- Accueil
- المستوى التكويني
- الكتاب الثالث
- الحلقة 01-20
الحلقة 01-20
الحلقة 01-20
الحلقة الاولى
المحور الإيماني والتعبدي
القرآن الكريم
جزء تبارك
سورة القيامة
مقدمة السورة :
هذه السورة القصيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات والصور والمشاهد ، والإيقاعات واللمسات ، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه .. تحشدها بقوة ، في أسلوب خاص ، يجعل لها طابعا قرآنيا مميزا .
إنها تبدأ في الآيتين الأوليين منها بإيقاع عن القيامة ، وإيقاع عن النفس : ( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ) .. ثم يستطرد الحديث فيها متعلقا بالنفس ومتعلقا بالقيامة ، من المطلع إلى الختام ، تزاوج بين النفس وبين القيامة حتى تنتهي . وكأن هذا المطلع إشارة إلى موضوع السورة .
من تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري .. حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي ، فلا يملك لها ردا .. وهي تتكرر في كل لحظة ، ويواجهها الكبار والصغار .. والأقوياء والضعاف ، ويقف الجميع منها موقفا واحدا .. لا حيلة . ولا وسيلة . ولا قوة . ولا شفاعة . ولا دفع . ولا تأجيل .. مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئا ..( كلا ! إذا بلغت التراقي ، وقيل : من راق ؟ وظن أنه الفراق . والتفت الساق بالساق .. إلى ربك يومئذ المساق ) ..
ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تعرضها السورة ، حقيقة النشأة الأولى ، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى ، وعلى أن هناك تدبيرا في خلق هذا الإنسان وتقديرا .. وهي حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها وتتابعها في صنعة مبدعة ، لا يقدر عليها إلا الله ، ولا يدعيها أحد ممن يكذبون بالآخرة ويتمارون فيها : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ؟ ) ثم تقول في آخرها : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ؟ ألم يك نطفة من مني يمنى ؟ ثم كان علقة فخلق فسوى ؟ فجعل منه الزوجين : الذكر والأنثى ؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ )
ومن المشاهد المؤثرة التي تحشدها السورة ، وتواجه بها القلب البشري مواجهة قوية .. مشهد يوم القيامة وما يجري فيه من انقلابات كونية ، ومن اضطرابات نفسية ، ومن حيرة في مواجهة الأحداث الغالبة حيث يتجلى الهول في صميم الكون ، وفي أغوار النفس .. وذلك ردا على تساؤل الإنسان عن يوم القيامة في شك واستبعاد ليومها المغيب .. فيجيء الرد :( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه . يسأل : أيان يوم القيامة ؟ فإذا برق البصر ، وخسف القمر ، وجمع الشمس والقمر ، يقول الإنسان يومئذ : أين المفر ؟ كلا ! لا وزر ، إلى ربك يومئذ المستقر ، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) ..
ومن هذه المشاهد مشهد المؤمنين المطمئنين إلى ربهم ، المتطلعين إلى وجهه الكريم في ذلك الهول . ومشهد الآخرين المقطوعي الصلة بالله ، وبالرجاء فيه ، المتوقعين عاقبة ما أسلفوا من كفر ومعصية وتكذيب :( كلا ! بل تحبون العاجلة ، وتذرون الآخرة . وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة . ووجوه يومئذ باسرة ، تظن أن يفعل بها فاقرة ! ) ..
وفي ثنايا السورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات تحتوي توجيها خاصا للرسول وتعليما له في شأن تلقي هذا القرآن . ويبدو أن هذا التعليم جاء بمناسبة حاضرة في السورة ذاتها . إذ كان الرسول يخاف أن ينسى شيئا مما يوحى إليه ، فكان حرصه على التحرز من النسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقيه ؛ وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه . فجاء هذا التعليم : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به ، إن علينا جمعه وقرآنه ، فإذا قرأناه ، فاتبع قرآنه ، ثم إن علينا بيانه ) .. جاءه هذا التعليم ليطمئنه إلى أن أمر هذا الوحي ، وحفظ هذا القرآن ، وجمعه ، وبيان مقاصده .. كل أولئك موكول إلى صاحبه . ودوره هو ، هو التلقي والبلاغ . فليطمئن بالا ، وليتلق الوحي كاملا ، فيجده في صدره منقوشا ثابتا .. وهكذا كان .
* * *
وهكذا يشعر القلب - وهو يواجه هذه السورة - أنه محاصر لا يهرب . مأخوذ بعمله لا يفلت . لا ملجأ له من الله ولا عاصم . مقدرة نشأته وخطواته في علم الله وتدبيره ، في النشأة الأولى وفي النشأة الآخرة سواء ، بينما هو يلهو ويلعب ويغتر ويتبطر : ( فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى . ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) ..
وفي مواجهة تلك الحشود من الحقائق والمؤثرات واللمسات والإيحاءات يسمع التهديد الملفوف : ( أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى ) فيكون له وقعه ومعناه !
وهكذا تعالج السورة عناد هذا القلب وإعراضه وإصراره ولهوه . وتشعره بالجد الصارم الحازم في هذا الشأن ، شأن القيامة ، وشأن الحياة المقدرة بحساب دقيق . ثم شأن هذا القرآن الذي لا يخرم منه حرف ، لأنه من كلام العظيم الجليل ، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكلماته ، وتثبت في سجل الكون الثابت ، وفي صلب هذا الكتاب الكريم .
من مشاهد يوم القيامة
الآيات من ( 1 : 15)
|
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ 1 وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ 2 أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ 3 بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ 4 بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ 5 يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ 6 فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ 7 وَخَسَفَ الْقَمَرُ 8 وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ 9 يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ 10 كَلَّا لَا وَزَرَ 11 إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ 12 يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ 13 بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ 14 وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ 15 |
الأهداف الإجرائية السلوكية
-
أن يعدد الدارس بعض مشاهد يوم القيامة .
-
أن يذكر الدارس المقصود بالنفس اللوامة .
-
أن يبين الدارس خصائص النفس البشرية الضالة كما وضحتها الآيات .
-
أن يصور الدارس مشاهد وأحداث يوم القيامة كما جاءت في الآيات .
-
أن يصور الدارس حال الإنسان يوم القيامة كما صورته الآيات .
-
أن يعيش الدارس هذه المشاهد والأهوال بعقله ووجدانه ومشاعره .
-
أن يعمل الدارس لهذا اليوم ويستعد له .
-
أن يحاسب نفسه أولاَ بأول علي الصغيرة قبل الكبيرة .
معاني الكلمات :-
-بَرِقَ : حار ولم يستقر
– المستقر : المرجع والمصير
– خسف : ذهب ضوءه
– جُمِعَ الشمس والقمر : اقترن كل منهما بالآخر .
– بصيرة : شاهدة علي الأعمال
– وزر : مكان تعتصمون فيه
– معاذيره : جدل ومحاجة
***************************************
( لا أقسم بيوم القيامة ، ولا أقسم بالنفس اللوامة) ..
هذا التلويح بالقسم مع العدول عنه أوقع في الحس من القسم المباشر .. وهو يتم أحسن تمام بهذا الأسلوب الخاص .. ثم تبرز من ورائه حقيقة القيامة وحقيقة النفس اللوامة .. فأما النفس اللوامة ففي التفسيرات المأثورة أقوال متنوعة عنها.. وقال جرير : وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى ، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر ، وتندم على ما فات .
ونحن نختار في معنى ( النفس اللوامة ) قول الحسن البصري : " إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه " ..
فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها ، وتتلفت حولها ، وتتبين حقيقة هواها ، وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله ، حتى ليذكرها مع القيامة .
( لا أقسم بيوم القيامة ، ولا أقسم بالنفس اللوامة ) .. على وقوع هذه القيامة .
ولكنه لما عدل عن القسم ، عدل عن ذكر المقسم به ، وجاء به في صورة أخرى كأنها ابتداء لحديث بعد التنبيه إليه بهذا المطلع الموقظ :
( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ؟ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) ..
وقد كانت المشكلة الشعورية عند المشركين هي صعوبة تصورهم لجمع العظام البالية ، الذاهبة في التراب ، المتفرقة في الثرى ، لإعادة بعث الإنسان حيا ! ولعلها لا تزال كذلك في بعض النفوس إلى يومنا هذا ! والقرآن يرد على هذا الحسبان بعدم جمع العظام مؤكدا وقوعه : ( بلى ! قادرين على أن نسوي بنانه ) .. والبنان أطراف الأصابع ؛ والنص يؤكد عملية جمع العظام ، بما هو أرقى من مجرد جمعها ، وهو تسوية البنان ، وتركيبه في موضعه كما كان ! وهي كناية عن إعادة التكوين الإنساني بأدق ما فيه ، وإكماله بحيث لا تضيع منه بنان ، ولا تختل عن مكانها ، بل تسوى تسوية ، لا ينقص معها عضو ولا شكل هذا العضو ، مهما صغر ودق !
ويكتفي هنا بهذا التقرير المؤكد .. إنما يخلص هنا إلى الكشف عن العلة النفسية في هذا الحسبان ، وتوقع عدم جمع العظام .. إن هذا الإنسان يريد أن يفجر ، ويمضي قدما في الفجور ، ولا يريد أن يصده شيء عن فجوره ، ولا أن يكون هناك حساب عليه وعقاب . ومن ثم فهو يستبعد وقوع البعث ، ويستبعد مجيء يوم القيامة :
( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه . يسأل أيان يوم القيامة ؟ ) ..
ومن ثم كان الجواب على التهكم بيوم القيامة واستبعاد موعدها ، سريعا خاطفا حاسما .. وكان مشهدا من مشاهد القيامة تشترك فيه الحواس والمشاعر الإنسانية ، والمشاهد الكونية :
( فإذا برق البصر . وخسف القمر ، وجمع الشمس والقمر . يقول الإنسان يومئذ أين المفر؟) .
فالبصر يخطف ويتقلب سريعا سريعا تقلب البرق وخطفه . والقمر يخسف ويطمس نوره . والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق . ويختل نظامهما الفلكي المعهود ، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق .. وفي وسط هذا الذعر والانقلاب ، يتساءل الإنسان المرعوب : ( أين المفر؟ ) .
.. ولا ملجأ ولا وقاية ، ولا مفر من قهر الله وأخذه ، والرجعة إليه ، والمستقر عنده ؛ ولا مستقر غيره :
( كلا ! لا وزر . إلى ربك يومئذ المستقر ) ..
وما كان يرغب فيه الإنسان من المضي في الفجور بلا حساب ولا جزاء ، لن يكون يومئذ ، بل سيكون كل ما كسبه محسوبا ، وسيذكر به إن كان نسيه ، وسيؤخذ به بعد أن يذكره ويراه حاضرا :
( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ).. بما قدمه من عمل قبل وفاته ، وبما أخره وراءه من آثار هذا العمل خيرا كان أم شرا .
ومهما اعتذر الإنسان بشتى المعاذير عما وقع منه ، فلن يقبل منها عذر ، لأن نفسه موكولة إليه ، وهو موكل بها ، وعليه أن يهديها إلى الخير ويقودها . فإذا انتهى بها إلى الشر فهو مكلف بها وحجة عليها :
( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) ..
بعض ما ترشد إليه الآيات :
-
-
النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة التي تحاسب نفسها ،وتتبين حقيقة هواها ، وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله ، حتى ليذكرها مع القيامة .
-
لا ملجأ ولا وقاية ، ولا مفر من قهر الله وأخذه ، والرجعة إليه ، والمستقر عنده ؛ فيجب أن نستعد لذلك .
-
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ... ( بل الإنسان على نفسه بصيرة .. )
-
التقويم
-
عدد بعض مشاهد يوم القيامة التي وردت في الآيات .
-
أذكر المقصود بالنفس اللوامة .
-
بيّن خصائص النفس البشرية الضالة كما وضحتها الآيات .
-
صور مشاهد وأحداث يوم القيامة كما جاءت في الآيات .
-
صور حال الإنسان يوم القيامة كما صورته الآيات .
-
ماذا تعمل لهذا اليوم وكيف تستعد له ؟
-
هل تحاسب نفسك أولاَ بأول علي الصغيرة قبل الكبيرة ؟
-
قال الله تعالى " ينبأ الإنسان يومئذٍ بما قدم و أخر " ماذا تستفيد من هذه الآية .
-
" بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " ما وقع هذه الآية على نفسك ؟
الحلقة
الثانية
الحلقة الثانية
الدرس الأول :
" توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الوحي "
" من مشاهد القيامة .. ومشهد الاحتضار "
الآيات من ( 16 : 3. )
|
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 16 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ 19 كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ 20 وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ 21 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ 22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ 24 تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ 25 كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ 26 وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ 27 وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ 28 وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ 29 إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ 30 |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يصف الدارس حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضبط وحفظ القرآن.
-
أن يبين الدارس تكفل الله عز وجل بالقرآن حفظاً وبياناً على مر العصور والأزمان .
-
أن يذكر الدارس صفات الكافرين في هذه الآيات .
-
أن يصف الدارس حال المؤمن يوم القيامة .
-
أن يصف الدارس حال الكافر يوم القيامة .
-
أن يصور الدارس حال الإنسان وقت الاحتضار .
-
أن يدرك حقيقة الموت وما فيه من شدائد .
معاني الكلمات :
-اتبع : استمع ونفذ تكاليفه
– باسرة : كالحة عابسة
– العاجلة : الدار الدنيا
– تظن : تستيقن
– ناضرة : حسنة مشرقة ومسرورة
– التراقى : جمع ترقوة وهي العظم أعلى الصدر .
تجيء الآيات الأربع الخاصة بتوجيه الرسول في شأن الوحي وتلقي هذا القرآن :
( لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه ) ..
وبالإضافة إلى ما قلناه في مقدمة السورة عن هذه الآيات ، فإن الإيحاء الذي تتركه في النفس هو تكفل الله المطلق بشأن هذا القرآن : وحيا وحفظا وجمعا وبيانا ؛ وإسناده إليه سبحانه وتعالى بكليته . ليس للرسول من أمره إلا حمله وتبليغه .
ثم يمضي سياق السورة في عرض مشاهد القيامة وما يكون فيها من شأن النفس اللوامة ، فيذكرهم بحقيقة نفوسهم وما يعتلج فيها من حب للدنيا وانشغال ، ومن إهمال للآخرة وقلة احتفال : ( كلا . بل تحبون العاجلة ، وتذرون الآخرة ) ..
( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة ) ..
إن هذا النص ليشير إشارة سريعة إلى حالة تعجز الكلمات عن تصويرها . . ذلك حين يعد الموعودين السعداء بحالة من السعادة لا تشبهها حالة . حتى لتتضاءل إلى جوارها الجنة بكل ما فيها من ألوان النعيم .. هذه الوجوه الناضرة .. نضرها أنها إلى ربها ناظرة .. فأي مستوى من الرفعة هذا ؟ أي مستوى من السعادة ؟
إن روح الإنسان لتستمتع أحيانا بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس.. فتغمرها النشوة ، وتفيض بالسعادة .. وتتوارى عنها أشواك الحياة ، وما فيها من ألم وقبح .. وصراع شهوات وأهواء .. فكيف ؟ كيف بها وهي تنظر - لا إلى جمال صنع الله - ولكن إلى جمال ذات الله ؟ ومالها لا تتنضر وهي إلى جمال ربها تنظر ؟
( ووجوه يومئذ باسرة ، تظن أن يفعل بها فاقرة ) . وهي الوجوه الكالحة المتقبضة التعيسة .. وهي التي يشغلها ويحزنها ويخلع عليها البسر والكلوحة توقعها أن تحل بها الكارثة القاصمة للظهر ، المحطمة للفقار .. الفاقرة ..
وإذا كانت مشاهد القيامة .. تستمد قوتها وإيقاعها في النفس ، من قوة الحقيقة الكامنة فيها ، وقوة الأداء القرآني الذي يشخصها ويحييها ، فإن السورة بعد عرض تلك المشاهد تقرب وتقرب حتى تلمس حس المخاطبين بمشهد آخر حاضر واقع .. إنه مشهد الموت . الموت الذي ينتهي إليه كل حي ، والذي لا يدفعه عن نفسه وعن غيره حي .. الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه :
( كلا ! إذا بلغت التراقي ، وقيل : من راق ؟ وظن أنه الفراق ، والتفت الساق بالساق . إلى ربك يومئذ المساق ) ..
إنه مشهد الاحتضار ، يواجههم به النص القرآني كأنه حاضر ..( كلا إذا بلغت التراقي ) .. وحين تبلغ الروح التراقي يكون النزع الأخير ، وتكون السكرات المذهلة ، ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار .. ويتلفت الحاضرون حول المحتضر يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ الروح المكروب : ( وقيل : من راق ؟ ) لعل رقية تفيد ! .. وتلوى المكروب من السكرات والنزع ..( والتفت الساق بالساق ).. وبطلت كل حيلة ، وعجزت كل وسيلة ، وتبين الطريق الوحيد الذي يساق إليه كل حي في نهاية المطاف : ( إلى ربك يومئذ المساق ) ..
إن المشهد ليكاد يتحرك وينطق . وكل آية ترسم حركة . وكل فقرة تخرج لمحة . وحالة الاحتضار ترتسم ويرتسم معها الجزع والحيرة واللهفة ومواجهة الحقيقة القاسية المريرة ، التي لا دافع لها ولا راد .. ثم تظهر النهاية التي لا مفر منها .. ( إلى ربك يومئذ المساق ).
بعض ما ترشد إليه الآيات :
-
تكفل الله المطلق بشأن هذا القرآن : وحيا وحفظا وجمعا وبيانا .
-
حقيقة النفس البشرية وما يعتلج فيها من حب للدنيا وانشغال بها ، ومن إهمال للآخرة وقلة احتفال بها .. وما يجب علينا حيال ذلك من مجاهدة النفس وحسن تهذيبها وانشغال بالآخرة والاستعداد لها .
-
ما يجب أن يسعى إليه المسلم في هذه الحياة أن يحقق غايته .. الفوز بالجنة والنظر إلي وجه الله الكريم .
-
التفكر في الموت وسكراته وما فيه من شدائد والاستعداد له .
التقويم :
-
صف حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضبط وحفظ القرآن .
-
بيّن تكفل الله عز وجل بالقرآن حفظاً وبياناً على مر العصور والأزمان .
-
أذكر صفات الكافرين في هذه الآيات .
-
صف حال المؤمن يوم القيامة .
-
صف حال الكافر يوم القيامة .
-
صور حال الإنسان وقت الاحتضار .
-
" إن للموت لسكرات " . وضح ذلك في ضوء الآيات .
الدرس الثاني :
العقيدة
من وسائل الارتقاء الايماني
أولاً : اغتنام مواسم الخيرات والأوقات الفاضلة
الأهداف الإجرائية السلوكية :
أ- أن يحدد الأوقات الفاضلة ومواسم الخيرات .
-
أن يغتنم الأوقات الفاضلة فى طاعة الله .
***************************
فضل الله عز وجل بعض الأوقات على بعض ، ففضل رمضان على سائر الشهور وفضل الجمعة على سائر الأيام وفضل ليلة القدر على سائر الليالى وفضل وقت السحر على سائر الأوقات. وعلى من يريد أن يتعهد قلبه بالإصلاح أن يغتنم الأوقات الفاضلة وأن يعرض نفسه لنفحات الله عسى أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدا.
-
من هذه الأوقات شهر رمضان : فهو خير الشهور قال عز وجل " شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقآن " 1 أنزل فيه القرآن وفرض فيه الصيام ، وهو من خير العبادات فاحرص يا أخى على الاستعداد لرمضان كما كان يفعل الصحابة يعيشون فى رحاب رمضان نصف العام ويستعدون له النصف الآخر ، ومن أول رجب أدع الله وقل اللهم بارك لنا فى رجب وشعبان وبلغنا رمضان ، واحرص فى شهر رمضان على أن تصوم جوارحك ، وان تلازم المسجد ما أمكن ذلك وصاحب القرآن فيه تلاوة وتدبرا ، وأكثر فيه من الذكر وقيام الليل ، واحرص على الاعتكاف فى العشر الأواخر فيه اقتداء بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم عسى أن توافق ليلة القدر فتنال فضلها وجزاءها ، واحرص على أداء زكاة الفطر فإن قبول صيامك مرهون بأدائها .
-
ومن هذه الأوقات الفاضلة يوم الجمعة : وهو خير يوم طلعت فيه الشمس ، فيه ساعة إجابة لا يوافقها عبد يدعو الله بشىء إلا أجابه له. فلتجعل يوم الجمعة يا أخى يوم القلب واجعل لك فيه برنامجا إيمانيا بالذهاب مبكرا إلى المسجد بعد الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب ، ولتكثر فيه من الصلاة على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، وتجتهد فى الدعاء والإلحاح فيه عسى أن توافق ساعة الإجابة، ويكفى فى فضل الجمعة ما رواه أوس بن أوس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من غسل واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع وأنصت ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنة اجر صيامها وقيامها " 2
-
ومن هذه الأوقات الفاضلة وقت البكور بعد صلاة الفجر : فعن انس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى الفجر فى جماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت كأجر حجة وعمرة تامة تامة " 3
-
ومن هذه الأوقات الفاضلة وقت السحر : وقد سبق الكلام عنه فى قيام الليل .
التقويم :
أ- حدد المقصود بالأوقات الفاضلة ومواسم الخيرات – وما المطلوب فيها .
ب- قوِّم مدى اغتنامك الأوقات الفاضلة فى طاعة الله .
الحلقة
الثالثة
الحلقة الثالثة
الدرس الاول :
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ؟!!
الآيات من ( 31 : 40 )
|
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى 31 وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى 32 ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى 33 أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى 34 ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى 35 أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى 36 أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى 37 ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى 38 فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى 39 أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى 40 |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يقص الدارس قصة نزول هذه الآيات .
-
أن يصور الدارس مشاهد اللاهين المكذبين
-
أن يدلل علي قدرة الله علي البعث والنشور .
-
أن يربط الدارس بين مقدمة السورة وخاتمتها .
معاني الكلمات :
يتمطي : يتفاخر وقيل كسلان لا همة له
– سدي : عبثا .
المعني العام :
هذه الآيات تعني أبو جهل ( عمرو بن هشام ) حين كان يأتي يستمع القرآن ثم يذهب فلا يؤمن ولا يتأدب بل يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم ويذهب فخوراً مختالاً بما فعل وقد أمسك به رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة وهذه وهو يقول له " أولي لك فأولي ثم أولي لك فأولي " فقال عدو الله أتوعدني يا محمد والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا وإني لأعز من مشي بين جبليها فأخذه الله يوم بدر بيدي المؤمنين برب محمد . وتلك نهاية كل ظالم في هذه الحياة .وفي نهاية السورة تمس الآيات القلوب من خلال التذكير بالخلق واليوم الآخر والغاية من هذا الخلق وهذه الحياة وأن الإنسان لم يترك سدي . وعلى الإنسان أن يحدد مصيره ونهايته .
*****
وفي مواجهة المشهد المكروب الملهوف الجاد الواقع يعرض مشهد اللاهين المكذبين ، الذين لا يستعدون بعمل ولا طاعة ، بل يقدمون المعصية والتولي ، في عبث ولهو ، وفي اختيال بالمعصية والتولي : ( فلا صدق ولا صلى ، ولكن كذب وتولى ، ثم ذهب إلى أهله يتمطى ).
وقد ورد أن هذه الآيات تعني شخصا معينا بالذات ، قيل هو أبو جهل "عمرو بن هشام" .. وكان يجيء أحيانا إلى رسول الله يسمع منه القرآن . ثم يذهب عنه ، فلا يؤمن ولا يطيع ، ولا يتأدب ولا يخشى ؛ ويؤذي رسول الله بالقول ، ويصد عن سبيل الله .. ثم يذهب مختالا بما يفعل ، فخورا بما ارتكب من الشر ، كأنما فعل شيئا يذكر .. والتعبير القرآني يتهكم به ، ويسخر منه ، ويثير السخرية كذلك ، وهو يصور حركة اختياله بأنه ( يتمطى ! ) يمط في ظهره ويتعاجب تعاجبا ثقيلا كريها !
وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى الله ، يسمع ويعرض ، ويتفنن في الصد عن سبيل الله ، والأذى للدعاة ، ويمكر مكر السيئ ، ويتولى وهو فخور بما أوقع من الشر والسوء ، وبما أفسد في الأرض ، وبما صد عن سبيل الله ، وبما مكر لدينه وعقيدته وكاد !
والقرآن يواجه هذه الخيلاء الشريرة بالتهديد والوعيد :
( أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى ) ..
وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد ، وقد أمسك رسول الله بخناق أبي جهل مرة ، وهزه ، وهو يقول له : ( أولى لك فأولى . ثم أولى لك فأولى ) .. فقال عدو الله : أتوعدني يا محمد ؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئا . وإني لأعز من مشى بين جبليها !! فأخذه الله يوم بدر بيد المؤمنين بمحمد وبرب محمد القوي القهار المتكبر ..
وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتز بعشيرته وبقوته وسلطانه ؛ ويحسبها شيئا ؛ وينسى الله وأخذه . حتى يأخذه أهون من بعوضة ، وأحقر من ذبابة .. إنما هو الأجل الموعود لا يستقدم لحظة ولا يستأخر .
وفي النهاية يمس القلوب بحقيقة أخرى واقعية في حياتهم ، لها دلالتها على تدبير الله وتقديره لحياة الإنسان . ولها دلالتها كذلك على النشأة الأخرى التي ينكرونها أشد الإنكار . ولا مفر من مواجهتها ، ولا حيلة في دفع دلالتها :
( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ؟ ألم يك نطفة من مني يمنى ؟ ثم كان علقة فخلق فسوى ؟ فجعل منه الزوجين : الذكر والأنثى ؟ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ )
وهذا المقطع الأخير العظيم الإيقاع ، يشتمل على لفتات عميقة إلى حقائق كبيرة .. وأولى هذه اللفتات تلك اللفتة إلى التقدير والتدبير في حياة الإنسان :
( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) ..
فلقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علة لها ولا هدف ولا غاية .. أرحام تدفع وقبور تبلع .. وبين هاتين لهو ولعب ، وزينة وتفاخر ، ومتاع قريب من متاع الحيوان .. فأما أن يكون هناك ناموس ، وراءه هدف ، ووراء الهدف حكمة ؛ وأن يكون قدوم الإنسان إلى هذه الحياة وفق قدر يجري إلى غاية مقدرة ، وأن ينتهي إلى حساب وجزاء ، وأن تكون رحلته على هذه الأرض ابتلاء ينتهي إلى الحساب والجزاء .. أما هذا فكان أبعد شيء عن تصور الناس ومداركهم ، في ذلك الزمان .
وهذا هو التصور الكبير الذي نقل القرآن الناس إليه منذ ذلك العهد البعيد ، نقلة هائلة بالقياس إلى التصورات السائدة إذ ذاك وما تزال هائلة بالقياس إلى سائر التصورات الكونية التي عرفتها الفلسفة قديما وحديثا .
وفي غير تعقيد ولا غموض يأتي بالدلائل الواقعة البسيطة التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى .. إنها دلائل نشأته الأولى :
( ألم يك نطفة من مني يمنى ؟ ثم كان علقة فخلق فسوى ؟ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ؟ ) .
فما هذا الإنسان ؟ مم خلق ؟ وكيف كان ؟ وكيف صار ؟
ألم يك نطفة صغيرة من الماء ، من مني يمنى ويراق ؟ ألم تتحول هذه النطفة من خلية واحدة صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم ، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء ؟ .. ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنينا معتدلا منسق الأعضاء ؟ .. ثم في النهاية . من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة .. الذكر والأنثى ؟ ..
وأمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضا على الحس البشري ، يجيء الإيقاع الشامل لجملة من الحقائق التي تعالجها السورة :
( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ؟ ) .. بلى ! سبحانه ! فإنه لقادر على أن يحيي الموتى !
ما ترشد إليه الآيات :
-
الاعتبار بمصارع السابقين .
-
علي الإنسان أن يحدد غايته وهدفه ومصيره وإلي أين يصير .
-
التفكر في خلق الإنسان ليكون ذلك دافعا للإيمان .
التقويم :
-
قص قصة نزول هذه الآيات .
-
صور مشاهد اللاهين المكذبين
-
دلل علي قدرة الله علي البعث والنشور من خلال الآيات .
-
اربط بين مقدمة السورة وخاتمتها .
الدرس الثاني :
العقيدة
من وسائل الارتقاء الايماني
ثانياً : كثرة الصيام
االأهداف الإجرائية السلوكية :
أن يوضح أهميه الصيام .
أن يوضح فوائد الصيام .
************************
أهمية الصيام :
فالصيام هو السبيل إلى التقوى قال تعالى :
" يا أيها الذي آمنوا كتب عليكم الصيام كما كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " 4 وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم موصيا : " عليك بالصوم فإنه لا مثل له "5 وهو جُنة من النار وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صام يوما فى سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض " 6. ويكفى الصوم منزلة أن المولى عز وجل قال فى حديثه القدسى الذى رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لى وأنا أجزى به " 7
ب- وللصوم فوائد جمة : منها صفاء القلب ونفاذ البصيرة ورقة القلب وتهيؤ الإرادة والانكسار والذل لله وزوال الأطر والأشر وكسر الشهوات خاصة شهوة الفرج والكلام وملك زمام النفس وقلة النوم وكثرة التهجد وحق البدن ودفع المرض والخفة إلى العبادة ولين القلب.
قال الفضيل : اثنان تقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الأكل ، وقال لقمان لابنه لا تأكل شيئا على شبع فإنك إن تتركه للقلب خير لك من أن تأكله .
فاحرص يا أخى : على اغتنام رمضان فهو صوم الفريضة وأكثر من صيام النوافل وذلك يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع والثلاثة أيام البيض من كل شهر والأيام الفاضلة والتى وردت فى فضل صيامها أثر عن النبى صلى الله عليه وسلم كيوم عرفة لغير الحاج ويوم عاشوراء.
التقويم :
وضح أهميه الصيام .
-
وضح فوائد الصيام .
-
أذكر أثراً من آثار الصيام استشعرته بنفسك عند أداء هذه الطاعة لله .
الحلقة
الرابعة
الحلقة الرابعة
الدرس الأول :
سـورة الإنسـان
فضل السورة :
أخرج مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة " ألم تنزيل " السجدة و " هل أتي علي الإنسان " الإنسان .
مقدمة السورة
السورة في مجموعها هتاف رخي ندي إلى الطاعة ، والالتجاء إلى الله ، وابتغاء رضاه ، وتذكر نعمته ، والإحساس بفضله ، واتقاء عذابه ، واليقظة لابتلائه ، وإدراك حكمته في الخلق والإنعام والابتلاء والإملاء ..
وهي تبدأ بلمسة رفيقة للقلب البشري : أين كان قبل أن يكون ؟ من الذي أوجده ؟ ومن الذي جعله شيئا مذكورا في هذا الوجود ؟ بعد أن لم يكن له ذكر ولا وجود : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؟ ) ..
تتلوها لمسة أخرى عن حقيقة أصله ونشأته ، وحكمة الله في خلقه ، وتزويده بطاقاته ومداركه : ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) ..
ولمسة ثالثة عن هدايته إلى الطريق ، وعونه على الهدى ، وتركه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره :( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ).
وبعد هذه اللمسات الثلاث الموحية .. تأخذ السورة في الهتاف للإنسان وهو على مفرق الطريق لتحذيره من طريق النار .. وترغيبه في طريق الجنة ، بكل صور الترغيب ، وبكل هواتف الراحة والمتاع والنعيم والتكريم : ( إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا . إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا . عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) ..
وقبل أن تمضي في عرض صور المتاع ترسم سمات هؤلاء الأبرار في عبارات كلها انعطاف ورقة وجمال وخشوع يناسب ذلك النعيم الهانئ الرغيد ..ثم تعرض جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف ، الخائفين من اليوم العبوس القمطرير ، الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام ، يبتغون وجه الله وحده ، لا يريدون شكورا من أحد ، إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير .. تعرض جزاء هؤلاء الخائفين الوجلين المطعمين المؤثرين . فإذا هو الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد : ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ، ولقاهم نضرة وسرورا ..) .
فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود اتجه الخطاب إلى رسول الله لتثبيته على الدعوة - في وجه الإعراض والكفر والتكذيب - وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر ؛ والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق : ( فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا . واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) ..
ثم تذكيرهم باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه ؛ والذي يخافه الأبرار ويتقونه ، والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله ، الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة ، وهو قادر على الذهاب بهم ، والإتيان بقوم آخرين ؛ لولا تفضله عليهم بالبقاء ، لتمضي مشيئة الابتلاء . ويلوح لهم في الختام بعاقبة هذا الابتلاء : ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا . نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا . إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا . وما تشاءون إلا أن يشاء الله ، إن الله كان عليما حكيما . يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) ..
خلق الإنسان ... ومصيره الذي يختاره
الآيات من ( 1 :4 )
|
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا 1 إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا 2 إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا 3 إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا 4 |
الأهداف الاجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس بداية خلق الإنسان ( أطوار خلق الإنسان ) كما بينتها الآيات .
-
أن يذكر الدارس الغرض من الاستفهام في بداية السورة .
المفردات :
-أمشاج : المشج والمشيج الشيء المختلط بعضه في بعض قال ابن عباس : ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا ثم ينتقل بعد ذلك من طور إلي طور .
– نبتليه : نختبره
( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؟ ) ..
هذا الاستفهام في مطلع السورة إنما هو للتقرير ؛ ولكن وروده في هذه الصيغة كأنما ليسأل الإنسان نفسه : ألا يعرف أنه أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؟ ثم ألا يتدبر هذه الحقيقة ويتملاها ؟ .. إنها إيحاءات كثيرة تنبض من وراء صيغة الاستفهام في هذا المقام .
.. ينتهي منها القلب إلى الشعور بالقصد والغاية والتقدير ، في المنشأ وفي الرحلة وفي المصير .
فأما امتداد هذا الإنسان بعد ذلك وبقاؤه فكانت له قصة أخرى :
( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) ..
والأمشاج : الأخلاط . وربما كانت هذه إشارة إلى تكون النطفة من خلية الذكر وبويضة الأنثى بعد التلقيح . وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة ، والتي يمثلها ما يسمونه علميا "الجينات" وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولا ولصفات الجنين العائلية أخيراً . وإليها يعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان ، لا جنين أي حيوان آخر . كما تعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة .. ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى ..
خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج ، لا عبثا ولا جزافا ولا تسلية ، ولكنه خلق ليبتلي ويمتحن ويختبر ..ومن ثم جعله سميعا بصيرا أي زوده بوسائل الإدراك ، ليستطيع التلقي والاستجابة . وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار. ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار ..
ثم زوده إلى جانب المعرفة ، بالقدرة على اختيار الطريق ، وبين له الطريق الواصل . ثم تركه ليختاره ، أو ليضل ويشرد فيما وراءه من طرق لا تؤدي إلى الله :
( إنا هديناه السبيل : إما شاكرا وإما كفورا ) ..
وعبر عن الهدى بالشكر . لأن الشكر أقرب خاطر يرد على قلب المهتدي .. الشكر هو الخاطر الأول الذي يرد على قلب المؤمن في هذه المناسبة . فإذا لم يشكر فهو الكفور .. بهذه الصيغة الموغلة في الدلالة على الكفران .
ومن ثم يأخذ في عرض ما ينتظر الإنسان بعد الابتلاء ، واختياره طريق الشكر أو طريق الكفران ..فأما ما ينتظر الكافرين ، فيجمله إجمالا:
( إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا ) .. سلاسل للأقدام ، وأغلالا للأيدي ، ونارا تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين !
بعض مما ترشد إليه الآيات :
-
أن يتدبر الإنسان حقيقة خلقه ويستشعر قدرة الله العظيمة عليه .. ينتهي منها القلب إلى الشعور بالقصد والغاية وأنه في دار ابتلاء .
-
أن يدرك نعمة الله علي الإنسان أن زوده بوسائل المعرفة وبصره بالطريق الموصل إلي الله وأعطاه القدرة علي اختيار الطريق .
التقويم :
-
أشارت الآيات الأولي إلي شيء من الاعجاز العلمي في خلق الإنسان وضح ذلك .
-
ما وسائل المعرفة التي زود الله بها الإنسان ؟ وما مظاهر تكريم الله للإنسان من خلال هذه السورة ؟
-
أذكر الغرض من الاستفهام في بداية السورة .
-
( الإنسان .. خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج ، لا عبثا ولا جزافا ولا تسلية ، ولكنه خلق ليبتلي ويمتحن ويختبر ... ) هل تستشعر هذا المعنى في نفسك من خلال معايشتك للآيات ؟
الدرس الثاني :
العقيدة
من وسائل الارتقاء الايماني
ثالثاً : التفكر
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح أهمية التفكر .
-
أن يوضح مجالات التفكر .
************
-
أهمية التفكر :
يقول الامام الغزالى : إن الطريق إلى معرفة الله سبحانه وتعالى والتعظيم له فى مخلوقاته والتفكر فى عجائب مصنوعاته وفهم الحكمة فى أنواع مبتدعاته فيكون ذلك هو السبب فى رسوخ اليقين . وقد أمر الله عز وجل الإنسان أن يتفكر فى أصله ونشاته " فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق " 8 سئل أبو الدرداء : أترى التفكر عملا من الأعمال ، قال : نعم هو اليقين" . وقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة .
ب- مجالات التفكر :
- وأن يتفكر الإنسان فى نفسه : "وفى أنفسكم أفلا تبصرون " 9
" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقه فخلقنا العلقه مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين " 10 . فانظر إلى النطفة وهى قطرة من ماء مهين ضعيف مستقذر، ولو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت، كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته، مطيعة لمشيئته، وكيف جمع سبحانه بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الإجتماع الذى هو سبب تخليق الولد وتكوينه ، وكيف قدر اجتماع ذينك الماءين مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء وجمعهما فى موضع واحد جعل لهما قراراً مكينا ، لا يناله هواء يفسده ، ولا برد يجمده ، ولا عارض يصل إليه ، ولا آفة تتسلط عليه، ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشرقة علقة حمراء تضرب إلى السواد ، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة فى لونها وحقيقتها وشكلها، ثم جعلها عظاما مجردة لا كسوة عليها، مباينة للمضغة فى شكلها وهيئتها وقدرها وملمسها ولونها.
وانظر كيف قسم كل الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى الأعصاب والعظام والعروق والأوتار واليابس واللين، وبيَّن ذلك ، ثم كيف ربط بعضها ببعض أقوى رباط وأشده وأبعده عن الإنحلال وكيف كساه لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاءً وحافظاً وجعلها حاملة له مقيمة له ، فاللحم قائم بها وهى محفوظة به، وكيف صورها فأحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ ومد اليدين والرجلين وبسطهما وقسم رؤوسهما بالأصابع ثم قسمها بالأنامل وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه. صنع الرب الحكيم وتقدير العزيز العليم فى قطرة من ماء مهين ، فويل للمكذبين وبعدا للجاحدين.
ومن عجائب خلقه ما فيه من الامور الباطنه التى لا تشاهد ، كالقلب والكبد والطحال والرئة والأمعاء والمثانة وسائر ما فى بطنه من الآلا ت العجيبة والقوى المتعددة المختلفة المنافع .
والمقصود التنبيه على أقل القليل من وجوه الحكمة التى فى خلق الإنسان ، والأمر أضعاف ما يخطر بالبال، أو يجرى فيه المقال.
- وكذلك فعلى المؤمن أن يتفكر فى الكون من حوله : " قل انظروا ماذا فى السموات والأرض " 11
فلينظر فى ملكوت السموات وعلوها وسعتها واستدارتها، وعظم خلقها، وحسن بنائها، وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها، واشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها ، فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة، بل هى أحكم خلقا واتقن صنعا وأعجب للعجائب من بدن الإنسان بل لا نسبة لجميع ما فى الأرض إلى عجائب السماوات قال الله تعالى : " أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها " 12، وقال تعالى : " إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس " إلى قوله: " لآيات لقوم يعقلون "13، فبدأ بذكر خلق السموات وقال تعالى: " إن فى خلق السموات واختلاف اليل والنهار لآيات لأولى الألباب "14 وهذا كثير فى القرآن ، فالأرض والبحار والهواء ، وكل ما تحت السموات ـ بالإضافة إلى السموات ـ كقطرة فى بحر ولهذا قَلَّ أن تجئ سورة فى القرآن إلا وفيها ذكرها ، إما إخباراً عن عظمتها وسعتها، وإما إقساماً بها وإما دعاء إلى النظر فيها ، وإما ارشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها ، وإما استدلالا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة ، واما أستدلالا بربوبيته على وحدانيته وانه الله الذى لا إله إلا هو وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته .
فأرجع البصر إلى السماء ، وانظر فيها وفى كواكبها ودورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤوبها فى الحركة على الدوام من غير فتور فى حركتها ولا تغير فى سيرها ، بل تجرى فى منازل قد رتبت لها بحساب مقدر لايزيد ولا ينقص إلى أن يطويها فاطرها وبديعها ثم انظر إلى مسير الشمس فى فلكها ، ثم هى فى كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر عنه ولولا طلوعها وغروبها لما عرف الليل والنهار ولا المواقيت ، ولا طبق الظلام على العالم أو الضياء ، ولم يتميز وقت المعاش عن وقت السبات والراحة.
وانظر إلى القمر وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئا فشيئا كل ليلة حتى ينتهى إلى إبداره وكماله وتمامه ، ثم ياخذ فى النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى ليظهر من ذلك مواقيت العباد فى معاشهم وعبادتهم ومناسكهم ، فتميزت به الأشهر والسنون ، وقام به حساب العالم مع ما فى ذلك من الحكم والآيات والعبر التى لا يحصيها إلا الله .
ثم يقول ابن القيم : ـ ولو أردنا ان نستوعب ما هى آيات الله المشهورة من العجائب والدلالات المشاهدة لله بأنه الله الذى لا إله إلا هو ، الذى ليس كمثله شئ وأنه الذى لا أعظم منه ولا أكمل منه ولا أبر ولا ألطف : لعجزنا نحن والأولون والآخرون عن معرفة أدنى عشر معشار ذلك ، ولكن ما لا يدرك جميعه لا ينبغى تركه البتة والتنبيه على بعض ما يستدل به على ذلك 15
فهذه أمثلة للتفكر فى خلق الله ، علينا أن نحذو حذوها فى سائر ما يحيط بنا من آيات فنتفكر فى الليل والنهار ، كما قال تعالى : " الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا " 16وفى الدواب بأنواعها : " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " 17، وفى الجبال والبحار والأنهار والنبات والهواء وسائر المخلوقات ، ونقرن ذلك بالأذكار المناسبة من تسبيح وتهليل .
ومن تفكر فى خلق السماوات الأرض لا بد وأن يخاطب ربه " ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار"18 يقول النبى صلى الله عليه وسلم تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله "19 فإن التفكر فى آلاء الله هداية وأما التفكر فى ذات الله هلكة يقول النبى صلى الله عليه وسلم "يأتى الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك ؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " 20
وفى الحديث يعلمنا النبى صلى الله عليه وسلم كيف نتفكر وإلى أى حد ينتهى وعلى المرء أن يتفكر فى قصص الأمم السابقة فإن لنا فيها العظة ولأهمية هذا الأمر فقد قصها الله عز وجل على نبيه تثبيتا له وتوضيحا له أنه حلقه فى هذه السلسلة المباركة " وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " 21
فلا بد أن تكون لك ساعات تخرج فيها لتنظر إلى صفحة الكون المشهود فتنظر إلى خلق الله الشمس مثلا وتتفكر فى خلقها وإبداعها ورقة صنعها وكيف يدلك على وجود الله ووحدانيته ففى خلقها عظيم النعم علينا.
التقويم :
-
وضح أهمية التفكر .
-
وضح مجالات التفكر .
-
كيف نتفكر ؟ وفيم يكون التفكر ؟
-
أذكر أحد المواقف العملية التى قمت فيها بالتفكر مبيناً فى أى شيء كان التفكر وفيم تفكرت وما أثر ذلك التفكر عليك ؟
-
قوِّم مدى حرصك على أن يكون لك ورد من التفكر ؟
الحلقة
الخامسة
الحلقة الخامسة
الدرس الاول :
صفات الأبرار .. وما أعده الله لهم من نعيم الجنة
الآيات من ( 5 : 22 )
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا 5 عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا 6 يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا 7 وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا 8 إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا 9 إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا 10 فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا 11 وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا 12 مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا 13 وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا 14 وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا 15 قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا 16 وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا 17 عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا 18 وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا 19 وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا 20 عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا 21 إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا 22 }
الأهداف الاجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس بعض صفات الأبرار كما بينتها الآيات .
-
أن يتصف الدارس بصفات الأبرار .
-
أن يصور الدارس النعيم الذى أعده الله في الآخرة للأبرار .
-
أن يعيش الدارس هذا النعيم بمخيلته وأحاسيسه .
-
أن يسعى الدارس للفوز بهذا النعيم في الآخرة .
معاني المفردات
– يفجرونها تفجيرا : أي يتصرفون فيها حيث شاءوا أو يقودونها حيث شاءوا والتفجير هو الإتباع
– شره مستطيرا : أي منتشرا عاما علي الناس إلا من رحم الله
– يطعمون الطعام علي حبه : علي حب الله والأظهر أن الضمير عائد علي الطعام
– عبوسا قمطريرا : تعبس فيه الوجوه من الهول – قمطريرا : تقلص الجبين وما بين العينين من الهول وقيل القمطرير الشديد العصيب
– ذللت قطوفها تذليلا : أي متى تعاطاه دنا القطف إليه تدلي من أعلي غصنه كأنه سامع طائع
– قوارير من فضة : أي بياض الفضة في صفاء الزجاج فهذه الأكواب هي من فضة وهي مع هذا شفافة يري ما في باطنها من ظاهرها
– قدروها تقديرا : أي علي قدر ريهم لا تزيد عنه ولا تنقص وعلى قدر الكف فهي مقدرة في القدر والري
– كان مزاجها زنجبيلا : فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد وتارة بالزنجبيل وهو حار ليعتدل الأمر وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة – ثمّ: أي هناك يعني في الجنة
– السندس : وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم
– الاستبرق : الحرير وهو ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر
*****
يسارع السياق إلى رخاء النعيم : ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا . عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا ) ..
وهذه العبارة تفيد أن شراب الأبرار في الجنة ممزوج بالكافور ، يشربونه في كأس تغترف من عين تفجر لهم تفجيرا ، في كثرة ووفرة .
ثم يعرف بهؤلاء الأبرار عباد الله الذين قسم لهم هذا المتاع :
( يوفون بالنذر ، ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) ..
وهي صورة وضيئة شفافة لقلوب مخلصة جادة عازمة على الوفاء لله بتكاليف العقيدة .. ( يوفون بالنذر ) فيفعلون ما اعتزموا من الطاعات ، وما التزموا من الواجبات . فهم يأخذون الأمر جدا خالصا لا يحاولون التفلت من تبعاته .. وهذا معنى أنهم يوفون بالنذر .
( ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) .. فهم يدركون صفة هذا اليوم ، الذي يتفشى شره ويصيب الكثيرين من المقصرين والمسيئين . فيخافون أن ينالهم شيء من شره .
( ويطعمون الطعام - على حبه - مسكينا ويتيما وأسيرا ) ..
وهي تصور شعور البر والعطف والخير ممثلا في إطعام الطعام ، مع حبه بسبب الحاجة إليه .. ولكنها تؤثر به المحاويج .
وكانوا يطعمون الطعام بأريحية نفس ، ورحمة قلب ، وخلوص نية . واتجاه إلى الله بالعمل ، يحكيه السياق من حالهم ، ومن منطوق قلوبهم .
( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا . إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ) ..
فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة ، تتجه إلى الله تطلب رضاه . ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكرا ، ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء . كما تتقي بها يوما عبوسا شديد العبوس ، تتوقعه وتخشاه ، وتتقيه بهذا الوفاء .
ومن ثم كان ذلك التصوير الكريم لذلك الشعور الكريم :( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ) ..
يعجل السياق بذكر وقايتهم من شر ذلك اليوم الذي كانوا يخافونه ، ليطمئنهم في الدنيا وهم يتلقون هذا القرآن ويصدقونه ! ويذكر أنهم تلقوا من الله نضرة وسرورا .. جزاء وفاقا على خشيتهم وخوفهم ، وعلى نداوة قلوبهم ونضرة مشاعرهم .
ثم يمضي بعد ذلك في وصف مناعم الجنة التي وجدوها :
( وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ) .. جنة يسكنونها وحريرا يلبسونه .
( متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ) .. فهم في جلسة مريحة مطمئنة والجو حولهم رخاء ناعم دافئ في غير حر ، ندي في غير برد . فلا شمس تلهب النسائم ، ولا زمهرير وهو البرد القارس .
( ودانية عليهم ظلالها . وذللت قطوفها تذليلا ) .. وإذا دنت الظلال ودنت القطوف فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال . ثم تأتي تفصيلات المناعم والخدمات ..
( ويطاف عليهم بآنية من فضة ، وأكواب كانت قوارير ، قوارير من فضة قدروها تقديرا . ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا . عينا فيها تسمى سلسبيلا ) ..
فهم في متاعهم .. يطاف عليهم بأشربة في آنية من فضة ، وفي أكواب من فضة كذلك ، ولكنها شفة كالقوارير ، مما لم تعهده الأرض في آنية الفضة . وهي بأحجام مقدرة تقديرا يحقق المتاع والجمال . ثم هي تمزج بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور . وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلا ، لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين !
وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه ، لا يفعل فيهم الزمن ، ولا تدركهم السن ؛ فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة . وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور :
( ويطوف عليهم ولدان مخلدون ، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا ) ..
ثم يجمل السياق خطوط المنظر ، ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر :
( وإذا رأيت - ثم - رأيت نعيما وملكا كبيرا ) .. نعيما وملكا كبيرا . هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد الله هؤلاء ، على وجه الإجمال والعموم . ثبت في الصحيح أن الله تعالي يقول لآخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا إليها : " إن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها "
ثم يخصص مظهرا من مظاهر النعيم والملك الكبير ؛ كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير :
( عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ، وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) ..
والسندس الحرير الرقيق ، والإستبرق الحرير السميك المبطن .. وهم في هذه الزينة وهذا المتاع ، يتلقونه كله من ( ربهم ) فهو عطاء كريم من معط كريم . وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم !
ثم يتلقون عليه الود والتكريم : ( إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ).. يتلقون هذا النطق من الملأ الأعلى . وهو يعدل هذه المناعم كلها ، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها .
بعض ما ترشد إليه الآيات :
-
أن نحرص على الاتصاف بصفات الأبرار ( الوفاء بالنذر – الخوف من عذاب الآخرة – إطعام الطعام – إخلاص العمل لله عز وجل - ... )
-
أن نذكر الجنة وما أعده الله من نعيم للأبرار ونعايش ذلك بمشاعرنا وأحاسيسنا فنتشبه بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم كانوا كمن يرى الجنة والنار رأي العين .. وما لذلك من أثر على سلوكنا وحياتنا كلها .
-
القرآن يؤكد في مواضع شتى العلاقة الوثيقة بين الإيمان والدور الاجتماعي للمؤمن " ويخافون يوما ... ويطعمون الطعام ... إنا نخاف من ربنا ... " .
التقويم :
-
وضح بعض صفات الأبرار كما بينتها الآيات .
-
قوِّم مدى تحققك بصفات الأبرار .
-
صور النعيم الذى أعده الله في الآخرة للأبرار .
-
عبِّر عن مشاعرك عند معايشتك لنعيم الجنة بمخيلتك وأحاسيسك .
-
هل تسعى للفوز بهذا النعيم في الآخرة ؟ وماذا أعددت لذلك ؟
-
من يستحق ألوان النعيم الكثيرة الواردة في السورة الكريمة ؟ ولماذا ؟
الدرس الثاني :
العقيدة
من وسائل الارتقاء الايماني
رابعاً : المبادرة إلى الطاعات والإكثار من الخيرات :-
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر بعض أبواب الخير .
-
أن يوضح أبواب الخير وفضل كل باب منها .
-
أن يحرص على المبادرة إلى الخير وأن يكثر من الطاعات .
أبواب الخيرات كثيرة والإكثار من ولوجها مما يزيد الإيمان نذكر منها :
* عيادة المريض وإطعام الجائع : ـ
يروى النبى صلى الله عليه وسلم مشهدا من مشاهد يوم القيامة فى صورة حوار بين الله وعبده عن الله عز وجل يقول الله تعالى يوم القيامة : " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ، قال أو ما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت انك لو عدته لوجدتني عنده، يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي " 22
* السعى فى قضاء حوائج المسلمين :
قال تعالى : " وافعلوا الخير لعلكم تفلحون "23 ، "وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم"24 . " وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة"25 . وقال صلى الله عليه وسلم " الخلق عيال الله أحبهم إليه أنفعهم لعياله"26 وفى الحديث " لأن يمشى أحدكم في قضاء حاجته وأشار بإصبعه أفضل من أن يعتكف فى مسجدي هذا شهرين" 27
* إماطة الأذى عن الطريق :
روى الشيخان عن النبى صلى الله عليه وسلم " بينما رجل يمشى بطريق وجد غصن شوك فأخذه فشكر الله له فغفر له" وفى رواية "مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يأذيهم فأُدخل الجنة "
* الإحسان إلى الجار :
عن ابن عمر وعائشة رضى الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله ؟ قال من لا يأمــن جاره بوائقـه28 " 29، عن أبى ذر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك" 30
* الزيارة فى الله :
عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم " أن رجلا زار أخا في قرية أخرى فارصد الله تعالى على مدرجته31 ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية قال هل لك من نعمة تربها32 عليه ؟ قال : لا غير أنى أحببته في الله تعالى ، قال فإني رسول الله إليك لأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" 33
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من عاد مريضا او زار أخا له فى الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا" 34
* الإحسان إلى اليتامى والمساكين :
عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له: "إن أردت تلين قلبك فأطعم المسكين وأمسح على رأس اليتيم" . وقد كان دخول الجنة والزحزحة عن النار هو الشغل الشاغل للصحابة رضوان الله عليهم.
وهاهو الصحابى الجليل أبا ذر يسأل النبى صلى الله عليه وسلم ماذا ينجى العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله، قلت: يا نبى الله مع الإيمان عمل ؟ قال: أن ترضخ مما خوًّلك الله ( تعطى مما ملكك الله)، قلت: يا نبى لله فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ ؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: فليعن الأخرق (الجاهل الذى لا يعرف صنعه)، قلت: يا نبى الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع، قال: فليعن مظلوما، قلت: يا نبى الله أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟ قال: ما تريد ان تترك لصاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس، قلت: يا رسول أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيديه حتى تُدخله الجنة" 35
بهذا يعيش المسلم فى مجتمعه ينبوعا يفيض بالخير والرحمة ويتدفق بالنفع والبركة، يفعل الخير ويدعو اليه ويبذل المعروف ويدل عليه، فهو مفتاح للخير مغلاق للشر، يصدق فيه قول النبى صلى الله عليه وسلم : "طوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير مغلاقاً للشر" 36
* مداومة الإنفاق فى سبيل الله :
إن الإنفاق فى سبيل الله دليل عملى وبرهان على الإيمان كما أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الشريف: "والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك" 37، ذلك أن النفس مجبوله على حب المال " وتحبون المال حبا جما " 38، وهى شهوة تنمو مع المرء ولا تفارقه، كما قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم " لو كان لا بن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" 39 ولأن الشح مفتاح كل شر فقد أمر الله عز وجل عباده بالتطهر منه فقال : " وانفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون 40، وقال: "وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين " 41، قال الحسن البصرى فى تفسير الآية : هو البخل .
والصدقة وسيلة لتزكية النفس والتطهر فقد صدر التوجيه من الله إلى حبيبه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " 42، والتزكية والتطهر من المهام الأساسية للرسالة المحمدية : " كما أرسلنا فيكم رسولا يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة " 43.
والمرء يجد نفسه بين داعى النفس والشيطان اللذين يخوفانه الفقر: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء"44 وداعى الإيمان الذى يرغبه فيما عند الله : " مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " 45 والمرء يظل بين مد وجذر وشد وجذب يبخل أم ينفق ويصف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حال البخيل وحال المنفق فى سبيل الله فى حديثه الذى رواه أبى هريرة قال : " مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد أى درعان من حديد قد اضطرت أيدهما إلى ثدييهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها "46 ، ويوضح الحديث حال البخيل وحال الذى يدرب نفسه على الإنفاق برجلين كل منهما يلبس درعا من الحديد ليس له أكمام او منافذ لخروج اليدين وقد شدت يدا كل منهما إلى ثديين وترقوتين فيما يشبه الغل ( القيد ) فكلما تصدق المتصدق بصدقة انبسطت منه حلقات الدرع شيئا فشيئا حتى تحررت اليدان تماما أما الآخر كلما هم ولم يفعل عادت الحلقات محكمة على صدره ولا زالت يداه مغلولتين.
أخى الحبيب أى الشخصين تحب أن تكون ؟
لا أظن أن أحدا يحب أن يكون ذلك المقيد المغلول بشحه إذن فلتجعل لك صدقة يومية مهما قلت واستجب لقوله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله " 47
كن كأبى مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشئ ولو كعكة أو بصلة 48
فإن التصدق سوف يزيد الإيمان والإيمان يزيد بالتصدق وهكذا حتى تقتحم العقبة الكئود فى طريق تزكية النفس وزيادة الإيمان وهى الشح " فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة "49 فإذا انطلق المرء على طريق الإيمان انبسطت يده وانفق مما يحب " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " 50، تلك الآية التى سمعها أبو طلحه فتصدق بأحب ماله إليه وهى ( نخل بيرحاء ) قائلا للنبى صلى الله عليه وسلم: " إنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بخ ذاك مال رابح ، بخ ذاك مال رابح " 51 وقد كان صحابه النبى صلى الله عليه وسلم يتنافسون فى هذا الميدان ، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندى فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك؟ فقلت : مثله، قال وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال رسول الله: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك لشئ أبدا " 52
والصدقة أخى الحبيب حجاب لصاحبها من النار وهى ظل لصاحبها يوم القيامة وفى الدنيا دواء للمرض وتدفع البلاء وتيسر الأمور وتجلب الرزق وتقى مصارع السوء وتطفئ غضب الرب أعاننا الله واياك على اقتحام العقبة والمداومة على الإنفاق فى سبيل الله .
تطبيقات عملية : ـ
والآن أخى الحبيب …لتسأل نفسك :
|
النسبة % |
السؤال |
م |
|
|
هل تدعو الله أن يجعلك للمتقين إماما ؟ |
|
|
|
هل تقف بين يدى الله خاشعا فى صلاتك فإن إقامة الصلاة صفة المتقين |
|
|
|
هل تفى بعهدك مع أصدقائك ؟ |
|
|
|
هل تقوم بالتطبيق العملى لأوامر الله ؟ |
|
|
|
هل تصبر على المرض إذا ما أصابك ؟ |
|
|
|
هل تغض بصرك عما حرم الله عليك ؟ |
|
|
|
هل تصدق فى أقوالك وأفعالك ؟ |
|
|
|
هل لك ورد قرآنى تلتزم به ؟ |
|
|
|
هل ترتب على نفسك قدرا من الحفظ ـ حتى ولو آية فى اليوم ـ ليكون معك القرآن؟ |
|
|
|
هل تتدبر آيات القرآن وتسعى لفهم ما أشكل عليك من معانيه ؟ |
|
|
|
هل تحاسب نفسك يوما بيوم ؟ |
|
|
|
هل تراقب الله وتعلم أنه مطلع عليك وناظر اليك وشاهدك ؟ |
|
|
|
هل إذا أساء اليك زميل لك تكظم غيظك وتعفوا عنه ؟ |
|
|
|
هل أنت من الذاكرين الله كثيرا ؟ |
|
|
|
هل تقوم من الليل ولو مرة فى الأسبوع وحدك ؟ |
|
|
|
هل أنت من المحافظين على الصلاة فى أوقاتها ؟ |
|
|
|
هل تجاهد نفسك لتعمل المعروف وتبعد عن المنكر ؟ |
|
|
|
هل لك ورد من الصيام ثلاثة أيام من كل شهر ؟ |
فإن وجدت ( نسبة أدائك % ) فى كل نقطة مرضية فاحمد الله واطلب المزيد .. وإن وجدت غير ذلك فاستغفر الله وابحث عن علاج ذلك الخلل مستعيناً بالله ثم بإخوانك .. واسأل الله دوماً ان تكون للمتقين أماما.
التقويم :
-
أذكر بعض أبواب الخير .
-
وضح فضل كل مما يأتي : ( عيادة المريض – السعي فى قضاء حوائج الناس - .....)
قوِّم مدى حرصك على المبادرة إلى الخير ( استعن بالاستبانة السابقة )
الحلقة
السادسة
الحلقة السادسة
الدرس الاول :
توجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم ... وتذكرة لنا
الآيات من ( 23 : 31 )
|
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا 23 فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا 24 وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 25 وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا 26 إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا 27 نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا 28 إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا 29 وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 30 يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 31 |
الأهداف الاجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس توجيهات الله عز وجل لرسوله في مواجهة الكافرين .
-
أن يظهر الدارس الحكمة من كل توجيه من هذه التوجيهات .
-
أن يوضح الدارس الزاد الذي وجه الله عز وجل رسوله إليه
-
أن يبين الدارس كيف يتخذ إلى ربه سبيلا .
-
أن يبين هوان أهل الباطل على الله " وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ".
-
أن يبرأ الدارس من حوله وقوته ويرد كل شيء إلي مشيئة الله المطلقة .
المفردات
– وشددنا أسرهم : يعني خلقهم والله وحده هو الذي أعطاهم القوة .
******
وبعد انتهاء هذا الهتاف إلى الجنة ونعيمها الهنيء الرغيد ، يعالج حالة المشركين المصرين على العناد والتكذيب :
( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا . فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا . واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا . ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) ..
لقد كان رسول الله يواجه المشركين بالدعوة إلى الله وحده . وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة .. إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة .. كانت المكانة الاجتماعية ، والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة ، وما يتلبس بها كذلك من مصالح مادية .. هي العنصر الأول الذي يقود إلى التشبث بالعقيدة الواهية الظاهرة البطلان ، في وجه العقيدة القوية الظاهرة الاستقامة ، ثم كانت صور الحياة الجاهلية ومتاعها ولذائذها وشهواتها إلى جانب ذلك تزيد المقاومة والعناد والتأبي على العقيدة الجديدة .
وهذه الأسباب ..كانت قائمة في وجه الدعوة الأولى ، وهي هي قائمة في وجه الدعوة في كل أرض وفي كل جيل . وهي تمثل العناصر الثابتة في معركة العقيدة ، التي تجعلها معركة عنيدة لا تنتهي من قريب ؛ وتجعل مشاقها وتكاليفها والثبات عليها من أعسر التكاليف .
لقد تلقى رسول الله التكليف من ربه لينذر.. فلما أن نهض بالتكليف واجهته تلك العوامل والأسباب التي تصد القوم عن الدعوة الجديدة ، .. وتقودهم إلى العناد الشديد ، ثم إلى الدفاع العنيد عن معتقداتهم وأوضاعهم ومكانتهم ومصالحهم .. ولذائذهم وشهواتهم .. وأخذ هذا الدفاع العنيد صورا شتى ، في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة ، ومحاولة فتنتها عن عقيدتها .. ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها وحول نبيها بشتى التهم والأساليب ..وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة طرقا شتى من الإغراء – إلى جانب التهديد والإيذاء – ليلتقي بهم في منتصف الطريق .. ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه .. وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشبهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل .
والنبي ولو أنه رسول ، حفظه الله من الفتنة ، وعصمه من الناس .. إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف . والله يعلم منه هذا ، فلا يدعه وحده ، ولا يدعه لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق .
وهذه الآيات تتضمن حقيقة هذا العون والمدد والتوجيه :
( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ) . وهي اللفتة الأولى إلى مصدر التكليف بهذه الدعوة ، وينبوع حقيقتها .. إنها من الله . هو مصدرها الوحيد . وهو الذي نزل بها القرآن . فليس لها مصدر آخر .. وكل ما عدا هذا المصدر لا يتلقى عنه ، ولا يستمد منه .. ولا يخلط بها منه شيء .. ثم إن الله الذي نزل هذا القرآن وكلـف بهذه الدعوة لن يتركها . ولن يترك الداعي إليها ، وهو كلفه ، وهو نزل القرآن عليه .
ولكن الباطل يتبجح .. والصد عن سبيل الله يملكه المخالفون للدعوة ويقومون به ويصرون عليه .. ثم هم يعرضون المصالحة .. والإلتقاء في منتصف الطريق .. وهو عرض يصعب رده ورفضه في مثل تلك الظروف العصيبة !
هنا تجيء اللفتة الثانية : ( فاصبر لحكم ربك ، ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) ..
إن الأمور مرهونة بقدر الله . وهو يمهل الباطل ، ويملي للشر ، ويطيل أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص .. كل أولئك لحكمة يعلمها ، يجري بها قدره ، وينفذ بها حكمه .. ( فاصبر لحكم ربك ) .. حتى يجيء موعده المرسوم .. اصبر على الأذى والفتنة . واصبر على الباطل يغلب ، والشر ينتفخ . ثم اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك . اصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق على حساب العقيدة : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) .. فإنه لا لقاء بينك وبينهم .. اصبر ولو طال الأمد ، واشتدت الفتنة وقوي الإغراء ، وامتد الطريق .
ولكن الصبر شاق ، ولا بد من الزاد والمدد المعين :
( واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ) .
هذا هو الزاد . اذكر اسم ربك في الصباح والمساء ، واسجد له بالليل وسبحه طويلا .. إنه الاتصال بالمصدر الذي نزل عليك القرآن ، وكلفك الدعوة ، هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد .. الاتصال به ذكرا وعبادة ودعاء وتسبيحا .. ليلا طويلا .. فالطريق طويل ، والعبء ثقيل . ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير .
وهذا هو المدد الذي يعلم - سبحانه - أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في ذلك الطريق الشائك .. وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل .
ثم يمضي السياق في توكيد الافتراق بين منهج الرسول ومنهج الجاهلية . بما يقرره من غفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم ، ومن تفاهة اهتماماتهم ، وصغر تصوراتهم .. يقول :
( إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ) ..
إن هؤلاء الصغار الزهيدين الذين يستغرقون في العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا . ثقيلا بتبعاته . ثقيلا بنتائجه . ثقيلا بوزنه في ميزان الحقيقة .. إن هؤلاء لا يطاعون في شيء .. ولا يؤبه لما هم فيه من هذه العاجلة ، من ثراء وسلطان ومتاع ، فإنما هي العاجلة ، وإنما هو المتاع القليل .
يتلو ذلك التهوين من أمرهم عند الله الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس ، وهو قادر على الذهاب بهم وتبديل غيرهم منهم . ولكنه يتركهم لحكمة يجري بها قدره القديم :
( نحن خلقناهم وشددنا أسرهم ، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) ..
وهذه اللفتة تذكر هؤلاء الذين يعتزون بقوتهم ، بمصدر هذه القوة ، بل مصدر وجودهم ابتداء . ثم تطمئن الذين آمنوا - وهم في حالة الضعف والقلة - إلى أن واهب القوة هو الذي ينتسبون إليه وينهضون بدعوته . كماتقرر في نفوسهم حقيقة قدر الله وما وراءه من حكمة مقصودة ، هي التي تجري وفقها الأحداث حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .
( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ) .. فهم لا يعجزون الله بقوتهم ، وهو خلقهم وأعطاهم إياها . وهو قادر على أن يخلق أمثالهم في مكانهم .. فإذا أمهلهم ولم يبدل أمثالهم فهو فضله ومنته وهو قضاؤه وحكمته .
ثم يوقظهم إلى الفرصة المتاحة لهم ، والقرآن يعرض عليهم ، وهذه السورة تذكرهم :
( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) ..
ويعقب على هذه اللفتة بإطلاق المشيئة ، ورد كل شيء إليها ، ليكون الاتجاه الأخير إليها ، والاستسلام الأخير لحكمها ؛ وليبرأ الإنسان من قوته إلى قوتها ، ومن حوله إلى حولها .. وهو الإسلام في صميمه وحقيقته :
( وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ) ..
ذلك كي تعلم قلوب البشر أن الله هو الفاعل المختار ، المتصرف القهار ، فتتعلم كيف تتجه إليه وتستسلم لقدره .. وهذا هو مجال هذه الحقيقة الذي تجري فيه في مثل هذه النصوص . مع تقرير ما شاءه الله لهم من منحهم القدرة على إدراك الحق والباطل ؛ والاتجاه إلى هذا أو ذاك وفق مشيئة الله ، العليم بحقيقة القلوب . من ثم فهو :
( يدخل من يشاء في رحمته ، والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) ..فهي المشيئة المطلقة تتصرف بما تريد . ومن إرادتها أن يدخل في رحمته من يشاء ، ممن يلتجئون إليه ، يطلبون عونه على الطاعة ، وتوفيقه إلى الهدى ..( والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) . وقد أملى لهم وأمهلهم لينتهوا إلى هذا العذاب الأليم !
بعض ما ترشد إليه الآيات :
-
يؤكد القرآن أن مصدر التكليف بهذه الدعوة هو الله سبحانه الذي نزل القرآن وكل ما عدا هذا المصدر لا يستمد منه ولا يخلط بها منه شيء .
-
أن نتزود من الزاد الذى أعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم على طريق الدعوة : - الصبر – ذكر الله كثيرا – قيام الليل طويلا – أي دوام الاتصال بالله سبحانه وتعالي .
-
يؤكد القرآن كثيرا أن طبيعة المعركة مع المخالفين للإسلام هي في حقيقتها مع الله لا مع أصحاب الدعوة ولكن الله يمهلهم ولا يهملهم " وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ".
-
المؤمن دائما يبرأ من حوله وقوته ويرد كل شيء إلي مشيئة الله المطلقة والله عليم حكيم ومن هذا تتعلم القلوب كيف تستسلم لقدر الله وهي علي يقين أنه هو الخير .
التقويم :
-
بين توجيهات الله عز وجل لرسوله في مواجهة الكافرين .
-
ما الحكمة من كل توجيه من هذه التوجيهات ؟ كما تفهم من الآيات .
-
وضح الزاد الذي وجه الله عز وجل رسوله إليه
-
بين كيف تتخذ إلى ربك سبيلا .
-
بين هوان أهل الباطل على الله " وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ".
-
طريق الدعوة كثير العقبات يحتاج زادا كبيرا اذكر أنواع الزاد مبينا أهمية دوام الصلة بالله .
-
ما المصدر الذي يتلقي منه المؤمن كل تكاليف الدعوة ؟ وضح ضرورة الارتباط به وعدم قبول أي مصادر أخرى .
-
" فذرني ومن يكذب بهذا الحديث " الآية تشير إلي حقيقة هامة وضحها في ضوء فهمك للآيات الأخيرة من سورة الإنسان .
الإيمان بالمشيئة المطلقة لله سبحانه وتعالي حقيقة إيمانية هامة وضح ذلك من خلال دراستك للسورة .
الحلقة
السابعة
الحلقة السابعة
الدرس الأول :
سورة المرسلات
مناسبة النزول : روي البخاري عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه " والمرسلات " فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذا وثبت علينا حية فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اقتلوها " فابتدرناها فذهبت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " وقيت شركم كما وقيتم شرها " ورواه مسلم من طريق الأعمش به روي عن أبي هريرة " إذا قرأ " والمرسلات عرفا " فقرأ " فبأي حديث بعده يؤمنون " فليقل : آمنت بالله وبما أنزل .
مقدمة السورة :
هذه السورة حادة الملامح ، عنيفة المشاهد ، شديدة الإيقاع ، كأنها سياط لاذعة من نار . وهي تقف القلب وقفة المحاكمة الرهيبة ، حيث يواجه بسيل من الاستفهامات والاستنكارات والتهديدات ، تنفذ إليه كالسهام المسنونة !
وتعرض السورة من مشاهد الدنيا والآخرة ، وحقائق الكون والنفس ، ومناظر الهول والعذاب ما تعرض . وعقب كل معرض ومشهد تلفح القلب المذنب لفحة كأنها من نار : ( ويل يومئذ للمكذبين ) .
ويتكرر هذا التعقيب عشر مرات في السورة .. وهو أنسب تعقيب لملامحها الحادة ، ومشاهدها العنيفة ، وإيقاعها الشديد .
ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة : ( والمرسلات عرفا . فالعاصفات عصفا . والناشرات نشرا فالفارقات فرقا . فالملقيات ذكرا ، عذرا أو نذرا ) .. وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام .
والجولة الأولى تقع في مشاهد يوم الفصل . وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض ، وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر : ( فإذا النجوم طمست . وإذا السماء فرجت . وإذا الجبال نسفت . وإذا الرسل أقتت . لأي يوم أجلت ؟ ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل ؟ ويل يومئذ للمكذبين ! ) .
والجولة الثانية مع مصارع الغابرين ، وما تشير إليه من سنن الله في المكذبين : ( ألم نهلك الأولين ؟ ثم نتبعهم الآخرين ؟ كذلك نفعل بالمجرمين . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ؟ فجعلناه في قرار مكين ؟ إلى قدر معلوم ؟ فقدرنا فنعم القادرون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتا ، وقد جهزت لهم بالاستقرار والماء المحيي : ( ألم نجعل الأرض كفاتا ؟ أحياء وأمواتا ، وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ؟ ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم الفصل من عذاب وتأنيب : ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ! لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين ، ومزيد من التأنيب والترذيل : ( هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون . ويل يومئذ للمكذبين ! هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فيكيدون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة الثامنة مع المتقين ، وما أعد لهم من نعيم : ( إن المتقين في ظلال وعيون ، وفواكه مما يشتهون . كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب : ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب : ( وإذا قيل لهم : اركعوا لا يركعون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) .
والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات : ( فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ ) ..
مشاهد يوم الفصل
الآيات من ( 1 : 15 )
|
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا 1 فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا 2 وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا 3 فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا 4 فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا 5 عُذْرًا أَوْ نُذْرًا 6 إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ 7 فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ 8 وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ 9 وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ 10 وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ 11 لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ 12 لِيَوْمِ الْفَصْلِ 13 وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ 14 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 15 |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس تأكيد الله عز وجل على أن القيامة حق وأن العذاب والهلاك واقع بالكافرين .
-
أن يعدد الدارس مشاهد وأهوال يوم الفصل .
-
أن يثق الدارس أن وعد الله بيوم الفصل واقع لا محالة .
-
أن يخشى الدارس من أهوال هذا اليوم ويستعد له .
المفردات :
- المرسلات والعاصفات والناشرات : الأظهر هي الرياح يقال : عصفت الرياح إذا هبت بتصويت والناشرات هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الله عز وجل .
– فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا : هي الملائكة فإنها تنزل بأمر الله علي الرسل لتفرق بين الحق والباطل وتلقي إلي الرسل وحيا فيه إعذار إلي الخلق وإنذار لهم .
– أقتت : جمعت أو أجلت .
*******
( والمرسلات عرفا . فالعاصفات عصفا . والناشرات نشرا . فالفارقات فرقا . فالملقيات ذكرا : عذرا أو نذرا . إن ما توعدون لواقع )
القضية قضية القيامة التي كان يعسر على المشركين تصور وقوعها ؛ والتي أكدها لهم القرآن الكريم بشتى المؤكدات في مواضع منه شتى . وكانت عنايته بتقرير هذه القضية في عقولهم .. وإقرار حقيقتها في قلوبهم مسألة ضرورية لا بد منها لبناء العقيدة في نفوسهم على أصولها ، ثم لتصحيح موازين القيم في حياتهم جميعا .
والله سبحانه يقسم في مطلع هذه السورة على أن هذا الوعد بالآخرة واقع . وصيغة القسم توحي ابتداء بأن ما يقسم الله به هو من مجاهيل الغيب ، وقواه المكنونة ، المؤثرة في هذا الكون وفي حياة البشر . وقد اختلف السلف في حقيقة مدلولها . فقال بعضهم : هي الرياح إطلاقا . وقال بعضهم هي الملائكة إطلاقا . وقال بعضهم : إن بعضها يعني الرياح وبعضها يعني الملائكة .
( والمرسلات عرفا ) .. عن أبي هريرة أنها الملائكة .. [ والمعنى حينئذ هو القسم بالملائكة المرسلة أرسالا متوالية ، كأنها عرف الفرس في إرسالها وتتابعها ] ..وهكذا قال أبو صالح في العاصفات والناشرات والفارقات والملقيات .. إنها الملائكة .
وروي عن ابن مسعود .. المرسلات عرفا . قال : الريح . [ والمعنى على هذا أنها المرسلة متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها ] وكذا قال في العاصفات عصفا والناشرات نشرا . وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة.
وعن ابن مسعود : ( فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا ، عذرا أو نذرا ) يعني الملائكة . وكذا قال : ابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس والسدي والثوري بلا خلاف . فإنها تنزل بأمر الله على الرسل ، تفرق بين الحق والباطل . وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق وإنذار .
بعد ذلك تجيء الهزة العنيفة بمشاهد الكون المتقلبة في يوم الفصل الذي هو الموعد المضروب للرسل لعرض حصيلة الرسالة في البشرية جميعا :
( فإذا النجوم طمست ، وإذا السماء فرجت ، وإذا الجبال نسفت ، وإذا الرسل أقتت . لأي يوم أجلت ؟ ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل ؟ ويل يومئذ للمكذبين ) ..
يوم تطمس النجوم فيذهب نورها ، وتفرج السماء أي تشق ، وتنسف الجبال فهي هباء .. وكلها توحي بانفراط عقد هذا الكون المنظور ، انفراطا مصحوبا بقرقعة ودوي وانفجارات هائلة ، لا عهد للناس بها فيما يرونه من الأحداث الصغيرة التي يستهولونها ويرعون بها من أمثال الزلازل والبراكين والصواعق .
وإلى جانب هذا الهول في مشاهد الكون ، تعرض السورة أمرا عظيما آخر مؤجلا إلى هذا اليوم .. فهو موعد الرسل لعرض حصيلة الدعوة . دعوة الله في الأرض طوال الأجيال .. فالرسل قد أقتت لهذا اليوم وضرب لها الموعد هناك ، لتقديم الحساب الختامي عن ذلك الأمر العظيم الذي يرجح السماوات والأرض والجبال :
( وإذا الرسل أقتت . لأي يوم أجلت ؟ ليوم الفصل . وما أدراك ما يوم الفصل ؟ ) ..
فإذا وصل هذا الإيقاع إلى الحس بروعته وهوله ، الذي يرجح هول النجوم المطموسة والسماء المشقوقة والجبال المنسوفة . ألقى بالإيقاع الرعيب ، والإنذار المخيف : ( ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
التقويم :
-
بين " تأكيد الله عز وجل على أن القيامة حق وأن العذاب والهلاك واقع بالكافرين " ولِمَ كان هذا التأكيد ؟
-
عدد مشاهد وأهوال يوم الفصل .
-
عبر عن مشاعرك عن تصورك لأهوال يوم الفصل .
-
هل تخشى من أهوال يوم الفصل ؟ وكيف تستعد له ؟
-
أذكر مناسبة نزول السورة واذكر الدعاء الذي نقول عند ختام قراءتها .
-
لِمَ ربط القرآن بين الانقلابات الكونية ليوم الفصل وتأجيل الرسل لهذا اليوم ؟
الحلقة
الثامنة
الحلقة الثامنة
الدرس الأول :
مصارع الغابرين .. والنشأة الأولى .. وجولة في الأرض
الآيات من ( 16 : 28 )
|
أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ 16 ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ 17 كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ 18 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 19 أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ 220فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ 21 إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ 22 فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ 23 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 24 أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا 25 أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا 26 وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا 27 وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 28 |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس سنن الله في المكذبين و المجرمين .
-
أن يعتبر الدارس من مصارع الغابرين .
-
أن يحدد الدارس مراحل خلق الإنسان كما جاءت بالآيات .
-
أن يبين الدارس دلائل قدرة الله في الأرض .
-
أن يتدبر الدارس في دلائل قدرة الله عز وجل في نفسه وفي الأرض التي يدب عليها.
-
أن يشكر الدارس نعمة الله عليه في خلقه وفي تسخير الكون له .
المفردات :
-مهين : ضعيف وحقير ( المني )
– قرار مكين : متمكن وهو الرحم
– كفاتا : وعاء تضم الأحياء علي ظهرها والأموات في بطنها
- شامخات : ثوابت ومرتفعات
– فراتا : حلو وعذب .
*******
ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل ، إلى جولة في مصارع الغابرين : الأولين والآخرين ..( ألم نهلك الأولين ؟ ثم نتبعهم الآخرين ؟ كذلك نفعل بالمجرمين . ويل يومئذ للمكذبين ! ) . هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود . وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود .. وأمامها ينطلق الوعيد ناطقا بسنة الله في الوجود : ( كذلك نفعل بالمجرمين ).. وبينما المجرمون يتوقعون مصرعا كمصارع الأولين والآخرين ، يجيء الدعاء بالهلاك ، ويجيء الوعيد بالثبور : ( ويل يومئذ للمكذبين ) ..
ومن الجولة في المصارع والأشلاء ، إلى جولة في الإنشاء والإحياء ، مع التقدير والتدبير ، للصغير والكبير :
( ألم نخلقكم من ماء مهين ؟ فجعلناه في قرار مكين ؟ إلى قدر معلوم ؟ فقدرنا فنعم القادرون . ويل يومئذ للمكذبين ) ..
وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة ، يجملها هنا في لمسات معدودة . ماء مهين . يودع في قرار الرحم المكين . إلى قدر معلوم وأجل مرسوم . وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدرة في إحكام جميل : ( فقدرنا فنعم القادرون ) وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود : ( ويل يومئذ للمكذبين ).
ثم جولة في هذه الأرض ، وتقدير الله فيها لحياة البشر ، وإيداعها الخصائص الميسرة لهذه الحياة :
( ألم نجعل الأرض كفاتا ؟ أحيانا وأمواتا ؟ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا ؟ ويل يومئذ للمكذبين ) .. ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتا . ( وجعلنا فيها رواسي شامخات ) ثابتات سامقات ، تتجمع على قممها السحب ، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب . أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير ، وحكمة وتدبير ؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون ؟( ويل يومئذ للمكذبين ! )
التقويم
-
وضح سنن الله في المكذبين والمجرمين علي مدار التاريخ - واذكر نمازج منها - وماذا تستفيد من ذلك ؟
-
ما هي مراحل خلق الإنسان كما تفهم من الآيات .
-
التدبر والتفكير فريضة إسلامية وضح ذلك من خلال دراستك للسورة خاصة ما يتصل بالجنين وخصائص الأرض .
الدرس الثاني :
النصيحة
الهدف العام : أن يستمع إلى النصيحة و يعرف قيمة سلامة الصدر و حسن الظن
الأهداف المرحلية :-
1-أن يوضح مفهوم النصيحة .
2-أن يوضح أهمية النصيحة ومشروعيتها .
3-أن يوضح مجالات أو ميادين النصيحة .
4-أن يوضح شروط وآداب النصيحة .
5-أن يجاهد نفسه على قبول النصيحة والعمل بها .
6-أن يتدرب على أداء النصيحة .
*********************************
أولاً - أن يوضح مفهوم النصيحة :
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح معنى النصيحة فى اللغة .
-
أن يوضح تعريف النصيحة فى كلام العلماء .
*****************************************
أ- وفى اللغة : نصح بمعنى خلص وصدق .
ويقال نصح قلبه : أى خلا من الغش .
ونصح فلاناً أو نصح له : أى أرشده إلى ما فيه صلاحه .
والنصح : إخلاص المشورة .
والنصيحة : قول فيه دعوة إلى صلاح ونهى عن فساد 53 .
ب- ومفهوم النصيحة فى كلام العلماء : جاء متوافقاً مع المعنى اللغوى . فقد جاء فى فتح البارى (1/167) : " النصيحة : مشتقة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه ، بمعنى أن الناصح يتحرى إصلاح شأن صاحبه كما يتحرى من يخيط الثوب صلاحه . أو هى مشتقة من نصحت العسل إذ صفيته من شمعه . بمعنى أن الناصح يتحرى تخليص ما يتقدم به إلى صاحبه من شوائب الغش والخداع ولعل ذلك أقرب 54 .
وجاء فى جامع العلوم والحكم قول الإمام أبو عمر بن الصلاح : " النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا " . وقول بن العلامة بن الأثير : " النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هى إرادة الخير للمنصوح له "
والإسلام يحث على التناصح المتبادل بين الجماعة المؤمنة فى أجواء الإيمان . فإن قوام ديننا على النصيحة فبها تسدد الخطى ويتضح الطريق ، وربّ نصيحة من شخص كانت خيرا وبركة على صاحبها ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " الدين النصيحة : قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "55
أى أن عماد الدين وقوامه قائم على النصيحة ، يقول الله عز وجل فى سورة العصر " والعصر ، إن الانسان لفى خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات و تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " فالتواصى بالحق والصبر والتناصح على التماسك بهما هو سبب الفلاح فى الدنيا والأخرة وبدونه تحل الخسارة بالمجتمع المسلم ، ولم يكن الرسل فى قومهم إلا مجرد ناصحين لهم.56
الحلقة
التاسعة
الحلقة التاسعة
الدرس الأول :
الأهوال التي يلاقيها المكذبون يوم القيامة
الآيات من ( 29 : 40 )
|
انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ 29 انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ 30 لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ 31 إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ 32 كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ 33 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 34 هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ 35 وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ 36 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 37 هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ 38 فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ 39 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 40 |
الأهداف الاجرائية السلوكية :
-
أن يصور الدارس الأهوال المادية التي يلاقيها المكذبون يوم القيامة .
-
أن يصور الدارس الأهوال النفسية التى يلاقيها المكذبون يوم القيامة .
المفردات :
- ظل : دخان جهنم .
– ثلاث شعب : فرق ثلاث ذوائب .
– ترمي بشرر : يتطاير منها النار متفرقاً .
– القصر : كل بيت مرتفع البناء من الأحجار .
– جمالة صفر : ابل سود وتسمي صفر لكثرتها وتتابعها وسرعة حركتها .
– كيد : حيلة من العذاب .
********
وعندئذ .. ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء . فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون . انطلقوا إلى ظل ذي شعب ثلاث . لا ظليل ولا يغني من اللهب . إنها ترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر . ويل يومئذ للمكذبين )
اذهبوا .. ولكن إلى أين ؟ ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ).. فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ) .. إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب . ولكنه ظل خير منه الوهج : ( لا ظليل ولا يغني من اللهب ) .. إنه ظل خانق حار لافح .. انطلقوا . وإنكم لتعرفون إلى أين ! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها . فلا حاجة إلى ذكر اسمها ..( إنهاترمي بشرر كالقصر . كأنه جمالة صفر ) .. فالشرر يتتابع في حجم البيت من الحجر . [ وقد كان العرب يطلقون كلمة القصر على كل بيت من حجر ] فإذا تتابع بدا كأنه جمال صفر ترتع هنا وهناك ! هذا هو الشرر فكيف بالنار التي ينطلق منها الشرر ؟ وفي اللحظة التي يستغرق فيها الحس بهذا الهول ، يجيء التعقيب المعهود : ( ويل يومئذ للمكذبين ! ) .
ثم يأخذ في استكمال المشهد بعد عرض الهول المادي في صورة جهنم ، بعرض الهول النفسي الذي يفرض الصمت والكظم ..
( هذا يوم لا ينطقون . ولا يؤذن لهم فيعتذرون ) .. فالهول هنا يكمن في الصمت الرهيب ، والكبت الرعيب ، والخشوع المهيب ، الذي لا يتخلله كلام ولا اعتذار . فقد انقضى وقت الجدل ومضى وقت الاعتذار :( ويل يومئذ للمكذبين ).
( هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين . فإن كان لكم كيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) .. هذا يوم الفصل لا يوم الاعتذار . وقد جمعناكم والأولين أجمعين . فإن كان لكم تدبير فدبروه ، وإن كان لكم قدرة على شيء فافعلوه ! ولا تدبير ولا قدرة . إنما هو الصمت الكظيم ، على التأنيب الأليم ..( ويل يومئذ للمكذبين ! ).
التقويم :
-
صور الأهوال المادية التي يلاقيها المكذبون يوم القيامة .
-
صور الأهوال النفسية التى يلاقيها المكذبون يوم القيامة .
-
عبر عن مشاعرك عند معايشتك لهذه الأهوال التي يلاقيها المكذبون يوم القيامة في مخيلتك .
الدرس الثاني :
النصيحة
ثانياً - أن يوضح أهمية النصيحة ومشروعيتها :
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح أهمية النصيحة .
-
أن يوضح وجوب النصيحة .
**********************************************
أ- أهمية النصيحة :
النصيحة ليست كلمة عابرة يلقى بها أحدنا إلى الأخر ، ظانا بذلك أنه قد فعل ما يأمره به دينه ، وأنه قد أتم ما يمليه عليه الحق نحو أخيه . كما أن النصيحة ليست كلمات نقولها تفضلا من عند أنفسنا أو لا نقولها ، نسمع لها أو لا نسمع .
إنما النصيحة أدب إسلامى له أهميته الكبرى على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع .
1-النصيحة وظيفة الرسل والأنبياء :
فقال الله تعالى على لسان نوح عليه السلام :" وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون " الأعراف 62
وقال على لسان هود عليه السلام :"وأنا لكم ناصح أمين " الأعراف 68
وعلى لسان صالح عليه السلام :" ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين " الأعراف 79
فالنصيحة كما تبين الآيات وظيفة الأنبياء والمرسلين ، وسبيلهم إلى الإصلاح والإرشاد .57
ويؤكد صاحب الظلال على هذه الوظيفة فيقول " وقال كل رسول لقومه:إنى لكم ناصح أمين "
2-النصيحة نوع من القتال :
يقول الله عز وجل فى محكم التنزيل " ليس علىالضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله".58 أى لا حرج ولا سبيل على هؤلاء الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون فى سبيل الله من أجل القتال مع النبى صلي الله عليه وسلم ولا يجد النبى صلي الله عليه وسلم ما يحملهم عليه من دابة حتى يخرجوا معه.
لاحرج عليهم نعم فى حالة واحدة هى أن ينصحوا لله وللرسول .
فكأن الله تبارك وتعالى يعفو عنهم ويتجاوز عن تقصيرهم فى الالقتال بسبب ضعفهم وضيق ذات اليد ولكنه تبارك وتعالى لا يعفيهم من النصح لله ولرسوله.59
يقول ابن رجب الحنبلى : " يعنى أن من تخلف عن القتال لعذر فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله فى تخلفه."60
3- النصيحة من أحب الأعمال إلى الله :
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : قال الله عز وجل " أحب ما تعبدنى به عبدى النصح لى ".61
وقال ابن علية فى قول أبى بكر المزنى : ما فاق أبو بكر رضى الله عنه أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة ولكن بشئ فى قلبه ، قال : الذى كان فى قلبه الحب لله عز وجل والنصيحة فى خلقه .62
4- القائمون بالنصيحة من أحب الخلق إلى الله :
قال الحسن البصرى : قال بعض أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى الله ، ويسعون في الأرض بالنصيحة .
5- وسيلة لمعرفة الذات :
فنحن قد لا نلاحظ ما في أنفسنا أو أعمالنا بالنقص أو الخلل ، ولكن يمكننا ذلك من خلال إخواننا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " المؤمن مرآة أخيه " (63)ولهذا حث عمر رضي الله عنه عليها فقال "رحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي " 64
6- إعذاراً إلى الله :
وذلك من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلي الله عليه وسلم : " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، ومن لم يمسي ويصبح ناصحا لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم " 65
7- ترتفع بالانسان إلى مكانة الشرف :
عدها الفضيل بن عياض من الصفات التى ترتفع بالانسان إلى مكانة الشرف : فيقول رحمه الله " ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدر و النصح للأمة ".66
ب- حول وجوب النصيحة :
رغم أهمية النصيحة الكبيرة للفرد والمجتمع ، إلا أن كثيراً من الناس فى هذا العصر لا يعرفون حكم هذا الأدب الإسلامى ، فهم لذلك ينظرون إلى النصيحة على أنها نافلة وفضلاً من عند أنفسهم ، ناهيك عن ذلك المرض الذى يستشرى بين الناس اليوم فى مجتمعنا والذى يدعو إلى السلبية بدعوى ترك الخلق للخالق ، والعباد لرب العباد .
ولقد تواترت الآثار الدالة على وجوب التناصح بين المسلمين . فعن قيس عن جرير بن عبد الله قال : بايعت رسول الله صلي الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم 67 .
وعن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " الدين النصيحة ، قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" 68 .
وفى حديث آخر عن أبى هريرة رضى الله عنه جعل النبى صلى الله عليه وسلم النصح حقاً من حقوق المسلم على أخيه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " حق المؤمن على المؤمن ست … وإذا استنصحك فانصح له "69
عن أبي يزيد عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له " 70
وجاء في دليل الفالحين الجزء الثاني : " والنصيحة فرض يجزئ من قام به ويسقط عن الباقين : وهي لازمة على قدر الحاجة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه ، فإذا خشي أذى فهو في سعة " 71.
كل هذه النصوص تبين وتؤكد أن التناصح بين الناس أمر واجب على كل مسلم حسب استطاعته .
ولا تقف الأدلة على وجوب التناصح عند تلك الأدلة النقلية فحسب ، ولكنها تمتد لتشمل كثيراً من الأدلة العقلية .
" ولعل أولى هذه الأدلة : بشريتنا وطبيعتها المجبولة على النسيان والغفلة مما يجعلنا فى حاجة إلى من يذكرنا إذا غفلنا وينبهنا إذا سهونا ، فنحن بشر وكلنا نقص وعيوب ، وواجب المسلمين أن يبصر بعضهم بعضاً بما فيهم من نقص أو عيوب ، فالمؤمن مرآة أخيه ، ومن صفات المؤمنين أنهم يتواصون بالحق ، ويتواصون بالصبر ، فالواجب ألا يحول شيىء دون تبادل النصيحة "72
فالتناصح بين المسلمين ضرورة إجتماعية وفريضة شرعية يؤكد وجوبها النقل والعقل .73
الحلقة
العاشرة
الحلقة العاشرة
الدرس الأول :
ما أُعِدَ للمتقين في الآخرة .. وما عليه حال المكذبين في الدنيا
الآيات من ( 41 : 50 )
|
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ 41 وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ 42 كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 43 إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ 44 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 45 كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ 46 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 47 وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ 48 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 49 فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ 50 |
الأهداف الإجرائية السلوكية
-
أن يصف الدارس النعيم الذي أعده الله للمتقين يوم القيامة .
-
أن يربط الدارس بين خواتيم السورة ومقدمتها بالنسبة للمكذبين .
*********
فإذا انتهى مشهد التأنيب للمجرمين ، اتجه الخطاب بالتكريم للمتقين :
( إن المتقين في ظلال وعيون .. )
إن المتقين في ظلال .. ظلال حقيقية في هذه المرة .. وفي عيون من ماء ..( وفواكه مما يشتهون ) .. وهم يتلقون فوق هذا النعيم الحسي التكريم العلوي على مرأى ومسمع من الجموع : ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون . إنا كذلك نجزي المحسنين ) ويا لطف هذا التكريم من العلي العظيم ( ويل يومئذ للمكذبين ! ) .. يقابل هذا النعيم والتكريم !
( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) .. وهكذا تختلط الدنيا بالآخرة في فقرتين متواليتين ، وفي مشهدين معروضين كأنهما حاضران في أوان .. فبينما كان الخطاب موجها للمتقين في الآخرة ، إذا هو موجه للمجرمين في الدنيا . وكأنما ليقال لهم : اشهدوا الفارق بين الموقفين .. وكلوا وتمتعوا قليلا في هذه الدار ، لتحرموا وتعذبوا طويلا في تلك الدار .. ( ويل يومئذ للمكذبين ! ) .
ثم يتحدث معجبا من أمر القوم وهم يدعون إلى الهدى فلا يستجيبون : ( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون . ويل يومئذ للمكذبين ! ) ..
مع أنهم يبصرون هذا التبصير ، وينذرون هذا النذير .. ( فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ ) .. والذي لا يؤمن بهذا الحديث الذي يهز الرواسي ، وبهذه الهزات التي تزلزل الجبال ، لا يؤمن بحديث بعده أبدا . إنما هو الشقاء والتعاسة والمصير البائس ، والويل المدخر لهذا الشقي المتعوس !
التقويم :
-
صف النعيم الذي أعده الله للمتقين يوم القيامة .
-
ما العلاقة بين خواتيم السورة ومقدمتها بالنسبة للمكذبين .
-
وضح أسلوب الترهيب والترغيب من خلال دراستك للسورة .
-
الصلاة لها مكانتها في طريق الاستقامة وضح ذلك ؟
-
ما واجب الإنسان حين يدعى للإيمان ؟ وما مصيره إذا لم يجب ؟
الدرس الثاني :
النصيحة
ثالثاً - أن يوضح مجالات وميادين النصيحة :-
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد مجالات وميادين النصيحة .
-
أن يوضح مجالات وميادين النصيحة .
**********************************************
عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " الدين النصيحة ، قلنا : لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " 74 . ولقد أوتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم فجمع فى هذا الحديث الشريف قواعد التعامل وأسس الشورى ، ولذلك أجمع العلماء على أنه مدار الإسلام 75 . وجاء هذا الحديث الشريف ليبين أركان النصيحة وميادين التطبيق فيها :
الميدان الأول : (لله)
أخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : " أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي " 76
قال الحواريون لعيسى عليه السلام : ما الخالص من العمل؟ قال : ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه ، قالوا : فما النصح لله ؟ قال : أن تبدأ بحق الله قبل حق الناس ، وإن عرض لك أمران أحدهما لله تعالى والآخر للدنيا ، بدأت بحق الله تعالى " 77
سئل ابن المبارك أي العمل أفضل قال : النصح لله .
معناها :
الدين النصيحة لله وليس الله تبارك وتعالى في حاجة إلى إشارة خلقه ومعونتهم { ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا } 78 .
وإنما تكون النصيحة لله تبارك وتعالى بالإيمان به والتصديق بكمالاته وتنزيهه ومحبته ، والحب في الله و البغض في الله ، وامتثال أمره واجتناب نهيه 79.
وقد زاد الإمام النووي في شرحه لمسلم النصيحة لله : " الإيمان به ونفي الشرك عنه ، وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها ، وتنزيهه سبحانه من جميع النقائص ، والقيام بطاعته واجتناب معصيته ، والحب فيه والبغض فيه ، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه ، ومعاداة من كفر به والاعتراف بنعمته وشكره عليها ، والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف في جمع الناس أو من أمكن منهم عليها 80 .
الميدان الثاني : (لكتابه)
يعنى بذلك الإكثار من تلاوة القرآن والإقبال على مدارسته وبذل الجهد في تفهمه ، والعمل بأحكامه وتحري أفضل السبل لنشر دعوته ، وإعلاء كلمته وتحقيق غايته 81 .
ويعنى بها أيضا الإيمان أنه كلام الله تعالى وتنزيله ، لا يشبهه شيء من كلام الخلق ، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ، ثم تعظيمه وتلاوته حق التلاوة ، والذب عنه من تأويل المحرفين وتعرض الطاعنين ، والتصديق بما فيه ، والعمل بمحكمه والتسليم بمتشابهه ، والبحث عن عمومه وخصوصه ، وناسخه ومنسوخه ونشر علومه ، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحة 82.
الميدان الثالث (لرسوله) :
أما النصح للرسول صلي الله عليه وسلم في حياته فقد كان ذلك ببذل النفس والنفيس في طاعته ومرضاته وتحري الحق في مشاورته كما فعل سلمان في غزوة الخندق ، وكما فعل الحباب في غزوة بدر رضي الله عنهم .
وأما بعد أن اختار الله نبيه فالنصيحة له صلي الله عليه وسلم تكون بمحبته ومتابعته وتحري سنته { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } 83، والذود عن شريعته ومدارسة حديثه والنزول على أوامره صلي الله عليه وسلم 84.
والنصيحة لرسوله أيضا تصديقه على الرسالة والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته في أوامره ونهيه ونصرته حيا وميتا ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه وإعظام حقه وتوقيره وإحياء سنته وبث دعوته ونشر شريعته والدعاء إليها والتلطف في تعلمها وتعليمها ، والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهله وأصحابه ، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك 85.
الميدان الرابع (لأئمة المسلمين) :
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال في خطبته بالحيف من منى : " ثلاث لا يغلَّ عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين " .
ومن النصيحة لأئمة المسلمين ( خلفاء ، ملوك ، زعماء ، قادة ، أمراء ، رئيس عمل ) وكل رئيس في عمل إمام فيه ، وعلى أهل الخبرة بشأنه أن يمحضوه النصح وأن يقدموا له سبل الإرشاد ما كان لذلك سبيلا ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه .
وصاحب الرياسة في حاجة إلى عيون ناقدة تعضدها قلوب ذكية وأفئدة طاهرة مخلصة ، ليطلع بذلك على ما أخفاه عنه منصبه من شئون رعيته وأحوال ولايته ، وكلكم راع وكل مسئول عن رعيته 86.
ومن النصيحة لهم معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه ، وأمرهم به وتفهيمهم وتذكيرهم بلطف ورفق ، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم .
قال الخطابي : " والمراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ، وقد يتناول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين ، وأن من نصيحتهم قبول ما رووه ، وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم "87.
ولذلك لما سئل ابن عباس رضي الله عنه عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر قال : إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه 88.
الميدان الخامس (لعامتهم) :
ومن الدين النصيحة لعامة المسلمين على القاعدة الشرعية ( توقر كبيرهم وتشفق على صغيرهم ، وتسلك في سبيل ذلك كله الحكمة والموعظة الحسنة ، وإنما المؤمن مرآة أخيه ) 89.
ومن النصيحة لعامة المسلمين : إرشادهم لمصالحهم في دنياهم وآخرتهم ، وكف الأذى عنهم فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ، ويعينهم عليه بالقول والفعل وستر عوراتهم وسد خلاتهم ، ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم ، وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكرهه لنفسه من المكروه والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل 90.
الحلقة
الحادية
عشر
الحلقة الحادية عشر
الدرس الأول :
الحديث الشريف
الحديث الخامس والثلاثون
أخُوَّةُ الإِسلامِ وحُقوقُ المُسْلِم
|
عن أبي هُريرةَ رضي اللهُ عنه قال: قال رسوُل الله صلى الله عليه وسلم : "لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوَاناً، المُسْلمُ أَخُو المُسْلمِ: لا يَظْلِمُهُ، ولا يَكْذِبُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ههُنا ويُشِيرُ إلى صَدْرِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أن يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمِ، كُلُّ المُسْلِمِ على الْمسْلِم حَرَامٌ: دَمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ" رواه مسلم. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس أهمية هذا الحديث فى تأليف القلوب .
-
أن يوضح الدارس الأمور المنهي عنها فى الحديث .
-
أن يبين الدارس واجبات المسلم نحو أخيه المسلم .
-
أن يبين الدارس مقياس التفاضل وميزان الرجال كما بينه الحديث .
-
أن يبين الدارس حرمة المسلم .
-
أن يلتزم الدارس بالواجبات والآداب التي حث عليها الحديث الشريف .
أهمية الحديث:
لا يقتصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بتأكيد الأخوة الإسلامية على رفعها كشعار، بل يحيطها بأوامر ونواهٍ تجعلها حقيقة ملموسة بين أفراد المجتمع المسلم، وهذا الحديث اشتمل على أحكام كثيرة وفوائد عظيمة لبلوغ هذه الغاية الإسلامية النبيلة، وحمايتها من كل عيب أو خلل حتى لا تصبح الأخوة كلاماً يهتف به الناس، وخيالاً يحلمون به ولا يلمَسُون له في واقع حياتهم أي أثر، ولذلك قال النووي في " الأذكار" عن هذا الحديث: وما أعظم نفعه، وما أكثر فوائده.
مفردات الحديث:
"لا تحاسدوا": أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض.
"لا تناجشوا": والنجش في اللغة: الخداع أو الارتفاع والزيادة. وفي الشرع: أن يزيد في ثمن سلعة ينادي عليها في السوق ونحوه ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يضر غيره.
"لا تدابروا": لا تتدابروا، والتدابر: المصارمة والهجران.
"لا يخذله": لا يترك نصرته عند قيامه بالأمر بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو عند مطالبته بحق من الحقوق، بل ينصره ويعينه ويدفع عنه الأذى ما استطاع.
"لا يكذبه": لا يخبره بأمر على خلاف الواقع.
"لا يحقره": لا يستصغر شأنه ويضع من قدره.
"بحسب امرئ من الشر": يكفيه من الشر أن يحقر أخاه، يعني أن هذا شر عظيم يكفي فاعله عقوبة هذا الذنب.
"وعرضه": العرض هو موضع المدح والذم من الإنسان.
المعنى العام:
النهي عن الحسد:
تعريفه: الحسد لغة وشرعاً: تمني زوال نعمة المحسود، وعودها إلى الحاسد أو إلى غيره. وهو خُلُقٌ ذميم مركوز في طباع البشر، لأن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل.
حكمه: أجمع الناس من المشرعين وغيرهم على تحريم الحسد وقبحه.
حكمة تحريمه: أنه اعتراض على الله تعالى ومعاندة له، حيث أنعم على غيره، مع محاولته نقض فعله تعالى وإزالة فضله.
النهي عن النجش:
تعريفه: تضمن الحديث النهي عن النجش، وهو أن يزيد في ثمن سلعة ينادى عليها في السوق ونحوه، ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يضر غيره.
وحكمه: حرام إجماعاً على العالم بالنهي، سواء كان بمواطأة البائع أم لا، لأنه غش وخديعة، وهما محرمان، ولأنه ترك للنصح الواجب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، وفي رواية:"من غشَّ ". [رواه مسلم].
النهي عن التباغض:
تعريفه: البغض هو النفرة من الشيء لمعنى فيه مستقبح، ويرادفه الكراهة. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى، فإن المسلمين إخوة متحابون، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 1.].
حكمه: وهو لغير الله حرام.
النهي عن التدابر: التدابر هو المصارمة والهجران، وهو حرام إذا كان من أجل الأمور الدنيوية، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم _ في البخاري ومسلم عن أبي أيوب _ "لا يَحِلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
أما الهجران في الله، فيجوز أكثر من ثلاثة أيام إذا كان من أجل أمر ديني، وقد نص عليه الإمام أحمد، ودليله قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا في عزوة تبوك، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرانهم خمسين يوماً، تأديباً لهم على تخلفهم، وخوفاً عليهم من النفاق. تنظر القصة كاملة في السيرة.
كما يجوز هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء والمبادئ الضالة. ويجوز هجران الوالد لولده، والزوج لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديباً، وتجوز فيه الزيادة على الثلاثة أيام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهراً.
النهي عن البيع على البيع: وقد ورد النهي عنه كثيراً في الحديث، وصورته أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط: افسخ لأبيعك خيراً منها بمثل ثمنها، أو مثلها بأنقص، ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ البيع لأشتري منك بأكثر، وقد أجمع العلماء على أن البيع على البيع والشراء على الشراء حرام.
قال النووي: وهذا الصنيع في حالة البيع والشراء، صنع آثم، منهي عنه.
الأمر بنشر التآخي: يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنشر التآخي بين المسلمين فيقول: "وكونوا عباد الله إخواناً "، أي اكتسبوا ما تصيرون به إخواناً من ترك التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضكم على بعض، وتعاملوا فيما بينكم معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع صفاء القلوب. ولا تنسوا أنكم عباد الله، ومن صفة العبيد إطاعة أمر سيدهم بأن يكونوا كالإخوة متعاونين في إقامة دينه وإظهار شعائره، وهذا لا يتم بغير ائتلاف القلوب وتراص الصفوف، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 62-63].
واجبات المسلم نحو أخيه:
تحريم ظلمه : فلا يُدخل عليه ضرراً في نفسه أو دينه أو عرضه أو ماله بغير إذن شرعي، لأن ذلك ظلم وقطيعة محرَّمة تنافي أخوة الإسلام.
تحريم خذلانه: الخذلان للمسلم محرم شديد التحريم، لا سيما مع الاحتياج والاضطرار قال الله تعالى: {وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} [الأنفال: 72] وروى أبو داود: "ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب نصرته".
والخذلان المحرم يكون دنيوياً، كأن يقدر على نصرة مظلوم ودفع ظالمه فلا يفعل. ويكون دينياً، كأن يقدر على نصحه عن غيه بنحو وعظ فلا يفعل.
تحريم الكذب عليه أو تكذيبه: ومن حق المسلم على المسلم أن يصدق معه إذا حدثه، وأن يصدقه إذا سمع حديثه، ومما يُخِلّ بالأمانة الإسلامية أن يخبره خلاف الواقع، أو يحدثه بما يتنافى مع الحقيقة.
تحريم تحقيره : حرم على المسلم أن يستصغر شأن أخيه المسلم وأن يضع من قدره، لأن الله تعالى لما خلقه لم يحقره بل كرمه ورفعه وخاطبه وكلفه.
التقوى مقياس التفاضل وميزان الرجال: التقوى هي اجتناب عذاب الله بفعل المأمور وترك المحظور، والله سبحانه وتعالى إنما يكرم الإنسان بتقواه وحسن طاعته، لا بشخصه أو كثرة أمواله. فالناس يتفاوتون عند الله في منازلهم حسب أعمالهم، وبمقدار ما لديهم من التقوى.
ومكان التقوى: القلب، قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [ الحج: 32]. وإذا كانت التقوى في القلوب فلا يطلع أحد على حقيقتها إلا الله. كما أن الأعمال الظاهرة لا تحصل بها التقوى، إنما تحصل بما يقع في القلب من عظيم خشية الله ومراقبته.
فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خراب من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوء من التقوى، فيكون أكرم عند الله تعالى، ولذلك كان التحقير جريمة كبرى، لأنه اختلال في ميزان التفاضل وظلم فادح في اعتبار المظهر، وإسقاط التقوى التي بها يوزن الرجال.
حرمة المسلم: للمسلم حرمة في دمه وماله وعرضه، وهي مما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بها في المجامع العظيمة، فإنه خطب بها في حجة الوداع: يوم النحر، ويوم عرفة، ويوم الثاني من أيام التشريق وقال: "إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ...".
وهذه هي الحقوق الإنسانية العامة التي يقوم عليها بناء المجتمع المسلم الآمن، حيث يشعر المسلم بالطمأنينة على ماله، فلا يسطو عليه لص أو يغتصبه غاصب، والطمأنينة على عرضه، فلا يعتدي عليه أحد، وحفاظاً على ذلك كله شرع الله تعالى القصاص في النفس والأطراف، وشرع قطع اليد للسارق، والرجم أو الجلد للزاني الأثيم.
ومن كمال الحفاظ على حرمة المسلم عدم إخافته أو ترويعه.
ما يستفاد من الحديث:
- أن الإسلام ليس عقيدة وعبادة فحسب، بل هو أخلاق ومعاملة أيضاً.
- الأخلاق المذمومة في شريعة الإسلام جريمة ممقوتة.
- النية والعمل هي المقياس الدقيق الذي يزن الله به عباده، ويحكم عليهم بمقتضاه.
- القلب هو منبع خشية الله والخوف منه.
- النهي عن التحاسد والتناجش والتباغض والهجر .
- تحريم ظلم المسلم وخذلانه واحتقاره وسفك دمائه وأكل ماله والتعدي على عرضه .
التقويم :
-
بين أهمية هذا الحديث فى تأليف القلوب .
-
وضح الأمور المنهي عنها فى الحديث .
-
بين واجبات المسلم نحو أخيه المسلم .
-
بين مقياس التفاضل وميزان الرجال كما بينه الحديث .
-
بين حرمة المسلم .
-
قوِّم مدى التزامك بالواجبات والآداب التي حث عليها الحديث الشريف .
الدرس الثاني :
النصيحة
رابعاً - أن يوضح شروط وآداب النصيحة :
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد شروط وآداب النصيحة .
-
أن يوضح شروط وآداب النصيحة .
*********************************************
أ- ب - شروط وأداب النصيحة :
1 - سلامة الصدر :
النصيحة عمل طيب ، وهدفها طيب ، لذا وجب الحرص على أن تبقى ثمرتها طيبة فى نفس الناصح والمنصوح ، فعلى الناصح ألا يتغير قلبه تجاه أخيه بسبب عيب قد يراه فيه ، ولا ينتقص من مكانته فى نفسه . وعلى المنصوح أن يقبل نصح أخيه بنفس راضية ويشكر له ذلك ، فكان سيدنا عمر رضى الله عنه يقول : " رحم الله امرؤاً أهدى إلى عيوبى " . ولخطورة سلامة الصدر نتناوله بشيء من التوضيح :
فسلامة الصدر : نعنى به أن يعيش المسلم سليم القلب مبرأ من وساوس الضغينة وثوران الأحقاد إذا رأى نعمة تساق إلى أحد من خلق الله رضى بها وأحس فضل الله عليه فيها وفقر عباده إليها وإذا رأى أذى يلحق أحداً من خلق الله رثى له ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة راضيا عن الله وعن الناس مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء وما أسرع أن يتسرب الايمان من القلب المغشوش كما يتسرب السائل من الاناء المثلوم .91
والقرآن الكريم والسنة المطهرة تحث على هذا الأدب بين المسلمين . فالحق سبحانه وتعالى يقول واصفاً المؤمنين:"والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ."92
وعن عبد الله بن عمرو قيل يا رسول الله أى الناس أفضل قال "صلي الله عليه وسلم كل مخموم القلب صدوق اللسان قيل صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ؟قال هو التقى النقى لاإثم فيه ولا بغى ولا غل ولا حسد."93
بل إن الاسلام أمر صاحب الحق أن يلين وأن يقبل المعذرة عندما يجئ أخوه معتذرا ومستغفرا ورفض الاعتذار خطأ كبير وفى الحديث : "من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس"94.
إن سلامة الصدر تفرض على المؤمن أن يتمنى الخير للناس إن عجز عن سوقه إليهم بيده .
وقد كان النبى صلي الله عليه وسلم ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوءه ، قال صلي الله عليه وسلم : " لا يبلغن أحد منكم عن أحد من أصحابى شيئا فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر."
وعن أنس بن مالك قال : كنا جلوساً عند النبى صلي الله عليه وسلم " فقال يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته من وضوئه ، قد علق نعليه بيده الشمال . فلما كان الغد قال النبى مثل ذلك ، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبى مثل مقالته أيضا ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى .فلما قام النبى ، تبعه عبد الله بن عمر فقال : إنى لاحيت95 أبى ، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا .فإن رأيت أن تؤوينى إليك حتى تمضى فعلت ، قال نعم قال أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث ليالى فلم يره يقوم من الليل شيئا ، غير أنه إذا تعار ذكر الله عز وجل حتى ينهض لصلاة الفجر . قال عبد الله : غير أنى لم أسمعه يقول إلا خيرا . فلما مضت الليالى الثلاث وكدت أحتقر عمله . قلت يا عبد الله لم يكن بينى و بين أبى غضب ولا هجره ولكنى سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوى إليك ، فأنظر ما عملك فأقتدى بك ، فلم أرك عملت كبير عمل ، فما الذى بلغ بك ما قال رسول الله ؟ قال ما هو إلا ما رأيت . قال عبد الله فلما وليت دعانى فقال : ما هو إلا ما رأيت ، غير أنى لا أجد فى نفسى لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحد ا على خير أعطاه الله إياه . فقال عبد الله هذه هى التى بلغت بك ."96
وفى رواية ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخى ، إلا أنى لم أبت ضاغنا على مسلم .
وعن أبى ذر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : " قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا ونفسه مطمئنة وخليقته مستقيمة "97
2 - حسن الظن :
على المسلم أن يحسن الظن بالمسلمين جميعا وأن لا يبنى أحكامه فيهم على الظاهر ويكل أمر السرائر إلى الله ، وعلى الناصح أن يبنى نصيحته على التثبت واليقين لا على الظن والتخمين ، حتى لا تتحول النصيحة إلى اتهام وافتراء وظلم واعتداء .
قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم " 98 .
ينهى الله تعالى عباده عن كثيرٍ من الظن ، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله ، لأن بعض ذلك إثم محض فليتجنب كثيراً منه احتياطا 99.
وفى الحديث الشريف عن أبى داود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسن الظن من حسن العبادة " . (سنن أبى داود رقم 4993) .
وفي الحديث الشريف " إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث " 100 ، والمراد النهي عن الظن السيئ .
وعن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال : " ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك إلا خيرا وأن تجد لها في الخير محملا " 101 .
فلا يجوز أن يبنى النصح على الظن والشك ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ".102
3- إخلاص النية :
يقول البنا رحمه الله تعالى : " ومن واجبنا أن نجعل النصيحه خالصة لوجه الله ، و مهذبة ..فيجب يا أخى أن تخلص النصيحة لله وتعين أخاك على قبولها وتظهر الشفقة والحنان والمحبة واللين ." 103
فالنصيحة يجب أن لا يخالطها شئ من هوى النفس أو حب التشفى أو التحقير أو التوبيخ وما على شاكلة ذلك من مقاصد ذميمة .104
4- تحرى الأسلوب السليم :
أ- أن يستر على الناس عيوبهم :
يقول الحق سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون "105
وجاء فى الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يستر عبد عبداً فى الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة "106 . وقوله صلى الله عليه وسلم : " من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موؤدة ."107 وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام : " من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة.108"وقال الفضيل بن عياض رحمه الله "المؤمن يستر و ينصح والفاجر يهتك ويعير."
فالداعية مثل الطبيب فى مهنته قد يطلع على بعض العورات ليعالجها فيجب عليه سترها وعدم فضح صاحبها 109 .
ب- ينصحه على انفراد :
لأن ذلك أوقع فى نفسه وأحوط من دخول الشيطان إليه وصدق على بن أبى طالب حيث يقول : " النصح بين الملأ تقريع ".
ج- ينصحه بأدب ورفق ولين :
فيختار الكلمة الطيبة فكم من كلمة لم يلق قائلها لها بالا أورثت أحقاداً وعداءات.
د- يتجنب الغلظة والفظاظة :
التى تغلق القلوب وتصم الآذان قال تعالى : " ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ."110
هـ- يتخير المكان والزمان والمناسبة : التى يرى فيها نصحه وإرشاده تماما .
و- التواضع والتماس العذر للآخرين : والعلم بأن ما عنده يحتمل الخطأ وإن ظن أنه صواب وأن ما عند غيره يحتمل الصواب وإن ظنه خطأ .
5- تحرى الموضوعية :
بالدليل الشرعى والنقاش الجيد والرجوع إلى من هو أعلم بالأمر لقول الحق سبحانه وتعالى : "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف
أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا."111
6- الصبر:
فلا يتقاعس الناصح أو يثبط عزمه إذا وجد عدم استجابة من المنصوح لأن الأمر يحتاج إلى صبر وقد لا تلقى نصيحته قبولا ، قال تعالى على لسان نبى الله سيدنا صالح عليه السلام : " لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ."112
7- القدوة الحسنة :
أى العمل بما ينصح به واستقامة سلوكه . إن القدوة الحسنة زاد لا غنى عنه للناصح ، فتلك القدوة فى حد ذاتها نصح ودعوة للخير . إن الرجل الذى ينصح غيره وهو مفتقر إلى ذلك النصح رجل فى عقله شىء ؛ إذ أنه يدل غيره إلى طريق الصلاح والجنة ويصر هو على السير فى طريق الضلال إلى النار . فإنه لا خير فى علم بدون عمل ، وإن من أخطر ما يصاب به الناصح انفصال علمه عن عمله قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ".113
يقول الشيخ محمد الغزالى رحمه الله : " إن صلاح المؤمن هو أبلغ خطبة تدعو الناس إلى الإيمان ، وخلقه الفاضل هو السحر الذى يجذب إليه الأفئدة ، ويجمع عليه القلوب "114 .
الحلقة
الثانية
عشر
الحلقة الثانية عشر
الحديث السادس والثلاثون
جَوَامع الخَيْرِ
|
عن أبي هُرَيْرَة رضي اللهُ عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً من كُرَبِ يوْمِ القيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنْيا والآخِرَةِ، واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ في عَونِ أخيهِ. ومَنْ سلك طَريقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ له بِهِ طَرِيقاً إلى الجنَّةِ. وَمَا اجتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ ويَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلا نَزَلَتْ عليهمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتهُمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عِنْدَه . وَمَنْ بَطَّأ بِه عَمَلُهُ لمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ)). رَواه بهذا اللَّفظ مسلم. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يعدد الدارس واجبات المسلم على أخيه المسلم التى وردت فى الحديث .
-
أن يوضح الدارس واجبات المسلم على أخيه المسلم .
-
أن يبين الدارس كيف أن العلم طريق الجنة .
-
أن يوضح الدارس فضل الاجتماع فى بيوت الله على تلاوة كتاب الله وتدارسه .
-
أن يبين الدارس عدالة الإسلام وولاية الإيمان والعمل لا ولاية الدم والنسب .
-
أن يقوِّم الدارس مدى التزامه بالواجبات التى حث عليها الحديث الشريف .
مفردات الحديث:
" نفَّسَ ": خفف.
و" الكربة": الشدة العظيمة التي تُوقع من نزلت فيه بغم شديد.
"يسر على معسر": المعسر: من أثقلته الديون وعجز عن وفائها، والتيسير عليه مساعدته
على إبراء ذمته من تلك الديون.
"ستر مسلماً ": بأن رآه على فعل قبيح شرعاً فلم يظهر أمره للناس.
" ستره الله ": حفظه من الزلات في الدنيا.
"سلك": مشى، أو أخذ بالأسباب.
" طريقاً ": مادية كالمشي إلى مجالس العلم وقطع المسافات بينه وبينها. أو معنوية كالكتابة والحفظ والفهم والمطالعة والمذاكرة وما إلى ذلك، مما يتوصل به إلى تحصيل العلم.
" يلتمس": يطلب.
" طريقاً إلى الجنة " : أي يكشف له طرق الهداية ويهيء له أسباب الطاعة في الدنيا، فيسهل عليه دخول الجنة في الآخرة.
" بيوت الله ": المساجد.
" يتدارسونه بينهم " يقرأ كل منهم جزءاً منه، بتدبر وخشوع،ويحاولون فهم معانيه وإدراك مراميه.
" السكينة ": ما يطمئن به القلب وتسكن له النفس.
" غشيتهم ": غطتهم وعمتهم .
" الرحمة ": الإحسان من الله تبارك وتعالى والفضل والرضوان.
" حفتهم ": أحاطت بهم من كل جهة.
" الملائكة ": الملتمسون للذكر، والذين ينزلون البركة والرحمة إلى الأرض.
" ذكرهم الله فيمن عنده ": باهى بهم ملائكة السماء وأثنى عليهم.
" بطأ به عمله ": كان عمله الصالح ناقصاً وقليلاً فقصر عن رتبة الكمال.
" لم يسرع به نسبه ": لا يعلي من شأنه شرف النسب.
المعنى العام:
1- المسلمون جسد واحد: إن أفراد مجتمع الإيمان والإسلام أعضاء من جسد واحد، يتحسس كل منهم مشاعر الآخرين وتنبعث فيه أحاسيسهم، فيشاركهم أفراحهم وأحزانهم.
فالحياة ملأى بالمتاعب والأكدار، وكثيراً ما يتعرض المسلم لما يوقعه في غم وهم وضيق وضنك، مما يتوجب على المسلمين أن يخلصوه منه، ومن ذلك:
أ- نصرته وتخليصه من الظلم: كما قال صلى الله عليه وسلم: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً، كيف أنصره ؟ قال: تحجزه، أو تمنعه، من الظلم فإن ذلك نصره " متفق عليه.
ولا سيما إذا كان الظلم الذي يوقع عليه بسبب دينه وتمسكه بإسلامه، من قبل قوم كافرين أو فاسقين مارقين . قال تعالى: {وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ} [الأنفال: 72].
ب- إقراضه المال إن احتاج إلى المال: قد يقع المسلم في ضائقة مالية، فيحتاج إلى النفقة في حوائجه الأصلية من طعام وشراب ومسكن وعلاج ونحو ذلك، فينبغي على المسلمين أن يسارعوا لمعونته، وعلى الأقل أن يقرضوه المال قرضاً حسناً، بدل أن يتخذوا عوزه وسيلة لتثمير أموالهم، وزيادتها، كما هو الحال في مجتمعات الربا والاستغلال. قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [ المزمل: 2.].
وقال صلى الله عليه وسلم: " من أقرض مسلماً درهماً مرتين كان له مثل أجر أحدهما لو تصدّق به " رواه ابن حبان . بل قد يفوق أجرُ القرض أجرَ الصدقة، حسب حال المقترض والمتصدق عليه.
- كُرَب يوم القيامة والخلاص منها: قال صلى الله عليه وسلم : " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس منهم، فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربكم ". خرجاه بمعناه في الصحيحين.
وفي خضم هذه الأهوال يتدارك المؤمن عدل الله عز وجل، فيكافئه على صنيعه في الدنيا، إذ كان يسعى في تفريج كربات المؤمن، فيفرج عنه أضعاف أضعاف ما أزال عنهم من غم وكرب:
" من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ".
- التيسير على المعسر: الذي أثقلته الديون وعجز عن وفائها ويكون التيسير عليه بأمرين:
إما بمساعدته لوفاء دينه، أو بالحطِّ عنه من دينه.
- وجوب ستر المسلم: إن تتبع عورات المسلمين علامة من علامات النفاق، ودليل على أن الإيمان لم يستقر في قلب ذلك الإنسان الذي همه أن يُنَقِّب عن مساوىء الناس ليعلنها بين الملأ. روى الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: " يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته. ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ". أي منزله الذي ينزل فيه.
- الستر على من وقع في معصية: إذا اطلع المسلم على زلة المسلم، فهل يسترها عليه أم يعلنها؟ فإن هذا يختلف باختلاف أعمال الناس، والناس في هذا على حالتين:
- من كان مستور الحال: أي لا يعرف بين الناس بشيء من المعاصي، فمثل هذا إذا وقعت منه هفوة أو زلة وجب الستر عليه، ولا يجوز كشف حاله ولا التحدث بما وقع منه، لأن ذلك غيبة محرمة، وإشاعة للفاحشة.
- من كان مشتهراً بالمعصية، مستعلناً بها بين الناس: من لا يبالي بما يرتكب، ولا يكترث لما يقال عنه، فهذا فاجر مستعلن بفسقه، فلا غيبة له، بل يندب كشف حالة للناس، وربما يجب، حتى يتوقوه ويحذروا شره، وإن اشتد فسقه، ولم يرتدع من الناس، وجب رفع الحالة إلى ولي الأمر حتى يؤدبه بما يترتب على فسقه من عقوبة شرعية، لأن الستر عليه يجعله وأمثاله يطمعون في مزيد من المخالفة، فيعيثون في الأرض فساداً، ويجرون على الأمة الشر المستطير.
- الشفاعة لمن وقعت منه معصية: إذا وقعت من المسلم زلة، وكان مستور الحال، معروفاً بين الناس بالاستقامة والصلاح، ندب للناس أن يستروه ولا يعزروه على ما صدر منه، وأن يشفعوا له ويتوسطوا له لدى من تتعلق زلته به إن كانت تتعلق بأحد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم " رواه أبو داود. أي تغاضوا عن زلات من عرفوا بالاستقامة والرشد.
- التعاون بين المسلمين وعون الله عز وجل لهم: إن المجتمع لن يكون سوياً قويماً، ولن يكون قوياً متماسكاً إلا إذا قام على أساس من التعاون والتضامن والتكافل فيما بين أفراده، فسعى كل منهم في حاجة غيره، بنفسه وماله وجاهه، حتى يشعر الجميع أنهم كالجسد الواحد، وقال صلى الله عليه وسلم : " إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " متفق عليه.
ولا شك أن أعظم ثمرة يجنيها المسلم من إعانته لأخيه هي ذاك العون والمدد من الله تبارك وتعالى: " والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " [رواه مسلم ].وكيف لا ولا حول للإنسان ولا قوة إلا بالله عز وجل؟ وهو سبحانه المحرك الحقيقي لهذا الكون، وهو المعطي والمانع، ومنه الصحة والمرض، ومنه القوة والضعف، والغنى والفقر.
2- العلم طريق الجنة: إن الإسلام شرط النجاة عند الله عز وجل، والإسلام لا يقوم ولا يكون إلا بالعلم، فلا طريق إلى معرفة الله تعالى والوصول إليه إلا بالعلم، فهو الذي يدل على الله سبحانه من أقرب طريق، فمن سلك طريقه ولم يعوج عنه بلغ الغاية المنشودة، فلا عجب إذن أن يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب العلم طريق الجنة، ويبين أن كل طريق يسلكه المسلم يطلب فيه العلم يشق به طريقاً سالكة توصله إلى الجنة: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" وليس أدل على ما نقول من أن الله تعالى جعل فاتحة الوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أمراً بالعلم وبوسائل العلم، وتنبيهاً إلى نعمة العلم وشرفه وأهميته في التعرف على عظمة الخالق جل وعلا وإدراك أسرار الخلق، وإشارة إلى حقائق علمية ثابتة، فقال سبحانه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ اإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [ العلق:1-5 ].
- الإخلاص في طلب العلم وترك المباهاة والمباراة به: على طالب العلم والعالم أن يخلص في طلبه وعلمه لله تعالى، ولا يقصد من ذلك إلا حفظ دينه وتعليمه للناس ونفعهم به، فلا يكون غرضه من تعلم العلم وتعليمه نيل منصب أو مال أو سمعة أو جاه، أو ليقال عنه إنه عالم، أو ليتعالى بعلمه على خلق الله عز وجل، ويجادل به أقرانه ويباريهم، فكل ذلك مذموم يحبط عمله، ويوقعه في سخط الله تبارك وتعالى.
وروى الترمذي وغيره: " من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" .
- " لا أدري" نصف العلم: من علائم الإخلاص في طلب العلم وتعليمه أن لا يأنف طالب العلم من أن يقول: لا أدري، فيما لا علم له به، وكثيراً ما كان العلماء يسأل أحدهم عن عديد من المسائل، فيجيب عن بعضها بما يعلم، ويجيب عن أكثرها بلا أدري، حتى قيل: لا أدري نصف العلم، لأنها علامة على أن قائلها متثبت مما يقول.
3- ذكر الله عز وجل:
إن ذكر الله عز وجل من أعظم العبادات، وذلك أن ذكر الله عز وجل يحمل الإنسان على التزام شرعه في كل شأن من شؤونه، ويشعره برقابة الله تعالى عليه فيكون له رقيب من نفسه، فيستقيم سلوكه ويصلح حاله مع الله تعالى ومع الخلق، ولذا أُمِر المسلم بذكر الله تبارك تعالى في كل أحيانه وأحواله، قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا} [الأحزاب: 41-42]. أي صباحاً ومساءً، والمراد: في كل الأوقات.
- خير ذكر كتاب الله تعالى: وخير ما يذكر به الله عز وجل كلامه المنزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم لما فيه-إلى جانب الذكر- من بيان لشرع الله تعالى، وما يجب على المسلم التزامه، وما ينبغي عليه اجتنابه.
- عمارة المساجد: وخير الأماكن لذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن وتعلم العلم إنما هي المساجد بيوت الله سبحانه، يعمرها في أرضه المؤمنون، وعمارتها الحقيقية إنما تكون بالعلم والذكر إلى جانب العبادة من صلاة واعتكاف ونحوها، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[النور: 36-38].
- عبادة منفردة وشافع مشفع: فتلاوة القرآن بذاتها عبادة مأمور بها، ويثاب عليها المسلم، وتكون وسيلة لنجاته يوم القيامة ونيل مرضاة ربه جل وعلا، حيث يشفع القرآن لتاليه عند ربه.
وروى مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ".
ولا يقل فضل السماع للقرآن عن فضل تلاوته، بل إن الاستماع والإنصات لقراءته سبب لنيل مغفرة الله تعالى ورحمته.
وروى الأمام أحمد في مسنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة ".
- نور على نور: ويزداد الأجر ويعظم الثواب ويكثر الفضل إذا ضم إلى التلاوة والاستماع والفهم والتدبير والخشوع، فيجتمع نور على نور، ومكرمة إلى مكرمة. قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ ص: 29] .
- فضل الاجتماع فى بيت من بيوت الله على ذكر الله :
أ- "نزلت عليهم السكينة":
وبهذه السكينة يطمئن القلب، وتهدأ النفس، وينشرح الصدر، ويستقر البال والفكر، وقال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [ الرعد: 28].
والخسارة كل الخسارة لأولئك الذين خوت قلوبهم فغفلوا عن الله تعالى وذكره، فعاشوا في مقت وكرب وضياع في دنياهم، وكان لهم الهلاك والخلود في جهنم في أخراهم، قال تعالى:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124].
وقال سبحانه: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الزمر:22] .
ب- "غشيتهم الرحمة":
فطوبى لهؤلاء الذين قربت منهم الرحمة فكانت تلاوتهم لكتاب الله عز وجل ومدارستهم له عنواناً على أنهم من المحسنين: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].
ج- "حفتهم الملائكة":
فلما كثر القارئون كثرت الملائكة حتى تُحيط بهم من كل جانب .
ولعل خير ثمرة لهذه المكرمة أن يكون هؤلاء الملائكة سفراء بين عباد الرحمن هؤلاء وبين خالقهم جل وعلا، يرفعون إليه سبحانه ما يقوم به هؤلاء المؤمنون من ذكر الله عز وجل ومدارسة لكتابه، وما انطوت عليه نفوسهم من رغبة في نعيم الله عز وجل ورضوانه، ورهبة من سخطه وإشفاق من عقابه، فيكون ذلك سبباً للمغفرة، وباباً للفوز والنجاة.
د- "ذكَرَهم الله فيمن عنده":
قال عز وجل: {فاذكُروني أذكرْكم واشكُروا لي ولا تَكْفرون} [ البقرة: 152]. فإذا ذكر العبد المؤمن ربه، بتلاوة كتابه وسماع آياته، قابله الله عز وجل على فعله من جنسه فذكره سبحانه في عليائه، وشتان ما بين الذاكرين، ففي ذكر الله تعالى لعبده الرفعة، والمغفرة والرحمة، والقبول والرضوان.
وخلاصة القول: لقد ربحت تجارة هؤلاء الذين أقبلوا على كتاب الله عز وجل تلاوة ودرساً وتعلماً وعملاً والتزاماً، وصدق الله العظيم إذ يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29-3.].
4- التقوى والعمل الصالح طريق الوصول إلى الله عز وجل: لقد قرر الإسلام وحدة الإنسانية، ورسخ المساواة بين أفراد البشرية من حيث المولد، فالجميع مخلوقون من نفس واحدة، ولا فرق بين أبيض وأسود، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا امتياز لشريف على وضيع في أصل الخلقة والمنشأ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]. وكانت العدالة الإلهية في الإسلام حيث جعل التفاضل بين الناس بالعمل الصالح، وطريق القرب من الله تعالى تقواه، دون النظر إلى من انحدر من الآباء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]. فلا يضير الإنسان عند الله عز وجل ضعة نسبه، فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب.
ولذا نجد القرآن الكريم يحذر الناس من أن يعتمدوا على الأنساب، فيأمر النبيَّ أن يبدأ بتبليغ أهله فيقول له :{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] ،ونجد المصطفى صلى الله عليه وسلم ينادي فيقول:" يا فاطمة بنت محمد- صلى الله عليه وسلم - سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً " متفق عليه.
ومما يستفاد من الحديث:
1- أن الجزاء عند الله من جنس ما قدم العبد من عمل، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، والعون بالعون، والستر بالستر، والتيسير بالتيسير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمناً على عري كساه الله من خضر الجنة " رواه الترمذي.
2- الإحسان إلى الخلق طريق محبة الله عز وجل.
3- ما ذكر من التنفيس وغيره عام في المسلم وغيره الذي لا يناصب المسلمين العداء، فالإحسان إليه مطلوب، بل ربما تعدى ذلك لكل مخلوق ذي روح، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء " رواه مسلم.
وقال:"في كل كبد رطبة أجر" متفق عليه.
4- الحذر من تطرق الرياء في طلب العلم، لأن تطرقه في ذلك أكثر من تطرقه في سائر الأعمال، فينبغي تصحيح النية فيه والإخلاص كي لا يحبط الأجر ويضيع الجهد .
5- طلب العون من الله تعالى والتيسير، لأن الهداية بيده، ولا تكون طاعة إلا بتسهيله ولطفه، ودون ذلك لا ينفع علم ولا غيره .
6- ملازمة تلاوة القرآن والاجتماع لذلك، والإقبال على تفهمه وتعلمه والعمل به، وأن لا يترك ليقرأ في بدء الاحتفالات والمناسبات، وفي المآتم وعلى الأموات.
7- المبادرة إلى التوبة والاستغفار والعمل الصالح، قال الله تعالى :{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133-134] .
التقويم :
-
عدد واجبات المسلم على أخيه المسلم التى وردت فى الحديث .
-
وضح واجبات المسلم على أخيه المسلم .
-
بين كيف أن العلم طريق الجنة .
-
وضح فضل الاجتماع فى بيوت الله على تلاوة كتاب الله وتدارسه .
-
بين عدالة الإسلام وولاية الإيمان والعمل لا ولاية الدم والنسب .
-
قوِّم مدى التزامك بالواجبات التى حث عليها الحديث الشريف .
الحلقة
الثالثة
عشر
الحلقة الثالثة عشر
الدرس الأول :
الحديث السابع والثلاثون
عَدلُ اللهِ تَعالى وَفَضْلُهُ وقُدرتُه
|
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيما يَرْويهِ عن رَبِّهِ تَباركَ وتعالى قال: "إنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ثُمَّ بَيَّنَ : فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كَتَبَها اللهُ عِنْدَهُ حَسَنةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بها فَعَمِلها كَتَبَها اللهُ عنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثيرَةٍ، وإن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبها اللهُ عنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وإن هَمَّ بها فَعَمِلها كَتَبَها اللهُ سيَئّةً واحِدَة". رواهُ البخاري ومُسلمٌ في صحيحيهما بهذه الحروف. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس جزاء عمل الحسنات .
-
أن يبين الدارس جزاء عمل السيئات .
-
أن يشرح الدارس الهمّ بالحسنات وجزاءه .
-
أن يشرح الدارس الهمّ بالسيئات وجزاءه .
-
أن يستشعر الدارس فضل الله تعالى على عباده .
مفردات الحديث:
"كتب الحسنات والسيئات": أمر الملائكة الحفظة بكتابتهما _ كما في علمه _ على وَفق الواقع.
"هَمَّ": أراد وقصد.
"بحسنة": بطاعة مفروضة أو مندوبة.
"ضعف": مثل.
"سيئة": بمعصية صغيرة كانت أو كبيرة.
المعنى العام:
تضمن الحديث كتابة الحسنات والسيئات، والهم بالحسنة والسيئة، وفيما يلي الأنواع الأربعة:
عمل الحسنات: كل حسنة عملها العبد المؤمن له بها عشر حسنات، وذلك لأنه لم يقف بها عند الهم والعزم، بل أخرجها إلى ميدان العمل، ودليل ذلك قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 16.]. وأما المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له، فدليله قول الله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261]. روى مسلم عن ابن مسعود قال: "جاء رجل بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله، فقال: لك بها يوم القيامة سَبْعُ مِئَةِ ناقة".
ومضاعفة الحسنات زيادة على العشر إنما تكون بحسب حسن الإسلام، وبحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل العمل وإيقاعه في محله الملائم.
عمل السيئات: وكل سيئة يقترفها العبد تكتب سيئة من غير مضاعفة، قال تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 16.]، لكن السيئة تعظم أحياناً بسبب شرف الزمان أو المكان أو الفاعل:
فالسيئة أعظم تحريماً عند الله في الأشهر الحرم، لشرفها عند الله.
والخطيئة في الحرم أعظم لشرف المكان.
والسيئة من بعض عباد الله أعظم، لشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه سبحانه وتعالى.
الهم بالحسنات: ومعنى الهم الإرادة والقصد، والعزم والتصميم، لا مجرد الخاطر، فمن هم بحسنة كتبها الله عنده حسنة واحدة، وذلك لأن الهم بالحسنة سبب وبداية إلى عملها، وسبب الخير خير، وقد ورد تفسير الهم في حديث أبي هريرة عند مسلم "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة".
الهم بالسيئات: وإذا هم العبد بسيئة ولم يعملها، كتبت له حسنة كاملة، وفي حديث البخاري "وإن تركها من أجلي" وهذا يدل على أن ترك العمل مقيد بكونه لله تعالى، والتارك يستحق الحسنة الكاملة، لأنه قصد عملاً صالحاً، وهو إرضاء الله تعالى بترك العمل السيء. أما من ترك السيئة بعد الهم بها مخافة من المخلوقين أو مراءاة لهم، فإنه لا يستحق أن تكتب له حسنة.
وقال الخطابي: محل كتابة الحسنة على الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم تركه، لأن الإنسان لا يسمى تاركاً إلا مع القدرة ويدخل فيه من حال بينه وبين حرصه على الفعل مانع، كأن يمشي إلى مكان يرتكب فيه المنكر فيجد الباب مغلقاً ويتعسر فتحه.
أن رحمة الله بعباده المؤمنين واسعة، ومغفرته شاملة، وعطاءه غير محدود.
لا يؤاخذ الله تعالى على حديث النفس والتفكير بالمعصية إلا إذا صدق ذلك العمل والتنفيذ.
على المسلم أن ينوي فعل الخير دائماً وأبداً، لعله يكتب له أجره وثوابه، ويروض نفسه على فعله إذا تهيأت له الأسباب.
الإخلاص في فعل الطاعة وترك المعصية هو الأساس في ترتب الثواب، وكلما عظم الإخلاص كلما تضاعف الأجر وكثر الثواب.
التقويم :
-
بين جزاء عمل الحسنات .
-
بين جزاء عمل السيئات .
-
اشرح جزاء الهمّ بالحسنات .
-
اشرح جزاء الهمّ بالسيئات .
-
هل تستشعر الدارس فضل الله تعالى على عباده من خلال هذا الحديث – عبِّر عن مشاعرك .
الدرس الثاني :
النصيحة
خامساً - أن يجاهد نفسه على قبول النصيحة والعمل بها :
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح أهمية طلب النصيحة .
-
أن يوضح أهمية قبول النصيحة والعمل بها .
***************************************************************
أ- أهمية طلب النصيحة :
-
الحرص على النصيحة وطلبها يورث أمور كبيرة حسنة فى قلب المسلم :
- فهو لم يغفل عن نفسه وشرورها وشحها فعلم أن فيها معايب يجب أن تعالج .
-وهو مستعد لأن يغيّر ما يعلمه من عيب فى نفسه ما دام مقّراً به عالما .
-ثم إنه شغل بنفسه عن النظر إلى عيوب الناس ، ومن شغل بنفسه نجا ، ومن انشغل بالنظر إلى معايب الناس هلك . وقد حذر الرسول صلي الله عليه وسلم فى الحديث : "يبصر أحدكم القذاة فى عين أخيه وينسى الجذع فى عين نفسه "115
يقول السرى السقطى رحمه الله "من علامة الاستدراج للعبد عماه عن عيبه واطلاعه على عيوب الناس 116"
* وبعد أن عرفت قيمة النصيحة فى ديننا ، فاحرص على طلبها وقبولها بل وشكر صاحبها والعمل بها لعل فى ذلك الخير لك .
ب- أهمية قبول النصيحة والعمل بها :
- وطلب النصيحة إنما يكون لقبولها ، فالقبول ليس أدنى أهمية من طلب النصيحة ، بل هو الثمرة ، والاستجابة لحرص النفس على معالجة عيوبها ، فمن عرف نفسه واشتغل بالنظر إليها عن النظر إلى عيوب الناس ، أدرك أنّ فيه من المعايب ما يجعله يصرف همه للبحث عن النصحاء ليدلوه عليها ويعينوه على تلافيها .117
- يقول عمر بن عبد العزيز : " من وصل أخاه بنصيحة فى دينه ونظر له فى صلاح دنياه فقد أحسن صلته وأدى واجب حقه ".
-وجعله الحارث المحاسبى دليل الحب فقال : " واعلم أن من نصحك فقد أحبك ومن داهنك فقد غشك ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخ لك ".
فالمؤمن مرآة أخيه يرى فيه عيوبه فيصححها و يقومها كما قال الحسن البصرى : " المؤمن شعبة من المؤمن وهو مرآة أخيه إن رأى منه مايعيبه سدده وقومه ونصحه بالسر والعلانية "
- والصادق يفرح بالنصيحة وأنسها ويحس كأنه حاز على كنز ثمين . أما الكاذب فيبغض النصيحة وقد وصف الله تعالى الكذابين فى كتابه ببغضهم للنصيحة : " ولكن لا تحبون الناصحين " الأعراف 79 .
- ولا رفض أحد النصيحة إلا لكبر فى نفسه ، أو عزّة تأبى عليه أن يقبل نصيحة الناصح ويرد كلمة الحق ، و قد بين الرسول صلي الله عليه وسلم فى الحديث أن رد الحق وعدم قبوله هو الكبر ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبى صلي الله عليه وسلم أنه قال : " لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر " . قال رجل : إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا؟ قال : إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس " 118 . والمتكبر يرى انه متميز على غيره بفضيلة العلم أو العمل أو المال أو الجاه أو الصلاح أو القوة أو الجمال أو غير ذلك من النعم الظاهرة فيصرفه ذلك عن إصلاح نفسه وعن الالتفات إلى نصيحة غيره ، وبذلك يتعطل نشاطه عن التقدم والرقى 119 . وقد وصف الله عز وجل المتكبرين وعدم قبولهم للحق بقوله عز وجل : " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد "120 .
- النصيحة مُرّة قلّ من يتقبلها و لذلك وجب على المنصوح أن يوطن نفسه على قبولها والانتفاع بها لعلها تكون فيها نجاته ، وهذا الأمر يحتاج إلى أطر النفس على الحق أطراً والصبر عليها حتى يسلس قيادها .
- اعتبر أن النصيحة هدية فلا ترفضها كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " رحم الله امرءاً أهدى إلىّ عيوبى .
الحلقة
الرابعة
عشر
الحلقة الرابعة عشر
الدرس الأول :
الحديث الثامن والثلاثون
وَسائِلُ القُربِ مِنَ اللهِ تعالى ونَيْلِ مَحَبَّتِه
|
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : "إنَّ الله تَعالَى قَال : مَنْ عَادَى لي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فإذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بهِ، وَيَدَهُ الّتي يَبْطِشُ بهَا، وَرِجْلَهُ الّتي يَمْشي بِهُا، وَإنْ سَأَلِني لأعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يعرف الدارس من هم أولياء الله تعالى .
-
أن يشرح الدارس خطورة معاداة أولياء الله عز وجل .
-
أن يبين الدارس أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى .
-
أن يبين الدارس أفضل الوسائل للتقرب إلى الله تعالى .
-
أن يوضح الدارس أثر محبة الله تعالى لأوليائه .
-
أن يعبر الدارس عما يجد فى نفسه من أثر حين يتقرب إلى الله تعالى بالطاعات .
-
أن يقوّم الدارس نفسه على ماورد فى الحديث .
مفردات الحديث:
"عادى": آذى وأبغض وأغضب بالقول أو الفعل. المراد بولي الله العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته.
"فقد آذنته بالحرب": آذنته: أعلمته، والمعنى أن من آذى مؤمناً فقد آذنه الله أنه محارب له، والله تعالى إذا حارب العبد أهلكه.
"النوافل": ما زاد على الفرائض من العبادات.
"استعاذني": طلب العوذ والحفظ مما يخاف منه.
"لأعيذنه": لأحفظنه مما يخاف.
المعنى العام:
أولياء الله تعالى: هم خُلَّص عباده القائمون بطاعاته المخلصون له، وقد وصفهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بصفتين هم الإيمان والتقوى، فقال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62-63]، فالركن الأول للولاية هو الإيمان بالله، والركن الثاني لها هو التقوى، وهذا يفتح الباب واسعاً وفسيحاً أمام الناس ليدخلوا إلى ساحة الولاية، ويتفيؤوا ظلال أمنها وطمأنينتها.
وأفضل أولياء الله تعالى هما الأنبياء والرسل، المعصومون عن كل ذنب أو خطيئة، المؤيدون بالمعجزات من عند الله سبحانه وتعالى، وأفضل الأولياء بعد الأنبياء والرسل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين عملوا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعدهم من القرون حتى أيامنا هذه ممن ينسب إلى الولاية، ولا يكون ولياً لله حقاً إلا إذا تحقق في شخصه الإيمان والتقوى، واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم واهتدى بهديه واقتدى به في أقواله وأفعاله.
معاداة أولياء الله تعالى: إن كل من يؤذي مؤمناً تقياً، أو يعتدي عليه في ماله أو نفسه أو عرضه، فإن الله تعالى يعلمه أنه محارب له، وإذا حارب الله عبداً أهلكه، وهو يمهل ولا يهمل، ويمد للظالمين مداً ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وقد وقع في بعض روايات الحديث أن معاداة الولي وإيذاءه محاربةٌ لله، ففي حديث عائشة رضي الله عنها في المسند "من آذى ولياً فقد استحل محاربتي".
أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى أداء الفرائض: وهذه الفائدة صريحة في قول الله تعالى في هذا الحديث: "ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضت عليه".
ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عَدْلُ الراعي في رعيته سواء كانت رعية عامة كالحاكم، أو رعية خاصة، كعدل آحاد الناس في أهله وولده، ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه مجلساً إمام عادل".
من أداء الفرائض ترك المعاصي: لأن الله تعالى افترض على عباده ترك المعاصي، وأخبر سبحانه أن من تعدى حدوده وارتكب معاصيه، كان مستحقاً للعقاب الأليم في الدنيا والآخرة، وبهذا يكون ترك المعاصي من هذه الناحية داخلاً تحت عموم قوله: "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه".
التقرب إلى الله تعالى بالنوافل: ولا يحصل هذا التقرب والتحبب إلا بعد أداء الفرائض، ويكون بالاجتهاد في نوافل الطاعات، من صلاة وصيام وزكاة وحج ...، وكف النفس عن دقائق المكروهات بالورع، وذلك يوجب للعبد محبة الله، ومن أحبه الله رزقه طاعته والاشتغال بذكره وعبادته.
ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم، ومن أعظم النوافل كثرة ذكر الله، قال تعالى: {فاذكرُوني أذكرْكم} [البقرة: 152].
أثر محبة الله في وليه: يظهر أثر محبة الله في وليه بما ورد في الحديث "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" وفي بعض الروايات "وقلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به" .
قال ابن رجب: والمراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل قَرَّبه إليه ورَقَّاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته، وخوفه ومهابته، والأنس به والشوق إليه، حتى يصير الذي في قلبه من المعرفة مشاهداً له بعين البصيرة.
ومتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بطش بطش به. فهذا هو المراد بقوله : "كنت سمعه الذي يسمع به ...".
وقد ذهب الشوكاني إلى أن المراد: إمداد الرب سبحانه لهذه الأعضاء بنوره الذي تلوح به طرائق الهداية وتنقشع عنده سحب الغَوَاية.
الولي مجاب الدعوة: ومن تكريم الله لوليه أنه إذا سأله شيئاً أعطاه، وإن استعاذ به من شيء أعاذه منه، وإن دعاه أجابه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته على الله تعالى، وقد كان كثير من السلف الصالح معروفاً بإجابة الدعوة، كالبراء بن مالك، والبراء بن عازب، وسعد بن أبي وقاص .. وغيرهم، وربما دعا المؤمن المجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره، قال : فلا يجيبه إلى سؤاله ويعوضه بما هو خير له، إما في الدنيا أو في الآخرة، فقد أخرج أحمد والبزار وأبو يعلى بأسانيد جيدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها".
ما يستفاد من الحديث
عِظَم قدر الولي، لكونه خرج من تدبير نفسه إلى تدبير ربه تعالى، ومن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له، وعن حوله وقوته بصدق توكله.
أن لا يحكم لإنسان آذى ولياً ثم لم يعاجل بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده، بأنه يسلم من انتقام الله تعالى له، فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشبه عليه، كالمصيبة في الدين مثلاً.
التقويم :
-
من هم أولياء الله تعالى .
-
اشرح خطورة معاداة أولياء الله عز وجل .
-
بين أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى .
-
بين أفضل الوسائل للتقرب إلى الله تعالى .
-
وضح أثر محبة الله تعالى لأوليائه .
-
عبر عما تجد فى نفسك من أثر حين تتقرب إلى الله تعالى بالطاعات .
-
قوّم نفسك على ماورد فى الحديث من توجيهات .
الدرس الثاني :
النصيحة
سادساً - أن يتدرب على أداء النصيحة :
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس كيف تكون النصيحة .
-
أن يذكر نماذج من سيرة السلف الصالح فى أداء وقبول النصيحة .
ج- أن يذكر الدارس بعض الأمور المعينة على أداء النصيحة .
-
أن يوضح الدارس كيف تكون النصيحة :
- على من أراد أن يقدم نصيحة لأخيه أن يقدمها فى طبق شهى لا فى صورة كريهة .
- عليك ألا تظهر الأستاذية عليه أو أنك أفضل منه فتضطره إلى الإعراض عنك ورد النصيحة .
- عليك بالتعريض أو طرق الموضوع بصورة غير مباشرة فقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا أتى أحد فى مجلسه شيئا منافيا يقول : " ما بال أقوام يقولون كذا أويفعلون كذا ، ويعطون كذا .."
وكما فعل الحسن والحسين حينما رأيا رجلاً كبيراً لا يحسن الوضوء فجاءاه كأنهما اختلفا على الوضوء ، أحدهما يحسن الكيفية والأخر لا يحسن فعرف أنه أخطأ وصحح وضوءه 121.
- النصيحة مرة قل من يتقبلها و لذلك على الداعى أن يكون حكيما فى نصحه ويتبع سبيل الموعظة الحسنة قال تعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ".122
- بيّن لأخيك حرصك عليه ومحبتك له ورغبتك فى نفعه وزهدك فيما عنده من دنيا ، فإن الناس إذا رأوا منك طمعا فيما فى أيديهم وحرصاً على دنياهم نفروا منك وزهدوا فيك وفى قولك .123 ومن ثم قال الله تعالى :" أم تسألهم أجرا فهم من مغر م مثقلون ".124 وقال تعالى : " قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم ."125
- القراءة فى سير الصحابة والصالحين ورجال الدعوة . وحتى تقف على هذه الصورة المشرفة لرجال الأمة ، الذين لم يخلو منهم جيل . فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتناصحون فيما بينهم ويبايعون النبى على هذا التناصح .126
ب - والحقيقة أن سيرة السلف الصالح من أمتنا مليئة بالنماذج الرائعة التى تجسد لنا أدب النصيحة :
من ذلك ما حكاه ابن العربى عن محمد بن القاسم العثمانى أنه حضر مجلس الشيخ أبى الفضل الجوهرى ، فكان مما قال فى درسه إن النبى صلي الله عليه وسلم طلق ، وظاهر ، وآلى .
قال العثمانى : فلما خرج تبعته ، فقلت له: حضرت مجلسك اليوم متبركا بك وسمعتك تقول : آلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وصدقت ، وطلق رسول الله صلي الله عليه وسلم وصدقت ، وقلت : وظاهر رسول الله صلي الله عليه وسلم وهذا لم يكن ولا يصح أن يكون ، لأن الظهار منكر من القول وزور ، وذلك لا يجوز أن يقع من الرسول صلي الله عليه وسلم . قال: فضمنى إلى نفسه وقبّل رأسى : وقال لى أنا تائب من ذلك جزاك الله عنى من علم خيراً . وفى اليوم التالى نادى عليه من بين الناس ودعاه إلى المنبر حتى رآه الناس ، وقال لهم أنا معلمكم ، وهذا معلمى ، ثم حكى لهم ما حدث بالأمس .127
- انظر إلى سيدنا معاوية وناقديه :
دخل أبو مسلم الخولاني على سيدنا معاوية وقال : السلام عليك أيها الأجير .فقال الناس : الأمير يا أبا مسلم فقال السلام عليك أيها الأجير .فقال الناس الأمير : فقال معاوية : دعوا أبا مسلم هو أعلم بما يقول ، قال أبو مسلم : إنما مثلك مثل رجل استأجر أجيرا ، فولاه ماشيته ، وجعل له الأجر ،على أن يحسن الرعية ويوفر جزارها وألبانها ، فإن هو أحسن رعيتها ، ووفر جزارها حتى تلحق الصغيرة ، وتسمن العجفاء ، أعطاه أجره ، وزاد من قبله زيادة ، وإن هو لم يحسن رعيتها حتى تهلك العجفاء ، وتعجف السمينة ، ولم يوفر جزارها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر . فقال معاوية ما شاء الله كان …128.
ج- وإليك أخى المسلم بعض الأمور المعينة على أداء النصيحة :
- تذكره بما فيه من محاسن أثناء النصيحة ، فمثلا تقل له يا هذا عهدناك تفهم ونعرف عنك الفضل والذكاء ولكنك فى هذه المسألة ابتعدت شيئا ما عن الصواب… لعلك متعب …
لعلك مرضت … لعلك………..،وذلك حتىتسمح له بالتفكير أو إعادة النظر…
فانظر إلى قوله تعالى : "إن إبراهيم لحليم أواه منيب ." هود 75 ثم قال الله تعالى بعدها : "ياإبراهيم أعرض عن هذا ." هود 76
وكذلك قوله تعالى لرسول الله صلي الله عليه وسلم : "عفا الله عنك لم أذنت لهم ." التوبة 43 فإذا فعل صاحبك شيئاً لا تريده فقل له عفا الله عنك لم صنعت كذا … فإذا فعلت ذلك هيأته لما تريد أن تقوله ، وأدخلت الثقة فى نفسه وحملته على الإصلاح .129
الحلقة
الخامسة
عشر
الحلقة الخامسة عشر
الدرس الأول :
رَفْعُ الحَرَجِ في الإِسلامِ
|
عَن ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُما: أن رَسُوَل اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : "إنَّ الله تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتي: الْخَطَأَ، والنِّسْياَنَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". رواه البيهقي بأسناد صحيح ، وابن ماجه بإسناد حسن، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . والألباني ؛ قال عنه في الإرواء : صحيح . |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس فضل الله تعالى على هذه الأمة ورفع الحرج عنها .
-
أن يذكر الدارس أمثلة تبين كيف أن الله عز وجل رفع الحرج عن الأمة .
-
أن يذكر الدارس الأحكام المترتبة على الخطأ والنسيان وفعل المكره .
مفردات الحديث:
"تجاوز": عفا.
"لي": لأجلي وتعظيم أمري ورفعة قدري.
"أمتي": أمة الإجابة، وهي كل من آمن به صلى الله عليه وسلم واستجاب لدعوته.
"الخطأ": ضد العمد لا ضد الصواب.
"النسيان": ضد الذِّكْر.
"استكرهوا عليه": يقال: أكرهته على كذا إذا حملته عليه قهراً.
المعنى العام :
إن من أتى بشيء مما نهى الله عنه، أو أخل بشيء مما أمر الله تعالى به، دون قصد منه لذلك الفعل أو الخلل، وكذلك من صدر عنه مثل هذا نسياناً أو أُجبر عليه، فإنه لا يتعلق بتصرفه ذم في الدنيا ولا مؤاخذة في الآخرة، فضلاً من الله تبارك وتعالى ونعمة.
فضل الله عز وجل على هذه الأمة ورفع الحرج عنها: وهكذا لقد كان فضل الله عز وجل عظيماً على هذه الأمة، إذ خفف عنها من التكليف ما كان يأخذ به غيرها من الأمم السابقة، فقد كان بنو إسرائيل: إذا أُمروا بشيء فنسوه، أو نهوا عن شيء فأخطؤوه وقارفوه عجل الله تعالى لهم العقوبة، وآخذهم عليه، بينما استجاب لهذه الأمة دعاءها الذي ألهمها إياه، وأرشدها إليه جل وعلا، إذ قال: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286]. فتجاوز سبحانه عما يقع خطأً أو نسياناً فلم يؤاخذها به، قال سبحانه: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]. أي لا تؤاخذون فيما وقع منكم خطأً، ومثله النسيان، ولكن تؤاخذون بما قصدتم إلى فعله. كما أنه سبحانه لم يكلفها من الأعمال ما تعجز عن القيام به في العادة، ولم يحملها من التكاليف ما فيه عسر وحرج، أو يوقع التزامه في مشقة وضيق، وذلك لامتثالها أمر الله عز وجل على لسان رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ قالت:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
اقتضت حكمة الله عز وجل: أن لا يؤاخذ فرداً من هذه الأمة إلا إذا تعمد العصيان، وقصد قلبه المخالفة وترك الامتثال، عن رغبة وطواعية. والعفو عن ذلك _ أي عن إثم الخطأ والنسيان والإكراه _ هو مقتضى الحكمة والنظر، مع أنه تعالى لو آخذ بها لكان عادلاً.
قتل الخطأ: من قصد إلى رمي صيد أو عدو فأصاب مسلماً أو معصوم الدم فإنه لا إثم عليه ولا ذنب، وإن كان هذا لا يعفيه من المطالبة بالدية والكفارة.
تأخير الصلاة عن وقتها: من أخر الصلاة عن وقتها بعذر كنوم أو نسيان فإنه لا يأثم، ولكنه يطالب بالقضاء فور الاستيقاظ أو التذكر.
تفصيل القول في حكم الخطأ والنسيان
أولاً:
إن وَقَعَ الخطأ أو النسيان في ترك مأمور به لم يسقط، بل يجب تداركه. ومثال ذلك في الخطأ: ما لو دفع زكاة ماله إلى من ظنه فقيراً، فبان غنياً، لم تجزئ عنه، ووجب عليه دفعها للفقير، وله أن يرجع بها على الغني.
ثانياً:
إن وقع الخطأ أو النسيان في فعل منهي عنه، ليس من باب الإتلاف، فلا شيء عليه. ومثاله في الخطأ: من شرب خمراً، ظاناً أنها شراب غير مسكر، فلا حد عليه ولا تعزيز، وفي النسيان : ما لو تطيب المحرم أو لبس مخيطاً ونحو ذلك، ناسياً فلا شيء عليه.
ثالثاً:
إن وقع الخطأ أو النسيان في فعل منهي عنه، هو من باب الإتلاف، لم يسقط الضمان، ومثاله: ما لو قُدِّم له طعام مغصوب ضيافة، فأكل منه ناسياً أنه مغصوب أو ظناً منه أنه غير مغصوب، فإنه ضامن، ومثله لو قتل صيداً وهو محرم، ناسياً لإحرامه أو جاهلاً للحكم، فعليه الفدية.
مالا يعذر به الناسي: ما سبق من القول من رفع المؤاخذة عما وقع من تصرف نسياناً إنما هو في الناسي الذي لم يتسبب في نسيانه، أما من تسبب في ذلك كأن ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، فإنه قد يؤاخذ عن تصرفه ولو وقع منه نسياناً، وذلك: كمن رأى نجاسة في ثوبه فتباطأ عن إزالتها حتى صلى بها ناسياً لها، فإنه يعد مقصراً مع وجوب القضاء عليه.
ما يترتب على فعل المكرَه: تختلف الأحكام المترتبة على فعل المكره حسب درجة الإكراه، وطبيعة الفعل المكره عليه:
فقد يكون الإكراه ملجئاً: بمعنى أن المكره يصبح في حالة لا يكون له اختيار في فعل ما أُكره عليه بالكلية ولا قدرة لديه على الامتناع منه، وذلك: كمن رُبِط وحُمِلَ كرهاً، وأُدخل إلى مكان حلف على الامتناع من دخوله، فلا إثم عليه بالاتفاق، ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند الجمهور.
وقد يكون الإكراه غير ملجئٍ: بمعنى أن المكره يستطيع أن يمتنع عن فعل ما أكره عليه، فإذا كان المكره على هذه الحال فإن فعله يتعلق به التكليف، وذلك: كمن أكره بضرب أو غيره حتى فعل، فإن كان يمكنه أن لا يفعل فهو مختار لفعله، لكن ليس غرضه نفس الفعل، بل دفع الضرر عنه، فهو مختار من وجه، وغير مختار من وجه آخر، ولهذا اختلف فيه: هل هو مكلف أم لا ؟[انظر الفقه :كتاب الإكراه].
التقويم :
-
بين فضل الله تعالى على هذه الأمة ورفع الحرج عنها .
-
أذكر أمثلة تبين كيف أن الله عز وجل رفع الحرج عن الأمة .
-
أذكر الأحكام المترتبة على الخطأ والنسيان وفعل المكره .
الدرس الثاني :
النصيحة
التطبيق :
القدوة فى إبداء النصيحة وقبول النصيحة ، لأنه قد طغت الأقوال على الأفعال و أصبح الناصح غير منصوح فى حد ذاته وقد حذرنا الله تعالى من ذلك : " أتأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم " البقرة 44
فمثل هؤلاء يقال لهم قول القائل :
ألا أيها الرجل المعلــــم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
فأبدأ بنفسك فانهها عــــن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
تصف الدواء لذى السقام وذى الضنا كيما تصح به وأنت سقيــم
لا تنه عن خلق وتأت بمثلـــــه عار عليك إذا فعلت عظيـم
- ومما يعينك على النصيحة القرب من المنصوح والحرص على خدمته ما استطعت إلى ذلك سبيلا ومعاونته إذا احتاج إلى عونك .
- المساهمة فى حل مشاكل الناس فى جو من الصدق و إخلاص التوجه لله .130
- أعط النصيحة على أجمل وجه ، و اقبلها على أى وجه. وتذكر رحم الله امرءاً أهدى إلى عيوبى
- احرص على سلامة الصدر وتنقية القلب من الحقد والحسد والبغضاء و الشحناء ، و تذكر أن أقل مراتب الأخوة سلامة الصدر وأعلاها الإيثار . والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره .131
وتذكر الأمور التاليه دائما :-
* أن تخلص وتبتغى الأجر فى نصيحتك .
* تقبل نصح كل من ينصحك وإن كان أقل منك علما وسنا.
* اطلب النصيحة دائما من إخوانك و أعنهم على نفسك .
* لا تتصيد أخطاء إخوانك واحرص على سترهم .
* لا تنس آداب النصيحة وأن تلزم نفسك العمل بها .
" هذه الأمور وغيرها ، باتباعها نأمل أن تحوز على السعادة والخير وأن تغنم أجر العاملين بنصيحتك".132
التقويم
-
اذكر معنى النصيحة فى اللغة .
-
وضح تعريف النصيحة فى كلام العلماء .
-
وضح أهمية النصيحة .
-
وضح وجوب النصيحة .
-
حدد مجالات وميادين النصيحة .
-
وضح مجالات وميادين النصيحة .
-
حدد شروط وآداب النصيحة .
-
وضح شروط وآداب النصيحة .
-
قوِّم مدى التزامك الشخصى بشروط وآداب النصيحة – محدداً نقاط الخلل والعلاج .
-
اذكر مواقف عملية مررت بها شخصياً استخدمت فيها النصيحة بآدابها وما تأثير ذلك على المنصوح .
-
اذكر مواقف شخصية فى قبولك لنصيحة قدمت إليك - وما الذى ساعد على قبولها ؟
-
وضح أهمية طلب النصيحة .
-
وضح أهمية قبول النصيحة والعمل بها .
-
وضح كيف تكون النصيحة .
-
اذكر نماذج من سيرة السلف الصالح فى أداء وقبول النصيحة .
-
اذكر نماذج عايشتها وتأثرت بها فى ( طلب – قبول – أداء ) النصيحة .
-
اذكر بعض الأمور المعينة على أداء النصيحة .
-
اذكر من خلال تجاربك الشخصية بعض الأمور المعينة على ( أداء – قبول ) النصيحة .
** استبانة يستعين بها الدارس فى تقويم مدى تحقيقه لشروط وآداب النصيحة ومدى قبوله لها :
|
السلوك ( سلامة الصدر وحسن الظن وآداب النصيحة ) الدرجة العظمى = 4 * عدد البنود |
دائماً 4 |
غالباً 3 |
أحياناً 2 |
نادراً 1 |
|
- حسن الظن : ( الدرجة العظمى 72 درجة )
- سلامة الصدر :
آداب النصيحة :
* قبول النصيحة والعمل بها : ( الدرجة العظمى 28 درجة )
|
|
|
|
|
*** احسب درجاتك وقارنها بالدرجة العظمى فإن وجدت خيراً فاحمد الله على ذلك واحرص دوماً على الخير ، وإن وجدت تقصيراً ، فحدد أين هو ؟ وما سببه ؟ وجاهد نفسك حتى تصلح من شأنها وحتى تحقق هذا الأدب الرفيع واسأل الله لك العون دائماً .
المصادر
1- تفسير القرآن العظيم- ابن كثير –مكتبة الايمان بالمنصورة - ط1 –1996
2- صحيح مسلم شرح الامام النووى -مكتبة الغزالى –1349هجرية.
3- مجموعة الرسائل-دار الدعوة –1994.
4- إيضاح المعاني الخفية فى الاربعين النووية-دار الوفاء-محمد تاتاى-ط/1- 1994
5- جامع العلوم والحكم - ابن رجب الحنبلى –مكتبة الايمان-1994 .
6- الحقوق الاسلامية – طه العفيفى -دار التراث العربى-ط1-1985 .
7- رياض الصالحين – دار الحديث -
8- إسلامنا سيد سابق
9- كتاب التعريفات - على بن محمد الجرجانى-دار الرشاد-1991 .
10- خلق المسلم –دار الدعوة -1994 .
11- ركائز الدعوة – دار التوزيع والنشر 1995 .
12- فقه الأخلاق والمعاملات مع المؤمنين -مصطفى العدوى – دار ماجد عسيرى1998
13- نظرات فى السنة –الامام البنا –دار التوزيع 1994 .
14- بصائر دعوية –دار السلام-2..2 –محمد أبو الفتح البيانونى.
15- رسائل فتيان الدعوة –مؤسسة الكلمة-1994 جاسم بن محمد مهلهل الياسين.
16- فقه النصيحه فى ظل الاسلام أحمد جاد دار الكلمة 99
17- الترغيب والترهيب دار الحديث
18- المدخل فى التربية من المعرفة الى السلوك
الحلقة
السادسة
عشر
الحلقة السادسة عشر
الدرس الأول :
اغتنامُ الدُّنيا للفوزِ بالآخرة
|
عن ابنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما قال: أَخَذَ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ فقال : "كُنْ في الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ، أو عابرُ سبِيل". وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضي اللهُ عنهما يقولُ: إذا أمْسَيْتَ فلا تَنْتظرِ الصبَّاح، وإذا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ الَمسَاء، وخُذْ مِنْ صحَّتِك لِمَرضِك، ومِنْ حَياتِك لِمَوْتِكَ. رَواهُ البُخاري. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يتعلم الدارس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه .
-
أن يوضح الدارس ما يجب أن يكون عليه حال المؤمن مع الدنيا كما فى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
أن يبين الدارس حث الرسول ص على الزهد فى الدنيا والإعراض عن مشاغلها .
-
أن يغتنم الدارس كل أوقاته فى طاعة الله .
-
أن يستعد الدارس للقاء الله عز وجل دائماً
-
أن يقوِّم الدارس مدى استفادته من هذا الحديث .
مفردات الحديث:
"أخذ": أمسك.
"بمنكبيّ" بتشديد الياء، مثنَّى منكب،والمنكِب: مجتمع رأس العضد والكتف.
"إذا أمسيت": دخلتفي المساء، وهو من الزوال إلى نصف الليل.
"إذا أصبحت": دخلت في الصباح، وهو من نصف الليل إلى الزوال.
المعنى العام:
الرسول المربي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلماً لأصحابه ومربياً، وقد سبق في تعليمه وتربيته لهم أحدث ما توصل إليه علماء التربية الحديثة من طرق ووسائل، فهو يغتنم الفرص والمناسبات، ويضرب لهم الأمثال، وينقل لهم المعنى المجرد إلى محسوس ومُشاهد، ويتخولهم بالموعظة ويخاطبهم بما تقتضيه حاجتهم، وتدركه عقولهم.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يأخد بمنكبيّ عبد الله بن عمر، لينبهه إلى ما يُلقى إليه من علم، وليشعره باهتمامه وحرصه على إيصال هذا العلم إلى قرارة نفسه. وحكمة ذلك ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير، إذ محالٌ عادةً أن يَنْسَى من فُعِل ذلك معه، ففيه دليل على محبته صلى الله عليه وسلم لابن عمر.
فناء الدنيا وبقاء الآخرة: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].
فهذه الدنيا فانية مهما طال عمر الإنسان فيها، وهذه حقيقةٌ مشاهَدَةٌ، نراها كل يوم وليلة، والحياة الباقية هي الحياة الأخروية.
فالمؤمن العاقل هو الذي لا يغتر بهذه الدنيا، ولا يسكن إليها ويطمئن بها، بل يقصر أمله فيها، ويجعلها مزرعة يبذر فيها العمل الصالح ليحصد ثمراته في الآخرة، ويتخذها مطية للنجاة على الصراط الممدود على متن جهنم، وقال رسول الله صلى عليه وسلم: "مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قَالَ في ظل شجرة ثم راح وتركها". قَالَ: نام في النهار ليستريح.
الدنيا معبر وطريق للآخرة: والمؤمن إما غريب فيها أو عابر سبيل، فهو لا يركن إليها، ولا يُشْغَل بزخرفها ويخدع بما فيها، إنما يستشعر المؤمن في نفسه وقلبه دائماً وأبداً، أن يعيش في هذه الدنيا عيش الغريب عن وطنه، البعيد عن أهله وعياله، فهو دائماً وأبداً، في شوق إلى الوطن، وفي حنين إلى لقيا الأهل والعيال والأحباب، ولا يزال قلبه يتلهف إلى مفارقته فهو لا يشيد فيه بناء، ولا يقتني فراشاً ولا أساساً، بل يرضى بما تيسر له، ويدخر من دار الغربة، ويجمع من الهدايا والتحف، ما يتنعم به في بلده، بين الأهل وذوي القربى، لأنه يعلم أن هناك المقام والمستقر، وهكذا المؤمن يزهد في الدنيا، لأنها ليست بدار مقام، بل هي لحظات بالنسبة للآخرة {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} [التوبة: 38] {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39].
بل إن المؤمن يعيش في هذه الدنيا ويستقر أقل مما يعيشه الغريب عن بلده ويقيم، فإن الغريب ربما طاب له المقام، واتخذ المسكن والأهل والعيال، وليس هذا حال المؤمن في الدنيا، بل هو كالمسافر في الطريق، يمر مَرّ الكرام، ونفسه تتلهف إلى الوصول لموطنه ومستقره، والمسافر لا يتخذ في سفره المساكن بل يكتفي من ذلك بالقليل، قدر ما يؤنسه لقطع مسافة عبوره، ويساعده على بلوغ غايته وقصده.
وهكذا المؤمن في الدنيا يتخذ من مساكنها ومتاعها ما يكون عوناً في تحقيق مبتغاه في الآخرة من الفوز برضوان الله تعالى ويتخذ من الخلان من يدله على الطريق، ويساعده على الوصول إلى شاطئ السلامة {الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] ويكون حَذِراً فيها من اللصوص وقُطَّاع الطرق الذين يبعدونه عن الله عز وجل وطاعته، كحال المسافر في الصحراء {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا} [الفرقان: 27- 29]. والمسافر يتزود لسفره، والمؤمن يتزود من دينه لآخرته قال الله تعالى:{وتزوَّدُوا فإنَّ خيرَ الزادِ التَّقوى، واتَّقونِ يا أُولي الألباب} [البقرة : 197].
على المسلم أن يبادر إلى فعل الخير، والإكثار من الطاعات والمبرات، فلا يهمل ولا يمهل، على أمل التدارك في المستقبل، لأنه لا يدري متى ينتهي أجله.
ما يستفاد من الحديث:
على المسلم أن يغتنم المناسبات والفرص، إذا سنحت له، وقبل أن يفوت الأوان . ( قصر الأمل والإسراع فى التوبة إلى الله عز وجل )
وفي الحديث حث على الزهد في الدنيا، والإعراض من مشاغلها، وليس معنى ذلك ترك العمل والسعي والنشاط، بل المراد عدم التعلق بها والاشتغال بها عن عمل الآخرة.
شأن المسلم أن يجتهد في العمل الصالح، ويكثر من وجوه الخير، مع خوفه وحذره دائماً من عقاب الله سبحانه وتعالى، فيزداد عملاً ونشاطاً، شأن المسافر الذي يبذل جهده من الحذر والحيطة، وهو يخشى الانقطاع في الطريق، وعدم الوصول إلى المقصد ، ويستعد دائماً للموت .
الحذر من صحبة الأشرار، الذين هم بمثابة قطاع الطرق، كي لا ينحرفوا بالمسلم عن مقصده، ويحولوا بينه وبين الوصول إلى غايته.
العمل الدنيوي واجب لكف النفس وتحصيل النفع، والمسلم يسخِّر ذلك كله من أجل الآخرة وتحصيل الأجر عند الله تعالى.
التقويم :
-
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معلماً لأصحابه ومربياً، وقد سبق في تعليمه وتربيته لهم أحدث ما توصل إليه علماء التربية الحديثة من طرق ووسائل " وضح ذلك من خلال هذا الحديث الشريف .
-
وضح ما يجب أن يكون عليه حال المؤمن مع الدنيا كما فى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
بين حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الزهد فى الدنيا والإعراض عن مشاغلها .
-
هل تستعد للقاء الله عز وجل ؟ وبم تستعد ؟
-
قوِّم مدى استفادتك مما جاء فى هذا الحديث من توجيهات ووصايا .
الحلقة
السابعة
عشر
الحلقة السابعة عشر
الدرس الأول :
اتباعُ شرعِ اللهِ تعالى عِمَادُ الإِيمان
|
عن أبي محمَّدٍ عَبدِ الله بنِ عَمرو بْنِ الْعاص رَضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يكُونَ هَواهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ به". حديثٌ صَحِيح، رُوِّيناهُ في "كتاب الْحُجَّةِ" بإسْنادٍ صحيحٍ. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس أن المسلم إنسان متكامل .
-
أن يشرح الدارس حقيقة الهوى وأنواعه .
-
أن يوضح الدارس خطورة إتباع الهوى .
-
أن يبين الدارس وجوب محبة الله ورسوله ودليل هذه المحبة .
-
أن يستشعر الدارس آثار محبة الله ورسوله فى نفسه ( آثار أن يكون هواه مع الله ورسوله ) .
-
أن يقوِّم الدارس مدى تحققه بما ورد فى الحديث من توجيه .
مفردات الحديث:
"لا يؤمن": لا يكمل إيمانه، أو لا يصح.
"هواه": ما تحبه نفسه ويميل إليه قلبه ويرغبه طبعه.
"تبعاً": تابعاً له بحيث يصبح اتِّباعه كالطبع له.
"لما جئت به": ما أرسلني الله تعالى به من الشريعة الكاملة.
المعنى العام:
المسلم إنسان متكامل: المسلم إنسان تتكامل فيه جوانب الشخصية المثالية، فلا تعارض بين قوله وفعله، ولا تناقض بين سلوكه وفكره، بل هو إنسان يتوافق فيه القلب واللسان مع سائر أعضائه، كما يتناسق لديه العقل والفكر والعاطفة، وتتوازن عنده الروح والجسد، ينطق لسانه بما يعتقد، وتنعكس عقيدته على جوارحه، فتُقَوِّم سلوكَه وتُسَدِّد تصرفاته، فلا تتملكه الشهوة، ولا تطغيه بدعة، ولا تهوي به متعة، منطلقه في جميع شؤونه وأحواله شرعُ الله تعالى الحكيم، وهذا ما يقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ينصب لنا العلامة الفارقة للمسلم المؤمن فيقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به".
حقيقة الهوى وأنواعه: قد يطلق الهوى ويراد به الميل إلى الحقِّ خاصة، ومحبته والانقياد إليه. ومنه ما جاء في قول عائشة رضي الله عنها: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
وقد يطلق ويراد به الميل والمحبة مطلقاً، فيشمل الميل إلى الحق وغيره، وهذا المعنى هو المراد في الحديث.
وقد يطلق ويراد به مجرد إشباع شهوات النفس وتحقيق رغباتها، وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق كلمة الهوى، وهو الأكثر في الاستعمال، وهو المعنى الذي تضافرت نصوص الشرع على ذمه والتحذير منه والتنفير عنه، إذ الغالب فيه أن يكون ميلاً إلى خلاف الحق، وتحقيق مشتهيات الطبع دون مقتضيات الشرع، فيكون سبيل الضلال والشقاء. قال الله تعالى مخاطباً داود عليه السلام: {وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].
اتباع الهوى منشأ المعاصي والبدع والإعراض عن الحق: فمن استرسل في شهواته، وأعطى نفسه هواها، جرته إلى المعاصي والآثام، وأوقعته في مخالفة شرع الله عز وجل، وفي الحقيقة: ما انحرف المنحرفون، وما ابتدع المبتدعون، وما أعرض الكافرون الفاسقون والمارقون، عن المنهج القويم والحق المبين، لعدم وضوح الحق أو عدم اقتناعهم به _ كما يزعمون _ فالحق واضح أبلج، والباطل ملتبس لجلج، وإنما بدافع الهوى المُتَّبَع، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ} [القصص: 5.].
الهوى المتبع إله يُعْبَد من دون الله عز وجل: إن العبادة هي الانقياد والخضوع، فمن انقاد لهواه وخضع لشهواته فقد أصبح عبداً لها. وإن الهوى والشهوات لا تزال بالإنسان حتى تتمكن منه وتسيطر عليه، فلا يصدر في تصرفاتها إلا عنها، ولا يأتمر إلا بأمرها، وإن خالف فكره وعقله، وناقض معرفته وعلمه. وهكذا تجد عَبَدَة الهوى يغمضون أعينهم عن رؤية الحق، ويصمون آذانهم عن سماعه، فلا يعرفون استقامة ولا يهتدون سبيلاً. قال ابن عباس رضي الله عنه : الهوى إله يعبد في الأرض، ثم تلا: {أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43]. وقال عليه الصلاة والسلام: "ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله تعالى من هوى متبع". أعظم: أي أكثر إثماً لأنه أوسع شراً.
والإنسان بما مُنِح من القوة العاقلة وما أعطي من الاختيار والقدرة بمَلْكِه أن يخالف هواه ويسيطر على نوازع الشر ويكبتها، ويجاهد نفسه ويحملها على السمو في درجات الخير والتقوى فيبوئها المرتبة اللائقة بها من التكريم والتفضيل، فإن هو فعل ذلك كان سلوكه عنوان قوته العقلية وبشريته المثالية وإنسانيته المتكاملة، وإن هو انهزم أمام نوازع الشر واستسلم لهواه وانحدر في دركات الرذيلة فقد انحط بإنسانيته، وأَسَفَّ بكرامته، فكان _ذا عنوان حماقته وضعفه، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 1.]. وقال عليه الصلاة والسلام: "المجاهدُ من جاهدَ نفسه، والعاجزُ من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني".
وأما مجاهدة النفس والتمرد على الهوى فهي نتيجة المعرفة الحقة بالله عز وجل، واستشعار عظمته وإدراك نعمته. ولا يزال العبد يجاهد نفسه حتى ينسلخ كلياً من عبودية الهوى إلى العبودية الخالصة لله عز وجل، ويكتمل فيه الإيمان، ويثبت لديه اليقين، ويكون من الفائزين بسعادة الدارين، قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 4. - 41].
محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم: حتى يتحقق لدى المسلم أصل الإيمان، ويسير في طريق بلوغ كماله، لابد من أن يحب ما أحبه الله تعالى، محبة تحمله على الإتيان بما وجب عليه منه وما ندب إلى فعله، وأن يكره ما كرهه الله تعالى، كراهة تحمله على الكف عما حرم عليه منه وما ندب إلى تركه، وهذه المحبة لما أحبه الله تعالى والكراهة لما كرهه، لا تتحققان إلا إذا أحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حباً يفوق حبه لكل شيء، بحيث يضحي في سبيلهما بكل شيء، ويقدمهما على كل شيء.
وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين".
عنوان المحبة الموافقة والاتباع: المحبة الصحيحة تقتضي متابعة المحب لمن أحب، وموافقته فيما يحب ويكره، قولاً وفعلاً واعتقاداً، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ..} [آل عمران: 31]. فمن ترك شيئاً مما يحبه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل شيئاً يكرهانه، مع قدرته على فعل المحبوب وترك المكروه، كان في إيمانه خلل ونقص، عليه أن يسعى لإصلاحه وتداركه، وكانت محبته دعوى تحتاج إلى بينة.
الاحتكام إلى شرع الله عز وجل والرضا بحكمه: من لوازم الإيمان أن يحتكم المسلم إلى شرع الله عز وجل في خصوماته وقضاياه، ولا يعدل عنه إلى سواه.
النموذج المثالي: لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج المثالي في صدق محبتهم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحبهم ما يرضيهما وبغضهم ما يسخطهما، وتقديم محبتهما على كل شيء، وتكييف أهوائهم تبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بذلوا في سبيل ذلك نفوسهم وأرواحهم وأموالهم، وقاتلوا عليه آباءهم، وهجروا أزواجهم وعشيرتهم وأوطانهم، لأنهم كانوا أعرف بحقه وأدرك لفضله صلى الله عليه وسلم.
حلاوة الإيمان: للإيمان أثر في النفوس، وطعم في القلوب، أطيب لدى المؤمنين من الماء العذب البارد على الظمأ، وأحلى من طعم العسل بعد طول مرارة المذاق. وهذه المحبة وذاك الطيب، لا يشعر بهما ولا يجد لذتهما إلا من استكمل إيمانه، وصدقت محبته لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأثمرت في جوانب نفسه، فأصبح لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله. روى البخاري ومسلم: عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر _ بعد أن أنقذه الله منه _ كما يكره أن يلقى في النار". حلاوة الإيمان: معناها اللذة في الطاعة.
ما يستفاد من الحديث
أنه يجب على المسلم أن يعرض عمله على الكتاب والسنة، ويسعى لأن يكون موافقاً لهما.
من صَدَّق شرع الله تعالى بقلبه وأقر بلسانه وخالف بفعله فهو فاسق، ومن وافق بفعله وخالف في اعتقاده وفكره فهو منافق، ومن لبس لكل موقف لَبُوسه فهو زنديق مارق.
من لوازم الإيمان نصرة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عن شريعته.
التقويم :
-
" المسلم إنسان متكامل ، والإيمان يجب أن يملأ عليه كيانه كله " وضح ذلك فى ضوء فهمك للحديث .
-
اشرح حقيقة الهوى وأنواعه .
-
وضح خطورة إتباع الهوى .
-
بين وجوب محبة الله ورسوله ودليل هذه المحبة .
-
هل استشعرت فى نفسك آثار محبة الله ورسوله ( آثار أن يكون هواك مع الله ورسوله ) ؟ أذكر مثالاً عملياً عشته شخصياً .
-
قوِّم مدى تحققك بما ورد فى الحديث من توجيه ( أن يكون هواك وفقاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . )
الحلقة
الثامنة
عشر
الحلقة الثامنة عشر
الدرس الأول :
سعةُ مَغْفِرة اللِه عَزَّ وجَل
|
عن أنسٍ رضي اللهُ عنه قال : سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول:"قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَني ورجَوْتَني غَفَرْتُ لَكَ على ما كانَ مِنْكَ ولا أُبالي . يا ابنَ آدَمَ، لَوْ بلغت ذنوبُك عَنَان السماء، ثم استغفرتني غَفَرْتُ لكَ. يا ابن آدَمَ، إنَّك لَو أَتَيْتَني بقُرَاب اْلأَرْضِ خَطَايا، ثُمَّ لَقِيَتني لا تُشْرِكُ بي شَيْئاً، لأتَيْتُكَ بقُرَابِها مَغْفِرَةً". رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. |
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس كيف أن هذا الحديث الشريف أرجى حديث فى السنة .
-
أن يذكر الدارس أسباب مغفرة الذنوب .
-
أن يبين الدارس شرائط إجابة الدعاء .
-
أن يذكر الدارس آداب الدعاء .
-
أن يحرص الدارس على أسباب مغفرة الذنوب .
-
أن يلتزم الدارس بآداب الدعاء .
-
أن يحرص الدارس على الاستغفار مهما عظمت ذنوبه .
-
أن يكثر الدارس من الاستغفار .
-
أن يبين الدارس ثمار الاستغفار .
-
أن يوضح الدارس أن التوحيد الخالص أساس المغفرة .
مفردات الحديث:
"ما دعوتني": ما دمت تسألني مغفرة ذنوبك وغيرها.
"رجوتني": خفت من عقوبتي ورجوت مغفرتي، وطمعت في رحمتي، وخشيت من عظمتي.
"على ما كان منك" : مع ما وقع منك من الذنوب الكثيرة، الصغيرة والكبيرة.
و "لا أبالي": أي لا تعظم كثرتها عَلَيَّ.
"بلغت": وصلت من كثرة كميتها، أو من عظمة كيفيتها.
"عنان": هو السحاب، وقيل ما انتهى إليه البصر منها.
"استغفرتني": طلبت مني المغفرة.
"قراب الأرض": ملؤها، أو ما يقارب ملأها.
"لقيتني": أي مت ولقيتني يوم القيامة.
"لا تشرك بي شيئاً": اعتقاداً ولا عملاً، أي تعتقد أنه لا شريك لي في ملكي ولا ولد لي ولا والد، ولا تعمل عملاً تبتغي به غيري.
"مغفرة": هي إزالة العقاب وإيصال الثواب.
المعنى العام:
هذا الحديث أرجى حديث في السنة، لما فيه من بيان كثرة مغفرته تعالى، لئلا ييأس المذنبون منها بكثرة الخطايا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يغتر به فينهمك في المعاصي : فربما استولت عليه، وحالت بينه وبين مغفرة الله عز وجل. وإليك بيان ما فيه:
أسباب المغفرة:
الدعاء مع رجاء الإجابة: الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 6.]، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن الدعاء هو العبادة. رواه الترمذي.
أخرج الطبراني مرفوعاً: "من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، لأن الله تعالى يقول: ادعوني أستجب لكم".
شرائط الإجابة وموانعها وآدابها: الدعاء سبب مقتض للإجابة عند استكمال شرائطه وانتفاء موانعه، وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو آدابه، أو وجود بعض موانعه:
الحضور والرجاء: ومن أعظم شرائطه حضور القلب مع رجاء الإجابة من الله تعالى.
أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهٍ".
العزم في المسألة والدعاء: أي أن يدعو العبد بصدق وحزم وإبرام، ولا يكون تردد في قلبه أو قوله، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول الداعي أو المستغفر في دعائه واستغفاره: "اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم في الدعاء، فإن الله صانعٌ ما شاء لا مُكْرِه له". رواه مسلم.
الإلحاح في الدعاء: إن الله تعالى يحب من عبده أن يعلن عبوديته له وحاجته إليه حتى يستجيب له ويلبي سؤله، فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمع في الإجابة، من غير قطع الرجاء، فهو قريب من الإجابة، ومن قرع الباب يوشك أن يُفْتَح له.
الاستعجال وترك الدعاء: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم العبد أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجعل ذلك من موانع الإجابة، حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت ربي فلم يُسْتَجَب لي" متفق عليه.
الرزق الحلال: إن من أهم أسباب استجابة الدعاء أن يكون رزق الإنسان حلالاً، ومن طريق مشروع، ومن موانع الاستجابة أن لا يبالي الإنسان برزقه: أمن حلال أو حرام. ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: "الرجل يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" رواه مسلم. وقال: "يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة". رواه الطبراني في "الصغير".
صرف طلب العبد إلى ما فيه خيره: من رحمة الله تعالى بعبده أن العبد قد يدعوه بحاجة من حوائج الدنيا، فإما أن يستجيب له أو يعوضه خيراً منها : بأن يصرف عنه بذلك سوءاً، أو يدخرها له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنباً. روى أحمد والترمذي، من حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم" . وفي المسند عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها". قالوا: إذاً نكثر ؟ قال: "الله أكثر". وعند الطبراني: "أو يغفر له بها ذنباً قد سلف" بدل قوله: "أو يكشف عنه عن السوء مثلها".
من آداب الدعاء: تحري الأوقات الفاضلة. _ تقديم الوضوء والصلاة . _ التوبة. _ استقبال القبلة ورفع الأيدي. _ افتتاحه بالحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. _جعل الصلاة في وسطه وختمه بها وبآمين. _لا يخص نفسه بالدعاء بل يعم. _يحسن الظن بالله ويرجو منه الإجابة. _ الاعتراف بالذنب. _ خفض الصوت.
الاستغفار مهما عظمت الذنوب: إن ذنوب العبد مهما عظمت فإن عفو الله تعالى ومغفرته أوسع منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله تعالى ومغفرته. أخرج الحاكم، عن جابر رضي الله عنه: "أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: واذنوباه، مرتين أو ثلاثاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل: اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي، فقالها، ثم قال به: عد، فعاد، ثم قال له: عد، فعاد، فقال له : قم، قد غفر الله لك".
الاستغفار وعدم والإصرار: في الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عبداً أذنب فقال: رب أذنبت ذنباً فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر ... فذكر مثل الأول مرتين أخرين". وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة: "قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء". والمعنى: ما دام على هذا الحال، كلما أذنب استغفر. والظاهر: أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار، فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار.
وأما الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه وإن شاء رده، وقد يرجى له الإجابة، ولا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب، أو صادف ساعة من ساعات الإجابة، كالأسحار وعقب الأذان والصلوات المفروضة ونحو ذلك. وقد يكون الإصرار مانعاً من الإجابة، ففي المسند من حديث عبد الله مرفوعاً : "ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون".
توبة الكذابين: من قال: أستغفر الله وأتوب إليه، وهو مصر بقلبه على المعصية، فهو كاذب في قوله، آثم في فعله لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب، والأشبه بحاله أن يقول : اللهم إني أستغفرك فتب علي.
الإكثار من الاستغفار: في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
سيد الاستغفار: يستحب أن يزيد في الاستغفار على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه، توبة من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
روى البخاري عن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
الاستغفار لما جهله من الذنوب: من كثرت ذنوبه وسيئاته وغفل عن كثير منها، حتى فاقت العدد والإحصاء، فليستغفر الله عز وجل مما علمه الله تعالى من ذنبه، روى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب".
من ثمرات الاستغفار: في سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب".
الخوف والرجاء: ولا بد لتحقيق الرجاء من الخوف، فيجب على الشخص أن يجمع بينهما ليسلم، ولا يقتصر على أحدهما دون الآخر، لأنه ربما يفضي الرجاء إلى المكر والخوف إلى القنوط، وكل منهما مذموم.
والمختار عند المالكية تغليب الخوف إن كان صحيحاً والرجاء إن كان مريضاً، والراجح عند الشافعية استواؤهما في حق الصحيح : بأن ينظر تارة إلى عيوب نفسه فيخاف، وتارة ينظر إلى كرم الله تعالى فيرجو. وأما المريض : فيكون رجاؤه أغلب من خوفه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله تعالى".
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه في مرض موته:
ولما قَسَا قَلبي وضاقتْ مذاهبي جعلتُ الرَّجَا مني لعفوِك سُلَّمَا
تَعاظَمنَي ذنبي فلمَّا قرنتُــه بعفوِكَ ربِّي كانَ عفوك أعظمَا
ولعل هذه هي الحكمة في ختم هذه الأحاديث المختارة بهذا الحديث وزيادته على الأربعين.
التوحيد أساس المغفرة: من أسباب المغفرة التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء : 116]. وإن الذنوب لتتصاغر أمام نور توحيد الله عز وجل، فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله عز وجل بقرابها مغفرة، على أنه موكول إلى مشيئة الله تعالى وفضله: فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه.
النجاة من النار : إذا كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها، بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية. قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "أتدري ما حق الله على العباد ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حقهم عليه ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم" رواه البخاري وغيره. وفي المسند وغيره: عن أم هانئ رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنباً ولا يسبقها عمل".
التوحيد الخالص : من تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله تعالى، محبة وتعظيماً، وإجلالاً ومهابة، وخشية ورجاء وتوكلاً، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات وأحرق نور محبته لربه كل الأغيار من قلبه: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما" رواه البخاري وغيره. ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة الله عز وجل.
التقويم :
-
بين كيف أن هذا الحديث الشريف أرجى حديث فى السنة .
-
أذكر أسباب مغفرة الذنوب .
-
بين شرائط إجابة الدعاء .
-
أذكر آداب الدعاء .
-
هل تحرص على أسباب مغفرة الذنوب ؟ أذكر موقف عملي عشته فى هذا الشأن .
-
هل تلتزم بآداب الدعاء ؟ عبر عما تستشعره في نفسك عند التزامك بهذه الآداب .
-
هل تحرص على الاستغفار مهما عظمت ذنوبك ؟ أذكر موقف عملي .
-
هل تكثر من الاستغفار ؟ ( أذكر ورد الاستغفار الذى تحافظ عليه ) .
-
بين ثمار الاستغفار – وهل استشعرت فى نفسك شيئاً من هذه الثمار .. عبر عن ذلك إن وجد .
-
" التوحيد الخالص أساس المغفرة " وضح ذلك .
المصادر :
1- الوافي فى شرح الأربعين النووية د/ مصطفى البُغَا دار ابن كثير دمشق بيروت .
2- شرح متن الأربعين النووية للإمام النووي دار التوزيع والنشر الإسلامية .
3- الأربعون النووية وشرحها للإمام محي الدين أبي زكريا يحي بن شرف النووي الأندلس للنشر والتوزيع
الحلقة
التاسعة
عشر
الحلقة التاسعة عشر
السيرة النبوية الشريفة
السنة الثامنــــة
- الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يعدد الدارس السرايا التى أرسلها النبي عليه السلام فى العام الثامن من الهجرة .
-
أن يستخلص الدارس الدورس المستفادة من أحداث سرايا النبي عليه السلام فى العام الثامن من الهجرة .
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح
وفي صفر أرسل عليه السلام غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح وهم قوم من العرب يسكنون بالكديد (2) فسار القوم حتى إذا كانوا بقديد التقوا بالحارث بن مالك الليثي المعروف بابن البرصاء وكان خصماً لدوداً فأسره ، فقال لهم : ما جئت إلا للإسلام ، فقالوا له أن تكن مسلماً لن يضرك رباط ليلة وإلا استوثقنا منك .
ثم ساروا حتى وصلوا محلة بني الملوح فاستاقوا النعم والشاء وخرج الصريخ إلى القوم ، فجاءهم ما لا قبل لهم به ، ولكن منّ الله على المسلمين فأرسل سيلاً شديداً حال بينهم وبين عدوهم حتى صار المشركون يرون نعمهم تساق وهم لا يقدرن على ردها .
سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني مرة بفدك
ولما رجع غالب إلى المدينة ظافراً أرسله عليه السلام في مائتي رجل ليقتص من بني مرة بفدك وهم الذين أصابوا سرية بشير بن سعد ، فساروا حتى إذا كانوا قريباً من القوم خطب غالب فيمن معه فقال بعد أن حمد الله وأثنى عيه : ( أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمراً فإنه لا رأي لمن لا يطاع ) ثم آخى بين الجند فقال يا فلان أنت وفلان ، ويا فلان أنت وفلان ، لا يفارق أحد منكم زميله ، وإياكم أن يرجع الرجل منكم فأقول له : أين صاحبك ؟ فيقول : لا أدري ، فإذا كبرت فكبروا ، فلما أحاطوا بالعدو وكبّر كبروا وجردوا السيوف ، فلم يفلت من عدوهم أحد ، واستاقوا نعمهم فكان لكل واحد من الغزاة عشرة أبعرة .
سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح
وفي ربيع الأول أرسل عليه السلام كعب بن عميرالغفاري إلى ذات أطلاح من أرض الشام في خمسة عشر رجلاً ، فوجدوا جمعاً كثيراً فدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا ، وقاتلوا وكانوا أكثر عدداً فاستشهد المسلمون عن آخرهم إلا رئيسهم كعب بن عمير فإنه نجا وأتى بالخبر إلى رسول الله فشق عليه وأراد أن يبعث إليهم من يقص منهم فبلغه أنهم تحولوا من منزلهم فعدل عن ذلك .
غزوة مؤتة
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس سبب معركة مؤتة .
-
أن يذكر الدارس وصية النبي عليه السلام لجيش مؤتة .
-
أن يصف الدارس مدى شجاعة و إقدام الصحابه مستشهدا بيوم مؤتة .
-
أن يبرهن الدارس نبوغ خالد بن الوليد العسكري مستدلا بخطته يوم مؤتة .
-
أن يصف الدارس حال النبي عليه السلام أثناء معركة مؤتة .
جهز عليه السلام في جمادى الأولى جيشاً للقصاص ممن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسوله إلى أمير بصرى ، وأمّر عليهم زيد بن حارثة وقال لهم : إن أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة ، وكان عدّة الجيش ثلاثة آلاف فساروا وشيعهم عليه السلام ، وكان فيما وصّاهم به ( اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام ، وستجدون فيها رجالاً في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم ، ولا تقتلوا امرأة ولا صغيراً ولا بصيراً فانياً ، ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناء ) .
ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا مؤتة مقتل الحارث بن عمير ، وهناك وجدوا الروم قد جمعوا له جمعاً عظيماً منهم من العرب المتنصرة ، فتفاوض رجال الجيش فيما يفعلونه : أيرسلون لرسول الله يطلبون منه مدداً أم يقدمون على الحرب ؟؟ .
فقال عبد الله بن رواحة : يا قوم الله إن الذي تكرهون هو ما خرجتم له ، خرجتم تطلبون الشهادة نحن ما نقاتل بقلة ولا بكثرة ، ما نقاتل إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فإنما هي إحدى الحسنين إما الظهور وإما الشهادة .
فقال الناس : صدق والله ابن رواحة ومضوا للقتال ، فلقوا هذه الجموع المتكاثرة ، فقاتل زيد بن حارثة رضي الله عنه حتى استشهد ، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وهو يقول :
|
يا حبذا الجنة واقترابها |
طيبة وبارد شرابها
|
على إذ لاقيتها ضرابها
ولم يزل يقاتل حتى استشهد رضي الله عنه ، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم ثم تردد بعض التردد فقال يخاطب نفسه .
|
أقسمت يا نفس لتنزلنه |
طائعة أو لتكرهنه |
ثم اقتحم بفرسه المعمعة ولم يزل يقاتل رضي الله عنه حتى استشهد .
فهمَّ بعض المسلمين بالرجوع إلى الوراء ، فقال لهم عقبة بن عامر يا قوم : يقتل الإنسان مقبلاً خيراً من أن يقتل مدبراً فتراجعوا ، واصطلحوا على رجل منكم ، واتفقوا على تأمير الشهم الباسل خالد بن الوليد ، وبهمته ومهارته الحربية حمى هذا الجيش من الضياع إذ ما تفعل ثلاثة آلاف بمائة وخمسين ألفاً ، فإنه لمّا أخذ الراية قاتل يومه قتالاً شديداً ، وفي غده خالف العسكر فجعل الساقة مقدمة والمقدمة ساقة والميمنة ميسرة والميسرة ميمنة .
فظن الروم أن المدد جاء للمسلمين فرعبوا . ثم أخذ خالد الجيش وصار يرجع إلى الوراء حتى انحاز إلى مؤتة ثم مكث يناوش الأعداء سبعة أيام ثم تحاجز الفريقان لأن الكفار ظنوا أن الأمداد تتوالى للمسلمين وخافوا أن يجروهم إلى وسط الصحاري حيث لا يمكنهم التخلص وبذلك انقطع القتال .
وقد نعى النبي عليه السلام زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وكانت عينا رسول الله تذرفان ، ثم قال : حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم .
وجاءه رجال فقال : يا رسول الله إن نساء جعفر يبكين ، فأمره أن ينهاهن فذهب الرجل ثم أتى فقال : قد نهيتهن فلم يطعن ! فأمره فذهب ثانياً ثم جاء فقال : والله غلبنا ، فقال له عليه السلام : أحث في أفواههن التراب .
ولما أقبل الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون يقولون لهم يا فرار ، فقال عليه السلام بل هم الكرار ! ظن المقيمون بالمدينة إن انحياز خالد بالجيش هزيمة ، ولكن رسول الله عليه السلام أراهم أن ذلك من مكايد الحرب وأثنى على خالد في مهارته .
نتائج معركة مؤتة :
-
كانت معركة " مؤتة " معركة استطلاعية عرّفت المسلمين كثيراً من خصائص قوات الروم وأساليب قتالهم فاستفادوا من هذه المعلومات للمعارك المقبلة .
-
تعتبر معركة " مؤتة التجربة الأولى " لخالد بن الوليد " بعد إسلامه ، فأثبت أن القيادة العسكرية المسلمة قادرة على رسم الخطط ، وتنفيذها بنجاح ، وخطةُ انسحاب خالد أذهلت كبار قواد الروم بعد ذلك ، مما جعل الروم يحسبون ألف حساب للمسلمين .
-
مقابلة ثلاثة آلاف مسلم لمئتي ألف من الروم ، من الأدلة على أنهم لم يقاتلوا إلا لمبدأ سام ، ولهذا انتشر خبرُ مقاتلة المسلمين للروم بين القبائل المجاورة للشام ، مما ساعد على نشر الإسلام .
-
استطاع خالد بن الوليد أن يُنقذ الجيش الإسلامي ـ بخدعته وبراعة تخطيطه ـ من الإبادة ، فقد كانت المعركة غير متكافئة تماماً إذ كانت نسبة المسلمين إلى الروم نسبة واحد إلى سبعين تقريباً .
عِبَرِهــا :
-
إن المسلمين لا يقاتلون عدواً بعدد ، ولكنهم يقاتلون عدوَّهم بإيمانهم الصادق ، ورغبتهم في الشهادة والموت في سبيل الله .
-
حرص المسلمون على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، فلا يتقدم للقيادة إلا من هو أهلُ لها
-
إن الخبرة العسكرية بفنون الحرب لا تقل أهمية عن الأعداد الكبيرة .
-
إن الإنسحاب في بعض الأحيان قد يكون نصراً ، وبخاصة إذا أنقذ الجيش من هلاك مُحقق .
-
على المسلم أن ينصح أخاه بالثبات عند نزول المحن .
-
القائد المسلم يتأثر بفقدان أحد جنوده ، وهذا هو التلاحم الفعلي بين القائد وجنوده.
سرية عمرو بن العاص إلى قضاعة في وادي القرى
وفي جمادى الآخرة بلغه عليه السلام أن جمعاً من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء القرى ليغيروا على المدينة ، فأرسل لهم عمرو بن العاص في ثلاثمائة رجل من سراة المهاجرين ، ثم أمده بأبي عبيدة بن الجراح في مائتين من المهاجرين فيهم أبو بكر وعمر ، فلحقوا عمراً قبل أن يصل إلى القوم .
وقد أراد رجال من الجيش إيقاد نار فمنعهم عمرو ، فأنكر عمر بن الخطاب ، فقال أبو بكر : إنما بعثه رسول الله علينا رئيساً لمعرفته بالحرب أكثر منا فلا تعصه فامتثل .
ولما حلوا بساحة القوم حملوا عليهم ، فلم يكن أكثر من ساعة حتى تفرق الأعداء منهزمين ، فجمعوا غنائمهم وأرادوا اتّباع أثرهم فمنعهم قائدهم ، ثم رجعوا إلى المدينة ظافرين .
وبينما هم في الطريق أدركت عمرو بن العاص جنابة في ليلة باردة فلما أصبح قال : إن أنا اغتسلت هلكت والله يقول : ( ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ) (البقرة 159) ثم تيمم وصلى .
ثم أمر بالسير حتى إذا وصلوا المدينة قام رسول الله عليه السلام يسأل عن أنباء سفرهم كما هي عادته فأخبروه بما نقموه من عمرو بن العاص من نهيهم عن إيقاد النار ونهيهم عن اتباع العدو وصلاته جنباً ، فسأله عليه السلام عن ذلك فقال : منعتهم من إيقاد النار لئلا يرى العدو قلتهم فيطمع فيهم ، ونهيتهم عن اتباع العدو لئلا يكون له كمين ، وصليت جنباً لأن الله يقول : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وإن أنا اغتسلت هلكت فتبسم عليه السلام وأثنى على عمرو خيراً .
سرية أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى ساحل البحر لغزو قبيلة جهينة
وفي رجب أرسل عليه السلام أبا عبيدة عامر بن الجراح في ثلاثمائة فارس لغزو قبيلة جهينة التي تسكن ساحل البحر وزود عليه السلام هذا الجيش جراباً من التمر ، فساروا حتى إذا وصلوا الساحل أقاموا فيه نحو نصف شهر ينتظرون العدو وقد فنى زادهم حتى أكلوا الخبط ( وهو ورق السَّمُر ) يبلونه بالماء ويأكلونه إلى أن تقرحت أشداقهم .
وكان في القوم الكريم ابن الكريم قيس بن عبادة فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم جزور ، وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر ، فنهاه رئيسه أبو عبيدة ، لأن قيساً كان أخد تلك الجزر بدين على أبيه ، فخاف أبو عبيدة أن لا يفي له أبوه بما استدان ، فقال قيس : أترى سعداً يقضي ديون الناس ويطعم في المجاعة ولا يقضي ديناً استدنته لقوم مجاهدين في سبيل الله .
ولما يئسوا من لقاء عدوهم رجعوا إلى المدينة ، فقال قيس بن سعد لأبيه كنت في الجيش فجاعوا قال : انحر قال نحرت قال : ثم جاعوا قال : انحر . قال : نحرت ، قال : ثم جاعوا ، قال : انحر . قال نحرت قال : ثم جاعوا قال : انحر قال : نُهيت .
التقويم:
1-اختر الإجابة الصحيحة : وضع عليها علامة () فيما يأتي :
-
كانت معركة " مؤتة بين " ( المسلمين والفرس ـ المسلمين والروم ـ المسلمين والأحابيش ) .
-
عند وصول الجيش الإسلامي إلى الشام عسكر في: (مشارف ـ مؤتة ـ معان ـ الكرك ) .
(ج) كان عدد الروم قبل انضمام القبائل العربية إليه ( مئة ألف ـ مئتي ألف ـ ثلاثمئة ألف ) .
2-حدد من الغزوة ما يدل على الحقائق التالية :
-
المجاهد المسلم يقاتل حتى آخر رمق من حياته .
-
يجب النظر للمصلحة العليا دون المصلحة الشخصية .
-
الخبرة العسكرية لها دور في تغيير مسار المعركة .
3-علل لما يأتي :
-
تشاور المسلمين في قرية " معان "
-
جميع الطعنات التي أصيب بها جعفر بن أبي طالب كانت من الأمام .
(د) شكَّل خالد بن الوليد مؤخرة قوية للجيش الإسلامي .
4-أكمل ما يأتي :
(أ)عيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من القادة لمعركة " مؤتة " وهم على التوالي : . . . . . . .و. . . . . . . . . . و . . . . . . . . . .
(ج) كانت معركة مؤتة في شهر . . . . . . . . . .من السنة . . . . . . . . . للهجرة
(د) كان مع هرقل . . . . . . . مقاتل ، وانضم إليه . . . . . . . . وهم من القبائل العربية المجاورة .
5- ضع المناسب من علامة ( ) أو علامة () أمام العبارات الأتية :
-
من أسباب معركة مؤتة قتل قيصر للصحابي الجليل " الحارث بن عمير الأزدي.
(ب) كان عدد الجيش الإسلامي ثلاثة آلاف مجاهد مقابل ثلاثمئة ألف من الروم .
(ج) تشاور المسلمون في مؤتة بسبب قلة العدد .
(د) خالد بن الوليد هو الذي أشار بمواجهة ا لروم .
(هـ) يعتبر خالد منهزماً عندما انسحب بالجيش .
6- لغزوة مؤتة عدة نتائج اذكر ثلاثاً منها .
7- من قائل هذه العبارات وما المناسبة التي قيلت فيها :
|
المناسبة |
القائل |
العبارة |
|
|
|
- فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين |
|
|
|
- يا قوم إن الذين تكرهون هو ما خرجتم تطلبون ( الشهادة ) . |
|
|
|
- يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌُ شرابها - أقسمت يا نفس لتنزلنّ لتنزلن أو لتكرهنّ |
|
|
|
- يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم |
8- هناك عبر في غزوة مؤتة . اذكر ثلاثاً منها .
-
عدد السرايا التى أرسلها النبي عليه السلام فى العام الثامن من الهجرة .
-
استخلص الدروس المستفادة من أحداث هذه السرايا .
الحلقة
العشرون
الحلقة العشرون
السيرة النبوية الشريفة
فتح مكة
الأهداف الإجرائية السلوكية:
-
أن يبين الدارس كيف هيأ الله الأسباب لفتح مكة .
-
أن يبدي الدارس مشاعره تجاه عفو النبي عليه السلام عن مشركي مكة .
-
أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من تصرف النبي عليه السلام مع جماعة من عظمت ذنوبهم وآذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى .
-
أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من غزوة الفتح الأعظم .
-
أن يعدد الدارس بنود بيعة النساء .
-
أن يذكر الدارس كيف تمّ هدم الأصنام في الكعبة وخارجها .
غزوة الفتح الأعظم
إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه وأزال موانعه فقد كان عليه السلام يعلم أنه لا تذل العرب حتى تذل قريش ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكة ، فكان يتشوق لفتحها ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشاً في الحديبية وهو سيد من وفى ، ولكن إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه .
فقد علمت أن قبيلة خزاعة دخلت في عهد رسول الله وقبيلة بكر دخلت في عهد قريش ، وكان بين خزاعة وبكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور الإسلام ، فلما حصلت الهدنة وقف رجل من بكر يتغنى بهجاء رسول الله عليه السلام على مسمعٍ من رجل خزاعى ، فقام هذا وضربه فحرك ذلك كامن الأحقاد وتذكر بنو بكر ثأرهم ، فشدوا العزيمة لحرب خصومهم واستعانوا بأوليائهم من قريش ، فأعانوهم سراً بالعدة والرجال ثم توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون فقتلوا منهم ما يربو على العشرين .
ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفداً برياسة عمرو بن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله بما فعل بهم بنو بكر وقريش ، فلما حلّوا بين يديه وأخبروه الخبر قال : والله لأمنعنكم مما أمنع نفسي منه .
أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوه نقض للعهود التي اتخذت عليهم ، ندموا على ما فعلوا وأرادوا مداواة هذا الجرح ، فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليشدّ العقد ويزيد في المدة ، فركب راحلته وهو يظن أنه لم يسبقه أحد حتى إذا جاء المدينة نزل على أم المؤمنين أم حبيبة بنته وقد أراد أن يجلس على فراش رسول الله فطوته عنه ، فقال يا بنية : أرغبت به عني أم رغبت بي عنه ؟ فقالت : ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس ، فقال لقد أصابك بعدي شر .
ثم خرج من عندها وأتى النبي في المسجد وعرض عليه ما جاء له ، فقال له عليه السلام : هل كان من حدث ؟ قال : لا ، فقال عليه السلام : فنحن على مدتنا وصلحنا ، ولم يزد عن ذلك .
فقام أبو سفيان ومشى إلى كبائر المهاجرين من قريش علهم يساعدونه على مقصده ، فلم يجد منهم معيناً وكلهم قالوا : جوارنا في جوار رسول الله ، فرجع إلى قومه ولم يصنع شيئاً ، فاتهموه بأنه خانهم واتبع الإسلام ، فتنسك عند الأوثان لينفي عن نفسه هذه التهمة .
أما رسول الله عليه السلام فتجهز للسفر وأمر أصحابه بذلك ، وأخبر الصديق بالوجهة فقال له : يا رسول الله أوليس بينك وبين قريش عهد ؟ قال : نعم ولكن غدروا ونقضوا .
ثم استنفر عليه السلام الأعراب الذين حول المدينة وقال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة ، فقدم جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وطوى عليه السلام الأخبار عن الجيش كيلا يشيع الأمر فتعلم قريش فتستعد للحرب ، والرسول عليه السلام لا يريد أن يقيم حرباً بمكة بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها ، فدعا مولاه جل ذكره وقال : ( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلدها ) .
فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدراً وكتب كتاباً لقريش يخبرهم بعض أمر رسول الله عليه السلام وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على عجل ، فأعلم الله رسوله ذلك ، فأرسل في أثرها علياً والزبير والمقداد ، وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها ، فانطلقوا حتى أتوا الروضة فوجدوا بها المرأة فقالوا لها : أخرجي الكتاب ، قالت : ما معي كتاب ! فقالوا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها ، فأتوا به رسول الله عليه السلام فقال عليه السلام : يا حاطب ماهذا ؟ قال : يا رسول الله لا تعجل علىّ ، إني كنت حليفاً لقريش ولم أكن من أنفسها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضاءً بالكفر بعد الإسلام .
فقال عليه السلام : أما أنه قد صدقكم .
فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال : إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطّلع على من شهد بدراً ، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
وفي ذلك أنزل الله سورة الممتحنة ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة أنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل )(سورة الممتحنة 1)
ثم سار عليه السلام بهذا الجيش العظيم في منتصف رمضان بعد أن ولّى على المدينة بن أم مكتوم ، وكانت عدة الجيش عشرة آلاف مجاهد ، ولما وصل الأبواء لقيه اثنان كانا من أشد أعدائه وهما ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شقيق عبيدة بن الحارث شهيد بدر ، وصهره عبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة شقيق زوجه أم سلمة ، وكانا يريدان الإسلام فقبلهما عليه السلام وفرح بهما شديد الفرح وقال : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) (يوسف 92) .
ولما وصل عليه السلام الكديد رأي أن الصوم شق على المسلمين فأمرهم بالفطر وأفطر هو أيضاً ، وقد قابل عليه السلام في الطريق العباس بن عبد المطلب مهاجراً بأهله وعياله فأمره أن يعود إلى مكة ويرسل عياله إلى المدينة . ولما وصل عليه السلام مرّ الظهران أمر بإيقاد عشرة آلاف نار ، وكان قريش قد بلغهم أن محمداً زاحف بجيش عظيم لا تدري وجهته ، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان : ما هذه لكأنها نيران عرفة ، فقال بديل بن ورقاء : نيران بني عمرو ، فقال أبو سفيان : بنو عمرو أقل من ذلك .
فرآهم ناس من حرس رسول الله فأدركوهم ، فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله فأسلم أبو سفيان ، فلما سار قال للعباس : أحبس أبا سفيان عند خَطْم الجبل حتى ينظر المسلمين ، فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان ، وهو يسأل عنها ويقول ما لي ولها ، حتى إذا مرت به قبيلة الأنصار وحامل رايتها سعد بن عبادة فقال سعد : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة ، فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذِّمار ( الهلاك).
ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيها رسول الله وأصحابه وحامل الراية الزبير بن العوام فأخبر أبو سفيان رسول الله بمقالة سعد ، فقال عليه السلام : كذب سعد ولكن هذا يوم يعظِّم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة ، ثم أمر عليه السلام أن تركز رايته بالحجون (اسم جبل)
وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكة من كدي (اسم جبل) ودخل هو من أعلاها من كداء ، ونادى مناديه : من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن .
وهذه أعظم منّة له ، واستثنى من ذلك جماعة عظمت ذنوبهم وآذوا الإسلام وأهله عظيم الأذى فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة ، منهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي أسلم وكتب لرسول الله الوحي ثم ارتد وافترى الكذب على الأمين المأمون ، فكان يقول : إن محمداً كان يأمرني أن أكتب عليم حكيم فأكتب غفور رحيم ، فيقول كل جيد ومنهم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وهبار بن الأسود والحارث بن هشام ، وزهير بن أبي أمية ، وكعب بن زهير ووحشي قاتل حمزة وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان وقليل غيرهم ، ونهى عن قتل واحد سوى هؤلاء إلا من قاتل .
فأما جيش خالد بن الوليد فقابله الذعر من قريش يريدون صدّه فقاتلهم وقتل منهم أربعة وعشرين وقتل من جيشه اثنان ودخلها عنوة من هذه الجهة .
وأما جيش رسول الله عليه السلام فلم يصادف مانعاً وهو عليه السلام راكب راحلته منحن على الرحل تواضعاً الله وشكراً له على هذه النعمة حتى تكاد جبهته تمس الرحل ، وأسامة بن زيد رديفه وكان ذلك صبح يوم الجمعة لعشرين خلت من رمضان حتى وصل إلى الحجون موضع رايته ، وقد نصبت له هناك قبة فيها أم سلمة وميمونة ، فاستراح قليلاً ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثة وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت وطاف سبعاً على راحلته واستلم الحجر بمحجنه ، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائة وستون صنماً ، فجعل عليه السلام يطعنها بعود في يده يقول : جاء الحق وزهق الباطل ، وما يبدئ الباطل وما يعيد ، ثم أمر بها فأخرجت من البيت وفيها صورة إسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام فقال عليه السلام : قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط !!
وهذا أول يوم طهرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة ، وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها وحاضرها من هذه الأدناس سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلاً . ويوشك أن نذكر للقارئ اختفاء آثارها ومحو عبادتها بالكلية .
العفو عند المقدرة
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وكبّر في نواحيها ، ثم خرج إلى مقام إبراهيم وصلى فيه ثم شرب من زمزم وجلس في المسجد والناس حوله والعيون شاخصة إليه ينتظرون ما هو فاعل بمشركي قريش الذين آذوه وأخرجوه من بلاده وقاتلوه ، ولكن هنا تظهر مكارم الأخلاق التي يلزم أن يتعلم منها المسلم أن يكون رضاه وغضبه لله لا لهوى النفس ، فقال عليه السلام : يا معشر قريش ما تظنون أنّي فاعلُ بكم ؟ قالوا : خيراً أخُ كريمُ وابن أخٍ كريم ، فقال عليه السلام : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
ويرحم الله الإمام البوصيري حيث قال :
|
وإذا كان القطع والوصل لله |
تساوى التقريب والإقصاء |
ثم خطب عليه السلام خطبة أبان فيها كثيراً من الأحكام الإسلامية منها : أن لا يقتل مسلم بكافر ، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين ، ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها ، والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر ، ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم ، ولا صلاة بعد الصبح والعصر ، ولا يصام يوم الأضحى ويوم الفطر .
ثم قال : يامعشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، والناس من آدم وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (الحجرات 13) ثم شرع الناس يبايعون رسول الله عليه السلام على الإسلام ، وممن أسلم في هذا اليوم معاوية بن أبى سفيان وأبو قحافة والد الصدّيق و قد فرح الرسول كثيرا بإسلامه .
وجاء رجل يرتعد خوفاً فقال له عليه السلام : ( هون عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ) .
أما الذين أهدر رسول الله دمهم فقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فمنهم من حقت عليه كلمة العذاب فقتل ، ومنهم من أدركته عناية الله فأسلم . فعبد الله بن سعد بن أبي سرح لجأ إلى أخيه من الرضاع عثمان بن عفان طلب منه أن يستأمن له رسول الله فغيبه عثمان حتى هدأ الناس ثم أتى به النبي وقال : يا رسول الله قد أمنته فبايعه ، فأعرض عنه عليه السلام مراراً ثم بايعه ، فلما خرج عثمان وعبد الله قال عليه السلام : أعرضت عنه ليقوم إليه أحدكم فيضرب عنقه فقالوا : هلا أشرت إلينا ؟ فقال : لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين .
وأمّا عكرمة بن أبي جهل فهرب فخرجت وراءه زوجته وبنت عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام وكانت قد أسلمت قبل الفتح وقد أخذت له أماناً من رسول الله فلحقته وقد أراد أن يركب البحر فقالت : جئتك من عند أبر الناس وخيرهم لا تهلك نفسك وإني قد استأمنته لك ، فرجع ولما رآه عليه السلام وثب قائماً فرحاً به : مرحباً بمن جاءنا مهاجراً مسلماً ، ثم أسلم رضي الله عنه وطلب من رسول الله أن يستغفر له كل عداوة عاداه إياها فاستغفر له ، وكان رضي الله عنه بعد ذلك من خيرة المسلمين وأغيرهم على الإسلام .
وأما هبَّار بن الأسود فهرب واختفى حتى إذا كان رسول الله بالجعرانة جاءه مسلماً وقال : يا رسول الله هربت منك وأردت اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمّن جهل عليك ، وكنا يا رسول الله أهل شرك فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة فاصفح الصفح الجميل . فقال عليه السلام : قد عفوت عنك .
وأما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية المخزومي فأجارتهما أم هانئ بنت أبي طالب فأجاز عليه السلام جوارها .
ولما قابل رسول الله الحارث بن هشام مسلماً قال له : الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام وقد كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة .
وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال : يا نبي الله إن صفوان سيد قومه وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمنِّه فإنك قد أمنت الأحمر والأسود ، فقال عليه السلام : أدرك ابن عمك فهو آمن ، فقال : أعطني علامة فأعطاه عمامته فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له : فداك أبي وأمي جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس وخير الناس وهو ابن عمك وعزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك ، قال صفوان : إني أخاف على نفسي ، قال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، وأراه العمامة علامة الأمان فرجع إلى رسول الله ، وقال له : إن هذا يزعم أنك أمنتني ؟ قال : صدق ، قال : أمهلني بالخيار شهرين ، قال : أربعة أشهر ، ثم أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه .
وأما هند بنت عتبة فاختفت ثم أسلمت وجاءت إلى رسول الله فرحب بها وقالت له : والله يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحبّ إلى أن يذلوا من أهل خبائك ، ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أحبّ إلى أن يعزوا من أهل خبائك .
وفود كعب بن زهير
وأما كعب بن زهير فلما ضاقت به الأرض ولم يجد له مجيراً جاء المدينة بعد أن قدمها رسول الله من مكة فأسلم وأنشد قصيدته التي تقول فيها :
|
وقال كل صديق كنت آمله |
لا ألهينك إني عنك مشغول |
وقال فيها مادحاً :
|
إن الرسول لسيف يستضاء به |
مهند من سيوف الله المسلول |
وأما وحشي قاتل حمزة فكذلك أسلم وحسن إسلامه وقبله عليه الصلاة والسلام وقد جاءه ابنا أبي لهب عتبة ومعتب فأسلما وفرح بهما عليه السلام .
وكان من الذين اختفوا سهيل بن عمرو ، فاستأمن له ابنه عبد الله فأمنّه عليه السلام وقال : إن سهيلاً له عقل وشرف وما مثل سهيل يجهل الإسلام ، فلما بلغت هذه المقالة سهيلاً قال : كان والله براً صغيراً براً كبيراً ثم أسلم بعد ذلك .
بيعة النساء
هذا ، ولما تمت بيعة الرجال بايعه النساء وكن يبايعن على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصين الرسول في معروف .
ثم أمر عليه السلام بلالاً أن يؤذن على ظهر الكعبة ، وهذا بدء ظهور الإسلام على ظهر البيت الكريم ، فلا عجب أن أتخذ المسلمون هذا اليوم عيداً يحمدون فيه الله حق حمده على هذه النعمة الكبرى والنصر العظيم ، وأقام عليه السلام بمكة بعد فتحها تسعة عشر يوماً يقصر فيها الصلاة وولى عليها عتاب بن أسيد وجعل رزقه كل يوم درهماً ، فكان عتاب رضي الله عنه يقول : لا أشبع الله بطناً جاع على درهم كل يوم .
هدم العزى
وفي الخامس من مقامه عليه السلامة بمكة أرسل خالد بن الوليد في ثلاثين فارساً لهدم هيكل العزى وهي أكبر صنم لقريش وكان هيكلها ببطن نخلة فتوجه إليها خالد وهدمها .
هدم سواع
وأرسل عليه السلام عمرو بن العاص لهدم سواع وهو أعظم صنم لهذيل وهيكله على ثلاثة أميال من مكة فذهب إليه وهدمه .
هدم مناة
وبعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارساً لهدم مناة وهي صنم لكلب وخزاعة وهيكلها بالمُشلّلْ وهو جبل على ساحل البحر يهبط منه إلى قديد فتوجهوا إليها وهدموها .
نتائج الفتح الأعظم :
-
اندحرت قريش وقضي عليها وتبددت قوتها ، وأصيبت الوثنية بضربة قاصمة . فلا شك أنه بعد فتح مكة قضى على معقل الوثنية الحصين الذي كانت تنطلق منه الجيوش لحرب المسلمين ، وانمحى التضييق والحرج الذي كان يلاقيه المؤمنون من كفار مكة ومن سلطانهم على النفوس ، حيث كانت أيديهم مطلقة في قمع كل خارج على الوثنية في مكة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " فأصبحت مكة دار إسلام كالمدينة ؛ فلا فرار منها ولا خروج إلا نفرة للجهاد وإعزاز كلمة الله سبحانه .
-
كان فتح مكة تصفية للعناصر الفعالة في المجتمع الجاهلي حيث أسلموا وخضعوا طواعية ، بل عن حماسة للدين الجديد وانقلبوا له أنصاراً وحماة ودعاة ، فازداد بأس المسلمين قوة على قوة وإقداماً على إقدام .
-
كان هذا الفتح سبباً في توحد الجزيرة ، حيث سارع الناس في الدخول في الإسلام تبعاً لقريش واقتداء بسادتهم ، وزال خوف المستضعفين والمحبين للحق ، فأقدموا عليه سراعاً وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله : إذا جاء نصر الله والفتحُ * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (133) .
جعل فتح مكة دولة الإسلام دولة كبرى تضارع بجندها واستعدادها القوى الموجودة حينذاك على ظهر الأرض ، بل تفوقها عزيمة وشجاعة وإقداماً ولم يعد العرب تلك القبائل المتفرقة التي تخضع للأهواء والشهوات ، بل توحدت تحت قيادة راشدة حكيمة وسارت على دستور فيه الحق والخير والعدل الإلهي فسعدت وعزت .
دروس وعِبَر من الفتح :
1-عواقب الغدر وخيمة :
وَفيَ الرسول والمسلمون بعهودهم ، وما كان ينتظر منهم إلا ذلك ، وقد أمرهم دينهم بهذا فقال جل شأنه :
يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (134)
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم (135)
وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً (136) .
وخان المشركون وغدروا ومكروا ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وكان ذلك سبباً في عدم احترام عهدهم ومحاربتهم :
إن الله لا يُحب كل خوان كفور (137)
إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما (138) .
2-الكتمان والمباغتة من عوامل النصر:
حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخبر أحدا بخبر الغزو ، حتى يفجأ المشركين ، وذلك عنصر مهم من عناصر النصر على الأعداء ، لئلا يأخذ العدو حذره ويتخذ أسباب الاستعداد .
3-عمل المسلمون من وقت الهدنة في الحديبية :
فكثر جندهم وقوي استعدادهم إلى أن جاء وقت الفتح فكان النصر ، ولكن المشركين تناقص عددهم ، وفزعوا إلى أهوائهم وضعفوا ، فكانت الهزيمة لهم .
4-التخطيط والتنظيم يرهب العدو ويشل قدراته :
كان لتنظيم جيش الرسول صلى الله عليه وسلم في الفتح واستعداده فعل قوي في استكانة أبي سفيان وإدراكه أن هذا جيش لا يغلب ، فنقل ذلك إلى قومه فوقع في نفوسهم ما وقع في نفسه .
5-القوى المعنوية كانت من ركائز النصر :
كان المهاجرون فرحين مستبشرين بفتح الله والذهاب إلى موطنهم الذي طالما حنّوا إليه ومنّوا به النفس ، وكان الأنصار لا يقلون فرحاً لأن مكة هي البلد الحرام الذي تهفوا إليه القلوب وتشتاق إليه الأرواح .
أما معنويات قريش فكانت متردية ومنهارة ، ودفعهم ذلك إلى هروب قادتهم واستسلام جندهم ودخولهم البيوت وإغلاقها طلباً للنجاة .
6-الرحمة والرأفة تفتح مغاليق القلوب :
كان لرحمة الرسول صلى الله عليه وسلم وعفوه عن المذنبين وصفحه عن المعاندين أقوى الأثر في حبهم الإيمان وأهله ، والدخول في دين الله أفواجا.
7-التواضع وعدم الفخر سمة العظماء :
لقد كان لتواضع الرسول صلى الله عليه وسلم عند دخول مكة وقع كريم في نفوس المؤمنين ، وتعليم حكيم للمتقين الذين يريدون ثواب الله تعالى ، ويؤثرونه على ما سواه .
كما كان لوفائه ـ عليه السلام ـ في إعطائه مفاتيح الكعبة لعثمان بن طلحة أثر بالغ في نفوس الناس حتى قال أعداؤه قبل أصدقائه : إنه أوصل الناس وأرحم الناس وأكرم الناس وأبرهم وأوفاهم .
8-انكشاف الباطل وَذِهَاب الغشاوة :
تكسرت الأصنام ، وظهر الحق وزهق الباطل ، حتى قالت امرأة أبي سفيا ن وهي من أعتى المشركين حين قامت بكسر صنمها " لقد كنا منك في غرور وشر " .
التقويم :
1- اقرأ فتح مكة بعناية ، ثم حاول الإجابة عما يأتي من الأسئلة :
أ- ما الأسباب التي أدت إلى فتح مكة ؟
ب- لماذا تدخل الرسول القائد بين بكر وخزاعة مع أن القبيلتين مشركتان ؟
د- ماذا فعلت أم حبيبة عندما أراد أبو سفيان الجلوس على فراش الرسول الكريم؟ ولماذا ؟
هـ- ما أثر هذا التصرف في نفس أبي سفيان ؟ وماذا قال ؟
و- ما الخطأ الذي وقع فيه حاطب بن أبي بلتعة ؟ وكيف تصرف معه الرسول القائد ؟ ولماذا؟
ز- لماذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإيقاد النيران حول مكة ؟
2- كان للرسول القائد موقف من التسامح خالدٌ مع المشركين بعد الفتح . اشرح هذه العبارة ودلل عليها من أحداث الفتح .
3-اقرأ كل عبارة مما يأتي ، ثم ضع علامة () أمام العبارة التي تراها صحيحة ، وعلامة () أمام العبارة التي تراها خطأ :
أ- لقد تم للرسول القائد فتح مكة دون قتال .
ب- أخذ أبو سفيان يحض المشركين على الحرب ، عندما رأى جيش المسلمين يدخل مكة.
ج- دخل أهل مكة بيوتهم ، مستجيبين لنداء القائد الفاتح ، ليأمنوا على حياتهم .
د- انتقم الرسول القائد من أهل مكة ، واستولى على أموالهم ودورهم ، كما فعلوا مع المسلمين من قبل .
هـ- دخل الرسول القائد مكة فاتحاً منتصراً ، متواضعاً غير مستكبر .
و- أسرع الناس في مكة إلى أسلحتهم لصد المسلمين عن مدينتهم .
4- أجب عن الأسئلة التالية :
أ-" كان للفتح الأكبر نتائج متعددة ، اذكر اثنتين منها " .
ب-" لقد كان لفتح مكة دروس وعبر باقية " اشرح هذه العبارة باختصار .
ج-من قائل هذه العبارات ، وفي أي مناسبة ؟
- [ لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ] .
- [ أَجَرْنا من أَجَرْتِ يا أُمَّ هانِئ ] .
|
- إن الرسول لسيف يستضاء به |
مهند من سيوف الله المسلول |
1 البقرة ( 185)
2 حديث صحيح رواه احمد وأبو داود والترمذى والنسائى وبن ماجه والحاكم فى المسند وصححه الحاكم والالبانى فى صحيح الجامع ( 64.5)
3 رواه الترمذى وقال حديث حسن صحيح .
4 البقرة 183
5 إسناده صحيح على شرط مسلم رواه بن حيان واحمد والنسائى والطبرانى وعبد الرازق
6 صحيح فى الجامع الصغير ح ( 6333 )
7 رواه أحمد ومسلم والنسائى
8 ( الطارق 5ـ 6 )
9 الذاريات ( 21 )
10 المؤمنون ( 12-14 )
11 يونس (1.1)
12 النازعات (27- 28 )
13 البقرة (164)
14 آل عمران : (1.)
15 مفتاح دارالسعادة للامام ابن القيم "بتصرف"
16 غافر : 61
17 الغاشية : 17
18 آل عمران ( 191)
19 حديث حسن رواه أبو الشيخ والصبرانى أورده الالبانى فى صحيح الحاكم 975
20 متفق عليه
21 الأنبياء ( 92 )
22 رواه مسلم
23 ) سورة الحج 77
24 ) البقرة 215
25 متفق عليه
26 رواه مسلم
27 رواه الحاكم
28 شـروره
29 متفق عليه
30 رواه مسلم
31 طريقه
32 تقوم بها وتسعى فى صلاحها
33 رواه مسلم
34 رواه الترمذى وقال حديث حسن
35 رواه البيهقى
36 رواه ابن ماجــه
37 رواه مسلم
38 الفجر (2.)
39 متفق عليه
40 التغابن (16 )
41 البقرة (195 )
42 التوبة ( 1.3 )
43 البقرة (151)
44 البقرة ( 268 )
45 البقرة ( 261 )
46 رواه البخارى ومسلم
47 الطلاق ( 7 )
48 صحيح رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم .
49 البلد ( 11-16 )
50 آل عمران ( 92)
51 رواه البخارى ومسلم
52 حديث حسن أخرجه الترمذى وابن أبى عاصم
53 كتاب التعريفات ص269 باب حرف النون
54 نظرات فى السنة ص78
55 رواه مسلم 55 عن تميم الدارى
56 رسائل فتيان الدعوة ص242
57 فقه النصيحة فى ظل الاسلام ص11
58 التوبة 91
59 فقه النصيحه ص12
60 جامع العلوم و الحكم ص79
61 أحمد 5/254
62 فقه النصيحه ص14
63 سنن أبي داود والترمذي .
64 المدخل في التربية ص 163 .
65 أخرجه الطبراني .
66 رساءل فتيان الدعوة ص244 ، 245
67 متفق عليه .
68 رواه مسلم .
69 رواه مسلم
70 رواه أحمد
71 الحقوق الإسلامية ص 277 .
72 القائد القدوة على طريق الدعوة أ/ مصطفى مشهور .
73 فقه النصيحة ص22
74 رواه مسلم ( 1/ 36) برقم (55) ك الإيمان .
75 الشورى وممارساتها الإيمانية د/ عدنان النحوى
76 سيق تخريجه .
77 جامع العلوم والحكم ص 8. .
78 الكهف : آية 51 .
79 نظرات في السنة ص 81 .
80 نظرات في السنة ص81 .
81 المصدر السابق .
82 صحيح مسلم شرح النووي (1/ 39) .
83 آل عمران : 31 .
84 نظرات في السنة ص 82 .
85 صحيح مسلم شرح النووي (1/38) .
86 نظرات في السنة بتصرف .
87 مسلم (1/39) .
88 جامع العلوم والحكم ص83 .
89 نظرات في السنة ص 84 بتصرف .
90 صحيح مسلم شرح النووي (1/39) بتصرف .
91 خلق المسلم ص .9
92 الحشر 1.
93 ابن ماجه
94 ابن ماجه المكس نوع خبيث من نهب المال
95 لاحيت ... خاصمته
96 أحمد من كتاب خلق المسلم ص 98
97 نفس المصدر السابق
98 أية 12 الحجرات
99 ابن كثير (4/244)
100 متفق عليه .
101 ابن كثير (4/ 244) .
102 سبق تخريجه
103 حديث الثلاثاء ص127 ،128 .
104 المدخل فى التربية ص163
105 النور 19
106 رواه مسلم رقم4692
107 الطبرانى
108 الطبرانى
109 بصائر دعوية ص46 بتصرف
110 آل عمران 159
111 النساء 83
112 الأعراف 79
113 الصف 2 ،3
114 مع الله - الشيخ محمد الغزالى
115 أخرجه بن حيان موارد الظمآن 1848
116 رسائل فتيان الدعوة ص248
117 رسائل فتيان الدعوة ص 249 ،251
118 رواه مسلم 91
119 إسلامنا /سيد سابق ص 2.3
120 البقرة 2.6
121 رسائل فتيان الدعوة ص 252 ،253 بتصرف
122 النحل 125
123 فقه الأخلاق والمعاملات مع المؤمنين ص173
124 القلم 46
125 سبأ 47
126 ركائز الدعوة ص 115
127 فقه النصيحة ص29
128 نظرات فىالسنة ص88
129 فقه الأخلاق والتعامل مع المؤمنين ص 31 ،32
130 المدخل فى التربية ص164 بتصرف
131 الرسائل ص399بتصرف
132 رسائل فتيان الدعوة ص257 ،258
133() سورة الفتح : 1-3
134() أول سورة المائدة
135() سورة النحل آية : 91
136() سورة الإسراء آية : 34
137() سورة الحج آية : 38
138() سورة النساء : آية 1.7
Date de dernière mise à jour : 05/07/2021