم ومهما كانت ضخامة استعدادهم محتاجون الى عون وتأييد من الله عز وجل ، خالق كل شئ والذي بيده الأمر كله ، وقد مضت سنة الله .. ألا يتنزل نصره دون تضحيات : أن يجاهد المسلم نفسه وهواه . . . وأن يكون مع الجماعة ، ينفذ ما تأمر به ، ويجتنب ما تنهى عنه.

ولقد لفت النبي صلي الله عليه وسلم الأنظار الى هذا المعنى حين قال " يد الله مع الجماعة "

التقويم

س1- عدد الفوائد التى تعود على الفرد من خلال تواجده فى العمل الجماعى ؟

س2- اشرح هذه العبارة "لا يعرف الانسان ما تنطوى عليه شخصيته من قوة او ضعف الا اذا عاش وسط جماعة"

س3- قال صلى الله عليه و سلم " ألا أخبركم بخير الناس قالوا بلى يا رسول الله ........................." أكمل ؟

س4- وضح السر فى حرص أعداء الإسلام على ان يظل المسلمون منقسمين على أنفسهم ؟

س5- وضح كيف تهيىء الجماعة الفرصة أمام الفرد لتحصيل مزيد من الثواب و الأجر ؟

س6- وضح ما الذى استفادته أنت من تواجدك مع إخوانك ؟

س7- وضح كيف تجعل مقولة رسول الله صلى الله عليه و سلم واقعا فى حياتك " المؤمن مرآة أخيه " .

س8- الجماعة هى المجال الوحيد الذى يوظف طاقات المسلم ، وضح هذه العبارة ؟

س9- قال صلى الله عليه و سلم " ألا أخبركم بخير الناس قالوا بلى يا رسول الله قال : ................ " أكمل ؟

س10- ما الذى كنت تطمح فى تحققه من تواجدك مع إخوانك و لم يتحقق حتى الآن ؟ و لماذا ؟

 

استبانة يستطيع من خلالها الدارس أن يقوِّم مدى تحقق فوائد العمل الجماعي لديه ( على المستوى الفردي )

م

مظاهر تحقق فوائد العمل الجماعي

دائما

غالبا

احيانا

نادرا

1

هل تحرص على ملاحظة عيوبك من خلال سلوكيات إخوانك .

 

 

 

 

2

هل تبادر إلى طلب العون من إخوانك فى تهذيب سلوكك

 

 

 

 

3

هل تحرص على معاونة إخوانك فيما يقومون به من أعمال مختلفة

 

 

 

 

4

هل تطرد من نفسك خواطر الياس و القنوط بالعمل للإسلام .

 

 

 

 

5

هل تحرص على دفع الفتور عن نفسك بالتواجد وسط إخوانك .

 

 

 

 

6

هل تحاسب نفسك على ما تعلمته من خبرات و تجارب من إخوانك .

 

 

 

 

7

هل تشعر أنك عزيز كريم كثير باخوانك .

 

 

 

 

8

هل تستثمر كل فرصة يهيئها لك إخوانك لتحصيل مزيد من الأجر .

 

 

 

 

9

هل أنت متاكد من استحالة نصرة الاسلام بعمل فردى .

 

 

 

 

1.

هل تشكر الله على نعمة وجودك مع إخوانك العاملين لدين الله .

 

 

 

 

 

 

الحلقة

الرابعة

والثلاثون

 

الحلقة الرابعة والثلاثون

 

 

وجوب العمل الجماعي

الهدف المرحلى الرابع : أن يوضح شروط ومتطلبات العمل الجماعي .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس بعض الأمور الأساسية التى يلزم تحقيقها فى الفرد فى العمل الجماعى .

  2. أن يوضح الدارس الالتزامات التى ينبغى على الفرد الالتزام بها فى العمل الجماعى .

  1. أن يوضح الدارس أهم آداب العمل الجماعى .

 

أ- أمور أساسية يلزم تحقيقها :

إن الفرد الذى يعمل فى جماعة لتحقيق مبادىء الإسلام يلزم أن تتحقق عنده أمور أساسية نذكر منها :

1- أن يعرف ماذا يعنى إنتماؤه للإسلام ، وأنه ليس مجرد إنتماء بالميلاد أو الوراثة ، ولكن يفهم أن الإسلام و العمل له هو قضيته المصيرية ورسالته التى خلق من أجلها فى هذه الدنيا ، وأن سعادته فى الدنيا والآخرة تتحقق بالتزامه بالإسلام وقيامه بمتطلباته ، وأن أى مخالفة أو تقصير فى هذا المجال يترتب عليه الإثم و الحساب و الجزاء .

2- أن يتعرف على طبيعة المرحلة التى تمر بها الدعوة الإسلامية فى هذه السنوات ومتطلبات هذه المرحلة ، ذلك أن المخالفين للإسلام تآمروا ضد الإسلام واحتلوا بلادهم ثم أبعدوا شريعتهم عن الحكم ، واسقطوا دولة الخلافة ، وغزو شعوب المسلمين بكل أسباب الفساد والإنحلال و الضعف و الفرقة و الشعور بالحاجة الى الأعداء والركون إليهم والاستسلام لمخططاتهم ، واصطنعوا عملاء لهم ينفذون مخططاتهم فى بلادهم بعد أن أجلينا جيوشهم بدماء شهدائنا .

3- أن يعلم أنه لاخلاص من هذه الحال إلا بالعودة الصحيحة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فتعود للمسلم شخصيته الإسلامية القوية العزيزة المؤمنة بالله و المؤمنة برسالتها فى هذه الدنيا ، وشعور المسلم بأستاذيته للبشرية لانتمائه لهذ الدين الحق .

4- أن يؤمن بضرورة العمل على مساندة قضايا المسلمين التى تدفع كل اعتداء على أرضهم وأرواحهم وأعراضهم وتحرير بلاد المسلمين وشعوبهم من كل سلطان للأعداء وخاصة فلسطين و المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ، ويعلم أيضاً أن الواجب الثقيل لا يمكن أن يتحقق فردياً بأن يعمل كل مسلم وحده ولكن لابد من العمل الجماعى المنظم الذى يوحد الجهود لإقامة هذا البناء الضخم وذلك بناءً على القاعدة المعروفة :( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) .

5- ثم عليه بعد علمه بوجوب العمل الجماعى أن يستشعر أهمية اختيار الجماعة التى يعمل معها كى لا يبذل وقته وجهده وماله ونفسه فى غير الطريق الصحيح ، وعليه أن لا يتسرع فى اختيار الجماعة ولكن عليه أن يتثبت ويستوثق ويطمئن عند الاختيار . وحينما يختار الفرد الجماعة التى يعمل من خلالها يجب أن يختارها بمحض اختياره وإرادته دون إحراج أو إكراه أو مجاملة ، فالقضية خطيرة ومصيرية ويترتب عليها تبعات ومسئوليات ، وعليه بعد الاختيار ألا يتأثر بأى تشكيك يثار حول الجماعة و العمل الجماعى مما يثيره الأعداء أو بعض المسلمين عن جهل . وليعلم الفرد أن العمل الجماعى يستتبع شروطاً والتزامات يجب أن يكون على علم بها وأن يكون مستعداً للالتزام و الوفاء بها ، كى تستطيع الجماعة تحقيق أهدافها ، والأولى عدم الإنتماء ابتداءً إذا لم يتوفر الاستعداد للالتزام

6- ومعلوم أصلاً أن العمل فى هذا المجال إنما هو لله سبحانه وليس لأشخاص ، وأن الأجر و المثوبة من الله ، ويستلزم ذلك إخلاص الوجهة لله ، ويعلم الفرد أن تعهده وبيعته لقيادة الجماعة إنما هو فى الحقيقة تعهد وبيعة لله ويلزمه الوفاء بها وعدم النكث فيها :{ إن الذين يبايعونك إنما يباعون الله يد الله فوق أيديهم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً } الفتح 1. . وأن يستشعر ما هو فيه من خير عظيم بانتظامه فى ركب العاملين الصادقين للإسلام ، بحيث يدفعه هذا الشعور إلى الحرص الشديد على هذا الخير وألا يفرط فيه أو يبتعد عنه ، وأن يروض نفسه على الصبر و التحمل لمتاعب الطريق ومشاقه سواء من خارج الصف أو حتى من داخله ، فالقضية ليست كالوظائف الدنيوية إذا فقدها فى مؤسسة يجد غيرها فى مؤسسة أخرى ، ولكنه عمل أخروى له أهداف محددة وطريق واحدة ، ولا يصلح معه أى طريق كما لا يصلح معه العمل الفردى .

7- على الفرد أن يعلم أن ألزم شىء له على طريق الدعوة دوام مراقبته لله تبارك وتعالى وتذكر الآخرة والاستعداد لها ، وأن يقطع مراحل السلوك الى رضوان الله بهمة وعزيمة ، وأن يتقرب الى الله بالنوافل كقيام الليل و الصيام ثلاثة أيام على الأقل كل شهر والإكثار من الذكر القلبى واللسانى والإلحاح بالدعاء المأثور .

 

ب- التزامات وسلوك على الأفراد مراعاتها والإلتزام بها :

إن طريق العمل الإسلامي طريق التطهر والتعفف والتنظف طريق المرحمة والمكرمة .. طريق المثابرة والإخلاص .. وإن طريقا هذه مواصفاتها لا يمكن أن يثبت عليها غير المؤمنين المحلقة قلوبهم بواحد أحد ، الناظرة نفوسهم إلى فرد صمد " ومن يتق الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل لكل شئ قدرا "

ولابد لمن يتصدى لهذا العمل الضخم أن تتوافر فيه بعض الشروط منها :-

1- أن يكون مؤمناً إيماناً قوياً بهذا العمل الجماعى ومتطلباته : بحيث تكون هذه المهمة مستحوذة عليه وتكون هى الشغل الشاغل له ، ونسوق فى هذا المجال كلاماً للإمام الشهيد رضى الله عنه إذ يقول :" إن مهمة المسلم الحق أوضحها الله تبارك وتعالى فى آية واحدة من كتابه ورددها القرآن الكريم بعد ذلك فى عدة آيات ، فأما تلك الآية التى اشتملت على مهمة المسلمين فى الحياة فهى قول الله تبارك وتعالى :{ يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } الحج 78 .

ان عبادة ربكم و نصرة وإعزاز شريعتكم هى مهمتكم فى الحياة فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون ، وإن أديتم بعضها أو أهملتموها جميعاً فإليكم أسوق قول الله تبارك وتعالى :{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم } المؤمنون 115-116

2- أن يطوع ظروف حياته كلها لصالح العمل للدعوة : ويخضع أموره الخاصة من عمل ومسكن وزواج وسفر وغير ذلك لمصلحة الدعوة بحيث لا يضعف شىء من ذلك إنتاجه للدعوة . وأن يهيىء نفسه بكل جوانبها ومقوماتها ليكون أداة فعالة صالحة لتحقق الجماعة به وبأمثاله ما تنشده من أهداف وآمال : وفى هذا المعنى يقول الإمام الشهيد :" إن الإسلام يريد فى الفرد وجداناً شاعراً يتذوق الجمال والقبح وإدراكاً صحيحاً يتصور الصواب و الخطأ ، وإرادة حازمة لا تضعف ولا تلين أمام الحق ، وجسماً سليماً يقوم بأعباء الواجبات الإنسانية حق القيام ويصبح أداة صالحة لتحقيق الإرادة الصالحة وينصر الحق و الخير "

3- أن يستوثق من إخلاص نيته لله : وذلك بأن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله كله وجه الله وابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر وبذلك يكون صاحب عقيدة وفكرة لا صاحب غرض ومنفعة ، فالله تعالى لا يقبل إلا العمل الخالص لوجهه .

4- أن يلتزام بالفهم الصحيح الشامل للإسلام : الذى ارتضته الجماعة والتقت عليه بعيداً عن الاجتزاء والإنحراف أو الخطأ ، فعلى الفرد الإلتزام بهذا الفهم وعدم السماح ببروز مدارس فكرية مختلفة داخل الجماعة فتحدث تمزقاً وتشتتاً ، بل يكون كل فرد حارساً أميناً على هذا الفهم من أى تحريف أو تغيير .

5- أن يلتزم طريق العمل وخطواته كما حددته الجماعة لتحقيق هدفها العظيم : وذلك بإعداد الفرد المسلم النموذج الصحيح ، والبيت المسلم الملتزم بتعاليم الإسلام و المؤسس على التقوى من أول يوم ، وإعداد المجتمع المسلم المدعوم بهذه الركائز من الأفراد والأسر المسلمة ليكون قاعدة صلبة متماسكة. وليعلم كل فرد أن أى مخالفة لهذه الخطوات وبهذا الترتيب تعرض الى نتائج خطيرة فيقوم البناء على أساس ضعيف ولا يصمد أمام التحديات . وليعلم أنه مهما طال الطريق وكثرت عقباته فليس هناك طريق غيره ، وهو مقتبس من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألا يستجيب لتشكيك المشككين أو تثبيط المثبطين بسبب طوله وعقباته فالزمن يقاس بعمر الدعوات والأمم وليس بأعمار الأفراد كما أننا لسنا مسئولين عن النتائج وأما العقبات فهى سنة الله فى طريق أصحاب الدعوات .

 

6- أن يكون لديه العزم على التضحية بالمال والنفس فى سبيل إعلاء كلمة الله والتمكين لدين الله فى الأرض وأن يكون قد عقد الصفقة الرابحة مع الله " إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " التوبة 111.

فهذا صهيب الرومي يقول : لما أردت الهجرة من مكة الى النبي صلي الله عليه وسلم قالت لي قريش يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك ، والله لا يكون ذلك أبدا ، فقلت لهم : أرأيتم أن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا : نعم . فدفعت إليهم مالي فخلوا عني فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال : ربح صهيب ربح صهيب مرتين .

فعلى الفرد أن يروض نفسه على التضحية بكل غال ونفيس فى سبيل الله ، وألا يبخل على الدعوة بمال أو جهد أو وقت أو علم أو بنفسه فالدعوة تطلب منه كله لا بعضه ، ثم إن ما يقدمه من خير يجده عند الله هو خيراً وأعظم أجراً :{ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة ضغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } التوبة 12.،121 ، وهذا إنذار من الله لمن يبخل بشىء فى سبيل الله :{ هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء * وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } محمد 38

7- أن يوطن نفسه على الثبات على طريق الدعوة وعدم التخلى عن عمله فى الجماعة و التحمل فى سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام وكثرت العقبات حتى يلقى الله على خير دون تبديل أو تغيير فينال جزاء الصادقين :{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً * ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً } الأحزاب 23 ، 24 .

8- أن يخلص ولاءه للدعوة ويتخلص من أى ولاء لسواها من المبادىء والأشخاص ، ولو كان أعز أقربائه :{ قد كان لكم أسوة حسنة فى إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده }[ الممتحنة 4 ] هذا التجرد لدعوة الله أمر لازم وضرورى لضمان استمرارية العمل و العاملين دون تعرض للتسيب والإنفراط ولتفادى إزدواجية الولاء وما يترتب عليه من أضرار .

9- أن يجعل شعاره أصلح نفسك وادع غيرك : فيعمل على الرقى بمستواه دائماً ففى ذلك قرب من الله وعون له على مواصلة السير وتخطى العقبات و التحرز من المنعطفات ، وليحرص على التزود على الطريق بزاد التقوى ، وعليه أن يكون حريصاً على وقته منظماً فى شئونه نافعاً لغيره قادراً على الكسب مجاهداً لنفسه ، حذراً من فتنة المال و الولد و الزوجة وغير ذلك من زخرف الحياة الدنيا . كما أن عليه أن يهتم ببيته وأهله ، فيحسن اختيار الزوجة ويحسن معاملتها وتوقيفها على حقوقها وواجباتها وعلى تعاليم الإسلام وآدابه فى كل جوانب الحياة المنزلية وزيها الإسلامى و الحلال و الحرام فى المطعم و المشرب و الملبس ، وأن يعيشوا معانى الدعوة والاهتمام بتربية الأولاد و الخدم . وعليه أن يحرص على دعوة الغير ليزداد صف العاملين الصادقين .

10- أن يملأ قلبه بالأمل أن المستقبل للإسلام : وأن هذا الليل الطويل من الظلم و الظلام لابد له من نهاية ومن إشراق يبدد ظلامه ويصاحبه نصر الله وإزهاق الباطل و التمكين لدين الله فى الأرض . وألا يستجيب لأى إحباط نفسى إزاء هزيمة ما، لما لذلك من انعكاسات ضارة بالصف وبالعمل الإسلامى ، ولنعلم أن الهزيمة الحقيقية هى هزيمة القلوب بأن يصيبها وهن أو ضعف يؤدى الى الاستكانة وفى مثل هذه المواقف نجد الله سبحانه وتعالى يوجه المسلمين فيقول :{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [ آل عمران 139 ] إلى آخر الآيات و التى يأتى بعدها هذا المثل :{ وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } [ آل عمران 146 ] ، وكذلك لا يداخلنا زهو أو غرور عندما يحقق الله لنا نصراً كبيرا .

 

ولعله من المفيد بعد استعراض هذه الأمور السابقة التى يجب على الأفراد فى الجماعة التحلى بها والتزامها أن نذكر بعض عبارات موجهة إالى الشباب من البنا رحمه الله تعالى إذ يقول : " أيها الشباب : إنما تنجح الفكرة إذا قوى الإيمان بها ، وتوفر الإخلاص فى سبيلها ، وازدادت الحماسة لها ، ووجد الاستعداد الذى يحمل على التضحية و العمل لتحقيقها ، وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة : الإيمان والإخلاص و الحماس و العمل من خصائص الشباب ، لأن أساس الإيمان القلب الذكى ، وأساس الإخلاص الفؤاد النقى ، وأساس الحماس الشعور القوى ، وأساس العمل العزم الفتى ، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب ، ومن هنا كان الشباب قديماً وحديثاً فى كل أمة عماد نهضتها ، وفى كل نهضة سر قوتها ، وفى كل فكرة حامل رايتها :{ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى } .

 

ج - من آداب العمل الجماعي :

1 – الأخوة :

ويجب على كل فرد يؤمن بوجوب العمل الجماعي أن يبادل إخوانه الحب والأخوة فى الله : بحيث ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة وهو أوثق الروابط وأعلاها ، وليعلم أن الوحدة رمز القوة ولا وحدة بغير حب وأقل الحب سلامة الصدر ، وأعلاه مرتبة الإيثار بحيث يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه ، لأنه إن لم يكن بهم لم يكن بغيرهم ، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً: { و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض } التوبة 71 ، وليعلم أن الشيطان وأعوانه يغيظهم وحدة العاملين للإسلام وتحابهم فيحاولون جهدهم للنيل من هذه الوحدة وذلك الحب ، فليحذر من ذلك كل الحذر ، وليحرص على سلامة الصدر ويتجنب الغيبة و النميمة ، ولا يشجع عليها بالاستماع إليها من غيره بل ينصح غيره بعدم الوقوع فيها :{ وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً } [ الإسراء 53 ].

والاخوة هي إحدى المقومات الأساسية التي يعتمد عليه الإسلام فى بناء المجتمع الإسلامي ، وإحكام الرباط بين أفراده وأبنائه . ويوم أقام الرسول صلي الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي فى المدينة ، كانت الدعامة الثانية فى صرح الدولة الإسلامية الفتية ، بعد العقيدة التي تمثلت فى بناء المسجد النبوي الشريف .

والأخوة كذلك وسيلة يستعين بها الاخوان على قضاء حوائج الأزمان ومغالبة الصعاب ومواجهة الأزمات . قد لا يطيق الإنسان تحمل الأعباء وحيدا ، ومواجهة المسؤوليات فريدا فلابد له من إنسان آخر تطمئن إليه نفسه وتأنس به روحه ، فيستنهضان همم بعضهما البعض ، ويشدان إزر بعضهما البعض مصداقا لقوله تعالي " سنشد عضدك بأخيك " وهذا موسى عليه السلام عندما ألقيت عليه تكاليف النبوة سأل ربه أن يجعل أخاه هارون رفيقا له فى مهمته ومعينا فى دعوته " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشد به أزري وأشركه فى أمري . كي نسبحك كثير ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا "[ طه 29 – 35 ]

 

2 ) الثقة :

أ ) الثقة بالمنهج :

لا يمكن للمسلم أن يعمل ، ويتحرك ، ويخالف هواه من غير قناعة بأنه يحمل منهجا هو الحق كله ، الحق الذي قامت عليه السموات والأرض . قال تعالي " فلا تك فى مريه منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " وقال جل شأنه " فتوكل على الله إنك على الحق المبين " .

إن اقتناع المسلم الى درجة اليقين الجازم ، الذي لا أرجحة فيه ولا تردد بأن دينه هو الدين الوحيد الذي يتقبله الله من الناس بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام وبأن منهجه الذي كلفه الله أن يقيم الحياة عليه ، منهج متفرد ، لا نظير له بين سائر المناهج ، ولا يمكن الاستغناء عنه بمنهج آخر ، ولا يمكن أن يقوم مقامه منهج آخر ولا تصلح الحياة البشرية ولا تستقيم إلا أن تقوم على هذا المنهج وحده دون سواه .

إن اقتناع المسلم الى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو – وحده – الذي يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض لتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس ، فى وجه العقبات الشاقة ، والتكاليف المضنية ، والمقاومة العنيدة ، والكيد الناصب ، والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة فى كثير من الأحيان .

ب ) الثقة في المسؤولين : " وعلى الفرد المسلم أن يثق بقيادته ثقة كبيرة لا حدود لها " ثقة تبعث الاطمئنان الذي ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة فالمسؤول جزء من الدعوة ولا دعوة بغير مسؤول وعلى قدر الثقة المتبادلة بين المسؤول والاعضاء تكون قوة نظام الجماعة وأحكام خططها ونجاحها فى الوصول الى غايتها وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب . فالثقة بالمسؤولين أمر مهم فى نجاح الدعوات ، وإذا خالطه شئ فى نفسه فليسارع فى إزالته بالتبيين واللقاء والمصارحة ، وألا يسمح لنفسه أن تتأثر بالشائعات المغرضة والتشكيك الذي يثيره الأعداء فى صورة نصائح بغرض بث الفرقة وتوهين العزائم والنيل من وحدة الجماعة

" القدوة على طريق الدعوة "

ولكي ترسخ هذه الثقة فى القلب وتصبح واقعا عمليا فى حياة الفرد المسلم عليه أن يتعرف على مسؤوله عن قرب ، ويدرس ظروف حياته وأن يطمئن لكفايته وإخلاصه وأن يحاول دائما الاقتراب الدائم منه فإذا تم ذلك فيسهل عليه أن يسمع ويطيع لهذا المسؤول دون تردد ودون مراجعة ولا شك ولا حرج مع إبداء النصيحة والتنبيه الى الصواب بل سيفترض فى نفسه الخطأ وفى المسؤول الصواب إذا تعارض ما أمر به مع ما تعلم فى المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص شرعي .

ومع الثقة بالمسؤولين عليه أن يثق بمن يسير معه فى الطريق فلا ينتقص من أحد بل ويوقن أن أيا ممن يسير معه مهما كان حجمه فهو أفضل عشرات المرات ممن توقف عن السير أو ممن لم يفكر فى السير ابتداء.

3 - الطاعة :- ومفهوم الطاعة فى الإسلام يستمد من أصول الدين العقيدية والتشريعية قوته ومداه . فطاعة الفرد المسلم للقيادة يؤكد امتثاله لأمر الله ... ( فالقيادة ) فى الإسلام هي السلطة التنفيذية التي تتولى تطبيق أحكام الإسلام .. أو تسعي وتمهد لاستئناف حياة إسلامية تطبق فيها الأحكام : كما هو شأن المسلمين فى المرحلة الحاضرة وهذا بدون شك من أمور الله .

وبذلك تصبح طاعة الفرد المسلم لها من طاعة الله ، وعصيانها من عصيان الله ... ولذلك خص القرآن الكريم على ذلك بقوله " يأيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " النساء 59 .

وعبر الرسول عن ذلك : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله . ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني " متفق عليه

وعلى الأخ المسلم أن يعد نفسه لامتثال وطاعة " المسؤول " كائنا من كان المسؤول طالما أن مسؤوليته شرعية ... وليس من خصائص الطاعة فى الإسلام أن تكون لشخص دون شخص . كما ينبغي ألا تخضع للأهواء والأذواق الشخصية . ويكفي دلالة على هذا قول الرسول صلي الله عليه وسلم " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما جاءه كتاب عزله من قيادة الجيش وتولية أبي عبيدة بن الجراح مكانه امتثل الأمر .

وعلى الفرد المسلم أن يعود نفسه ويخضعها لطاعة وامتثال أمر القيادة وأن لا يدع مجالا للشيطان ووسوسات الكبر فى نفسه . فالنفوس العاتية يتعسر قيادها ويصعب مقادها ... والكبر مرض عضال يقصم الظهور .. وباب الى النفس يدخل منها الشيطان .. والطاعة والتواضع يأباها المتكبرون وتشق على نفوس المكابرين

 

 

التقويم

س1- أكمل العبارات الآتية بما يناسب :

*- الانتماء للاسلام ليس مجرد انتماء بـ .........

*- فى ظل حال الأمة المتردى العمل للإسلام من خلال جماعة ليس أمرا .......... لمن شاء .

*- لا خلاص من حال المسلمين المتردى الا بالعودة الى .........و.......... .

*- اختيار الجماعة التى أعمل معها لله أمر لابد أن يتم بعد دراسة و بدون ......... .

*- ما لا يتم الواجب إلا به فهو ........

*- العمل فى جماعة و الالتزام معها هو فى حقيقته تعهد و بيعة مع .......... يلزم ........ بها

*- الزم شىء لصاحب الدعوة على طريق دعوته دوام ......... الله و تذكر ........

س2- حدد التزامات الفرد الذى يريد العمل الجماعى ؟

س3- اشرح هذه العبارة " الواجب على الفرد الذى يعمل فى الجماعة أن يطوع حياته كلها لصالح دعوته " ؟

س4- قال صلى الله عليه و سلم " من أطاعني فقد أطاع الله ..................................... " أكمل ؟

س5- " المحن و الابتلاءات هى ............ في الدعوات " أكمل ؟

س6- من يعمل فى جماعة شعاره " أصلح .......... و ادع ............ " أكمل ؟

س7- يقول البنا رحمه الله تعالى " أيها الشباب : إنما تنجح الفكرة إذا قوى ....... بها و توفر ................. و ازدادت ............... و وجد الاستعداد الذي ................................ " أكمل ؟

س8- ما هى آداب العمل الجماعى مع تأييد هذه الآداب بما جاء فى الكتاب و السنة ؟

س9- من قائل هذه العبارة و متى قالها " و الله لو أمر على أمير المؤمنين امرأة لسمعت و أطعت "

س10- وضح السبل و الآداب التى على صاحب الدعوة سلكها تجاه مسؤوله حتى تثمر بينها ثقة ينتج عنها حب و تقدير ؟

س 11- قوِّم إلى أى مدى تلتزم بآداب العمل الجماعي .

استبانة يقوِّم من خلالها الدارس مدى التزامه بآداب العمل الجماعي :

م

المظاهر

ممتاز

جيد

متوسط

ضعيف

1

يخضع أموره الخاصة لمصلحة دعوته .

 

 

 

 

2

ألا يوالى هيئة أو شخص أو فكرة تعادى الاسلام و الجماعة .

 

 

 

 

3

علاقته بإخوانه أساسها الحب و سلامة الصدر .

 

 

 

 

4

يتجنب أحداث المشاكل و يؤثر العفو و كظم الغيظ .

 

 

 

 

5

يقبل النصيحة و التوجيه و ينزل عليها دون تبرم أو ضيق .

 

 

 

 

6

يراعي أمانات المجالس فلا يحدث بكل ما يسمع .

 

 

 

 

7

يطيع مسؤوله و يمتثل لأمره في المعروف .

 

 

 

 

 

 

الحلقة

الخامسة

والثلاثون

 

الحلقة الخامسة والثلاثون

 

 

وجوب العمل الجماعي

الهدف المرحلى الخامس : أن يوضح الدارس المواصفات التي يجب توافرها في الجماعة .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس أهم الخصائص التى يلزم توافرها فى الجماعة المسلمة القدوة .

  2. أن يختار الدارس الجماعة التى ينبغى عليه العمل معها . ( حلقة نقاشية )

 

أ- الجماعة المسلمة القدوة :

نتعرض لبعض الصفات أو السمات التى يلزم توافرها فى الجماعة الإسلامية القدوة ، ليسترشد بها الشباب الذي يحار عند اختياره الجماعة التى يعمل من خلالها لتحقيق واجبه نحو إسلامه ،

فمن الأمور الأساسية التى يلزم توفرها فى الجماعة الإسلامية القدوة :

  1. الربانية : أن يكون القصد من قيامها ربانيا خالصا لوجه الله وابتغاء مرضاته بعيد عن أي قصد دنيوي كالرغبة فى الشهرة أو المناصب أو حب الظهور ، وأن تكون بعيدة عن الدوافع الجاهلية كالعصبية القبلية أو الإقليمية أو غير ذلك فإن مثل هذه الأمور تحبط الأعمال ، كما أن عليها أن تحمي نفسها من أن تخضع لهيمنة الآخرين سواء أكانوا حكومات أم أعيانا أم كبراء ، حتى لا يطمس نورها الصافي إي لون آخر ، ولتؤدي رسالتها فى الطريق الصحيح ، وحتى لا تحاول أي جهة من هذه الجهات استغلالها وتوجيهها إلى غير الغاية التى قصدت إليها .

  2. هدفها التمكين لدين الله : أن يكون الهدف الذي قامت من أجله هو ذلك الهدف الكلي الجامع وهو التمكين لدين الله فى الأرض بإقامة الإسلام فى حياة الناس ، وأن يكون فى منهاجها القيام بسائر ما يحتاج إليه ذلك الهدف من خطوات وإعداد . فلا يصح أن تحصر نفسها فى جزئيات محدودة من أمور الدين وتمنع أفرادها من تجاوزها .

  3. الشموليه فى فهم الإسلام : ومن ألزم الأمور للجماعة الإسلامية القدوة أن يكون فهمها للإسلام فهما شاملا سليما بعيدا عن أي اجتزاء أو خطأ ، ونقيا من أي شوائب أو بدع وخرافات . ولكن يكون مطابقا لكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم متجنبا الخلافات التى مزقت المسلمين إلى فرق وطوائف .

  4. العالمية : أن تكون عالمية لا إقليمية ولا عنصرية ، لأن دعوة الإسلام موجهة إلى الناس كافة ، والمسلمون جميعا أمة واحدة. ويتمثل فى :

أ - إرساء عقيدة التوحيد وتقوية الإيمان فى القلوب .

ب- الاهتمام بقوة الأخوة والوحدة بين المسلمين .

ج – أن تهتم بتربية أفرادها عقديا وأخلاقيا وثقافيا وبدنيا ليمثلوا الركائز القوية التى يقوم عليها البناء ، وأن تزكي روح الحب والأخوة بينهم فتكون بهم القاعدة الصلبة المتماسكة.

 

  1. إيثار الناحية العملية على الدعاية والمظاهر : وأن تعود أفرادها العمل والإنتاج فى دأب وصمت ، بعيدا عن الجدال وكثرة النقاش ، فكثيرا ما يؤدي ذلك إلى الخلاف أو تعطيل العمل والإنتاج فى حقل الدعوة . كما أن حب الدعاية والظهور قد يشوب الإخلاص ويحبط الأجر والثواب .

  2. العمل حسب خطة عمل كاملة متدرجة وواقعية : وألا يكون عملها ارتجاليا ، أو ردود أفعال ، أو على صورة قفزات غير مدروسة ولا مأمونة العواقب . وخير طريق يوصل إلى الهدف هو إعداد الفرد المسلم اللبنة الأساسية فى البناء ، فهو الذي يقيم البيت المسلم القدوة المؤسس على التقوى كدعامة فى بناء المجتمع المسلم السليم الذي يكون بمثابة القاعدة الصلبة التى تمكِّن لدين الله فى الأرض . كما يجب أن يشمل اهتمامها سائر مجالات العمل المطلوب لتحقيق الأهداف ، فتعني بالجوانب الروحية والتربوية والثقافية والرياضية البدنية ، وتهتم بالجانب الاجتماعي بتحقيق التكامل وتيسير الزواج للشباب ، وبالجانب الاقتصادية بإنشاء المؤسسات الاقتصادية ، وبالجانب السياسي بإعلان صوت الإسلام فى المجالات السياسية والنيابية بعيدا عن أسلوب الأحزاب ومهاتراتها ، وبالجانب الإعلامي المقروء والمسموع والمرئي ، وبإنشاء دور النشر وتقديم كل حديث نافع يساعد على نشر الدعوة ورد الشبهات والأباطيل .

  3. وعليها أن تفكر فى مراحل العمل القادمة وتعد أفرادها لما ينتظرها من مهام ومسئوليات سواء فى مجال الدعوة والتربية ، او في مجالات الحياة المختلفة ، وضرورة إعداد الكفاءات المتخصصة فى كل مجال .

  4. وعليها أن تستفيد من كل إنتاج فكري أو تجريبي على الساحة العالمية طالما أنه لا يتعارض مع الإسلام وتعاليمه . فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها .

  5. النظام : على الجماعة الإسلامية القدوة أن يكون لها نظامها الأساسي ولوائحها التى تنظم عملها وتحدد أهدافها ووسائلها وتحدد أسلوب العمل ومجالاته ، وتحاسب أفرادها وتضبط تصرفاتهم ، وتحمي صفوفها من التسيب ومن أن تخترقها عناصر مشبوهة وعليها أيضا أن تقوم عملها بين الحين والحين لتفيد من الإيجابيات وتتفادي السلبيات .

  6. الشورى : وعليها أن تحقق الشورى فى مؤسساتها وعلى كل مستوياتها ، وأن تشجع أفرادها على المبادرات وتقديم الآراء والاقتراحات والنصح للمسؤولين ، وكذا النقد البناء . مع ترسيخ معاني الطاعة فى غير معصية والالتزام بما ينتهي إليه من آراء . وأن يربي الأفراد على الإيجابية وقوة الشخصية .

  7. الاعتدال : وعليها أن تسلك سبيل الاعتدال متجنبة الغلو أو التفريط سواء فى الأفكار كفكر التكفير أو غيره ، أو فى الحركة كأسلوب الأعمال الفجة المتهورة . وعليها أن تتجنب الترخيص أو التفريط فى أمور العقيدة أو العبادات أو الفرائض عموما ، كذلك عدم الغلو أو التشدد فى التكاليف بما يشق على الكثير .

  8. أن تلتحم مع جماهير المسلمين ، وأن تعيش قضاياهم ، وأن تشاركهم آلامهم وآمالهم : فهم حقل الدعوة وهم الاساس المطلوب إعدادها . ولعله من المعلوم أن أعداء الله وأعوانهم يسعون دائما إلى إقامة الحواجز الوهمية بين الجماعات الإسلامية والشعوب الإسلامية بإلصاق التهم الزائفة بالحركات الإسلامية وتصويرها على أنها خطر على الشعوب ، فالتحام الجماعات الإسلامية بالشعوب يبطل هذه الاتهامات ويظهر زيفها .

  9. الاهتمام بقضايا المسلمين : وعليها أن تتابع القضايا الإسلامية على الساحة وأن تسهم فيها بقدر استطاعتها ، وأن تدعو المسلمين جميعا إلى الإسهام فيها تزكية لروح الوحدة بين المسلمين ، والشعور بالمسؤولية العامة عن كل شبر من أرض الإسلام وتحريره من أيدي المغتصبين وعلى رأس ذلك المسجد الأقصى ، وعن كل روح مسلمة تزهق على أيدي الأعداء فى أي بقعة من العالم .

  10. ألا تتعالى على غيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى : وألا تعتبر نفسها جماعة المسلمين ، أو أنها وحدها على الحق وغيرها على الباطل ، ولكن تسعي جاهدة إلى تحقيق روح الوحدة والتعاون مع غيرها من الجماعات ، وأن تتجنب تجريح الهيئات أو الأفراد وإن تعرضت إلى إساءات من أفراد أو جماعات أخري فعليها أن تصبر وتقابل ذلك بالتي هي أحسن . وكلنا أمل فى أن يأتي اليوم الذي تزول فيه الأسماء والألقاب والفوارق الشكلية بين الجماعات الإسلامية وتحل محلها وحدة عملية تجمع صفوف الكتيبة المحمدية ويصير الجميع إخوانا متحابين ، للدين عاملين ، وفى سبيل الله مجاهدين .

  11. اليقظة للأعداء : وعلى الجماعة الإسلامية القدوة أن تكون يقظة لما يحيكه الأعداء من كيد أو استدراج ، وأن تهيئ أفرادها لتحمل المشاق على طريق الدعوة ، إذ أنه ليس مفروشا بالورود ولكنه ملئ بالأشواك والعقبات والجهد والعرق والدماء ، ويحتاج إلى الصبر والمصابرة والاحتساب ، مع معرفة أن المحن سنة الدعوات ، وأن النصر سيكون فى النهاية لأهل الحق مهما انتفش الباطل واستعلي بعض الوقت " كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " .

  12. تعتمد أسلوب التربية : وذلك بتربية الأفراد والعمل على إيجاد الشخصية المسلمة الجامعة لكل خصال الخير ، المتأبية على كل خصال الشر ، المستأهلة لعون الله وتأييده ونصره ." واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " الحجر 99 . وعلى الجماعة أن توضح لأفرادها مدي الخير العظيم الذي سيقدمونه للمسلمين وللبشرية والأجيال التالية من البشرية بتمكينهم لهذا الدين الحق ، وكذا مدي الثواب العظيم من الله ، فلا شك أن هذه المعاني من شأنها أن تدفع الأفراد إلى التحمل والثبات ومواصلة السير .

  13. أن تعرِّف أفرادها أنهم ستار لقدر الله ، وأن الأمور كلها تتم بإرادة الله وقدرته : وأن مهمتهم الأخذ بالأسباب والوسائل المشروعة أما النتائج فهي بيد الله ، وأنهم لن يحرموا أجر العاملين ولو لم تتحقق النتائج على أيديهم ، وليعلموا أن الزمن فى مجال مهمتنا هذه الكبيرة يقاس بعمر الدعوات والأمم وليس بعمر الأفراد . وأنه حينما تتحقق أسباب النصر سيتنزل النصر على عباد الله المؤمنين لأن وعد الله حق " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " كما أن وعده للمؤمنين بالتمكين سيتحقق أيضا بإذنه تعالي إذا ساروا على الطريق الصحيح طريق رسول الله صلي الله عليه وسلم " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا " [ النور 55 ] فإلى العمل وإلى النصر إن شاء الله .

 

  1. تعتمد سياسة النفس الطويل والتدرج فى الخطوات :

إن ضخامة العبء ونقل التبعات الملقاة على عائق العاملين فى الحق الإسلامي يؤكدان أن الطريق طويل والعمل شاق وإن السائرين على هذا الدرب يجب أن يهيئوا أنفسهم لمواجهة كل عنت ومشقة ولكل بذل ونصيحة " ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " العنكبوت 322

وسئل الشافعي رضي الله عنه : أيهما أفضل للرجل : إن يمكن له أو يبتلي ، فقال " لا يمكّن له حتى يبتلي "

إن على المنتمين للعمل الإسلامي أن يعتمدوا سياسة النفس الطويل . فتكون الدعوة إلى الله على بصيرة بقصد مرضاته ، فلا يتعسفوا الطريق ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها . وهذا لن يتم إلا إذا فهموا أن انتشار الاسلام وسيلة لغاية أسمي فإن تحقق على أيديهم حمدوا الله وإن لم يتحقق فلا يأس ولا قنوط ولا تراجع ولا خوف وبهذا يكونون قد أدوا الأمانات وقاموا بواجب الدعوة وما النصر إلا من عند الله . إن أهداف العمل الإسلامي ضخمة وكبيرة وإن التدرج فى الخطوات وإعطاء كل خطوة حقها من شأنه أن يصل بالدعاة إلى ما يبتغون .

ب- أن يختار الدارس الجماعة التى ينبغى عليه العمل معها . ( حلقة نقاشية )

بعد أن تناولنا أهم الأمور الأساسية التى يلزم توافرها فى الجماعة المسلمة القدوة وأهم خصائصها ينبغى على الدارس أن يدقق فى اختيار مع من يعمل من الجماعات المسلمة العاملة على الساحة والتى تتوافر فيها هذه الأمور والخصائص ، مستعيناً بالله أن يرزقه التوفيق والسداد فى هذا الاختيار .

[ تجرى حلقات نقاشية وورش عمل حول : الجماعات العاملة على الساحة ( أهدافها وخصائصها ووسائلها ) ومقارنة ذلك بالجماعة المسلمة القدوة ، وذلك مما يساعد الفرد على الاختيار الدقيق ] .

التقويم

س1- اذكر الخصائص الواجب توافرها فى الجماعة القدوة ؟

س2- وضح أهم خصائص الجماعة المسلمة القدوة ؟

س3- على الجماعة الاسلامية القدوة ان تسلك طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم الذى انتهجه اولا، و يتمثل فى :

أ- الاهتمام بقوة .......... أكمل ؟

ب- الاهتمام بقوة........... أكمل ؟

ت- الاهتمام بقوة........... أكمل ؟

س4- على الجماعة الاسلامية القدوة ألا تعتبر نفسها جماعة ............ أكمل ؟

س5- وضح أثر التحام الجماعة الاسلامية مع جماهير المسلمين فى قضاياهم ؟

س6- سئل الامام الشافعى رضى الله عنه : ايهما افضل للرجل : ان يمكن له أو يبتلى فقال .............. أكمل ؟

س7- " الحكمة ضالة المؤمن انى وجدها فهو أحق بها " بين كيف تكون هذه المقولة من خصائص الجماعة القدوة

س8- حدد أى من العبارات الاتية يمكن اعتبارها تتفق مع خصائص الجماعة القدوة و أيها لا تتفق مع هذه الخصائص ؟

أ- أن تستفيد من كل انتاج فكرى وعلمى على الساحة العالمية .

ب- أن تعود افرادها على العمل و الانتاج فى صمت و داب .

ج- أن تقبل التبرعات لان المال نافع لنشر الدعوة .

د- أن تعمل وفق خطة كاملة .

هـ- أن ترد على الاساءة حتى لا يطمع فيها احد .

ح- أن تسعى جاهدة لتحقيق روح الوحدة و التعاون .

خ- أن تبتعد عن مجالات السياسة و الفن لانتشار الفساد فيهم بشدة .

د- أن يكون عملها فى صورة قفزات سريعة الى الامام .

ذ- أن تعمل فى كل المجالات .

و- ألا تتعامل مع غيرها من الجماعات حرصا على ابناءها .

س9- أكمل ما ياتى ، من خطوات عمل الجماعة القدوة : اعداد الفرد ..... ثم ..... ثم .....ثم ....... ثم .....

س10- من واقع معايشتك لإخوانك كيف ترى هذه الأمور فى واقعهم :

أ- ايثارهم النواحى العملية .

ب- التحامهم مع جماهير المسلمين .

ج- تجنبهم الترخص و التشدد .

د- أخذهم الاسلام بشموله .

هـ- اهتمامهم بالاخوة و الترابط فيما بينهم .

 

س 12- اختر الجماعة التى ينبغى عليك العمل معها . موضحاً على أى أساس تم هذا الاختيار .

 

الحلقة

السادسة

والثلاثون

 

الحلقة السادسة والثلاثون

 

وجوب العمل الجماعي
الهدف المرحلى السادس : أن يبدي استعدادا و رغبة أكيدة للعمل معها .

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس على أى أساس يكون الانتماء للجماعة .

  2. أن يوضح الدارس ماذا يعنى انتماؤه للجماعة .

أن الانتماء للعمل الإسلامي لا يكون بتقديم طلب انتساب وتسجيل اسم فحسب .. ولا يكون بالتردد الى المنتديات ومراكز الدعوة وحضور الاجتماعات فقط .. إنما ينبغي أن يكون لهذا الانتماء أبعاد تتجاوز الحدود الشكلية والاعتبارات المظهرية .. أبعاد تؤكد العمق العقدي وقوة الارتباط الفكري والتنظيمي ..

وأول الأبعاد التي يجب أن ندركها فى انتمائنا للعمل الإسلامي هو البعد العقدي ، ذلك أن الحركة ترفض (الانتماء الشخصي ) المعهود فى التكتلات الزعامية ، والذي يعتبر جرثومة فنائها واندثارها :

فالانتماء للجماعة هو أولاً انتماء لهذا الدين ، وهو بالتالي امتثال لأمر الله وطمع فى رحمته ورضاه .. وهذا ما يجعل الانتماء فى منأى عن التأثر بموت الأشخاص أو زوالهم أو غيابهم عن مسرح الدعوة لسبب أو لأخر لأنه يجعل ارتباط الأفراد بالله واجتماعهم عليه سبحانه وتعالي ، وهذا فى الواقع هو سر خلود هذه الدعوة وبقائها واستمرارها { من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت } ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) [ الفتح 1. ] .

والجماعة ترفض كذلك ( الانتماء العفوي أو العاطفي ) لأن الإسلام منهج حياة يقوم على مفاهيم محددة عن الكون والإنسان والحياة .. ولأن العمل للإسلام يهدف الى تحقيق هذا المنهج فى المجتمع ، تحقيقه بوعي وعمق وموضوعية . ولذلك يكون الوعي العقائدي والالتزام العملي من الأبعاد التي تشترط لهذا الانتماء .. بل إن الثبات على الدعوة وعملها والبقاء فى المسيرة الإسلامية وتحقيق الإنتاج فيها يفرضان توفر الفهم الصحيح والوعي السليم لأبعاد الانتماء . وأكثر الذين يتساقطون على الطريق ، أو يتركون المسيرة بسرعة هم ممن ساروا بعفوية واندفعوا بعاطفية – تحت ظرف من الظروف – ولم يدركوا أبعاد الطريق ؟

والجماعة ترفض – كذلك – الانتماء المصلحي ، أي الانتماء الذي يتوسل به الناس لتحقيق بعض أغراضهم ومصالحهم الشخصية ، ويتذرعون به للوصول الى مآرب خاصة مادية أو اجتماعية ؟

إن الانتماء للجماعة يعنى : تجنيد طاقة الفرد لخدمة الجماعة .. يعنى إخضاع مصالحه لمصلحة الإسلام وليس العكس .. وهذا ما يربط العمل بالنية ، والانتماء إطار العمل فلا بد وأن يزكو ويصفو ويطهر ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر إليه ) رواه البخاري ومسلم

والبعد الآخر الذي ينبغي أن يتحقق فى الانتماء للجماعة هو البعد المصيري : أي أن يكون انتماء مصير .. بمعني أن يرتبط مصير المنتمي بمصير الجماعة كائنا ما كانت الظروف ..

فلا يكون انتماء مرحلة ينتهي بانتهائها أو انتماء ظرف ينتهي بزواله ؟

لا يكون انتماءً فى مرحلة الشباب ( والعزوبة ) وإدباراً فى مرحلة الرجولة ( والزواج ) ؟

لا يكون انتماءً فى حالة الفقر والعسر وهروباً فى حالة الغني واليسر ؟

إنما يجب أن يكون الانتماء للجماعة انتماءً مؤبداً لا إنفكاك فيه أو نكوث عنه أو هروب منه حتى يلقي المنتمي ربه وهو على ذلك .. وهذا ما كان عليه أسلافنا الصالحون ، بل هذا ما أكدته كثير من آيات الله البينات منها قوله تعالي ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين ، وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) [ العنكبوت 1. -11 ] وقوله ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) [ الحج 11 ] وقوله ( وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرفنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، والله يحب المحسنين ) [ آل عمران 146 – 148 ]..

التقويم

س1- قال أبو بكر الصديق عند وفاة النبى صلى الله عليه و سلم " من كان يعبد محمدا ................. " أكمل ؟

س2- " من صور الانتماء المرفوضة للدعوة الاسلامية الانتماء الشخصى و الانتماء المصلحى " وضح هذه الانتماءات ؟

س3- هل توافق على هذه الصور من الانتماءات مع ذكر الاسباب ؟

أ- الانتماء بقوة العاطفة و المشاعر الجياشة .

ب- الانتماء فى مرحلة الشباب فقط لانها مرحلة العطاء و القوة .

س4- وضح على أى أساس يكون الانتماء الصحيح للعمل الاسلامي ؟

س5- ما هى أضرار الانتماء الخاطىء للعمل الاسلامي ؟

س6- اكمل قول الله تعالى ( أن الذين يبايعونك إنما ....................................... ) آخر الآية ؟

س7- الانتماء للعمل الاسلامي هو انتماء مصيرى ، دلل على ذلك بصور من حياة الصحابة و السلف الصالح ؟

س8- أكمل قول الله تعالى ( و كأى من نبى قاتل معه ..................................... ) آخر الاية ؟

س9- " إن سر خلود هذه الدعوة و بقائها و استمرارها هو ارتباط الافراد بالله " هل توافق على هذه العبارة و لماذا ؟

س10- " إن الانتماء للعمل الاسلامي له ابعاد تتجاوز الحدود الشكلية و الاعتبارات المظهرية " وضح إلى اى مدى ينطبق انتماء على هذه المقولة ؟

س11- ما المظاهر التى تؤكد استعداد الفرد ورغبته الأكيدة للعمل فى جماعة .

س12- وضح ماذا يعنى انتماؤك للجماعة ( للعمل الجماعي ) .

س13- ما هي السلوكيات التى تؤكد استعدادك ورغبتك للعمل فى الجماعة .

 

 

 

 

 

- استبانة يستطيع الدارس من خلالها أن يقوِّم مدى استعداده ورغبته للعمل مع الجماعة :

م

المظاهر

دائما

غالبا

أحيانا

نادرا

1

أن ينتظم فى لقاء المجموعة .

 

 

 

 

2

أن يوافق على خصائص الجماعة القدوة .

 

 

 

 

3

أن يلتزم آداب العمل الجماعى .

 

 

 

 

4

أن يفند الشبهات التى تثار حول الجماعة .

 

 

 

 

5

أن يحترم قيادتها و رموزها .

 

 

 

 

6

أن يلتزم باختيارتها الفقهية .

 

 

 

 

7

أن يلتزم بخطابها و أسلوبها فى الدعوة .

 

 

 

 

8

أن يدفع زوجته و أبناؤه و بناته إلى محاضن الجماعة .

 

 

 

 

9

أن يشارك فى جهود الجماعة حسب ما يطلب منه .

 

 

 

 

 

العمل مع الجماعة أمانة ومسئولية عظيمة لذا يجب أن يكون الانتماء للجماعة عن عقيدة راسخة وإيمان لا يتزعزع ، وانتفاء أو ضعف أي مظهر من المظاهر السابقة يعني وجود خلل لديك في مدى حرصك على الانتماء للعمل الجماعي ، فاحرص على علاجه واحرص على أن تتحلى بهذه المظاهر دائماً .

 

 

 

 

الحلقة

السابعة

والثلاثون

 

الحلقة السابعة والثلاثون

 

مشاكل الدعوة الى الله وحسن التصرف حيالها

الهدف العام : أن يقدر على مواجهة منعطفات الطريق و يحسن التصرف حيالها

الأهداف المرحلية :

1 – أن يدرك طبيعة الدعوة الى الله .

2 – أن يتعرف على المشاكل التي تواجهه و كيفية التغلب عليها .

......................................

الهدف المرحلى الأول : أن يدرك طبيعة الطريق .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس أهم معالم طريق الدعوة .

  2. أن يوضح الدارس طبيعة طريق الدعوة .

  3. أن يوضح الدارس لمن تكون العاقبة .

1- أهم معالم طريق الدعوة :

طريق الدعوة : طريق واحدة .. سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من قبل ، وسار الدعاة ونسير عليها بتوفيق الله من بعد : إيمان وعمل ومحبة وإخاء ، دعاهم إلى الإيمان والعمل ثم جمع قلوبهم على المحبة والإخاء .. فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة وصارت جماعتهم هى الجماعة النموذجية التى لابد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها وإن ناوأها أهل الأرض جميعاً .

وليست الدعوة إلى الله فى هذه الأيام إلا صدي للدعوة الأولي يدوّي فى قلوب هؤلاء المؤمنين ويتردد على ألسنتهم ويحاولون أن يقذفوا به إيمانا فى قلوب الأمة المسلمة ليظهر عملا فى تصرفاتها ولتجتمع قلوبها عليه ، فإذا فعلوا ذلك أيدهم الله ونصرهم وهداهم سواء السبيل .. فإلى الإيمان والعمل وإلى الحب والإخاء .

الغاية : هي أسمي غاية يمكن أن يسعي إليها .. فالله هو الغاية لا شئ غير الله .. نؤمن به ونراه كل شئ فى حياتنا نعبده حق عبادته نتلمس رضاه فى كل صغير أو كبير من أعمالنا وتصرفاتنا فى إخلاص صادق وتجرد كامل ويقين حق بأن فى ذلك السعادة كل السعادة والهداية كل الهداية والفوز كل الفوز .. " ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين " [ الذاريات 5. ] .

أما المهمة : فكبيرة وعظيمة .. سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التى لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس .. ليست مهمة جزئية لتحقيق أهداف محدودة فى بعض النواحي السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية ، كما أنها ليست محلية أو إقليمية مقصورة على جنس بعينه أو وطن بذاته ، ولكنها مهمة شملت كل نواحي الحياة على أكمل ما تكون إصلاحا وإسعادا للبشرية كلها بل ولغير الآدميين أيضا ، فرسول الله صلي الله عليه وسلم جاء رحمة للعالمين .

أما الجزاء : فعظيم عظيم . يصغر دونه كل ما في حياتنا الدنيا من نعيم وملك وسلطان ومتع ولذات .. جنات عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وصحبة طيبة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .. ونجاة من عذاب نار وقودها الناس والحجارة ، وفوق ذلك كله " ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم " التوبة 72

2- طبيعة الطريق :

( آلم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .[ العنكبوت 1-3 ]

طريق الدعوة غير مفروشة بالورود ، بل طريق شاقة طويلة وليست بالسهلة القصيرة . فهي صراع بين الحق والباطل ، تتطلب صبرا واحتمالا ، وبذلا وعطاء ، وتضحية ، دون تعجل للنتائج ودون يأس أو قنوط فالمطلوب العمل والنتائج يقدرها الله فى الوقت الذي يريد . وبالصورة التى يريدها ، فقد لا تري ثمارها فى حياتك وإننا لمحاسبون عن العمل وليس عن النتائج .

- الطريق شاقة وطويلة : إن طبيعة الطريق قد تكون شاقة على النفس البشرية ولكنها تنتهي بالصابر عليها إلى جنة عرضها السماوات والأرض .. جنة تنسى الإنسان كل مشاق الطريق ومتاعبها ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر والقرآن الكريم يوضح ذلك فيقول تعالى (( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" آل عمران 142. ولقد شكا سيدنا الخباب بن الأرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال صلى الله عليه وسلم " إن من كان قبلكم، كان أحدهم يوضع المنشار على مفرقه فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد، ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ." أخرجه البخارى .

- الابتلاء سنة ماضية *: يقول د. محمد نعيم ياسين: والواقع أن الابتلاء هو سنة الله في خلقه ، سواء في ذلك مؤمنهم وكافرهم ، وبرهم و فاجرهم . قال تعالى:" وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن"الأنعام 112 وقوله تعالى : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ." الأنعام 53 ثم يشير إلى ما وضحه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في آيات سورة العنكبوت :" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ." إلى قوله تعالى :" أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين" [ العنكبوت 2- 1.]

يقول ابن القيم رحمه الله : فليتأمل العبد سياق هذه الآيات وما تضمنه من العبر وكنوز الحكم . فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين : إما أن يقول أحدهم : آمنا ، وإما أن لا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر ، فمن قال آمنا إمتحنه ربه وابتلاه وفتنه ليتبين الصادق من الكاذب ، ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه .

- المحنة على الطريق : إن المحنة فى حياة الدعوة هي المحك الأقوى والامتحان الأكبر .. فكم من أناس اختفوا عن مسرح العمل الإسلامي بعد تعرضهم لمحنة أو إيذاء ، ولقد كانوا قبل ذلك من أشد المتحمسين ..

ولقد أكد القرآن الكريم على حتمية المحنة فى حياة المؤمنين لتحميص الصفوف وتصنيف المعادن وسبر أغوار الإيمان ..

فقال تعالي : " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم " محمد 31 .

وبين صنوف الناس أمام المحنة .. فمنهم الصامد الصابر المحتسب " الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل .. " آل عمران 173 " ولما رأي المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ، من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " الأحزاب 22-23 .

ومنهم المنهزم الذي لا يلبث أن يسقط ويختفي من حلبة الصراع " ومن الناس من يقول آمنا بالله ، فإذا أوذي فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ، أوليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين ، وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين .. " [ العنكبوت 1.-11 ]

ثم يقرر القرآن الكريم أمرا لا مناص منه ، حيث يقول : " لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً ، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور " آل عمران 186 .

إن ما يلقاه الدعاة إلى الله من عنت الطغاة وأعداء الله بقصد القضاء عليهم وعلى دعوتهم أو إثنائهم عن طريقها أمر تكرر فى الماضي ويتكرر فى الحاضر يدفع إليه الخوف على السلطان القائم على الباطل حينما يعلوه الحق فيزهق : " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " الأنبياء 18 .

ولكي يبرروا بطشهم بدعوة الحق ودعاة الحق لابد أن يلصقوا بهم أبشع التهم الكاذبة ويصوروهم على أنهم أعداء للشعوب والجماهير ليثيروهم عليهم . فقديما كان منطق فرعون والملأ من قومه :

" وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الأرض الفساد " غافر 26 . سبحان الله ، هكذا موسى هو المفسد وفرعون هو الذي يحافظ على الشعب ومصالح الشعب . وبطانة فرعون تستثيره ضد موسى وقومه ويخوفونه من العواقب فيطمئنهم أنه لهم بالمرصاد " وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض ويذرك وآلهتك ، قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون " الأعراف 127 .

3- العاقبة للمتقين :

إن القرآن الكريم يوضح هذه القضية وضوحاً جلياً لا لبس فيها ولا غبش ويحدد هذا المعنى لتتربى عليه الفئة المؤمنة ، أنهم ماداموا معتزين بهذا الحق متمسكين به، فان الله معهم يعينهم ويرشدهم وينصرهم ويؤيدهم ويمدهم إذا تخلى عنهم الناس ، ويدفع عنهم إذا أعوزهم النصير، وهو معهم أينما كانوا ، وإذا لم ينهض معهم جند الأرض تنّزل عليهم المدد من جند السماء .

" إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ." الأعراف 128

" أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ." الأنبياء 1.5

" ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ." الحج 4.

" كتب الله لأغلبن أنا ورسلي... " المجادلة 21

" والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ." يوسف 21

" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ." القصص 5

  • فطريق الدعوة رغم وعورتها مأمونة العواقب مضمونة النتائج " فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " الرعد 17 " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " الروم 47 .

 

( التقويم )

أولا أسئلة التذكر :

1 – اذكر :

أ – أهم معالم الطريق ؟

ب – جزاء الدعاة إلى الله ؟

  1. أصناف الناس أمام المحنة ؟

 

2 – صل من المجموعة ( أ ) ما يناسبه من المجموعة ( ب )

أ

ب

1 طريق الدعوة

تحكيم شرع الله فى العالم الإسلامي

2- غايتنا

سنة الله فى الدعوات

3- مهمتنا

سيادة الدنيا و إرشاد الإنسانية إلى نظم الإسلام الصالحة

4- الابتلاء

هو الله ولا شيء غيره

 

هو درب الأنبياء و الرسل

 

3- ضع علامة ( ) أمام العبارة الصحيحة و علامة ( ) أمام العبارات الخاطئة مع تصحيح العبارة الخاطئة.

أ - الدعوة فى هذه الأيام هى صدى لدعوة الأنبياء و الرسل ( )

ب – مهمتنا جزئية تهدف لتحقيق أهداف محددة فى بعض النواحي ( )

ج- طريق الدعوة شاق و طويل و لكن نتائجه غير مضمونة ( )

د – نحن محاسبون عن العمل و النتائج على حد سواء ( )

هـ – الابتلاء يقع على المؤمن و الكافر و البر و الفاجر على حد سواء ( )

 

ثانيا : أسئلة الفهم :

1 – اذكر الآيات القرآنية التي تدل على :

أ- عاقبة المتقين ب – حتمية المحنة فى حياة المؤمنين

2- وضح المقصود ب :

ا – طريق الدعوة شاق وطويل ب – الابتلاء سنة ماضية

3- دلل على أن العاقبة للمتقين .

 

ثالثا : أسئلة تطبيقية :

  1. اذكر مواقف عاصرتها بنفسك تبين بها طبيعة الطريق ؟

  2. اذكر نماذج لأشخاص عاصرتهم صمدوا و صبروا على المحن و الابتلاءات ؟

  3. اذكر نماذج لأشخاص عاصرتهم انهزموا أمام المحن و الابتلاءات ؟

  4. اذكر مشاعرك الشخصية تجاه الصامدين و المنهزمين أمام المحن ؟

  5. اذكر الوسائل العملية التي تساعدك على الصبر على طول الطريق و تحمل مشاقه ؟

 

الحلقة

الثامنة

والثلاثون

 

الحلقة الثامنة والثلاثون

 

مشاكل الدعوة الى الله وحسن التصرف حيالها

الهدف المرحلى الثانى : أن يتعرف على المنعطفات التي تواجهه و كيفية التغلب عليها .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يحدد بعض المنعطفات ( العقبات ) التى تواجهه على طريق الدعوة .

  2. أن يوضح كل منعطف أو عقبة على طريق الدعوة .

  3. أن يوضح كيفية التعامل مع كل منعطف أو عقبة على طريق الدعوة .

  4. أن يلتزم ببعض الواجبات العملية التى تعينه على مواجهة كل منعطف أو عقبة .

  5. أن يذكر الدارس بعض العوامل التى تساعد على الثبات أمام هذه المنعطفات ( العقبات ) .

 

خلق الله الإنسان من طين ونفخ فيه من روحه ، فيه نوازع تجذبه إلى الأرض ليخلد إليها ، وصفات ربانية ترفعه وتسمو به ، وهذا هو مجال المجاهدة ، ومحك الامتحان والاختبار ، بين الركون إلى الدنيا والسعي للآخرة ورضوان الله " من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب " . الشورى 2.

فمن تخفف من جواذب الأرض وسما بنفسه سار فى طريق الدعوة متخطيا عقباتها فى يسر وعون من الله وتوفيق . أما من استهان بأمر هذه الجواذب الأرضية ولم يجاهدها فى نفسه ، صرعته وأخلدته إلى الأرض ، وتعرض إلى غضب الله وعقابه " قل إن كان آباؤكم ، وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين " التوبة 24 .

وسالك الطريق يتعرض فيه لعقبات ومنعطفات عديدة ننبه إلى بعض منها حتى نأخذ حذرنا حتى نصل إلى بر الأمان وإلى رضوان الله عز وجل ، من هذه العقبات والمنعطفات :

  1. الوظيفة ( وسيلة التكسب ) :

إن الشاب أو الطالب المسلم حين يسلك طريق الدعوة وهو متخفف من الأعباء العائلية والالتزامات المعيشية ينطلق في الطريق دون معاناة من قيود أو أثقال فإذا ما تخرج وارتبط بعمل أو وظيفة بدأ يشعر بقيدها والتزاماتها وبضرورة المحافظة عليها ، وربما دفعه هذا الشعور إلى أن يحد من انطلاقه ، ويقصر من انطلاقه في الدعوة ، وقد يتوقف تماماً عن السير ما لم يكن عنده من قوة الإيمان ومضاء العزيمة بحيث يتخطى تلك العقبة ويستمر في انطلاقه بكل ثقة ويقين بأن الله تعالى قد ضمن الرزق وتكفل به .

وما الوظيفة إلا وسيلة يستعين بها لتحقيق الغاية التى خلق من أجلها ، فلا يجوز للوسيلة المعينة أن تتحول إلى عقبة معوقة .

    • كيفية تعامله مع هذه العقبة :

- أن تكون الوظيفة فضلاً على أنها مصدر الرزق مجالاً لخدمة الدعوة .

    • أن يزاول عملاً حراً ولا يكون أسير الوظيفة فهي أضيق أبواب الرزق .

    • أن يوقن أن الرزق بيد الله و يصبر على ابتلاء الله له إذا أضير في هذا المجال لقوله تعالى : " ولنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و بشر الصابرين ." البقرة 155

2 - الزواج والأولاد :

وبعد الوظيفة يأتي دور الزواج وما يتصل به من تبعات ومشاغل وجواذب تغري بالإخلاد إلى الأرض ، وكذا الأولاد والتعلق بهم والاشتغال بأمورهم والقلق عليهم ، كل ذلك قد يؤثر على سالك الطريق ويحول بينه وبين المضي فى الطريق بنفس الهمة والنشاط قبل الزواج والأولاد ، وربما والعياذ بالله توقف تماما عن السير وصدق الله العظيم " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " التغابن 14

أما المؤمن الصادق الذي عاهد الله على العمل فى طريق الدعوة فإنه يلتزم السنة فيحسن اختيار الزوجة الصالحة التى تعين ولا تثبط ، وتتعاون معه على تنشئة الذرية الصالحة لتكون قرة عين لهما ، ويعز الله بها دينه ، وما أجمل دعاء عباد الرحمن " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " الفرقان 74 .

فيكون هو وزوجته وأولاده كلهم على الطريق يمضون فى تفاهم وتعاون ، قدوة حسنة للأسرة المسلمة ودعامة قوية فى بناء المجتمع المسلم .

وكم رأينا فى تاريخ الدعوة الإسلامية قديما وحديثا صورا مشرفة للزوجات الصالحات اللاتي كن عونا لأزواجهن ، وأنضر هذه الصور وأولها السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها . ولم ينضب معين الأمة الإسلامية من الخير ، فرأينا فى عصرنا الحديث أمثلة رائعة من الزوجات المسلمات اللاتي صبرن الأعوام الطوال – عشرين عاما أو يزيد – تعرضن فيها لألوان شتي من العنت وأزواجهن فى غياهب السجون والمعتقلات ، وكن راضيات محتسبات مستبشرات يرعين الأولاد ويطمئن الأزواج ويشجعنهم على الثبات على الحق أمام طغيان الباطل ، وتعرض بعضهن إلى السجن والاعتقال والإيذاء والتعذيب فصبرن وتحملن ولم يتخلين عن طريق الدعوة .

وعلى الجانب الآخر … وكمثال لفتنة الأزواج والأولاد يقول الأستاذ فتحي يكن في كتابه : المتساقطون على طريق الدعوة " أعرف أخاً كان قبل زواجه مقداماً معطاءً ، ولقد نكب بزوجة سيئة وضعت الموت والفقر بين عينيه ، فكانت كلما رزق منها بغلام ذكرته بحقه ( المادي ) عليه ، وأن عليه مضاعفة السعي من أجله … ولما تكاثرت ذريته ، وامرأته على هذه الشاكلة ، سقط في الامتحان وأصبح عبداً للدنيا بعد أن أصبح عبداً للزوجة … وهو حتى الآن لم يحس بالجريمة التي ارتكبها وبالهاوية التي سقط فيها ، ولقد نسي ما كان ‘يذّكر به إخوانه والناس " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش " وقوله " تعس عبد الزوجة " .

· كيفية تعامله مع هذه العقبة :

وصيانة للحياة الزوجية من مثل هذه الانتكاسات ، وضع الإسلام القواعد والأسس الكفيلة بتحقيق إسلامية البيت الزوجي وسعادة أفراده وصلاح ذريته .

وإليكم أهم هذه القواعد والأسس :

سلامة القصد :

حرص الإسلام على أن يكون القصد الأول من الزواج استكمال الدين ، مصداقا لقول الرسول صلي الله عليه وسلم : " من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله الشطر الباقي " رواه الطبرانى ، وفى رواية للبيهقي قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله فى النصف الباقي " .

وحرص الإسلام كذلك على أن يكون الزواج عاملا أساسيا فى تحصين النفس وتزكيتها ودفعها فى طريق الطاعة والتعفف . فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " يا معشر الشباب ..من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " . رواه البخاري و مسلم

وقال الرسول صلي الله عليه وسلم : " ثلاثة حق على الله عونهم : المجاهد فى سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف " . رواه الترمذي و قال حديث حسن صحيح

وكذلك حرص الإسلام على أن يكون القصد من الزواج : إنشاء البيت المسلم ، ليكون ( اللبنة الصالحة ) وحجر الأساس فى بناء المجتمع الإسلامي .. والقرآن الكريم يعتبر هذا أمنية غالية من أماني المؤمنين حيث يصفهم بقوله : " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " الفرقان 74.

- حسن الاختيار :

ولقد أكد الإسلام أول ما أكد على حسن اختيار شريكة الحياة ورفيقة العمر . واعتبر حسن الاختيار من عوامل تحقيق ( إسلامية ) الحياة الزوجية ، ومن تباشير الوفاق والأنس بين الزوجين ، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم : " تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم " رواه ابن ماجه – كتاب النكاح 1985.

والإسلام أكد على توفر الخلق والدين كشرط أساسي لحسن الاختيار : وحذر من مغبة السعي وراء الجمال والمال والنسب وبين أن جمال الخلق أبقي من جمال الخلق .. وأن غني النفس أثمن من غني المال . فقال عليه الصلاة والسلام : " لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن . ولا تزوجوهن لأموالهن فعسي أموالهن أن تطغيهن .. ولكن تزوجوهن على الدين . ولأمة خرماء خرقاء ذات دين أفضل " رواه ابن ماجة .

فليحذر الاخوة الذين يفتشون عن الأشكال قبل الخصال وعن الأموال دون الخلال .. ليمتثلوا أوامر الإسلام ، وليكافحوا رغائب الشيطان فى نفوسهم ، وليستجيبوا داعي الله فيهم : " وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم " النور 32 . ثم ليعتبروا بقول الرسول صلي الله عليه وسلم : " من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا . و من تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا . ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة . ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ، ويحصن فرجه ، أو يصل رحمه ، بارك الله له فيها وبارك لها فيه " . رواه الطبراني في الأوسط

- شخصية الزوج هي الأساس :

وحذر الإسلام الأزواج من التمادي فى مجاراة المرأة فيما تهوى حفاظا على شخصية الرجل وقوامته من الانهيار والانحسار . وفى ذلك الخراب كل الخراب للبيت الزوجي ولمن فيه .. ويتحدث الإمام الغزالي عن هذا المعني فى كتاب الإحياء فيقول : " ونفس المرأة على مثال نفسك . إن أرسلت عنانها قليلا جمحت بك طويلا . وإن أرخيت عذارها فترا جذبتك ذراعا . وإن كبحتها وشددت يدك عليها فى محل الشدة ملكتها .. "

فشخصية الرجل تلعب دورا كبيرا فى الحياة الزوجية . وما لم يكن الرجل فى حياة زوجته كل شئ .. تجد فيه المثل الأعلى والقدوة الحسنة ، وتحس منه الحزم والحنان .. فإن عقد الزوجية سيصاب حتما بالتفكك

وقد يعتقد بعض الأزواج أن لا بأس من التساهل فى مطلع الحياة الزوجية فإذا بهم يقعون ضحية جهلهم هذا مدى الحياة . والحق يقال أن الأيام الأولى هى التى ترسم مستقبل البيت الزوجى كله . ومن واجب الأزواج أن يكونوا أكثر تحسباً واحتياطاً فى هذه المرحلة من غيرها .

  • من الواجبات العملية :

- أن يحسن اختيار الزوجة ذات الدين .

- أن يحسن تربية الزوجة والأولاد .

  • أن يكون حب الله ورسوله والتضحية في سبيله أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين .

  • أن يقيم بيته على طاعة الله عز وجل .

  • أن يقتصد فى مستلزمات الزواج ( مسكن – ملبس – جهاز – مأكل ) ولا يغرق نفسه فى الكماليات .

  1. إقبال الدنيا والسعة فى الرزق :

يجد سالك الطريق نفسه وقد استحوذ كسب المال كل وقته وكل جهده وكل تفكيره وسار هو مسخراً للمال بدلاً من أن يسخر هو المال ، إن كسب المال الحلال لا اعتراض عليه فى حد ذاته ولكن بحيث لا يصير هو أكبر الهم ومبلغ العلم ، ويحول بين صاحبه وبين القيام بواجبات الدعوة أو القيام بحق الله فى هذا المال والمعاونة بجزء منه فى سبيل الله أمر محمود ومشكور ولكن متطلبات الدعوة لاتقتصر على ذلك فقط فإن أمثال سيدنا عثمان بن عفان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما ممن كان لهم مال عظيم تكسّبوه من التجارة ، لم يشغلهم ذلك عن القيام بواجبات الدعوة ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا بالإضافة إلى ذلك يخرجون عن مالهم أو عن معظمه بسخاء فى سبيل الله عندما تقتضى مصلحة الدعوة ذلك .

( ويكمن الخطر فى تسرب حب المال وجمعه إلى القلوب ويصير غاية لا وسيلة ، ويلهى صاحبه عن أداء الفرائض والنوافل ، وإذا به قد شد وثاقه بجمع المال بدرجة لايستطيع الفكاك منها لو حاول ذلك حتى ينتزعه الموت أو أمر قهرى خارج عن إرادته ، فيترك المال ويواجه الندم والحساب ، لذلك فالمؤمن الصادق يعرف أن القليل الذى يكفى خير من الكثير الذى يلهى ، وروى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنّعه الله بما آتاه ." )

ويقول الأستاذ : فتحى يكن فى كتابه : المتساقطون على طريق الدعوة " ومنهم من تساقط بسبب الغنى فانطلق فى ميادين إبتغاء الرزق فلما تأمّن لهم المورد الكافى والعيش الوافر لم يقنعوا ولم يرضوا وإنما ركضوا لاهثين وراء المادة يجمعون الأموال ويكسبون الثروات حتى أصبح عندهم من حطام الدنيا ما يكفيهم ويكفى ذريتهم إلى عشرة أجيال أو أكثر ، وإذا سئلوا : لماذا فتر نشاطكم وخمدت حركتكم فى سبيل الدعوة والإسلام وأنتم فى بحبوحة وسعة من العيش والرزق ؟ قالوا : إننا نعمل لبناء الإقتصاد ومصلحة الوطن وهذا من الإسلام . "

كذلك أشارت السنة النبوية لهذا فى أحاديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :

  • روى الترمذى بسند صحيح عن كعب بن عياض رضى الله عنهما قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبو عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتى بجزيتها فقدم بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبى عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " أبشروا وآمّلوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكنى أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ."

  • وصحيح أن المال فتنة وزخارف الدنيا فتنة وقد يجر ذلك إلى المفسدة وأنه من عوامل هلاك الأمم ولكن هو فى الوقت نفسه سعادة وطريق إلى بناء الإقتصاد وتحقيق التكافل ، ويحكى القرآن عن فطرة الإنسان فى حبه للمال قال تعالى : " وإنه لحب الخير لشديد ." العاديات 7 . والقرآن الكريم يطلق الخير فى الآية الكريمة وغيرها إشارة لطيفة إلى أنه لايرى المال ذا قيمة واعتبار إلا إذا استعمل فى أوجه البر وأنفق فى طريق الخير ، وهذا ما جاء فى الحديث الذى رواه البخارى فى الأدب المفرد " نعم المال الصالح للرجل الصالح ." صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .

· كيفية التعامل مع الدنيا :-

- أولا : أن يدرك مقام الدنيا من الآخرة ، ومدي صغارها وتفاهتها عند الله . حفاظا عليه من فتنتها وغوايتها " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى " [ النساء 77 ] . ومن لفتات الرسول صلي الله عليه وسلم إلى حقيقة الدنيا ، أنه مر وأصحابه يوما بشاة ميتة فقال لهم : " أرأيتم هذه هانت على أهلها ؟ قالوا : ومن هوانها ألقوها يا رسول الله . فقال : الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها " رواه أحمد بإسناد لا بأس به .

وقال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها ؟ فقلت بلي يا رسول الله . فأخذ بيدي وأتي بي واديا من أودية المدينة ، فإذا مزبلة فيها روؤس الناس وعذراتهم وخرقهم وعظامهم . ثم قال : يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم ، وتأمل كأملكم ، ثم هي اليوم عظام بلا جلد ، ثم هي صائرة رمادا .. وهذه العذرات هي ألوان أطعمتهم اكتسبوها ثم قذفوها فى بطونهم فأصبحت والناس يتحاشونها . وهذه العظام عظام دوابهم التى كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد . فمن كان باكيا على الدنيا فليبك .. قال : فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا "

والدنيا لا وزن لها ولا قيمة عند الله سبحانه وتعالى إلا ما كان منها طاعة لله تعالى كما قال النبى صلى الله عليه وسلم " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ." رواه الترمذى .

- ثانيا : حذر الإسلام من أن تصبح الدنيا مبلغ التنافس بين الناس فقال الرسول صلي الله عليه وسلم : " والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكني اخشي إن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها ، فتهلككم كما أهلكتهم " . متفق عليه

ولقد بين الرسول صلي الله عليه وسلم أن الحرص على الدنيا يورث الطمع فيها والانشغال بها وتكريس الحياة لها ، فقال : " من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله فى شئ ، وألزم الله قلبه أربع خصال : هما لا ينقطع عنه أبدا .. وشغلا لا يتفرغ منه أبدا .. وفقرا لا يبلغ غناه أبدا .. وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا " أخرجه الطبراني في الأوسط

والدار الآخرة هى الباقية وهى دار القرار ، كما قال مؤمن آل عمران " ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هى دار القرار ." غافر39 .

- ثالثا : وحذر الإسلام من أن يطغي حب الدنيا على القلوب فيشغلها عن التزود لأخرتها . فحض على الزهد بها وتخليص النفس من أسرها ، فقال صلي الله عليه وسلم : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" رواه مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه

وفلسفة الزهد فى الإسلام لا تحول بين المرء وبين السعي والعمل والإنتاج وعمارة الدنيا كما يفهم بعض الناس . وإنما غايتها صيانة النفس عبودية الحياة مع صريح الدعوة إلى السعي والعمل ، سئل الإمام أحمد بن حنبل ، هل يكون المرء زاهدا ومعه ألف دينار . قال : نعم . قيل وما آية ذلك . قال : آيته إنه إذا زادت لا يفرح وإذا نقصت لا يحزن ..

والدعاة اليوم فى خطر شديد من أن تستدرجهم دنياهم وتنحط بهم شهواتهم ، فيبدأون بالصغائر ثم يقعون فى الكبائر ..

وهذه الدنيا التى أخذت زخرفها وازينت واكتملت مفاتنها وتعددت ، لا ينبغي التساهل معها والخلود إليها ، فمن تساهل فيها قرضت إيمانه و أفسدت إسلامه ، وصدق محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم حيث يقول محذرا : " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله تعالى وما والاه وعالماً ومتعلماً " رواه الترمذى عن أبي هريرة رضى الله عنه .

كما يجب اليقين التام بأننا فى هذه الدنيا أشبه بالغرباء أو كعابرى سبيل كما قال النبى صلى الله عليه وسلم :" كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ." رواه البخارى .

- رابعا : حض الإسلام على أن يكون الهدف من عمارة الدنيا والعمل فيها واستخراج كنوزها واكتشاف مجهولها وتسخير أفلاكها إقامة الخير وتحقيق العدل واتباع الحق ، وليس فى ميزان الإسلام فضل لمن ضل هذا الطريق بالغ ما بلغ من العلم والمعرفة والقوة ، لأنه سيكون سببا فى خراب الدنيا ودمارها . واللفتة القرآنية تلامس صميم هذا المعنى حيث تقول : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ، أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " [ هود 15 ] .

كما خوف سبحانه بسوء العاقبة وبيان ذلك فى قصص المكذبين وما جره الحرص على الدنيا عليهم من بلاء ووبال يقول الله سبحانه عن فرعون مصر " كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين ، كذلك وأورثناها قوماً آخرين ، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ." [ الدخان 25-27 ]

- التربية العملية فى الإسلام :

والإسلام لم يكتف بصياغة النظريات فى تكوين الأفراد وإنما سلك بهؤلاء السبيل التطبيقي العملي ، والمناهج التربوية التجريبية .

ومن يراقب عن كثب نماذج التكوين التطبيقي فى عهد النبوة ، سيقف على كثير من اللفتات والطرائق العملية فى التكوين والتربية . فالرسول صلي الله عليه وسلم لم يكتف من المسلمين بما أصابوه فى دار الأرقم من فقه وتوجيه ، وإنما خرج إلى المجتمع الجاهلي يتحدي بهم أفكار الناس ومعتقداتهم ، ويخوض مع الجاهلية حربا سافرة هدفها الأول والأخير : إعلان العبودية لله فى الأرض ، والخضوع لسلطانه والانقياد لأمره .

ففى الحديث الذى رواه الترمذى " عرض علىّ أن يجعل بطحاء مكة ذهباً فقلت يارب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً فإن جعت تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك ." وورد فى سيرة أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه " استسقى عمر فجىء بماء قد شيب بعسل فقال إنه لطيب لكنى أسمع الله عز وجل نعى على قوم شهواتهم فقال" أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها " فأخاف أن تكون حسناتنا عجلت لنا ، فلم يشربه"

وروى مالك أنه رضى الله عنه كان يلبس وهو أمير المؤمنين ثوباً وقد رقع بين كتفيه رقاع ثلاث .

ولقد هانت الدنيا فى أعين أولئك .. فكانت بكل ما فيها من مغريات ومفاتن لا ترقي إلى مواطئ أقدامهم . حتى وصفهم أعداؤهم : بأنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة ، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة ، ليس لأحد منهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة ، إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم ..

كان مصعب بن عمير وحيد أمه صاحبة الثراء والجاه .. وكانت كل فتاة فى مكة تتمناه زوجا لها ورفيقا لعمرها .. وعندما أسلم هددته أمه بحرمانه من ثروتها ، فلم يبال . ثم قسمت أن لا تذوق طعاما قط حتى يترك الإسلام . فلم يزد أن قال بكل إيمان وتصميم : " والله يا أماه لو كانت لك مائة نفس خرجت نفسا نفسا ما تركت دين محمد " . ولقد حدّث الذين كانوا يعرفونه فى جاهليته أنهم شاهدوه بعد الإسلام يسير فى طريق مكة وليس عليه إلا أثمال بالية لا تكاد تستر جسده .

وكانت الهجرة حلقة أخري من حلقات التكوين العملي فى المسلمين ، دعوا فيها إلى التخلي عن كل ما يملكون ، وترك البلد الذي فيه يعيشون ، وفى هذا ما فيه من تعطل الأعمال وبوار التجارة ومفارقة الأهل والعشيرة .. ولقد استجاب المؤمنون لنداء الهجرة وأهدروا فى سبيل الإسلام كل مصالحهم وضحوا بأعز ما لديهم .

· من الواجبات العملية :

    • أن يكثر من الدعاء : " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا " .

    • الإكثار من عيادة المريض وتشييع الجنائز وذكر الموت وزيارة القبور لقوله صلى الله عليه وسلم " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد فى الدنيا وتذّكر الآخرة ." رواه ابن ماجة .

    • أن تحرص على أن تكون ممن يتنافسون على الآخرة لا على الدنيا .

 

الحلقة

التاسعة

والثلاثون

 

الحلقة التاسعة والثلاثون

 

مشاكل الدعوة الى الله وحسن التصرف حيالها

4- ضغط الأهل و الأقربين :

ومن الضغوط التى يواجهها العاملون فى الحقل الإسلامي والتي قد تؤدي وتسبب بسقوط بعضهم ما يتصل منها بالأهل والأقربين آباء وأمهات وزوجات وأولادا ..

وقل أن ينجو من ضغط الأهل أحد .. فالقاعدة أن الأهل يحدوهم جميعا الخوف على أبنائهم من أن يصيبهم ما يصيب ما أصاب ويصيب الدعاة والمجاهدين والعاملين فى كل زمان ومكان من أذى .. وبعضهم الآخر تأخذه العزة بالإثم ويكبر عليه أن يسبقه صغيره بالهدي فيحاول صده والضغط عليه بشكل أوبآخر .

عرفت أنماطا غريبة من الآباء ، كانوا يغرون أبناءهم ممن التحقوا بدعوة الإسلام وساروا فى طريق الحق ليحولوا بينهم وبين دعوتهم وإسلامهم ، ولو بتشجيعهم على الرذيلة وارتياد أماكن اللهو ، ليصدوهم عن سبيل الله ..

ولقد حذر القرآن الكريم من الإذعان لضغوط الأهل – آباء وأبناء – وحض على الثبات والصمود فى سبيل الله .

ومن النماذج التى حكاها القرآن الكريم عن الضغوط التى يواجهها الدعاة إلى الله من الأقربين والأهل قصة إبراهيم عليه السلام مع عشيرته وأبيه حيث عرض لها فى أكثر من موقع .. فقال تعالي : " واذكر فى الكتاب إبراهيم أنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا . يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا . قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ، لئن لو تنته لأرجمنك واهجرني مليا .. " [ إبراهيم 41-46 ].

وهذا مصعب بن عمير يتعرض لضغوط أمه وكان وحيدها ووريث زوجها الغني المتوفى .. فقد أقسمت أن تحرمه من ثروة أبيه فلم يبال أو يتراجع .. ثم أقسمت أن لا تذوق طعاما قط حتى يترك دعوة الإسلام وصحبة محمد صلي الله عليه وسلم وقد أوردنا شأنه مع أمه قبل ذلك .

علاج عامل القرابة :

أولا – أن يعتقد الداعية أن الإذعان لضغوط الأهل و الأقرباء (آباء وأبناء وأزواج وعشيرة . ) هو من البلاء الذي يوقع صاحبه فى سخط الله ، ويوقع الأمة المسلمة إن رضيت به فى الذلة والمهانة والانهزامية أمام الأعداء ، وشعار القرآن الكريم فى ذلك : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) التوبة : 24 .

فمفهوم النص فى الآية أن الثبات أمام ضغط القرابة ، والصمود أمام إغراءات المال والمسكن ، والاندفاع الاعتقادي والنفسي على حب الله والرسول ، والجهاد فى سبيل الله .. هو من مقتضيات الإيمان ، وأسس الإسلام .. فبدونها لا يكون المسلم – وعلى الأخص الداعية – مؤمنا بحق ، ومسلما بصدق مهما تبجح بالإيمان بالإسلام ؟

ألا فليعتبر الدعاة ، وليأخذوا من ذلك درسا ، وليجعلوا هذا الدرس اعتقادا وسلوكا وعملا .

ثانيا – أن يتأسى الدعاة بأصحاب القدوة قديما وحديثا .. فإنهم كانوا آية فى الثبات ، ونموذجا حيا فى الصمود أمام الضغوط العائلية ، والمحن الأسرية . و لقد أشرنا إلي ذلك في مثال مصعب بن عمير

ثالثا – أن يقوم الداعية بدوره المؤثر الكبير فى إقناع من حوله من أهل ووالدين ونسب .. أن الإسلام بني حقيقة التوحيد على الإيمان بالله ، والاعتماد عليه ، والاعتقاد بقضائه وقدره ، والتسليم لجنابه فيما ينوب ويروع .. وبني حقيقة الإيمان على أن الذي يخفض ويرفع ، ويعطي ويمنع ، ويحيي ويميت ، ويعز ويذل ، ويشفي ويمرض ، ويوسع ويقتر ، هو الله سبحانه وحده ، لأنه القائل عن نفسه فى محكم التنزيل : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير ) آل عمران 26 .

5 - ضغط البيئة :

يقول الأستاذ فتحى يكن فى ( كتابه المتساقطون على طريق الدعوة ) ومن العوامل التى تساعد على تساقط العاملين وإسقاطهم عن مسرح الدعوة ضغط البيئة ..

فالأخ المسلم قد ينشأ فى بيئة محافظة ، ثم ينتقل منها بسبب الدراسة أو العمل إلى بيئة أخري ، عوامل الشر فيها أكثر وجواذب الجاهلية أشد .. وهنا يبدأ الصراع عنيفا فأما صمود واستعلاء أو سقوط واستخذاء .

أذكر أن أحد الأخوة سافر إلى ( أميركا للدراسة ) وكان مثال المسلم فى بلدته ، والقدوة الحسنة بين إخوانه . ومكث فى أميركا بضع سنين وعاد بعدها إنسانا آخر لا يمت بأدنى صلة إلى ماضيه القريب ..

لقد كان أثر البيئة عليه كبيرا وكبيرا جدا ، بحيث أفقدته كل بريق كان يتحلي به قبل سفره المشؤوم .

وإنسان آخر سافر إلى نفس هذه البيئة ، ولم يتمكن من التماسك والثبات أكثر من سنة غرق بعدها ألي فوق أذنيه فى المعاصي ثم انقطعت أخباره واختفي أثره .. ولازلت حتى اليوم أذكر رسائله إلىّ خلال عامه الأول وهي مليئة بالنقد والتعريض بأكثر العاملين فى الحقل الإسلامي من الدعاة والقياديين ، وكأنه فى مستوي من الالتزام لا يدانيه فيه أحد .. ثم كانت النتيجة أنه نكص على عقبيه ، خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

إن العوامل التى تؤدي إلى انهزام الفرد أمام ضغط البيئة كثيرة :

  • فقد يكون تكوينه فى الأساس غير صحيح .. كأن تكون عنده إشكالات واهتزازات فى العقيدة أو انحراف خفي فى السلوك .

  • وقد يكون التزامه فى بيئته التزام خجل وتقليد ومحاكاة وليس التزام قناعة وإيمان ، وعندما انتقل منها إلى غيرها سقط مبرر الالتزام بسقوط عوامل الخجل والتقليد والمحاكاة ..

  • وقد يكون السبب إعراضه فى بيئته الثانية عن محيط الدعوة والدعاة وإقباله على بيئة الجاهلية وعشراء السوء ، وفى هذا الخطر الكبير والشر المستطير ، الذي يؤدي حتما إلى سقوطه ، إن لم تتداركه عناية الله ..

ومما يذكر أن حسن البنا كان إذا ودع أخا إلى بلاد الاغتراب للدراسة أو العمل حذره فيما حذره من اثنتين : من المرأة الأولي والكأس الأول .

 

  • كيفية التغلب على عامل البيئة :

إن الشاب المسلم .. إن ذهب إلى بيئة اجتماعية تخلل فيها الفساد ، وانتشر فى نواديها المنكر سواء كان الذهاب من أجل دراسة أو عمل أو هجرة .. كالبيئات الغربية ، والمجتمعات الشرقية .. فينبغي عليه قبل السفر وعلى كل حال أن يبحث عن رفقة صالحة ، أو جماعة مؤمنة .. فبأولئك يستطيع الداعية أو الشاب .. أن يثبت بهم ، ويتعاون معهم ، ويتناصح فى الحق بنصحه ونصائحهم ، ويتحصن بالإيمان والأخلاق الفاضلة بفضل صحبتهم .. بل هو معهم على العموم : إن نسي ذكروه ، وإن ذكر أعانوه ، وإن مال عن الحق احتضنوه ووجهوه .. وإلى الرفقة الصالحة ، والتزام الجماعة المؤمنة .. وجه النبي صلوات الله وسلامه عليه أمة الإسلام ، وأمرهم بها :

روي الترمذي وأبو داود عنه عليه الصلاة السلام : " لا تصاحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي " .

وروي أبو داود والترمذي عنه صلي الله عليه وسلم : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " .

على الشاب المسلم ألا يقيم فى بيئة فاسدة ، أو محيط موبوء .. لأن فى ذلك هلاكه ودماره ، والمؤمن دائما يحتاط لدينه وعرضه ، فلا يوقع نفسه فى مواضع التهم ، ولا يرمي بها فى بيئة الفساد !!.

 

  • من الواجبات العملية :

  • احرص على الصحبة الصالحة " لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقى ".

  • إياك وجليس السوء فإنه يؤذيك لا محالة " إما أن تشم منه رائحة خبيثة وإما أن يحرق ثوبك " .

  • أكثر من زيارة الصالحين ومرافقتهم فالمرء على دين خليله .

  • احرص على محبة الصالحين ففى الآخرة يحشر المرء مع من أحب .

 

الحلقة

الاربعون

 

الحلقة الاربعون

مشاكل الدعوة الى الله وحسن التصرف حيالها

 

6 - قسوة القلب لطول الأمد :

وهذه عقبة أخري تحتاج إلى حذر شديد لأنها لا تظهر دفعة واحدة ولكنها تأتي بتدريج بطئ لا يكاد يدركه سالك الطريق ، ألا وهي قسوة القلب بسبب طول الأمد . إذ تفتر الهمة تدريجيا عن القيام بواجبات الدعوة ، ويخمد فى النفس التأثر والانفعال مع قضايا الدعوة شيئا فشيئا ، ويترسب الران على القلب بمرور الأيام حتى يجد نفسه يقرأ القرآن دون تأثير ويصلي بلا خشوع ، وقد يغفل عنها بعض الأحيان دون تأنيب للضمير . ويجد نفسه بعيداً عن حال المؤمنين الذين قال الله فيهم " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " الأنفال 2

والله سبحانه يحذرنا من التردي إلى هذه الحال من قسوة القلب فيقول " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون " الحديد 16

 

  • كيف نتغلب على قسوة القلب :

  1. البعد عن المعاصي والسيئات كبيرها وصغيرها : فإنها نار تحرق القلوب وتستوجب غضب الله ، ومن غضب ربه عليه فقد خسر خسرانا مبينا : " ومن يحلل عليه غضبي فقد هوي "

  2. المواظبة على عمل اليوم والليلة : من ذكر أو دعاء وضراعة ، أو استغفار ، أو قراءة قرآن ، أو صلاة ضحي ، أو قيام ليل ، ومناجاة لاسيما فى وقت السحر ، فإن ذلك كله مولد إيماني جيد ، ينشط النفوس ، ويحركها ويعلي الهمم ، ويقوي العزائم . قال تعالي : " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ، لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا " سورة النحل 128

" يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا .. إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا . " سورة المزمل 1"

وقال النبي صلي الله عليه وسلم : " من نام عن حزبه من الليل ، أو على شئ منه ، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ، كتب له كأنما قرأه من الليل " أخرجه مسلم

  1. ترصد الأوقات الفاضلة والعمل على إحيائها بالطاعات : فإن هذا مما ينشط النفوس ، ويقوي الإرادات ، يقول صلي الله عليه وسلم " ...... فسددوا ، وقاربوا ، وأبشروا ، واستعينوا بالغدوة ، والروحة ، وشئ من الدلجة "

  2. التحرر من التشدد والغلو فى دين الله : فإن ذلك مما ينشط ويساعد على الاستمرار ، عن عائشة – رضي الله تعالي عنها – قالت : " كان لرسول الله صلي الله عليه وسلم حصير ، وكان يحجره من الليل فيصلي فيه ، فجعل الناس يصلون بصلاته ، ويبسطه بالنهار ، فثابوا ذات ليلة ، فقال : " يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، وإن أحب الأعمال إلى الله مادووم عليه ، وإن قل " وكان آل محمد صلي الله عليه وسلم إذا عملوا عملاً أثبتوه .

  3. دفن النفس فى أحضان الجماعة ، وعدم اعتزالها أو الشذوذ عنها بحال من الأحوال ، وحسبنا قوله صلي الله عليه وسلم : " الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب " ، " يد الله مع الجماعة " وقول على – رضي الله عنه – " كدر الجماعة خير من صفو الفرد " .

فعلى سالك الطريق ألا يسمح لنفسه بالعزلة عن إخوانه ليظل فى مجال العمل والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وعليه أن يلزم نفسه بواجبات الأخ المسلم ، وأن يحسن الصلة بكتاب الله وأن يحاسب نفسه أولا بأول . ومن حقه قبل إخوانه أن يذكروه إذا نسي وأن يعينوه إذا ذكر .

 

- من الواجبا ت العملية :

  1. أن يلزم نفسه بأوراد اليوم والليلة .

  2. أن يحسن الصلة بكتاب الله عز وجل .

  3. أن يحاسب نفسه أولا بأول .

  4. أن يلزم إخوانه ولا يفارقهم .

 

- ومع ذلك لا نعطي الأمان :

من سلك طريق الدعوة لا يأمن لحظة فيظن أنه قد تخطي كل العقبات وأن الطريق قد خلت منها تماما ، أو يعتقد أنه بلغ من الثبات وقوة الإيمان ما يضمن معه تخطي أية عقبة تعترض طريقه . كما لا يصح أن يتصور أن تخطيه عقبات بعينها لا يعني تكرارها مرات ومرات .

ولا ينجو من كيدهم إلا من كان على بصيرة من ربه ومن استعاذ بالله من شرورهم وأكرمه الله بالتثبيت " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم " فصلت 36 " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . وإخوانهم يمدونهم فى الغي ثم لا يقصرون " الأعراف 2.2 " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة " إبراهيم 27 فلنسأل الله جميعا أن يثبتنا على طريق الدعوة وأن يجنبنا الزلل وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن شر الشياطين وأن يختم لنا بخير آمين .

  • كيف نثبت أمام هذه المنعطفات ( العقبات ) : نتآخى و نتذاكر ونتواصى …

أخى على الطريق ... لتحمد الله على نعمة الإسلام وهى خير النعم ، ثم لتحمد الله أن وفقك لتلك الخطوات التى أوصلتك الى طريق الدعوة بأن سخر لك من أرشدك وأعانك على اليقظة والانتباه من الغفلة التى تغشى الكثير من المسلمين ، فعرفت حقيقة وجودك وحقيقة رسالتك فى هذه الحياة ، ثم وفقك وأعانك على استكمال شخصيتك الإسلامية ، عقيدة وعبادة وأخلاقاً ، ثم استشعرت مسئوليتك نحو هذا الدين الحق وأنه لايكفى أن تكون مسلماً فى ذاتك ولكن لابد أن يكون لك دور إيجابى للتمكين لهذا الدين وإقامة المجتمع الذى تحكمه عقيدة الإسلام وشريعته .

ووضَّح لك أن هذا الواجب لايمكن أن يتم بصورة فردية ولابد من تضافر الجهود حول منهج سليم لتحقيق هذا الهدف العظيم - وما لا يتم الواجب إلابه فهو واجب - ثم بحثت وتحريت واسترشدت حتى وفقك الله وهداك الى طريق الدعوة ، فتعرفت عليه وعلى معالمه وسالكيه وارتضيته ووثقت فيه ، ثم ألزمت نفسك به وارتبطت به وأشهدت الله على ذلك ..... فلتحمد الله على توفيقه فى كل ذلك .

لنتآخى فى الله :

ما أحوجنا يا أخى ونحن نسير على طريق الدعوة الى التآخى فى الله لتقوية الرابطة بيننا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين المهاجرين والأنصار وضربوا أمثلة رائعة من الحب والإيثار .

اشدد يا أخى على يد إخوانك على الطريق بقبضة كلها حب وإيثار ورحمة ، ولكنها قوية لا تفلت عند الهزات و الشدائد أو فى غمرة الفتن والأحداث وهذا رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم يحثنا على ذلك : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) رواه البخارى ، ( مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ) رواه البخارى ، ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ، ومن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ) رواه الطبرانى . فتعرف يا أخى على إخوانك وتآلفوا وتعاونوا وتناصحوا وتكاشفوا وتكافلوا وتحابوا وكونوا عباد الله إخواناً .

ولنتذاكر :

وما أحوجنا ونحن نسير على طريق الدعوة إلى التذاكر فالذكرى تنفع المؤمنين ومن ذلك :

*** لنتذاكر أن الواجب الذى جمعنا على طريق الدعوة لا خيار لنا فيه إذ أن إسلامنا يحتم علينا القيام به ، وأن كل المسلمين آثمون ما لم يعملوا على إقامة شرع الله .

*** ولنتذاكر معاً أن دعوتنا سلفية ومنهاجنا هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم وأن طريق الدعوة طريق واحدة سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من قبل ، وسار عليها الدعاة ، ونسير عليها بتوفيق من الله من بعد : إيمان وعمل ، محبة وإخاء ، دعاهم الى العمل وجمع قلوبهم على الحب والإخاء ، فاجتمعت قوة العقيدة الى قوة الوحدة ، وصارت جماعتهم هى الجماعة النموذجية التى لابد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها وإن ناوءها أهل الأرض جميعاً .

*** ولنتذاكر يا أخى أن الدور الذى نقوم به الآن شاق وثقيل ولكنه هام وأساسى ، وهو إرساء القاعدة المؤمنة الصلبة التى تتحمل عبء إقامة شرع الله ، وذلك بإعداد الجيل المؤمن القوى من رجال العقيدة الذين يؤمنون بها ويمتثلونها ويدافعون عنها ويمكنون لها ، والأساس كما هو معلوم أشق وأهم المراحل فى كل بناء .

*** ولنتذاكر أن الأعداء يكيدون لنا ويتربصون بنا ، وأن هذا الأمل المنشود لن يتم إلا من خلال صراعات شديدة بين أهل الباطل وأهل الحق و العاقبة للمتقين :{ كذلك يضرب الله الحق و الباطل * فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب الله الأمثال } الرعد 17 ، { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } البقرة 217.

*** ولنذكر أن المحن سنة الله فى الدعوات ليمحص ويميّز وليعدّ النوعية التى تتحمل أمانات النصر ، ولهذا فالمحن جزء لازم من طريق الدعوة ، وهى أيضاً مقدمات ومبشرات للنصر ، وصدق الله العظيم :{ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين } [ الأنعام 34 ] .

*** ولنذكر فضل الله على مسيرتنا هذه المحمدية ، فقد سارت على طريق الدعوة فى عزم وثبات دون تبديل أو تغيير أو انحراف ، ودون ضعف أو وهن أو استكانة ، رغم ما لاقت من محن شديدة ومحاولات شرسة للقضاء عليها أو الانحراف بها :{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً } . الأحزاب 23

*** ولنذكر ثقتنا من تحقيق وعد الله بالنصر و التمكين لعباده المؤمنين وأن المستقبل لهذا الدين : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً } النور 55.

*** ولنذكر أننا على طريق الدعوة ندعو الى أسمى ما يدعو إليه بشر ، حيث أننا ندعو الى الله : { ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال إننى من المسلمين } فصلت 33 وأننا بهذا الدين أساتذة البشرية وأصحاب العزة و السعادة : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } البقرة 143 ، { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون } [ المنافقون 8 ] .

*** ولنذكر يا أخى مع ذلك كله أن الله غنى عنا وعن جهودنا ، وأننا الفقراء الى الله المحتاجون لفضله وثوابه :{ ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين } [ العنكبوت 6 ] ، ولنذكر أننا إن لم نكن بالدعوة فلن نكون بغيرها وهى إن لم تكن بنا فستكون بغيرنا .

ولنتواص :

*** ولنتواص بالحق الذى اجتمعنا عليه على طريق الدعوة بأن نستمسك به ونتمثله ولا نتخلى عنه ، بل نحافظ عليه حتى نورثه للأجيال التى تلينا دون تحريف أو تغيير أو اجتزاء .

*** ولنتواص بالصبر واحتمال مشاق الطريق وتخطى العقبات و التحرز من المنعطفات ، فنسير على بصيرة ورؤية واضحة وتفهُّم كامل لمنهج السير ، وبعزم وإرادة قوية وعمل دائب متواصل لمستقبل زاهر لهذه الدعوة ، مقدرين ثقل الأمانة معتبرين بكل ما مرَّ ويمر بنا من أحداث وظروف .

*** ولنتواص يا أخى بالبذل و التضحية و الفداء فى سبيل هذه الدعوة فهى تطلب منك كلك لا بعضك ، فارتباطنا بطريق الدعوة ارتباط مصيرى وكلى وليس لحظياً ولا جزئياً ، عقدنا فيه بيعاً مع الله أن نقدم له ما منَّ علينا به من نفس ومال ليمنَّ علينا بجنة عرضها السموات والأرض :{ ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم }التوبة 111 ] .

لو استطعت يا أخى أن تسخر وقتك وجهدك ومالك وفكرك لهذه الدعوة فافعل ولا تتردد فأنت الرابح : { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً } [ المزمل 2. ] أما غيرك الذى يضن بشىء من ذلك فهو المغبون الخاسر :{ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } .[ محمد 38 ]

افرح يا أخى واسعد عندما تجد وقتك مشغولاً بالعمل للدعوة وطاقتك مستنفدة فى حقل الدعوة ، فذلك من فضل الله عليك :{ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } فالوقت هو الحياة و الواجبات أكثر من الأوقات فأد واجبك وكن عوناً لغيرك على أداء واجبه .

*** ولنتواص يا أخى بالإخلاص لله فلا نجاة لنا ولا ثمرة لأعمالنا إلا بإخلاص الوجهة لله ، فالله سبحانه وتعالى لايقبل إلا العمل الخالص لوجهه :{ قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين } ، { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } [ البينة 5 ] .

فراجع يا أخى قلبك وطهره من الرياء .

*** اخفض جناحك يا أخى لإخوانك على الطريق وكن لين الجانب معهم ، وتواضع ولا تسمح لنفسك أن تستعلى وتحب الظهور ، فحب الظهور يقصم الظهور ، واعرف قدر نفسك ، وقدر إخوانك حق قدرهم ولا تبخسهم أشياءهم .

*** إياك يا أخى و الغرور فإنه كفيل أن يبعدك عن الصف وينحيك عن الطريق ، وعليك أن ترجع الفضل دائماً لله فى كل ما يتحقق من خير للدعوة على يديك ، ولا ترجعه الى علم عندك أو كفاءة أو مقدرة شخصية فإنه لاحول لنا ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .

*** لنتواص يا أخى بأن نستشعر مسئوليتنا وواجبنا نحو هذه الدعوة بصورة تؤرقنا وتباعد بيننا وبين الراحة أو الدعة والاستكانة بصورة تجعلنا دائمى التفكير والانشغال بشئون الدعوة فهى كل شىء فى حياتنا ، نفكر ونعمل كل ما يحقق مصلحة لها أو يدفع ضر عنها ، ولنعلم أن كلا منا على ثغرة فلا تؤتى الدعوة من قبلنا .

*** ولنتواص يا أخى بالاستكثار من الزاد على الطريق وخير الزاد التقوى ، نقوى بها على مشاق الطريق ونتقى بها الانزلاق فى منعطفاته وتعيننا على تخطى عقباته :{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [ الأعراف 2.1 ] ، { و الصابرين فى البأساء و الضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } .

ولنثبت على الطريق :

*** لنثبت يا أخى على طريق الدعوة فلا تزل قدم بعد ثبوتها ، ولنظل على الطريق لا نمل السير كل الوقت وفى كل مكان وتحت كل الظروف ، ولو كان الواحد منا وحده فى أقاصى الأرض حتى ولو باعدوا بيني وبين أحبابي ، مستشعرين معية الله فهو نعم المولى ونعم النصير ،

لا تمل السير يا أخى ولو تباعدت أمام ناظريك تباشير النصر أو ثمار أعمالك وجهودك ، فالله سبحانه من رحمته بنا يحاسبنا على الأعمال و النيات ولا يحاسبنا على النتائج .

*** لنثبت يا أخى مهما تعرضنا للأذى ، ومهما هدد الباطل وأرعد وخوَّف ، ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأسوة الحسنة ولنتمثل قول الله تعالى :{ الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح * للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوِّف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } [ البقرة 172-175 ] ، وكذلك قول الله تعالى :{ وكأين من نبى قاتل معه ربيُّون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين } .[ آل عمران 146-148 ]

*** لنثبت يا أخى على طريق الدعوة ولا نبتعد عنه قيد أنملة حتى نلقى الله ونحن على طريق الدعوة غير مبدلين ولا مغيرين ولا ناكثين لعهدنا مع الله ، مستبشرين ببيعنا الذى بايعنا ، مترقبين إحدى الحسنيين إما النصر و السيادة ، وإما الشهادة و السعادة .

دعاء :

وفى الختام نتوجه الى الله العلى القدير بالدعاء أن يغفر لنا ، وأن يتقبل منا ما وفقنا إليه من خير ، كما نتوجه الى الله جميعاً أن يمكِّن لدعوته فى الأرض وأن يفتح لها قلوب الناس وأن يجعلنا من جنده الصادقين وأن يرزقنا الشهادة فى سبيله وأن يجمعنا فى جناته مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين وحسن أولئك رفيقاً ، اللهم آمين .

التقويم

  1. اذكر أهم العقبات التي يمكن أن تقابل المؤمنين في طريق دعوتهم ؟

2- وضح مفهوم العقبات الآتية :

أ- الوظيفة أو الكسب ب – ضغط الأهل و الاقربين

ج – قسوة القلب لطول الأمد

3 –وضح أسباب العقبات الآتية :

أ – الزوجة و الأولاد ب – ضغط البيئة

ج- إقبال الدنيا و السعة فى الرزق

4 – و ضح كيفية التعامل مع هذه العقبات :

أ – الزوجة و الأولاد ب – الوظيفة

ج – قسوة القلب لطول الأمد

5- حدد العقبات التي واجهتك في طريق الدعوة ومدى تأثرك بها ؟

6- وضح إلى أى مدى استطعت التغلب على العقبات التي واجهتك ووسائلك في التغلب عليها ؟

7- وضح الدروس المستفادة من العقبات التي مرت بك ؟

8- وضح أهم العوامل المعينة على الثبات على طريق الدعوة .

9- إذا كان من المهم أن يأخذ بعضنا بأيدي بعض عند الغفوة أو الكبوة أو حتى تنكب الطريق . فهل حدث أن قمت بهذا الواجب نحو أحد ؟ أو قام أحد بواجبه معك أو مع غيرك ؟ فأقالك من عثرتك ونجاك الله من كبوتك على يديه – أذكر ذلك كدروس مستفادة .

1 زمن المروءة : ناقصها ، وضيق العطن : قليل لإبل ولعطن مباركها ، كناية عن ضيق الصدر وفقدان الحيلة في الشدائد .

 

2 دعابة : هو ما يستملح به من المزاح .

3 قرية في جنوب الشام.

4 مدينة تلقاء السراة .

 

5 عضاه : كشفاه ، كل شجر ذي شوك ، ووج : بلد بالطائف .

6 يعضد : يقطع .

7() طفح البشر : فاض السرور .

8() المحيا : الوجه .

9() أثيرة : عزيزة مكرمة .

10() يملأ عين مُجتليه : يسر الناظر إليه .

11() من آثر الناس عنده : من أعز الناس وأكرمهم عنده .

12() تُغَلّله : تشغله .

13() رباتها : صاحباتها .

14() خلبه : فتنه وسحره .

15() يصيخون : ينصتون .

16() واسط : مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة .

17() قد غروه : خدعوه ، ونافقوه حتى امتلأ غروراً .

18() النطع : بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بقطع الرأس .

19() الغالية : أنواع من الطيب تُمزَجُ ويُتطيب بها .

20() العراقان : الكوفة والبصرة .

21() الشئون : العروق التي تجري منها الدموع .

22() أخلقنا أخلاقنا : أبلينا أخلاقنا .

23() السُّخرة : العمل قهراً وبلا أجرة.

24() الكظة : مايعتري الإنسان عند الامتلاء من الطعام من الضيق والألم .

25() تجشاً : أخرج ريحاً من فمه مع صوت من شدة الشبع .

26() البشمُ : التُخمة .

27() الأحميق : تصغير أحمق وهو القليل العقل الفاسد الرأي .

28() نيف : زاد .

29() جارنا بيت بيت: ملاصق لنا .

30() الغداة : الضُحى .

31() مشدوها : ذاهلاً حائراً .

32() الرياش : ما كان فاخراً من اللباس ونحوه .

33() ما عدوت الحق : ما بعدت عن الحق ولا خرجت عليه .

34 [ من كتاب توجيهات نبوية على الطريق د / السيد محمد نوح ]

 

Date de dernière mise à jour : 05/07/2021