Créer un site internet
potenCiel Espace éducatif de l'Association Cultures & Citoyenneté

الحلقة 01-20

الحلقة الاولى

 

القرآن الكريم

 

سورة نوح

مقدمة السورة :

هذه السورة كلها تقص قصة نوح - عليه السلام - مع قومه ؛ وتصف تجربة من تجارب الدعوة في الأرض .. هذه التجربة تكشف عن صورة من صور البشرية الضالة ، الذاهبة وراء القيادات المضللة ، المستكبرة عن الحق ، المعرضة عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان.

وهي في الوقت ذاته تكشف عن صورة من صور الرحمة الإلهية تتجلى في رعاية الله لهذا الكائن الإنساني ، وعنايته بأن يهتدي . تتجلى هذه العناية في إرسال الرسل تترى إلى هذه البشرية العنيدة الضالة.

ثم هي بعد هذا وذلك تعرض صورة من صور الجهد المضني ، والعناء المرهق ، والصبر الجميل ، والإصرار الكريم من جانب الرسل - صلوات الله عليهم - لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصية الجامحة . وهم لا مصلحة لهم في القضية ولا أجر يتقاضونه من المهتدين على الهداية .

هذه الصورة التي يعرضها نوح - عليه السلام - على ربه ، وهو يقدم له حسابه الأخير بعد ألف سنة إلا خمسين عاما قضاها في هذا الجهد المضني ، والعناء المرهق ، مع قومه المعاندين ، الذاهبين وراء قيادة ضالة مضللة ذات سلطان ومال وعزوة . وهو يقول :

( رب . إني دعوت قومي ليلا ونهارا . فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ..) .. ثم يقول بعد عرض هذا الجهد الدائب الملح الثابت المصر : ( رب إنهم عصوني ، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا .. ) .. وهي حصيلة مريرة . ولكن الرسالة هي الرسالة !

هذه التجربة المريرة تعرض على رسول الله وهو الذي انتهت إليه أمانة دعوة الله في الأرض كلها في آخر الزمان ، واضطلع بأكبر عبء كلفه رسول .. يرى فيها صورة الكفاح النبيل الطويل لأخ له من قبل ، لإقرار حقيقة الإيمان في الأرض . ويطلع منها على عناد البشرية أمام دعوة الحق ؛ وفساد القيادة الضالة وغلبتها على القيادة الراشدة . ثم إرادة الله في إرسال الرسل تترى بعد هذا العناد والضلال منذ فجر البشرية على يدي جدها نوح عليه السلام .

* * *

ومن خلال عرض هذه الحلقة من حلقات الدعوة الإلهية على البشرية تتجلى حقيقة وحدة العقيدة وثبات أصولها ، وتأصل جذورها . كما يتجلى ارتباطها بالكون وبإرادة الله وقدره ، وأحداث الحقيقة الواقعة وفق قدر الله . وذلك من خلال دعوة نوح لقومه : ( قال : يا قوم إني لكم نذير مبين . أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون .. ) .. ولإقرار هذه الحقيقة في نفوس المسلمين قيمته في شعورهم بحقيقة دعوتهم ، وحقيقة نسبهم العريق ! وحقيقة موكبهم المتصل من مطلع البشرية . وحقيقة دورهم في إقرار هذه الدعوة والقيام عليها . وهي منهج الله القويم القديم

* * *

وإن الإنسان ليأخذه الدهش والعجب ، كما تغمره الروعة والخشوع ، وهو يستعرض - بهذه المناسبة - ذلك الجهد الموصول من الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - لهداية البشرية الضالة المعاندة . ويتدبر إرادة الله المستقرة على إرسال هؤلاء الرسل واحدا بعد واحد لهذه البشرية المعرضة العنيدة . وقد يعن للإنسان أن يسأل : ترى هل تساوي الحصيلة هذا الجهد الطويل ، وتلك التضحيات النبيلة ، من لدن نوح - عليه السلام - إلى محمد - عليه الصلاة والسلام - ثم ما كان بينهما وما تلاهما من جهود المؤمنين بدعوة الله وتضحياتهم الضخام ؟

ثم تلك الجهود الموصولة منذ ذلك التاريخ ، وتلك التضحيات النبيلة التي لم تنقطع على مدار التاريخ . من رسل يستهزأ بهم ، أو يحرقون بالنار ، أو ينشرون بالمنشار ، أو يهجرون الأهل والديار .. حتى تجيء الرسالة الأخيرة ، فيجهد فيها محمد ذلك الجهد المشهود المعروف ، هو والمؤمنون معه . ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته في كل أرض وفي كل جيل ؟ ؟

ترى هل تساوي الحصيلة كل هذه الجهود ، وكل هذه التضحيات ؟

والجواب بعد التدبر : أن نعم .. وبلا جدال .. !

إن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض يساوي كل هذا الجهد ، وكل هذا الصبر ، وكل هذه المشقة ، وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين في كل جيل !

ولعل استقرار هذه الحقيقة أكبر من وجود الإنسان ذاته ؛ بل أكبر من الأرض وما عليها ..

إن هذا الموكب المتصل من الرسل والرسالات من عهد نوح - عليه السلام - إلى عهد محمد - عليه أزكى السلام - لينبئ عن استقرار إرادة الله على اطراد الدعوة إلى حقيقة الإيمان الكبيرة ، وعلى قيمة هذه الدعوة وقيمة الحصيلة . وأقل نسبة لهذه الحصيلة هي أن تستقر حقيقة الإيمان في قلوب الدعاة أنفسهم حتى يلاقوا الموت وما هو أشد من الموت في سبيلها ولا ينكصون عنها .. وهذا وحده كسب كبير ، أكبر من الجهد المرير . كسب للدعاة . وكسب للإنسانية التي تشرف بهذا الصنف وتكرم .

 

نوح عليه السلام وأساليب دعوته لقومه مع إصرارهم على الباطل

الآيات من ( 1 : 9 )

إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 1 قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ 2 أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ 3 يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 4 قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا 5 فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا 6 وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا 7 ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا 8 ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا 9

الأهداف الإجرائية السلوكية

  1. أن يذكر الدارس مصدر الرسالات السماوية .

  2. أن يذكر الدارس فحوى رسالة نوح عليه السلام .

  3. أن يوضح الدارس الخطوط العريضة التي تجمع الرسالات السماوية جميعا .

  4. أن يوضح الدارس الجهد المضني الذى قام به نوح عليه السلام في دعوته .

  5. أن يوضح الدارس بعض أساليب الدعوة إلى الله التى تعلمها من دعوة نوح عليه السلام .

  6. أن يبرز الدارس عناد قوم نوح عليه السلام .

  7. أن يقارن الدارس بين إصرار أصحاب الحق على تبليغ الدعوة و إصرار أهل الباطل على باطلهم .

  8. أن يتعلم الدارس من تجربة نوح عليه السلام في دعوته لقومه .

المفردات

ويؤخركم إلي أجل مسمي : أي يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب وقد يستدل بهذه الآية بقول : " إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة " كما ورد به الحديث " صلة الرحم تزيد في العمر "

 

( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه : أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم . ) ..

تبدأ السورة بتقرير مصدر الرسالة والعقيدة وتوكيده : ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه ) .. فهذا هو المصدر الذي يتلقى منه الرسل التكليف ، كما يتلقون حقيقة العقيدة .. وهو الله الذي خلق البشر وأودع فطرتهم الاستعداد لأن تعرفه وتعبده ، فلما انحرفوا عنها وزاغوا أرسل إليهم رسله ، يردونهم إليه . ونوح - عليه السلام - كان أول هؤلاء الرسل - بعد آدم عليه السلام .. ثم تذكر فحوى رسالة نوح في اختصار وهي الإنذار : ( أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) ..

والحالة التي كان قوم نوح قد انتهوا إليها ، من إعراض واستكبار وعناد وضلال ..تجعل الإنذار هو أنسب ما تلخص به رسالته ، وأول ما يفتتح به الدعوة لقومه ، الإنذار بعذاب أليم ، في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما جميعا .

ومن مشهد التكليف ينتقل السياق مباشرة إلى مشهد التبليغ :

( قال : يا قوم إني لكم نذير مبين . أن اعبدوا الله ، واتقوه ، وأطيعون . يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى . إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) ..

( يا قوم إني لكم نذير مبين ) .. مفصح عن نذارته ، مبين عن حجته ، لا يتمتم ولا يجمجم ، ولا يتلعثم في دعوته ، ولا يدع لبسا ولا غموضا في حقيقة ما يدعو إليه ، وفي حقيقة ما ينتظر المكذبون بدعوته ..وما يدعو إليه بسيط واضح مستقيم : ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ) .. عبادة لله وحده بلا شريك . وتقوى لله تهيمن على الشعور واسلوك . وطاعة لرسوله تجعل أمره هو المصدر الذي يستمدون منه نظام الحياة وقواعد السلوك .

وفي هذه الخطوط العريضة تتلخص الديانة السماوية على الإطلاق . ثم تفترق بعد ذلك في التفصيل والتفريع .. وعبادة الله وحدة منهج كامل للحياة .. وتقوى الله .. هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الناس على ذلك المنهج ..وعدم الاحتيال عليه أو الالتواء في تنفيذه .. وطاعة الرسول .. هي الوسيلة للاستقامة على الطريق ، وتلقي الهدى من مصدره المتصل بالمصدر الأول للخلق والهداية ..فهذه الخطوط العريضة التي دعا نوح إليها قومه في فجر البشرية هي خلاصة دعوة الله في كل جيل بعده

وقد وعدهم عليها ما وعد الله التائبين : ( يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ) ..

وجزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله هي المغفرة والتخليص من الذنوب التي سلفت ؛ وتأخير الحساب إلى الأجل المضروب له في علم الله . وهو اليوم الآخر . وعدم الأخذ في الحياة الدنيا بعذاب الاستئصال . . ثم بين لهم أن ذلك الأجل المضروب حتمي يجيء في موعده ، ولا يؤخر كما يؤخر عذاب الدنيا .. وذلك لتقرير هذه الحقيقة الاعتقادية الكبرى :

( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ، لو كنتم تعلمون ) ..

وراح نوح - عليه السلام - يواصل جهوده لهداية قومه.. ألف سنة إلا خمسين عاما .. ثم عاد في نهاية المطاف يقدم حسابه لربه الذي كلفه هذا الواجب النبيل وذلك الجهد الثقيل ..

( قال : رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) ..

هذا ما صنع نوح وهذا ما قال .. وهو يصور الجهد الدائب الذي لا ينقطع : ( إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) .. ولا يمل ولا يفتر ولا ييئس أمام الإعراض والإصرار : ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) .. فرارا من الداعي إلى الله . . الفرار ممن يدعوهم إلى الله ليغفر لهم ويخلصهم من جريرة الإثم والمعصية والضلال !

فإذا لم يستطيعوا الفرار ، لأن الداعي واجههم مواجهة ، وتحين الفرصة ليصل إلى أسماعهم بدعوته ، كرهوا أن يصل صوته إلى أسماعهم . وكرهوا أن تقع عليه أنظارهم ، وأصروا على الضلال ، واستكبروا عن الاستجابة لصوت الحق والهدى : ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ) .. وهي صورة لإصرار الداعية على الدعوة وتحين كل فرصة ليبلغهم إياها ؛ وإصرارهم هم على الضلال .

ومع الدأب على الدعوة ، وتحين كل فرصة ، والإصرار على المواجهة .. اتبع نوح - عليه السلام - كل الأساليب فجهر بالدعوة تارة ، ثم زواج بين الإعلان والإسرار تارة : ( ثم إني دعوتهم جهارا ، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ) ..

 

التقويم

  1. أذكر مصدر الرسالات السماوية .

  2. أذكر فحوى رسالة نوح عليه السلام .

  3. وضح الخطوط العريضة التي تجمع الرسالات السماوية جميعا .

  4. وضح جزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله

  5. وضح الجهد المضني الذى قام به نوح عليه السلام في دعوته .

  6. وضح بعض أساليب الدعوة إلى الله التى تعلمتها من دعوة نوح عليه السلام .

  7. قارن بين إصرار أصحاب الحق على تبليغ الدعوة و إصرار أهل الباطل على باطلهم .

  8. هل تساوى الحصيلة تلك الجهود الضخمة وكل هذه التضحيات وكل هذا الجهود المرير منذ نوح عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام والتابعين لهم بإحسان هل الحصيلة ( واقع المسلمين اليوم ) تساوى كل هذا الجهد ؟ ولماذا ؟ .

  9. هل يمكن أن تستقر حقيقة الإيمان بالله في الأرض بالإعجاز الإلهي دون الجهد البشرى ؟ ولماذا ؟

  10. ما الموضوعات الرئيسية التى جاءت بها دعوة الله علي لسان الأنبياء وفى كل جيل ؟ من خلال فهمك للسورة .

  11. أسلوب الدعوة يجمع بين الإنذار والتبشير وضح ذلك من خلال السورة ؟

  12. ماذا تعلمت من تجربة نوح عليه السلام في دعوته لقومه .

 

الحلقة

الثانية

 

 

 

الحلقة الثانية

 

الدرس الأول :

 

الاستغفار باب المغفرة والعطاء المتعدد

والتفكر في كتاب الكون المفتوح دعوة إلى التوحيد الخالص

الآيات من ( 1. : 2. )

فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا 1. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا 11 وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا 12 مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا 13 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا 14 أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا 15 وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا 16 وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا 17 ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا 18 وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا 19 لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا 2.

الأهداف الإجرائية السلوكية

  1. أن يعدد الدارس فوائد الاستغفار .

  2. أن يحرص الدارس على التفكر في كتاب الكون المفتوح .

  3. أن يستخدم الدارس كتاب الكون المفتوح مع من يدعوهم .

المفردات

مدرارا: متواصلة الأمطار

بساطا : أي بسطها وثبتها بالجبال الراسيات الشامخات فجعلها مستقرة وهذا يدل علي قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض ونعمه علي عباده

ثم يستمر نوح عليه السلام في دعوته لقومه وفي تنوع لأساليب الدعوة ، وفي أثناء ذلك كله أطمعهم في خير الدنيا والآخره . أطمعهم في الغفران إذا استغفروا ربهم فهو - سبحانه - غفار للذنوب : ( فقلت : استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) .. وأطمعهم في الرزق الوفير الميسور من أسبابه التي يعرفونها ويرجونها وهي المطر الغزير ، الذي تنبت به الزروع ، وتسيل به الأنهار ، كما وعدهم برزقهم الآخر من الذرية التي يحبونها - وهي البنين - والأموال التي يطلبونها ويعزونها : ( يرسل عليكم السماء مدرارا ويمدكم بأموال وبنين ، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) ..

وقد ربط بين الاستغفار وهذه الأرزاق .. وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة ، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد الله ، ومن سنة الحياة ؛ كما أن الواقع العملي يشهد بتحقيقها على مدار القرون . والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد . وما من أمة قام فيها شرع الله ، واتجهت اتجاها حقيقيا لله بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية الله .. ما من أمة اتقت الله وعبدته وأقامت شريعته ، فحققت العدل والأمن للناس جميعا ، إلا فاضت فيها الخيرات ، ومكن الله لها في الأرض واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء .. ولقد نشهد في بعض الفترات أمما لا تتقي الله ولا تقيم شريعته ؛ وهي – مع هذا – موسع عليها في الرزق ، ممكن لها في الأرض .. ولكن هذا إنما هو الإبتلاء .

ونمضي مع نوح في سيرته النبيله الطويلة .. فنجده يأخذ بقومه إلى آيات الله في أنفسهم وفي الكون من حولهم ، وهو يعجب من استهتارهم وسوء أدبهم مع الله ، وينكر عليهم ذلك الإستهتار :

( ما لكم لا ترجون لله وقارا ؟ وقد خلقكم أطوارا ؟ ) ..

.. والذي عليه أكثر المفسرين أنها الأطوار الجنينية من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى الهيكل إلى الخلق الكامل .. وهذا يمكن أن يدركه القوم إذا ذكر لهم .. وعلى أية حال فقد وجه نوح قومه إلى النظر في أنفسهم ، وأنكر عليهم أن يكون الله خلقهم أطوارا ، ثم هم بعد ذلك لا يستشعرون في أنفسهم توقيرا للجليل الذي خلقهم .. وهذا أعجب وأنكر ما يقع من مخلوق !

كذلك وجههم إلى كتاب الكون المفتوح : ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ؟ وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ؟ ) .. وجه نوح قومه إلى السماء وأخبرهم – كما علمه الله – أنها سبع طباق . فيهن القمر نور وفيهن الشمس سراج .. وهذا التوجيه يكفي لإثارة التطلع والتدبر فيما وراء هذه الخلائق الهائلة من قدرة مبدعة .. وهذا هو المقصود من ذلك التوجيه .

ثم عاد نوح فوجه قومه إلى النظر في نشأتهم من الأرض وعودتهم إليها بالموت ليقرر لهم حقيقة إخراجهم منها بالبعث : ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ) ..

والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موح .. وهو يشير في هذا إلى نشأة الناس كنشأة النبات ..وهي ظاهرة تستدعي النظر ولا ريب . فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض ، وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات . من عناصرها الأولية يتكون . ومن عناصرها الأولية يتغذى وينمو ، فهو نبات من نباتها .. ونوح - عليه السلام - وجه قومه إلى هذه الحقيقة لتستشعر قلوبهم يد الله وهي تنبتهم من هذه الأرض نباتا ، وهي تعيدهم فيها مرة أخرى . ثم تتوقع النشأة الأخرى وتحسب حسابها ، وهي كائنة بهذا اليسر وبهذه البساطة .

وأخيرا وجه نوح قلوب قومه إلى نعمة الله عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم وطرائق حياتهم : ( والله جعل لكم الأرض بساطا ، لتسلكوا منها سبلا فجاجا ) ..

وهذه الحقيقة القريبة من مشاهدتهم وإدراكهم تواجههم مواجهة كاملة .. فهذه الأرض بالقياس إليهم مبسوطة ممهدة .. وفي سبلها ودروبها يمشون ويركبون وينتقلون ؛ ويبتغون من فضل الله.

التقويم

  1. الإستغفار له بركات كثيرة وضحها من خلال فهمك للسورة ؟

  2. التفكر والتدبر عبادة توصل العبد إلى حقيقة التوحيد الخالص وضح ذلك ؟

  3. هل تحرص على التفكير في كتاب الكون المفتوح ؟ عبر عن مشاعرك في جولة تفكر .

  4. هل تستخدم كتاب الكون المفتوح مع من تدعوهم إلى الله عز وجل ؟

الدرس الثاني :

 

العقيدة

من وسائل الارتقاء الإيماني

من وسائل الارتقاء الإيماني

الأهداف الإجرائية السلوكية :

% أن يوضح أهمية الارتقاء الإيمانى .

% أن يحدد وسائل الارتقاء الإيمانى .

***************************

% أن يوضح أهمية الارتقاء الإيمانى :

إذا وجد المسلم فى قلبه إنابة إلى دار الخلود وتجافياً عن دار الغرور واستعداداً للموت قبل النزول وإذا وجد وجلا فى قلبه عند ذكر الله عز وجل ( وهو زيادة خفقان القلب وسرعة ضرباته ) وإذا وجد فى قلبه خشوعا ( ذلةً وانكساراً ) عند ذكر الله عز وجل وإذا وجد قلبه حاضرا عند الذكر والصلاة وإذا وجد رقة فى قلبه بعد كل عبادة وإذا وجد الحلاوة عند الصلاة وعند الذكر وعند قراءة القرآن. وإذا أحس بقرب المناجاه عند الدعاء فليحمد الله وليعلم أن القلب مفعم بالإيمان .

أما إذا وجد فى نفسه تكاسلا عن أداء الطاعات مثل التأخر عن الجماعة والجمعة وترك السنن وهجر القرآن وضعف تحرى الحلال والحرام فلم يغض البصر فتزداد مجالس السهر والسمر واللهو فيتعلق القلب بالدنيا ويزداد الحرص على التمتع بمباهجها فتظهر الأثرة ويقل العفو والصفح وتتضخم الذات ويقل البذل والعطاء . فليراجع نفسه وليعلم أن الحال خطير وان الإيمان فى حال ضعف شديد ومابين هذا وذاك يزيد الإيمان وينقص حيث يزيد الايمان بالطاعة وينقص بالمعصية، كما قال أبو جعفر عن جده عمير بن حبيب وهو من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم " قال الإيمان يزيد وينقص قيل وما زيادته وما نقصانه ؟ قال إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه " .

وإذا كان المسلم حريصا على زيادة ايمانه فليتعهد قلبه فإنه محل العبودية وفيه تجتمع المشاعر والوجدانات من حب وبغض وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وهو موضع نظر الله عز وجل وقد جعل الله له قدرا عظيما وفضله على سائر الجوارح كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم " ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب " 1

وإذا أردت أخى فى الله أن تحيى قلبك فإليك هذه الوسائل : ـ

 

أن نحيا بالقرآن الكريم

الإكثار من ذكر الله

  1. قيام الليل ( مدرسة الصالحين وقرة عين العابدين )

  2. التعلق بالمساجد

اغتنام مواسم الخيرات والأوقات الفاضلة

كثرة الصيام

  1. التفكر

8- المبادرة إلى الطاعات والإكثار من الخيرات

 

1- أن نحيا بالقرآن

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح أهمية القرآن فى زيادة الإيمان .

  2. أن يوضح كيف نحيا بالقرآن عملياً .

  1. أن يوضح آداب تلاوة القرآن .

د- أن يوضح أهمية تدبر القرآن .

هـ- أن يوضح أهمية حفظ القرآن الكريم .

و- أن يوضح أهمية العمل بالقرآن .

****************************

أ- أهمية القرآن فى زيادة الإيمان :

وهو من أفضل وسائل زيادة الإيمان "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا"2 فالقلب خلق الله والقرآن كلام الله فلابد أن يكون بينهما انسجام إذا سلمت الفطرة . مسكين من ترك القرآن وأجهد نفسه بحثا عن طريق يوصل إلى الله عز وجل وقد قال عز وجل "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين "3

أظنك الآن تسأل هل كل القلوب تنتفع بالقرآن ؟ فما بال الكفار لم يؤمنوا ؟ هل كل القلوب تهتز والأبدان تقشعر عند سماع القرآن ؟ فما بالنا نسمعه ولا نتأثر؟

أخى فى الله اعلم بأن القرآن هو القرآن ولكن العبرة بالقلوب التى تتعامل معه " قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهى عليهم عمى" 4 لا بد لمن أراد أن ينتفع بالقرآن أن يتحقق بالخوف والخشية من الله عز وجل " فذكر بالقرآن من يخاف وعيد" 5 " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى "6

 

أظنك الآن تسأل ولكن كيف نحيا بالقرآن عمليا ؟

 

ب- هناك صور عملية شتى كى نحيا بالقرآن :

التلاوة : أمرنا الله عز وجل بتلاوة القرآن مرتين فى آية واحدة فى سورة المزمل فى قوله تعالى " فاقرءوا ما تيسر من القرآن " وقوله " فاقرءوا ما تيسر منه " 7 كما أمر نبيه بترتيل القرآن " أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا "8

وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم فضل تلاوة القرآن " أنه من قرأ حرفا من كتاب الله كان له به عشر حسنات لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" .

ج- وللتلاوة آداب ينبغى لمن أراد أن يتلوا القرآن أن يتحلى بها : ـ

  • استحضار النية وابتغاء مرضاة الله بها .

  • الوضوء والإستعاذة والبسملة .

  • إغتنام الوقت المناسب وأفضل الأوقات ثلث الليل الأخير حيث يتجلى الرب لعباده.

  • اختيار المكان المناسب وأفضلها المساجد أو ركن هادئ فى البيت يفرغك عن المشاغل ويبعدك عن التشويش.

  • اللجوء إلى الله والإقبال عليه إقبال المضطر وطالب النجاه.

  • حصر الفكر فى التلاوة والبعد عن الشرود والتجوال بالفكر.

  • استشعار التأثر بالآيات تفرح بآيات التبشير وتسأل الله أن تكون من أهلها وتحزن بآيات الإنذار وتسأل الله ألا تكون من أهلها .

  • استشعار أنك المخاطب بكلام الله وبذلك تقف طويلا أمام الأمر والنهى لتعرف المطلوب منك.

  • الحرص على تجويد التلاوة وتحسينها بالحرص على التعلم ومجالسة العلماء وكثرة السماع والتلاوة .

د- التدبر : لابد للمرء من أوقات يتدبر فيها القرآن . فالقرآن حجة لك أو عليك كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه الإمام مسلم" والقرآن حجة لك أو عليك " فمن قرأ القرآن وهو غافل فربما يكون حجة عليه.

وقد حثنا المولى عز وجل على تدبر القرآن فقال : " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا أياته"9 وجعل من لا يتدبــر القـرآن مقفول القلب فقال " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " .

قد يدخل إليك الشيطان أخى فى الله يقول لك إن تدبر القرآن لا يستطيعه إلا العلماء من الناس فكيف لك أن تتدبر؟ فتذكر أن المولى عز وجل يقول : " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " 10

وللتدبر آثار طيبة :

فكم نقل التدبر فى آيات الله المرء من حال إلى حال فقد انتقل سيدنا عمر رضى الله عنه من حال الجزع عند موت النبى صلى الله عليه وسلم إلى حال الرضى والتسليم والسكينة لما تدبر آية قرأها عليه سيدنا أبو بكر رضى اله عنه وهى " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " 11 وقد انتقل أحد الصالحين من حال اللهو والإنشغال بالدنيا إلى حال العمل و الاجتهاد إلى عابد زاهد حين تدبر قول الله عز وجل " وفى السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون " 12

هـ- حفظ ما تيسر من القرآن :

فالقلب الخالى من كلام الله عز وجل كالبيت الخرب فكلام الله نور ينير القلب ومراجعة المحفوظ أصعب لان القرآن أشد تفلتا من صدور الرجال من الإبل من عقلها فلتحرص ياأخى على مراجعة المحفوظ بترديده فى الصلوات والخلوات أو تعاون مع أخ لك على ذلك .

و- الحرص على العمل بما جاء فى القرآن من أمر أو نهى :

فهو بيت القصيد وهو خلاصة التلاوة والتدبر فقد قال بن مسعود رضى الله عنه " إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به" . ولقد حفظ سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه سورة البقرة فى اثنتى عشرة سنة فلما ختمها نحر جذوراً13 . لا تتعجب فإنه كان لا يجاوز الآية إلى التى تليها حتى يعمل بها. وها هو سالم مولى أبى حذيفة يوم اليمامة يحمل اللواء ويقول لنفسه بئس حامل القرآن أنا إن فررت فقطعت يمينه فأخذه بيساره فقطعت يساره فاعتنقه إلى أن صرع واستشهد.

فلابد يا أخى أن يكون لك فى القرآن حياة تارة بالتلاوة وتارة بالتدبر وتارة بالحفظ والمراجعة ودائما بالعمل بما جاء فيه .

التقويم

  1. وضح أهمية القرآن فى زيادة الإيمان .

  2. كيف نحيا بالقرآن عملياً ؟

  3. أذكرآداب تلاوة القرآن .

  4. قوِّم مدى التزامك بآداب التلاوة عند تلاوتك لكتاب الله عز وجل .

  5. وضح أهمية تدبر القرآن .

  6. أذكر آية من القرآن تدبرت فيها وكان لها أعظم الأثر فى نفسك .

  7. وضح أهمية حفظ القرآن الكريم .

  8. أذكر موقفاً مررت به استشعرت خلاله أهمية حفظ القرآن الكريم .

  9. وضح أهمية العمل بالقرآن .

 

 

الحلقة

الثالثة

 

 

الحلقة الثالثة

 

الدرس الأول :

 

كيف واجه نوح عليه السلام مكر الماكرين وضلالهم وجزاء الله لهم

الآيات من ( 21 : 28 )

قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا 21 وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا 22 وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا 23 وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا 24 مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا 25 وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا 26 إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا 27 رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا 28

الأهداف الإجرائية السلوكية

  1. أن يوضح الدارس ماذا كان من قوم نوح بعد هذا الصبر والمشقة والبيان .

  2. أن يبين الدارس النتيجة التى توصل إليها نوح بعد طول مشقة في دعوته .

  3. أن يوضح حرص الأعداء علي الكيد لدعوة الله منذ فجر التاريخ " ومكروا مكرا كبارا "

  4. أن يوضح الدارس مصير أعداء الله عز وجل على مر العصور والأزمان .

  5. أن يذكر أثر الخطايا والمعاصي على قوم نوح .

  6. أن يستشعر الدارس معية الله وحفظه ونصره للمؤمنين .

  7. أن يحرص على الاستغفار على ما يعلم وما لا يعلم .

المفردات

مكرا كبارا : عظيما وكبيرا والعرب تقول : أمر عجيب وعجاب وعجّاب بالتخفيف والتشديد بمعني واحد

ود ، سواع ، يغوث ، يعوق ، نسرا : هذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أوحي الشيطان إلي قومهم أن أنصبوا لهم مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت

لا تذر علي الأرض من الكافرين ديارا : لا تترك علي وجه الأرض منهم أحدا – تبارا : هلاكا .

ومن هذا البيان الدقيق نطلع على تلك الصورة النبيلة من الصبر والجهد والمشقة .. فماذا كان بعد كل هذا البيان ؟

( قال نوح : رب إنهم عصوني ، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا . ) ..

رب إنهم عصوني ! بعد كل هذا الجهد ، وبعد كل هذا العناء .. بعد هذا كله كان العصيان . وكان السير وراء القيادات الضالة المضللة ، التي تخدع الأتباع بما تملك من المال والأولاد ، ومظاهر الجاه والسلطان . ممن ( لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) فقد أغراهم المال والولد بالضلال والإضلال ، فلم يكن وراءهما إلا الشقاء والخسران .

هؤلاء القادة لم يكتفوا بالضلال .. ( ومكروا مكرا كبارا ) . مكرا متناهيا في الكبر . مكرا لإبطال الدعوة وإغلاق الطريق في وجهها إلى قلوب الناس ..

وكان من مكرهم تحريض الناس على الاستمساك بالأصنام التي يسمونها آلهة :( وقالوا : لا تذرن آلهتكم ) .. بهذه الإضافة : ( آلهتكم ) لإثارة النخوة الكاذبة والحمية الآثمة في قلوبهم . وخصصوا من هذه الأصنام أكبرها شأنا ليهيج ذكرها في قلوب العامة المضللين الحمية والاعتزاز .. ( ولا تذرن ودا ، ولا سواعا ، ولا يغوث ، ويعوق ، ونسرا ) .. وهي أكبر آلهتهم التي ظلت تعبد في الجاهليات بعدهم إلى عهد الرسالة المحمدية .

( وقد أضلوا كثيرا ) ككل قيادة ضالة تجمع الناس حول الأصنام .. أصنام الحجار . وأصنام الأشخاص . وأصنام الأفكار .. سواء !! للصد عن دعوة الله ، وتوجيه القلوب بعيدا عن الدعاة .. هنا انبعث من قلب النبي الكريم نوح - عليه السلام - ذلك الدعاء على الظالمين الضالين المضللين ، الماكرين الكائدين :

( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) .. ذلك الدعاء المنبعث من قلب جاهد طويلا ، وعانى كثيرا ، وانتهى - بعد كل وسيلة - إلى اقتناع بأن لا خير في القلوب الظالمة الباغية العاتية ؛ وعلم أنها لا تستحق الهدى ولا تستأهل النجاة .

وقبل أن يعرض بقية دعاء نوح - عليه السلام - يعرض ما صار إليه الظالمون الخاطئون في الدنيا والآخرة جميعا :

( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا . فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) .

فبخطيئاتهم وذنوبهم ومعصياتهم أغرقوا فأدخلوا نارا .. ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) .. لا بنون ولا مال ولا سلطان ولا أولياء من الآلهة المدعاة !

وفي آيتين اثنتين قصيرتين ينتهي أمر هؤلاء العصاة العتاة ، ويطوي ذكرهم من الحياة !

ثم يكمل دعاء نوح الأخير ؛ وابتهاله إلى ربه في نهاية المطاف :

( وقال نوح : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا . رب اغفر لي ولوالدي ، ولمن دخل بيتي مؤمنا ، وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) ..

فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الخالص الذي انتهى إليه القوم في زمانه . وأحيانا لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين ، لأن وجودهم يجمد الدعوة إلى الله نهائيا ، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين . وهي الحقيقة التي عبر عنها نوح ، وهو يطلب الإجهاز على أولئك الظالمين إجهازا كاملا لا يبقي منهم ديارا - أي صاحب ديار - فقال : ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ).. وذلك بفتنتهم عن عقيدتهم بالقوة الغاشمة ، أو بفتنة قلوبهم بما ترى من سلطان الظالمين وتركهم من الله في عافية

ثم إنهم يوجدون بيئة وجوا يولد فيها الكفار ، وتوحي بالكفر من الناشئة الصغار ، بما يطبعهم به الوسط الذي ينشئه الظالمون ، فلا توجد فرصة لترى الناشئة النور ، من خلال ما تغمرهم به البيئة الضالة التي صنعوها . وهي الحقيقة التي أشار إليها قول النبي الكريم نوح عليه السلام ، وحكاها عنه القرآن : ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) .. فهم يطلقون في جو الجماعة أباطيل وأضاليل ، وينشئون عادات وأوضاعا ونظما وتقاليد ، ينشأ معها المواليد فجارا كفارا ، كما قال نوح ..

وإلى جانب الدعوة الساحقة الماحقة التي جعلها خاتمة دعائه وهو يقول : ( ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) - أي هلاكا ودمارا - إلى جانب هذا كان الإبتهال الخاشع الودود :

( رب اغفر لي ولوالدي ، ولمن دخل بيتي مؤمنا ، وللمؤمنين والمؤمنات ... ) ..

ودعاء نوح النبي لربه أن يغفر له .. هو الأدب النبوي الكريم في حضرة الله العلي العظيم .. أدب العبد في حضرة الرب . العبد الذي لا ينسى أنه بشر ، وأنه يخطئ ، وأنه يقصر ، مهما يطع ويعبد.. وهو هو النبي يستغفر بعد كل هذا الجهد وكل هذا العناء . يستغفر وهو يقدم لربه سجل الحساب !

ودعاؤه لوالديه .. هو بر النبوة بالوالدين المؤمنين - كما نفهم من هذا الدعاء -.. ودعاؤه الخاص لمن دخل بيته مؤمنا .. هو بر المؤمن بالمؤمن ؛ وحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه ، وتخصيص الذي يدخل بيته مؤمنا ، لأن هذه كانت علامة النجاة ، وحصر المؤمنين الذين سيصحبهم معه في السفينة .

ودعاؤه العام بعد ذلك للمؤمنين والمؤمنات .. هو بر المؤمن بالمؤمنين كافة في كل زمان ومكان .. وفي مقابل هذا الحب للمؤمنين ، كان الكره للظالمين ..( ولا تزد الظالمين إلا تبارا ).

التقويم

  1. وضح ماذا كان من قوم نوح بعد هذا الصبر والمشقة والبيان .

  2. بين النتيجة التى توصل إليها نوح بعد طول مشقة في دعوته .

  3. وضح نشأة الأعداء علي الكيد لدعوة الله منذ فجر التاريخ " ومكروا مكرا كبارا "

  4. وضح مصير أعداء الله عز وجل على مر العصور والأزمان .

  5. أذكر أثر الخطايا والمعاصي على قوم نوح .

  6. هل تحذر المعاصي والذنوب – ماذا تفعل إذا وقعت في ذنب أو معصية ؟

  7. عبر عن استشعارك " معية الله وحفظه ونصره للمؤمنين " كما تفهم من هذه السورة .

  8. هل تحرص على الاستغفار على ما تعلم وما لا تعلم ؟

  9. أعداء الإسلام يكيدون له منذ فجر التاريخ ... بين مدى الكيد ؟ وما نتيجته النهائية ؟ وما واجب المسلمين اليوم تجاه مؤامرات الأعداء ؟

  10. مهما قدم صاحب الدعوة من جهود فإن شعوره بالتقصير يلازمه وضح ذلك من خلال السورة الكريمة ؟

  11. ( إن استقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض يساوي كل الجهود وكل الصبر وكل المشقات وكل التضحيات النبيلة من الرسل وأتباعهم السابقين في كل جيل منذ نوح عليه السلام وإلي اليوم ) وضح ذلك في ظلال فهمك لسورة نوح عليه السلام .

  12. " إن قيمة هذه الدعوة كبيرة عند الله سبحانه وكذا قيمة هذه الحصيلة مهما قلت " عبر عن مشاعرك تجاه هذا المعنى من خلال فهمك للسورة الكريمة .

الدرس الثاني :

 

العقيدة

من وسائل الارتقاء الإيماني

 

- الإكثار من ذكر الله

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح فضل ذكر الله

  2. أن يقوِّم مدى مداومته على ذكر الله فى جميع أحواله ( فى اليوم والليلة )

أمرنا الله عز وجل به فقال "واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " 14 وفى حديث ابى الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ ذكر الله "15 . والذكر حياه القلب كما قال ابن تيمية فالذكر للقلب كالماء للسمك وهو حصن حصين من الشيطان الرجيم وهو صدقات كثيرة يتصدق بها المرء فى ليله ونهاره كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فى الحديث :".. غراس الجنة : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبر "16 . وأفضل الذكر ما كان باللسان والقلب معا وذكر القلب وحده خير من ذكر اللسان وحده ومواطأة القلب اللسان على الذكر أمر شاق ولكنه يسير لمن يسره الله عليه فمن حرص عليه وجاء بنفسه وفقه الله عز وجل كما قال بن القيم : " القلوب كالقدور والألسنة مغارفها " ويقول ابن القيم فى الفوائد : " من الناس من يبدأ الذكر باللسان وإن كان على غفلة ثم لا يزال فيه حتى يحضر القلب فيواطأ على الذكر ، ومنهم من لا يبتدأ فى الذكر باللسان حتى يستجمع القلب أولا فإذا حضر القلب ذكر بالقلب واللسان معا " . ولكل وقت ذكره ولكل حال دعاؤه المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم فقد كان له صلى الله عليه وسلم فى الصباح أدعية وفى المساء أدعية وعند الطعام دعاء وعند النوم دعاء وعند الخلاء فاحرص يا أخى على أن تحفظ أدعية النبى صلى الله عليه وسلم واحرص على ترديدها بالقلب واللسان على كل حال وليكن لك ورد من الأدعية والأذكار قبل طلوع الشمس وقبل غروبها امتثالا لأمر ربك : " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى" 17.

التقويم :

  1. وضح فضل ذكر الله .

  2. غراس الجنة ....... ، ......... ، ......... ، ............

  3. فى حديث ابى الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ ..................... " أكمل .

  4. قوِّم مدى حرصك على ذكر الله فى أحوالك كلها ( فى اليوم والليلة ) .

 

 

الحلقة

الرابعة

 

 

الحلقة الرابعة

 

سورة الجن

مقدمة السورة :

هذه السورة تبده الحس - قبل أن ينظر إلى المعاني والحقائق الواردة فيها - بشيء آخر واضح كل الوضوح فيها .. إنها قطعة موسيقية مطردة الإيقاع ، قوية التنغيم ، ظاهرة الرنين ؛ مع صبغة من الحزن في إيقاعها ، ومسحة من الأسى في تنغيمها .. فإذا تجاوزنا هذه الظاهرة التي تبده الحس ؛ إلى موضوع السورة ومعانيها واتجاهها فإننا نجدها حافلة بشتى الدلالات والإيحاءات .

إنها ابتداء شهادة من عالم آخر بكثير من قضايا العقيدة التي كان المشركون يجحدونها ويجادلون فيها أشد الجدل ..ويزعمون أحيانا أن محمدا يتلقى من الجن ما يقوله لهم عنها ! فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها ؛ وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئا . والجن لم يعلموا بهذا القرآن إلا حين سمعوه من محمد فهالهم وراعهم ومسهم منه ما يدهش ويذهل ، وملأ نفوسهم وفاض حتى ما يملكون السكوت على ما سمعوا .. فانطلقوا يحدثون في روعة المأخوذ ، ووهلة المشدوه ، عن هذا الحادث العظيم .. وهي شهادة لها قيمتها في النفس البشرية حتما .

ثم إنها تصحيح لأوهام كثيرة عن عالم الجن في نفوس المخاطبين ابتداء بهذه السورة ، وفي نفوس الناس جميعا من قبل ومن بعد ؛ ووضع حقيقة هذا الخلق المغيب في موضعها بلا غلو ولا اعتساف .

وبينما كانت الأوهام والأساطير تغمر قلوب الناس ومشاعرهم وتصوراتهم عن الجن في القديم ، وما تزال .. نجد في الصف الآخر اليوم منكرين لوجود الجن أصلا ، يصفون أي حديث عن هذا الخلق المغيب بأنه حديث خرافة ..

 

وبين الإغراق في الوهم ، والإغراق في الإنكار ، يقرر الإسلام حقيقة الجن ، ويصحح التصورات العامة عنهم ، ويحرر القلوب من خوفها وخضوعها لسلطانهم الموهوم :

فالجن لهم حقيقة موجودة فعلا وهم كما يصفون أنفسهم هنا : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ) .. ومنهم الضالون المضلون ومنهم السذج الأبرياء الذين ينخدعون .. وهم قابلون للهداية من الضلال ، مستعدون لإدراك القرآن سماعا وفهما وتأثرا.. وأنهم قابلون بخلقتهم لتوقيع الجزاء عليهم وتحقيق نتائج الإيمان و الكفر فيهم .. وأنهم لا ينفعون الإنس حين يلوذون بهم بل يرهقونهم .. وأنهم لا يعلمون الغيب ، ولم تعد لهم صلة بالسماء .. وأنهم لا صهر بينهم وبين الله - سبحانه وتعالى - ولا نسب .. وأن الجن لا قوة لهم مع قوة الله ولا حيلة .. وهذا الذي ذكر في هذه السورة عن الجن بالإضافة إلى ما جاء في القرآن من صفات أخرى .. يعطي صورة عن ذلك الخلق المغيب ، تثبت وجوده ، وتحدد الكثير من خصائصه ؛ وفي الوقت ذاته تكشف الأوهام والأساطير ، العالقة بالأذهان عن ذلك الخلق ، وتدع تصور المسلم عنه واضحا دقيقا متحررا من الوهم والخرافة ، ومن التعسف في الإنكار الجامح كذلك !

* * *

والسورة التي بين أيدينا .. تساهم مساهمة كبيرة في إنشاء التصور الإسلامي عن حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية ، ثم عن هذا الكون وخلائقه ، والصلة بين هذه الخلائق المنوعة .

وفي مقالة الجن ما يشهد بوحدانية الله ، ونفي الصاحبة والولد ، وإثبات الجزاء في الآخرة ؛ وأن أحدا من خلق الله لا يعجزه في الأرض ولا يفلت من يديه ويفوته ، فلا يلاقي جزاءه العادل .. كما أن تلك الشهادة تقرر أن الألوهية لله وحده ، وأن العبودية هي أسمى درجة يرتفع إليها البشر : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) .. والغيب موكول لله وحده ؛ لا تعرفه الجن .. ولا تعرفه الرسل إلا ما يطلعهم الله عليه منه لحكمة يعلمها.. ثم إن هناك ارتباطا بين استقامة الخلائق على الطريقة ، وتحركات هذا الكون ونتائجها ، وقدر الله في العباد : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه . ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) .. وهذه الحقيقة تؤلف جانبا من التصور الإسلامي للارتباطات بين الإنسان والكون وقدر الله .

 

* * *

فأما هذا الحادث الذي أشارت إليه السورة . حادث استماع نفر من الجن للقرآن . فتختلف بشأنه الروايات ..وأيا كان زمان هذا الحادث وملابساته فهو أمر ولا شك عظيم .

حقائق إيمانية على لسان الجن

الآيات من ( 1 : 10 )

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا 1 يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا 2 وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا 3 وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا 4 وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا 5 وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا 6 وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا 7 وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا 8 وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا 9 وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا 10.

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس موقف الجن عند سماعهم للقرآن الكريم .

  2. أن يعدد الدارس بعض الحقائق الواردة على لسان الجن .

  3. أن يلخص الدارس الآيات الواردة في حادث استماع نفر من الجن للقرآن .

  4. أن يعدد الدارس بعض صفات القرآن كما يفهم في قول الجن .

  5. أن يصف الدارس حال الجن وموقفهم من هدي الله .

  6. أن يوضح الدارس تمجيد وتنزيه الجن لله من كل الخرافات التى كانت سائدة .

المفردات

-جد ربنا : تعالي جلاله وعظمته وأمره

سفيهنا : المراد ابليس أو اسم لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولد

شططا : ظلما كبيرا أو باطلا وزورا

زادوهم رهقا : أي خوفا وإرهابا وذعرا أو إثما أو ازدادت الجن عليهم جرأة

شهابا رصدا : شهابا مرصدا له لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه ويهلكه

* * *

( قل : أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ، ولن نشرك بربنا أحدا ) ..

والنفر ما بين الثلاثة والتسعة كالرهط . وقيل كانوا سبعة .

وهذا الافتتاح يدل على أن معرفة النبي بأمر استماع الجن له ، وما كان منهم بعد أن سمعوا القرآن منه .. كانت بوحي من الله سبحانه إليه ، وإخبارا عن أمر وقع ولم يعلم به الرسول ولكن الله أطلعه عليه . وقد تكون هذه هي المرة الأولى ، ثم كانت هناك مرة أو مرات أخرى قرأ النبي فيها على الجن عن علم وقصد ..

فإن هذه الآيات - كالسورة - تنبئ عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن ، مفاجأه أطارت تماسكهم ، وزلزلت قلوبهم ، وهزت مشاعرهم .. فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة فائضة بما لا تملك له دفعا ، ولا تملك عليه صبرا ، قبل أن تفيضه على الآخرين

( وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ، وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ) ..

وهذه مراجعة من الجن لما كانوا يسمعون من سفهائهم من الشرك بالله ، وادعاء الصاحبة والولد والشريك ، بعدما تبين لهم من سماع القرآن أنه لم يكن حقا ولا صوابا ، وأن قائليه إذن سفهاء فيهم خرق وجهل ، وهم يعللون تصديقهم لهؤلاء السفهاء من قبل بأنهم كانوا لا يتصورون أن أحدا يمكن أن يكذب على الله من الإنس أو الجن . فهم يستعظمون ويستهولون أن يجرؤ أحد على الكذب على الله . فلما قال لهم سفهاءهم : إن لله صاحبة وولدا ، وإن له شريكا صدقوهم ، لأنهم لم يتصوروا أنهم يكذبون على الله أبدا .. وهذا الشعور من هؤلاء النفر بنكارة الكذب على الله ، هو الذي أهلهم للإيمان . فهو دلالة على أن قلوبهم نظيفة مستقيمة .

 

( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) ..

وهذه إشارة من الجن إلى ما كان متعارفا في الجاهلية - وما يزال متعارفا إلى اليوم في بيئات كثيرة - من أن للجن سلطانا على الأرض وعلى الناس ، وأن لهم قدرة على النفع والضر ، وأنهم محكمون في مناطق من الأرض أو البحر أو الجو .. إلى آخر هذه التصورات.

والشيطان مسلط على قلوب بني آدم - إلا من اعتصم بالله فهو في نجوة منه - وأما من يركن إليه فهو لا ينفعه . فهو عدو له . إنما يرهقه ويؤذيه .. ولعل هذا الرهق هو الضلال والقلق والحيرة التي تنوش قلوب من يركنون إلى عدوهم ، ولا يعتصمون بالله منه ويستعيذون .

والقلب البشري حين يلجأ إلى غير الله ، طمعا في نفع ، أو دفعا لضر ، لا يناله إلا القلق والحيرة ، وقلة الاستقرار والطمأنينة ... وهذا هو الرهق في أسوأ صوره .. الرهق الذي لا يشعر معه القلب بأمن ولا راحة !

( وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ) ..

يتحدثون إلى قومهم ، عن أولئك الرجال من الإنس الذين كانوا يعوذون برجال من الجن ، يقولون : إنهم كانوا يظنون - كما أنكم تظنون - أن الله لن يبعث رسولا . ولكن ها هو ذا قد بعث رسولا ، بهذا القرآن الذي يهدي إلى الرشد .. أو أنهم ظنوا أن لن يكون هناك بعث ولا حساب - كما ظننتم - فلم يعملوا للآخرة شيئا ، وكذبوا ما وعدهم الرسول من أمرها ، لأنهم كانوا لا يعتقدون من قبل فيها .

ويمضي الجن في حكاية ما لقوه وما عرفوه من شأن هذه الرسالة في جنبات الكون ، وفي أرجاء الوجود ، وفي أحوال السماء والأرض :

( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا )..

وهذه الوقائع التي حكاها القرآن عن الجن من قولهم ، توحي بأنهم قبل هذه الرسالة الأخيرة .. كانوا يحاولون الإتصال بالملأ الأعلى ، واستراق شيء مما يدور فيه ، بين الملائكة ، عن شؤون الخلائق في الأرض ، مما يكلفون قضاءه تنفيذا لمشيئة الله وقدره . ثم يوحون بما التقطوه لأوليائهم من الكهان والعرافين ، ليقوم هؤلاء بفتنة الناس وفق خطة إبليس ! على أيدي هؤلاء الكهان والعرافين الذين يستغلون القليل من الحق فيمزجونه بالكثير من الباطل ، ويروجونه بين جماهير الناس في الفترة بين الرسالتين ، وخلو الأرض من رسول.

وهذا النفر من الجن يقول : إن استراق السمع لم يعد ممكنا ، وإنهم حين حاولوه الآن .. وجدوا الطريق إليه محروسا بحرس شديد ، يرجمهم بالشهب ، فتنقض عليهم وتقتل من توجه إليه منهم . ويعلنون أنهم لا يدرون شيئا عن الغيب المقدر للبشر : ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ؟ ) .. فهذا الغيب موكول لعلم الله لا يعلمه سواه . فأما نحن فلا نعلم ماذا قدر الله لعباده في الأرض : قدر أن ينزل بهم الشر . فهم متروكون للضلال ، أم قدر لهم الرشد - وهو الهداية - وقد جعلوها مقابلة للشر .

وإذا كان المصدر الذي يزعم الكهان أنهم يستقون منه معلوماتهم عن الغيب ، يقرر أنه هو لا يدري عن ذلك شيئا ، فقد انقطع كل قول ، وبطل كل زعم .. وتمحض الغيب لله ، لا يجترئ أحد على القول بمعرفته ، ولا على التنبؤ به .

أهم الدروس المستفادة :

  1. أن نعرف بعض حقائق عن الجن مثل أنهم موجودون فعلا – منهم المسلمون الصالحون ومنهم المضلون الظالمون ، قابلون للهداية ، قابلون لتوقيع الجزاء عليهم ، لا ينفعون الإنس ، لا يعلمون الغيب ، لم تعد لهم صلة بالسماء .

  2. أن نقر بحقائق إيمانية هامة مثل :- اثبات الوحدانية لله ، ونفي الصاحبة والولد ، واثبات الجزاء في الآخرة ، وعدم إفلات أحد من خلق الله من الجزاء العادل ، وأنه سبحانه وتعالى النافع والضار ، ولا يعلم الغيب إلا الله عز وجل .

  3. من يلجأ إلي غير الله طمعا في نفع أو دفعا لضر لا يناله إلا القلق والحيرة والمشقة التي لا راحة معها .

التقويم :

    1. أذكر موقف الجن عند سماعهم للقرآن الكريم .

    2. عدد بعض الحقائق الواردة على لسان الجن .

    3. لخص الآيات الواردة في حادث استماع نفر من الجن للقرآن .

    4. عدد بعض صفات القرآن كما يفهم في قول الجن .

    5. صف حال الجن وموقفهم من هدي الله .

    6. وضح تمجيد وتنزيه الجن لله من كل الخرافات التى كانت سائدة .

    7. اذكر مناسبة نزول السورة مبينا ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من دور مع الجن بعد ذلك .

    8. أذكر أهم الدروس التى تعلمتها شخصياً من دراسة هذه الآيات .

 

 

 

 

 

 

الحلقة

الخامسة

 

 

الحلقة الخامسة

الدرس الأول :

 

الجن يصفون حالهم وموقفهم من هدى الله

الآيات من ( 11- 17 )

وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا 11 وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا 12 وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا 13 وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا 14 وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا 15 وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا 16 لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا 17

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يصنف الدارس الجن وجزاء كل صنف كما حددت الآيات .

  2. أن يوضح الدارس فوائد الاستقامة على منهج الله تعالى .

  3. أن يحذر الدارس من فتنة الرخاء .

  4. أن يبين الدارس خطورة الإعراض عن ذكر الله تعالى .

المفردات

طرائق قددا : طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة

القاسطون : القاسط هو الجائر عن الحق بخلاف المقسط فإنه العادل

صعدا : شاقا مؤلما موجعا أي مشقة لا راحة معها وقيل جبل في جهنم

******

بعد ذلك أخذ الجن يصفون حالهم وموقفهم من هدى الله :

( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ، كنا طرائق قددا ) ..

وهذا التقرير من الجن بأن منهم صالحين وغير صالحين ، مسلمين وقاسطين ، يفيد ازدواج طبيعة الجن ، واستعدادهم للخير والشر كالإنسان - إلا من تمحض للشر منهم وهو إبليس وقبيله - .. وهذا النفر من الجن يقول : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ) .. ويصف حالهم بصفة عامة : ( كنا طرائق قددا ) .. أي لكل منا طريقته المنفصلة المقدودة المنقطعه عن طريقة الفريق الآخر .

ثم بين النفر معتقدهم الخاص بعد إيمانهم : ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ، ولن نعجزه هربا ) ..

فهم يعرفون قدرة الله عليهم في الأرض ، ويعرفون عجزهم عن الهرب من سلطانه - سبحانه - والإفلات من قبضته.. فلا هم يعجزون الله وهم في الأرض ، ولا هم يعجزونه بالهرب منها . وهو ضعف العبد أمام الرب ، وضعف المخلوق أمام الخالق .. وهؤلاء الجن هم الذين يعوذ بهم رجال من الإنس.. وهؤلاء هم يعترفون بعجزهم وقدرة الله ..فيصححون ، لا لقومهم فحسب بل للمشركين كذلك ، حقيقة القوة الواحدة الغالبة على هذا الكون ومن فيه .

ثم يصفون حالهم عندما سمعوا الهدى : ( وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ) .. كما ينبغي لكل من يسمع الهدى . وهم سمعوا القرآن . ولكنهم يسمونه هدى كما هي حقيقته ونتيجته . ثم يقررون ثقتهم في ربهم ، وهي ثقة المؤمن في مولاه :

( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) ..

وهي ثقة المطمئن إلى عدل الله ، وإلى قدرته ، ثم إلى طبيعة الإيمان وحقيقته .. فالله - سبحانه - عادل ، ولن يبخس المؤمن حقه ، ولن يرهقه بما فوق طاقته . والله - سبحانه - قادر . فسيحمي عبده المؤمن من البخس وهو نقص الاستحقاق إطلاقا ، ومن الرهق وهو الجهد والمشقة فوق الطاقة . ومن ذا الذي يملك أن يبخس المؤمن أو يرهقه وهو في حماية الله ورعايته ؟.

ثم يقررون تصورهم لحقيقة الهدى والضلال ، والجزاء على الهدى والضلال :

( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون . فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا . وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ..

والقاسطون : الجائرون المجانبون للعدل والصلاح . وقد جعلهم هذا النفر من الجن فريقا يقابل المسلمين .. فالمسلم عادل مصلح ، يقابله القاسط : الجائر المفسد ..

( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) .. والتعبير بلفظ ( تحروا ) يوحي بأن الاهتداء إلى الإسلام معناه الدقة في طلب الرشد والاهتداء .. ومعناه تحري الصواب واختياره عن معرفة وقصد بعد تبين ووضوح .. ومعناه أنهم وصلوا فعلا إلى الصواب حين اختاروا الإسلام ..

( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) أي تقرر أمرهم وانتهى إلى أن يكون حطبا لجهنم ، تتلظى بهم وتزداد اشتعالا ، كما تتلظى النار بالحطب .. ودل هذا على أن الجن يعذبون بالنار . ومفهومه أنهم كذلك ينعمون بالجنة .. هكذا يوحي النص القرآني . وهو الذي نستمد منه تصورنا .

( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ، ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) ..

يقول الله - سبحانه - إنه كان من مقالة الجن عنا : ما فحواه أن الناس لو استقاموا على الطريقة ، أو أن القاسطين لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم نحن ماءا موفورا نغدقه عليهم ، فيفيض عليهم بالرزق والرخاء .. ( لنفتنهم فيه ) .. ونبتليهم أيشكرون أم يكفرون .

وهذه اللفتة تحتوي جملة حقائق ، تدخل في تكوين عقيدة المؤمن ، وتصوره عن مجريات الأمور وارتباطاتها .

والحقيقة الأولى : هي الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله ، وبين إغداق الرخاء وأسبابه ؛ وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه .. وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض حقيقة قائمة .

والحقيقة الثانية : هي أن الرخاء ابتلاء من الله للعباد وفتنة .. والصبر على الرخاء والقيام بواجب الشكر عليه والإحسان فيه أشق وأندر من الصبر على الشدة .. فكثيرون هم الذين يصبرون على الشدة ويتماسكون لها ، بحكم ما تثيره في النفس من تجمع ويقظة ومقاومة .. فأما الرخاء فينسي ويلهي .. ويهيئ الفرصة للغرور بالنعمة والاستنامة للشيطان !

والحقيقة الثالثة : إن الإعراض عن ذكر الله ، الذي قد تنتهي إليه فتنة الابتلاء بالرخاء ، مؤد إلى عذاب الله . والنص يذكر صفة للعذاب ( يسلكه عذابا صعدا ) .. توحي بالمشقة مذ كان الذي يصعد في المرتفع يجد مشقة في التصعيد كلما صعد .. والتقابل واضح بين الفتنة بالرخاء وبين العذاب الشاق عند الجزاء !

أهم الدروس المستفادة :

    • أن نعترف بعجزنا وضعفنا أمام قدرة الله عز وجل ونلجأ إليه سبحانه وتعالي .

    • أن نتعلم من الجن كيف يكون سماعنا للقرآن الكريم ( الهدى ) وتفاعلنا مع كلام الله عز وجل .

    • أن نتعلم من الجن ثقة المؤمن في مولاه والاطمئنان إلى حماية الله ورعايته .

    • الاستقامة علي أمر الله هي الطريقة الوحيدة إلى الرخاء والتمكين في الأرض أفراداً وأمما .

    • أن نحذر من فتنة الرخاء التي قد تكون أشد من فتنة البلاء ، لأن الرخاء ينسي ويلهي .

التقويم :

  1. صنف الجن وجزاء كل صنف كما حددت الآيات .

  2. يجب علي المسلم سرعة الاستجابة لنداء الإيمان اذكر الآية الدالة علي ذلك مبينا الشعور الذي يسيطر علي المؤمن حينئذ .

  3. " وألو أستقاموا علي الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا " أشارت الآية إلي عدة حقائق هامة وضحها .

  4. أذكر أهم الدروس التي تأثرت بها من هذه الآيات .

الدرس الثاني :

 

العقيدة

من وسائل الارتقاء الإيماني

 

  1. قيام الليل ( مدرسة الصالحين وقرة عين العابدين )

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح فضل قيام الليل وأهميته .

  2. أن يوضح الأمور المعينة على قيام الليل .

*********************************

  1. فضل قيام الليل وأهميته :

فقيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة اليومية والاتصال بالله وتلقى فيضه ونوره والأنس بالوحدة معه والخلود إليه وترتيل القرآن والكون ساكن وكأنما ينزل من الملأ الأعلى ، هى إعلان بسيطرة روح المؤمن على جسده واستجابة لدعوة الله وإيثار للأنس، به فللذكر فيه حلاوة وللصلاة فيه خشوع وللمناجاة فيه شفافية ، ولا يجد المرء ذلك فى صلاة النهار. "ولأهمية قيام الليل أمر الله نبيه حيث قال " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا " 18 وقال أيضا " ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " 19 وامتدح الله المتقين لقيامهم بالليل فقال " إن المتقين فى جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون " 20

ويقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : " أقرب ما يكون العبد من ربه فى جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله فى تلك الساعة فكن "21 . وقيام الليل شرف المؤمن كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم : " شرف المؤمن صلاته بالليل وعزه استغناؤه عما فى أيدى الناس " 22

وكما قال الحسن : كان الرجل ينام مع امرأته على وسادة فيبكى طول الليل وهى لا تشعر ، فإن الليل لا يقدر عليه إلا صادق فى توجهه إلى الله حيث الخالق بلا خلق وسهام الليل لا تخطئ . يقول النبى صلى الله عليه وسلم : " ينزل ربنا تبار ك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فاغفر له ؟" 23 وقد كان هذا دأب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يترك فى حضر ولا سفر ولا صحة ولا مرض . قالت عائشة رضى الله عنها : لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه وكان إذا مرض أو قالت كسل صلى قاعدا "24 . وكان صلى الله عليه وسلم أحرص عليه فى الشدائد ففى يوم بدر قال على رضى الله عنه لقد رأيتنا وما منا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلى ويبكى حتى أصبح"25 .

وهذا كان دأب الصحابه رضوان الله عليهم ، قال العباس بن عبد المطلب عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما : " كنت جارا لعمر فما رأيت أحدا من الناس كان أفضل منه، إن ليله صلاه وإن نهاره صيام وفى حاجات الناس"26 .

ب- ويعينك يا أخى على قيام الليل : ـ

  • الرغبة الأكيدة فى القيام بالعزم والاستعانة بالله بالدعاء .

  • ترك الذنب والتوبة الصادقة فقد يحرم المرء القيام بالذنب .

  • النوم على طهارة وترديد أدعية النوم.

  • اغتنام نوم القيلولة إن أمكن.

فاحرص يا أخى على هذا الفضل وحاول أن تصلى ركعات بالليل بين العشاء والفجر وأبدأ فى أول الليل أو أوسطه أو آخره ما تيسر لك عسى أن تكتب فى ديوان أهل الليل .

التقويم :

  1. وضح فضل قيام الليل وأهميته .

  2. وضح الأمور المعينة على قيام الليل .

  3. قوِّم مدى حرصك على قيام الليل ؟

 

 

الحلقة

السادسة

 

 

الحلقة السادسة

 

الدرس الأول :

 

توجيهات إلهية للرسول عليه السلام

الآيات من ( 18 : 28 )

وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا 18 وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا 19 قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا 2. قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا 21 قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا 22 إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا 23 حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا 24 قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا 25 عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا 26 إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا 27 لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا 28

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يبين الدارس الآيتين ( 18 ، 19 ) من قول الله عز وجل أم من قول الجن .

  2. أن يشرح الدارس توجيهات الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات .

  3. أن يبين الدارس الحقائق التى وردت في الآيات .

  4. أن يبين الدارس مدى علم الرسل للغيب .

  5. أن يبين الدارس مدى رقابة الله عز وجل وحفظه لرسله .

المفردات

لبدا : متراكمين بعضهم علي بعض

ملتحدا : لا ملجأ أو لا يضر

******

( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) ..

والآية في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن ، ويجوز أن تكون من كلام الله ابتداء :

وهي في الحالتين توحي بأن السجود - أو مواضع السجود وهي المساجد - لا تكون إلا لله ، فهناك يكون التوحيد الخالص .. وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة لله . ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره ؛ وقد يكون بالإلتجاء إلى سواه ؛ وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير الله .

( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) ..

أي متجمعين متكتلين عليه ، حين قام يصلي ويدعو ربه . والصلاة معناها في الأصل الدعاء.

فإذا كانت من مقولات الجن ، فهي حكاية منهم عن مشركي العرب ، الذين كانوا يتجمعون فئات حول رسول الله وهو يصلي أو وهو يتلو القرآن .. يتسمعون في دهش ولا يستجيبون . أو وهم يتجمعون لإيقاع الأذى به ، ثم يعصمه الله منهم كما وقع ذلك مرارا .. ويكون قول الجن هذا لقومهم للتعجيب من أمر هؤلاء المشركين !

وإذا كانت من أخبار الله ابتداء ، فقد تكون حكاية عن حال هذا النفر من الجن ، حين سمعوا القرآن .. العجب .. فأخذوا ودهشوا ، وتكأكأوا على رسول الله بعضهم لصق بعض ، كما تكون لبدة الصوف المنسوق شعرها ، بعضه لصق بعض ! .. ولعل هذا هو الأقرب لمدلول الآية .. والله أعلم .

وعندما تنتهي حكاية مقالة الجن .. يتوجه الخطاب إلى الرسول :

( قل : إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا . قل : إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) ..

قل يا محمد للناس : ( إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ) .. وهذا الإعلان يجيء بعد إعلان الجن لقومهم : ( ولن نشرك بربنا أحدا ) .. فيكون له طعمه وله إيقاعه . فهي كلمة الإنس والجن ، يتعارفان عليها . فمن شذ عنها كالمشركين فهو يشذ عن العالمين .

( قل : إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) .. يؤمر الرسول أن يتجرد ، ويؤمر أن ينفض يديه من كل ادعاء لشيء هو من خصائص الله الواحد الذي يعبده ولا يشرك به أحدا . فهو وحده الذي يملك الضر ويملك الخير . ويجعل مقابل الضر الرشد ، وهو الهداية ..

وبهذا وذلك يتجرد الجن - وهو موضع الشبهة في المقدرة على النفع والضر - ويتجرد النبي وتتفرد الذات الإلهية بهذا الأمر . ويستقيم التصور الإيماني على هذا التجرد الكامل الصريح الواضح .

( قل : إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا . إلا بلاغا من الله ورسالاته ... ) ..

والرسول يؤمر بإعلان هذه الحقيقة الكبيرة .. إني لن يجيرني من الله أحد ، ولن أجد من دونه ملجأ أو حماية ، إلا أن أبلغ هذا الأمر ، وأؤدي هذه الأمانة ، فهذا هو الملجأ الوحيد .

هكذا يتبين أمر الدعوة ويتحدد .. إنها تكليف وواجب . وراءه الهول ، ووراءه الجد ، ووراءه الكبير المتعال !

( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا .) .

فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي . بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ .

(حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا)

وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد ، ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد والمؤمنين القلائل معه ، فسيعلمون حين يرون ما يوعدون - إما في الدنيا وإما في الآخرة - ( من أضعف ناصرا وأقل عددا ) .. وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل !

ثم يؤمر الرسول أن يتجرد وينفض يديه من أمر الغيب أيضا :

( قل : إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ) ..

إن الدعوة ليست من أمره ، وليس له فيها شيء .. وإن ما يوعدونه على العصيان والتكذيب هو كذلك من أمر الله ، وليس له فيه يد ، ولا يعلم له موعدا . فما يدري أقريب هو أم بعيد يجعل له الله أمدا ممتدا . سواء عذاب الدنيا أو عذاب الأخرة . فكله غيب في علم الله ؛

والله - سبحانه - هو المختص بالغيب دون العالمين :

( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ) ..

ويقف النبي متجردا من كل صفة إلا صفة العبودية . فهو عبد الله .. ويتجرد التصور الإسلامي من كل شبهة ومن كل غبش .

هناك فقط استثناء واحد .. ( إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ، وأحاط بما لديهم ، وأحصى كل شيء عددا ) ..

فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته ، يطلعهم على جانب من غيبه ، هو هذا الوحي : موضوعه ، وطريقته ، والملائكة الذين يحملونه ، ومصدره ، وحفظه في اللوح المحفوظ .. إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم .

وفي الوقت ذاته يحيط هؤلاء الرسل بالأرصاد والحراس من الحفظة ، للحفظ والرقابة . يحمونهم من وسوسة الشيطان ونزغه ، ومن وسوسة النفس وتمنيتها ، ومن الضعف البشري في أمر الرسالة ، ومن النسيان أو الانحراف . ومن سائر ما يعترض البشر من النقص و الضعف .

( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) .. والله يعلم . ولكن المقصود هو أن يقع منهم البلاغ فيتعلق به علمه في عالم الواقع .

( وأحاط بما لديهم ) .. فما من شيء في نفوسهم وفي حياتهم ومن حولهم ، إلا وهو في قبضة العلم لا يند منه شيء ..

( وأحصى كل شيء عددا ) .. لا يقتصر على ما لدى الرسل ؛ بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدا ، وهو أدق الإحاطة والعلم !

من أهم الدروس المستفادة :

    • لا يملك الضر ولا يملك الخير ولا يعلم الغيب إلا الله وحده سبحانه وتعالى .

    • لا ملجأ ولا منجى من الله إلا بتبليغ دعوته وأداء الأمانة .

    • أن نحذر مغبة معصية الله ورسوله في الدنيا والآخرة .

    • الله عز وجل هو الذي يحفظ دعوته ويحفظ رسله ومن سار على دربهم فالدعوة دعوته وكل شيء بأمره .

التقويم :

  1. بين الآيتين ( 18 ، 19 ) من قول الله عز وجل أم من قول الجن .

  2. اشرح توجيهات الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات .

  3. بين الحقائق التى وردت في الآيات .

  4. بين مدى علم الرسل للغيب كما بينت الآيات.

  5. بين مدى رقابة الله عز وجل وحفظه لرسله كما أوضحت الآيات .

  6. بين أهم الدروس التى تعلمتها من الآيات .

الدرس الثاني :

 

العقيدة

من وسائل الارتقاء الإيماني

 

  1. التعلق بالمساجد

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح المقصود بالتعلق بالمساجد .

  2. أن يوضح فضل التعلق بالمساجد .

**********************************

أ- المقصود بالتعلق بالمساجد :

المساجد بيوت الله فى الأرض وزوارها عمارها يسبحون الله فيها فاستحقوا الوصف بالرجولة : " فى بيوت أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار" 27 .

وأداء الصلاة فى المسجد ليس هو المقصود بل تعلق القلب بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه. وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة فيها كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :" ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط "28

ب- وللتعلق بالمساجد فضائل : منها الحياة الطيبة وحسن الخاتمة ، وأن يعد الله له نزلا فى الجنة ، وأن الملائكة تصلى عليه مادام فى مصلاه ، وله البشارة بالنور التام يوم القيامة ، وله حصول الرحمة والجواز على الصراط ، وللمتعلقين بالمساجد علاقة خاصة بالملائكة يسألون عنهم إذا غابوا ويعودونهم إن مرضوا ويعينونهم على حوائجهم .

فلتحرص يا أخى على صلاة الجماعة الأولى بالمسجد ، ولتحرص على الصف الأول ، ولتكن نيتك العودة إلى المسجد وأنت خارج منه ، واجعل لك فيه أوقات تنتظر الصلاة فيه ، واحرص على حضور حلق الذكر ودروس العلم والمحاضرات .

التقويم :

  1. وضح المقصود بالتعلق بالمساجد .

  2. وضح فضل التعلق بالمساجد .

  3. أذكر أحد المواقف التى استشعرت خلالها فضل التعلق بالمساجد .

  4. قوِّم مدى تعلق قلبك بالمساجد ؟

  5. قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :" ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال ....................... " أكمل الحديث .

 

 

 

الحلقة

السابعة

 

 

الحلقة السابعة

 

مقدمة السورة

يروى في سبب نزول هذه السورة أن قريشا اجتمعت في دار الندوة تدبر كيدها للنبي وللدعوة التي جاءهم بها . فبلغ ذلك رسول الله فاغتم له ؛ والتف بثيابه وتزمل ونام مهموما . فجاءه جبريل عليه السلام بشطر هذه السورة الأول ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا.. الخ ) وتأخر شطر السورة الثاني من قوله تعالى : ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ... ) إلى آخر السورة . تأخر عاما كاملا . حين قام رسول الله وطائفة من الذين معه ، حتى ورمت أقدامهم ، فنزل التخفيف في الشطر الثاني بعد اثني عشر شهرا .

وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك ..

وخلاصتها أن رسول الله كان يتحنث في غار حراء - قبل البعثة بثلاث سنوات - أي يتطهر ويتعبد - وكان تحنثه - عليه الصلاة والسلام - شهرا من كل سنة - هو شهر رمضان - يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة ، ومعه أهله قريبا منه . فيقيم فيه هذا الشهر ، يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة ..

وكان اختياره لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم .. دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات . ينطلق في هذه العزلة شهرا من الزمان.. ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون ، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله .

فلما أن أذن ، وشاء - سبحانه - أن يفيض من رحمته هذا الفيض على أهل الأرض ، جاء جبريل عليهالسلام إلى النبي وهو في غار حراء .. وكان ما قصه رسول الله من أمره معه فيما رواه ابن إسحاق..ثم فتر الوحي مدة عن النبي إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل ، فأدركته منه رجفة ، حتى جثى وهوى إلى الأرض ، وانطلق إلى أهله يرجف ، يقول : زملوني . دثروني .. ففعلوا . وظل يرتجف مما به من الروع . وإذا جبريل يناديه : ( يا أيها المزمل ) .. ( وقيل : يا أيها المدثر ) والله أعلم أيتهما كانت .

وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة . أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها ، فقد علم رسول الله أنه لم يعد هناك نوم ! وأن هناك تكليفا ثقيلا ، وعملا شاقا ، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام !

وقيل لرسول الله ( قم ) .. فقام . وظل قائما بعدها أكثر من عشرين عاما ! لم يسترح . ولم يسكن . ولم يعش لنفسه ولا لأهله . قام وظل قائما على دعوة الله . يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به . عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض . عبء البشرية كلها ، وعبء العقيدة كلها ، وعبء الكفاح في ميادين شتى .

حمل عبء الكفاح في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها.. حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر .. بل معارك متلاحقة .. مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها.

وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى - معركة الضمير - قد انتهت . فهي معركة خالدة ، الشيطان صاحبها ؛ وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني .. ومحمد قائم على دعوة الله هناك . وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة . في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه . وفي جهد وكد والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة . وفي نصب دائم لا ينقطع .. وفي صبر جميل على هذا كله . وفي قيام الليل . وفي عبادة لربه . وترتيل لقرآنه وتبتل إليه ، كما أمره أن يفعل وهو يناديه : ( يا أيها المزمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ) .

وهكذا قام محمد وهكذا عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عاما . لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد . منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب .. جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء ..

* * *

والسورة بشطريها تعرض صفحة من تاريخ هذه الدعوة . تبدأ بالنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم . وتصور الإعداد له والتهيئة بقيام الليل ، والصلاة ، وترتيل القرآن ، والذكر الخاشع المتبتل . والاتكال على الله وحده ، والصبر على الأذى ، والهجر الجميل للمكذبين ، والتخلية بينهم وبين الجبار القهار صاحب الدعوة وصاحب المعركة ! ..

وتنتهي بلمسة الرفق والرحمة والتخفيف والتيسير . والتوجيه للطاعات والقربات ، والتلويح برحمة الله ومغفرته :( إن الله غفور رحيم ) ..

وهي تمثل بشطريها صفحة من صفحات ذلك الجهد الكريم النبيل الذي بذله ذلك الرهط المختار من البشرية – البشرية الضالة ، ليردها إلى ربها ، ويصبر على أذاها ، ويجاهد في ضمائرها ؛ وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري ، ولذاذة تلهي ، وراحة ينعم بها الخليون . ونوم يلتذه الفارغون !

الإعداد الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم

الآيات من ( 1 : 10 )

يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ 1 قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 2 نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا 3 أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا 4 إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا 5 إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلًا 6 إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا 7 وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا 8 رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا 9 وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا 10

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس سبب نزول السورة .

  2. أن يوضح الدارس وسائل الإعداد الإلهية لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات .

  3. أن يبين الدارس الأسباب التي من أجلها كانت هذه التكاليف .

  4. أن يبين الدارس أهمية هذه التكاليف في إعداد الدعاة .

  5. أن يبين الدارس وجوب الصبر كزاد للداعية إلى الله عز وجل .

المفردات :

- المزمل : الذي تلفف في ثيابيه وتغطي

ورتل : ترسل في القراءة وبينه تبينا

ناشئة الليل : أي ساعة الليل من صلاة العشاء فما فوق كل ساعة تسمي ناشئة

سابحة : اشتغالا في شؤنك وأعمالك

تبتل : انقطع إليه انقطاعا تاما في عبادتك .

*****

( يا أيها المزمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . )

( يا أيها المزمل .. قم .. ) .. إنها دعوة السماء ، وصوت الكبير المتعال .. قم .. قم للأمر العظيم الذي ينتظرك ، والعبء الثقيل المهيأ لك .. قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.

إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ، ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا.. فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير ..فماله والنوم ؟ وماله والراحة ؟ .. ولقد عرف رسول الله حقيقة الأمر وقدره ، فقال لخديجة - رضي الله عنها - وهي تدعوه أن يطمئن وينام : مضى عهد النوم يا خديجة .

( يا أيها المزمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ) ..

إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة .. قيام الليل . أكثره أكثر من نصف الليل ودون ثلثيه . وأقله ثلث الليل .. قيامه للصلاة وترتيل القرآن . وهو مد الصوت به وتجويده . بلا تغن ولا تطر ولا تخلع في التنغيم .

وقد صح عن وتر رسول الله بالليل أنه لم يتجاوز إحدى عشرة ركعة . ولكنه كان يقضي في هذه الركعات ثلثي الليل إلا قليلا ، يرتل فيه القرآن ترتيلا .

وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله الله عليه .. ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) ..

هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف .. والقرآن في مبناه ليس ثقيلا فهو ميسر للذكر . ولكنه ثقيل في ميزان الحق ، ثقيل في أثره في القلب .. وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه ، لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل .

وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردد ولا ارتياب ، ولا تلفت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات ، لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل .

وإن قيام الليل والناس نيام .. والإتصال بالله ، وتلقي فيضه ونوره ، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه ، وترتيل القرآن والكون ساكن.. إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل ، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل.

( إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا ) ..

( ناشئة الليل ) هي ما ينشأ منه بعد العشاء ؛ والآية تقول : ( إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ) : أي أجهد للبدن ، ( وأقوم قيلا ) : أي أثبت في .. فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش ، بعد كد النهار ، أشد وطأ وأجهد للبدن ؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح ، واستجابة لدعوة الله ، وإيثار للأنس به ، ومن ثم فإنها أقوم قيلا ، لأن للذكر فيها حلاوته ، وللصلاة فيها خشوعها ، وللمناجاة فيها شفافيتها .. وإنها لتسكب في القلب أنسا وراحة وشفافية ونورا ، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره .

والله - سبحانه - وهو يعد عبده ورسوله محمدا ليتلقى القول الثقيل .. اختار له قيام الليل ، لأن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا . ولأن له في النهار مشاغله ونشاطه الذي يستغرق كثيرا من الطاقة والالتفات :

( إن لك في النهار سبحا طويلا ) .. فلينقض النهار في هذا السبح والنشاط ، وليخلص لربه في الليل ، يقوم له بالصلاة والذكر .

( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ) ..

وذكر اسم الله ، ليس هو مجرد ترديد هذا الاسم الكريم باللسان .. إنما هو ذكر القلب الحاضر مع اللسان الذاكر ؛ أو هو الصلاة ذاتها وقراءة القرآن فيها . والتبتل هو الانقطاع الكلي عما عدا الله ، والاتجاه الكلي إليه بالعبادة والذكر.

( رب المشرق والمغرب ، لا إله إلا هو ، فاتخذه وكيلا ) ..

فهو رب كل متجه .. رب المشرق والمغرب .. وهو الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو . فالانقطاع إليه هو الانقطاع للحقيقة الوحيدة في هذا الوجود ؛ والتوكل عليه هو التوكل على القوة الوحيدة في هذا الوجود . والاتكال على الله وحده هو الثمرة المباشرة للاعتقاد بوحدانيته ، وهيمنته على المشرق والمغرب ، أي على الكون كله .

ثم وجه الله الرسول إلى الصبر الجميل على ما يلقاه من قومه من الاتهام والإعراض والصد والتعطيل:

( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا .) .. ( واصبر على ما يقولون ) مما يغيظ ويحنق ، ( واهجرهم هجرا جميلا ) .. لا عتاب معه ولا غضب ، ولا هجر فيه ولا مشادة .. والهجر الجميل مع التطاول والتكذيب ، يحتاج إلى الصبر بعد الذكر . والصبر هو الوصية من الله لكل رسول من رسله .. ولعباده المؤمنين برسله . وما يمكن أن يقوم على هذه الدعوة أحد إلا والصبر زاده وعتاده .. والصبر ملجؤه وملاذه . فهي جهود .. مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها .. و مع أعداء الدعوة ووسائلهم وتدبيرهم وكيدهم وأذاهم . ومع النفوس عامة وهي تتفصى من تكاليف هذه الدعوة ، وتتفلت .. والداعية لا زاد له إلا الصبر أمام هذا كله ، والذكر وهو قرين الصبر في كل موضع تقريبا !

بعض ما ترشد إليه الآيات :

    • الإعداد للمهمة الكبرى لا يكون إلا بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة التى أعد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ( قيام الليل – ورتل القرآن ترتيلا – ذكر الله عز وجل والخلوة به والاتجاه الكلي إلي الله بالعبادة ... )

    • الداعي إلي الله عز وجل لا بد له من الصبر زاده والذكر عتاده .

التقويم :

  1. وضح سبب نزول السورة .

  2. أذكر وسائل الإعداد الإلهية لرسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات .

  3. بين الأسباب التي من أجلها كانت هذه التكاليف .

  4. بين أهمية هذه التكاليف في إعداد الدعاة .

  5. بين وجوب الصبر كزاد للداعية إلى الله عز وجل .

 

 

الحلقة

الثامنة

 

 

الحلقة الثامنة

 

الدرس الأول :

تهديد .. ووعيد .. وتذكرة

الآيات من ( 11 : 19 )

وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا 11 إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا 12 وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا 13 يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا 14 إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا 15 فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا 16 فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا 17 السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا 18 إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا 19

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس ما توعد به الله المكذبين يوم القيامة .

  2. أن يصف الدارس مشاهد يوم القيامة وأهوالها كما بينت الآيات .

  3. أن يوضح الدارس عاقبة تكذيب فرعون لموسي عليه السلام .

  4. أن يوضح الدارس وقع هذه الآيات على النفس والهدف من ذكرها .

معاني المفردات :

- أولي النعمة : أهل التنعم والترف

أنكالا : جمع نكل وهو القيد من حديد

طعاما ذا غصة : يغص في الحلق وهو الزقوم والضريع

ترجف الأرض : تتزلزل

كثيبا مهيلا : رملا مجتمعا مهيلا أي سائلا بعد اجتماعه

أخذا وبيلا : عظيما شديدا

السماء منفطربه : ذات انفطار وانشقاق بسبب هول ذلك اليوم .

******

( وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ) .. كلمة يقولها الجبار القهار القوي المتين .. ذرني والمكذبين .. وسأتولى أنا حربهم ، فاسترح أنت من التفكير في شأن المكذبين .. إنها القاصمة المزلزلة المذهلة حين يخلو الجبار ، إلى هذه الخلائق الهينة المضعوفة .. ( أولي النعمة ) مهما يكن من جبروتهم في الأرض على أمثالهم من المخاليق ..( ومهلهم قليلا ) ولو مهلهم الحياة الدنيا كلها ما كانت إلا قليلا .. فهي قليل أيا كان الأمد .

( إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ) ..

والأنكال - هي القيود - والجحيم والطعام ذو الغصة الذي يمزق الحلوق والعذاب الأليم .. كلها جزاء مناسب ( لأولي النعمة ) ! الذين لم يرعوا النعمة ، ولم يشكروا المنعم .

ثم يرسم مشهد هذا اليوم المخيف : ( يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ) ..

فها هي ذي صورة للهول تتجاوز الناس إلى الأرض في أكبر مجاليها . فترجف وتخاف وتتفتت وتنهار . فكيف بالناس المهازيل الضعاف !

ويلتفت السياق أمام مشهد الهول المفزع ، إلى المكذبين أولي النعمة ، يذكرهم فرعون الجبار ، وكيف أخذه الله أخذ عزيز قهار :

( إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا ، فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ) .

هكذا في اختصار يهز قلوبهم ويخلعها خلعا ، بعد مشهد الأرض والجبال وهي ترتجف وتنهار .

فذلك أخذ الآخرة وهذا أخذ الدنيا ؛ فكيف تنجون بأنفسكم وتقوها هذا الهول الرعيب ؟

( فكيف تتقون - إن كفرتم - يوما يجعل الولدان شيبا السماء منفطر به ؟ ) ..

وإن صورة الهول هنا لتنشق لها السماء ، ومن قبل رجفت لها الأرض والجبال . وإنها لتشيب الولدان . وإنه لهول ترتسم صوره في الطبيعة الصامتة ، وفي الإنسانية الحية .. في مشاهد ينقلها السياق القرآني إلى حس المخاطبين كأنها واقعة .. ثم يؤكدها تأكيدا . ( كان وعده مفعولا ) .. واقعا لا خلف فيه . وهو ما شاء فعل وما أراد كان !

وأمام هذا الهول الذي يتمثل في الكون كما يتمثل في النفس يلمس قلوبهم لتتذكر وتختار طريق السلامة .. طريق الله ..

( إن هذه تذكره ، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) ..

وإن السبيل إلى الله لآمن وأيسر ، من السبيل المريب ، إلى هذا الهول العصيب !

وبينما تزلزل هذه الآيات قوائم المكذبين ، تنزل على قلب الرسول والقلة المؤمنة المستضعفة إذ ذاك بالروح والثقة واليقين . إذ يحسون أن ربهم معهم ، يقتل أعداءهم وينكل بهم . وإن هي إلا مهلة قصيرة ، إلى أجل معلوم . ثم يقضى الأمر ، حينما يجيء الأجل ويأخذ الله أعداءه وأعداءهم بالنكال والجحيم والعذاب الأليم .

بعض ما ترشد إليه الآيات :

  1. الله عز وجل يمهل ولا يهمل وهو الذي يتولى حرب المكذبين .

  2. الخشية من أهوال وفظاعة ألوان عذاب الله يوم القيامة والاستعداد لهذا اليوم .

  3. وجوب طاعة الرسول والحذر من مخالفة أمره وعصيانه .

  4. وجوب الاتعاظ من هذه الآيات قبل فوات الأوان .

  5. إن الله لا يدع أولياءه لأعدائه . ولو أمهل أعداءه إلى حين ...

التقويم :

  1. وضح ما توعد به الله المكذبين يوم القيامة .

  2. صف مشاهد يوم القيامة وأهوالها كما بينت الآيات .

  3. وضح عاقبة تكذيب فرعون لموسي عليه السلام .

  4. وضح وقع هذه الآيات على النفس والهدف من ذكرها .

  5. ما واجب المؤمن بعد معرفته بهذه الآيات ودراسته لها ؟

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

الهدف العام : أن يتعرف على عيوب نفسه ويجاهدها للتخلص من هذه العيوب .

الأهداف المرحلية :-

  1. أن يتعرف الدارس على عيوب النفس .

  2. أن يجاهد نفسه للتخلص من هذه العيوب إن وجدت .

 

*****************

الهدف المرحلي الأول : أن يتعرف الدارس على عيوب النفس .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس مفهوم عيوب النفس .

  2. أن يوضح الدارس كيفية الوقوف على عيوب النفس .

  3. أن يحدد الدارس عيوب النفس .

عيوب النفس :

» واعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه فمن كانت له بصيرة لم تخف عليه عيوبه وإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الناس جاهلون بعيوبهم . يرى أحدهم القذى فى عين أخيه ولا يرى الجذع فى عينه ، فلا يشغله عيب نفسه فيصلحه ، وينشغل بذلك عن عيوب الناس ( خيركم من شغله عيبه عن عيوب الناس ) .

فمن أراد الوقوف على عيب نفسه فله فى ذلك أربع طرق :

الطريقة الأولى

أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس يعرفه عيوب نفسه وطرق علاجها وهذا عزّ فى هذا الزمان وجوده فمن وقع به وقع بالطبيب الحاذق فلا ينبغي أن يفارقه .

 

الطريقة الثانية

أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا وينصِّبه رقيبا على نفسه لينبهه على المكروه من أخلاقه وأفعاله .

 

الطريقة الثالثة

أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط تبدى المساوئ وانتفاع الإنسان بعدو مشاجر يذكر عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يخفى عنه عيوبه .

 

الطريقة الرابعة

أن يخالط الناس فكل ما يراه مذموما فيما بينهم يجتنبه « مختصر منهاج القاصدين بتصرف يسير

وعيوب النفس كثيرة ومتشعبة إلا أننا سوف نركز بعون الله على ثلاث منها والتي حددها النبي عليه السلام فى الحديث الشريف » ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه « رواه الطبرانى فى الأوسط

وسوف نتناول كلاً من هذه الثلاثة عيوب بشيء من التفصيل :

مفهوم العيب – ومظاهره – وأسبابه – وآثاره – ثم نتناول العلاج فى الهدف المرحلي الثاني

 

الشح

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس مفهوم الشح .

  2. أن يحدد الدارس مظاهر الشح .

  3. أن يحدد الدارس أسباب الشح .

  4. أن يحدد الدارس آثار الشح .

  5. أن يقوِّم الدارس نفسه بناءً على مظاهر الشح .

أولاً : مفهوم الشح :

تعريف الشح : لغة : يطلق الشُّح لغةً على معانٍ منها :

  1. حرص النفس على ما تملك ، وبخلها به ، أو هو ضد الإيثار ، إذ المؤثر غيره على نفسه تاركٌ لما هو محتاج إليه ، والشحيح حريص على ما ليس بيده ، فإذا حصل بيده شح ، وبخل بإخراجه ، نقول شح فلان بالشيء : بخل ، وشح على الشيء : حرص ، فهو شحيح وشحاح .

  2. القلَّة والعسر ، نقول شحَّ الماء ونحوه ، شحاً : قلَّ ، وعسُر ، وشحَّ الزَّناد : لم يور أي لم يشتعل .

  3. التسابق إلى الشيء والتنافس عليه ، نقول : تشاحوا في الأمر وعلى الأمر : تسابقوا ، وتنافسوا ، وتشاح الخصمان : بدا حرصهما على الغلبة .

ولا تعارض بين هذه المعاني جميعاً ، إذ الشح : حرص أو بخل يتلخص في المنع ، أو العطاء بقلة ، وربما يحمل على التنافس والمخاصمة أو المجادلة .

اصطلاحاً : له معنيان :

أحدهما عرفي : وهو البخل بالمال ، حتى صار معروفاً بين الناس أنه أطلقت كلمة شح انصرفت مباشرة إلى إمساك المال وعدم بذله .

والآخر شرعي : وهو البخل بكل برٍّ ومعروف مالاً أو غيره ، في يده أو في يد غيره ، ولهذا المعنى الشرعي شواهد وأدلة منها :

  1. قوله صلى الله عليه وسلم :" اتقوا الظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً

  2. وفي رواية : " إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح : أمرهم بالبخل فبخلوا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا ، وأمرهم بالفجور ففجروا " الحديث أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعاً .

  3. قوله صلى الله عليه وسلم :" البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ علىّ " أخرجه الترمذي من حديث الحسن بن على

إلى غير ذلك من النصوص الشرعية الدالة على أن الشح في لسان الشرع : إنما هو البخل بكل بر ، ومعروف ، مالاً أو غيره في يده أو في يد غيره .

 

ثانياً : مظاهر الشح :

وللشح – بمعناه الشرعي الذي ذكرنا – مظاهر تدل عليه ، وأمارات يعرف بها وأهم هذه المظاهر ، وتلك الأمارات :

1- البخل بالرئاسة ، بأن يكون المرء صاحب رئاسة تعود على الدين والأمة بالخير ، ثم يحبس هذه الرئاسة ، فلا يصرفها في خدمة الدين ومصالح الأمة .

2- البخل بالوجاهة ، بأن يكون المرء في بيت معروف بشرف ووجاهة يفيدان حماية الحق ومؤازرته ، ثم يحبس هذا الشرف وهذه الوجاهة عن أن يقفا مع هذا الحق ويؤازرانه .

3- البخل بالعلم بمعنى حبسه عن الناس وإن سألوه ، أو حبس الجواب الكافي الشافي عن السؤال ، والاقتصار في الجواب ، ولا سيما عند الفتيا ، بكتابة " نعم " أو " لا " .

4- البخل بحسن الخلق من عدم مقابلة السيئة بمثلها ، من العفو ، وكف الأذى .

5- البخل بالنفس ، فلا يضحي بها ولا يبذلها فداءً لدين الله ، مع أنه يرى حرمة الدين تنتهك متمثلة في نشر الشرك والإلحاد ، وسفك الدماء ، وانتهاك الأعراض ، وسلب الأموال ، والعدوان على المقدسات ونحوها .

6- البخل بالمال ، بمعنى حبسه عن صرفه في أوجه الخير والاستحقاق .

7- لمز الآخرين فيما يقدمون على نحو ما قال المنافقون في نفر من المؤمنين لم يجدوا ما يتصدقون به سوى جهدهم ، وحكاه الحق تبارك وتعالى في كتابه فقال : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(79) [ التوبة : 79 ] وهلم جرا .

والشح بكل صوره ومظاهره مذموم :

فقد بين الله في كتابه أن من طهرت نفسه من الشح فهو من المفلحين حقاً ، فقال : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(9) [ الحشر : 9 ، التغابن : 16 ] .

وعن أبي الهياج الأسدي قال : كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلاً يقول : " اللهم قني شح نفسي " لا يزيد على ذلك ، فقلت له ، فقال " إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ، ولم أزن ، ولم أفعل شيئاً " ، وإذا الرجل : عبد الرحمن بن عوف أخرجه ابن جرير في : جامع البيان من حديث سعيد بن جبير.

وعن ابن وهب ، قال : قال بن زيد في قول الله عز وجل : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قال : " مَنْ وَقيّ شحَّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئاً ، ولم يقربه ، ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئاً فهو من المفلحين " أخرجه ابن جرير

كما بين سبحانه أن الشحَّ على المؤمنين بالخير من البر والمعروف من صفات المنافقين ، وكفا بهذا ذما للشح ، فقال :

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا(18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(19) [ الإحزاب : 18 ، 19 ] .

يقول أبو الحسن الماوردي : ( قوله تعالى : أشحة عليكم فيه أربعة تأويلات :

أحدها : أشحة بالخير قاله مجاهد .

الثاني : بالقتال معكم ، قاله بن كامل .

الثالث : بالغنائم أصابوها ، قاله السدِّي .

الرابع : أشحة بالنفقة في سبيل الله ، قاله قتادة ) " النكت والعيون " تفسير الماوردي 3 / 312

 

 

 

الحلقة

التاسعة

 

 

الحلقة التاسعة

الدرس الأول :

 

التخفيف و التيسير الإلهي على النبي والمؤمنين

الآية 20

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 20

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس الحكمة من التخفيف بعد التكليف

  2. أن يوضح الدارس أسباب التخفيف

  3. أن يحقق الدارس في نفسه هذه التكاليف .

  4. أن يقوِّم الدارس مدى تحقيقه لهذه التكاليف .

  5. أن يكثر الدارس من سائر العبادات والطاعات .

  6. أن يلازم الإستغفار آناء الليل وأطراف النهار .

معاني المفردات :

- أدني: أقل

علم أن لن تحصوه : أي لا تطيقون قيام الليل كله لأنه يشق عليكم

فاقرأوا ما تيسر : أي صلوا من الليل ما سهل عليكم ولو ركعتين

أقرضوا الله : تصدقوا بفضول أموالكم مع طيب نفس .

 

والآن يجيء شطر السورة الثاني في آية واحدة طويلة ، نزلت بعد مطلع السورة بعام على أرجح الأقوال :

( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ، وطائفة من الذين معك . ..) ..

إنها لمسة التخفيف الندية ، تمسح على التعب والنصب والمشقة . ودعوة التيسير الإلهي على النبي والمؤمنين . وقد علم الله منه ومنهم خلوصهم له . وقد انتفخت أقدامهم من القيام الطويل للصلاة بقدر من القرآن كبير . وما كان الله يريد لنبيه أن يشقى بهذا القرآن وبالقيام . إنما كان يريد أن يعده للأمر العظيم الذي سيواجهه طوال ما بقي له من الحياة . هو والمجموعة القليلة من المؤمنين الذين قاموا معه .

وفي الحديث مودة وتطمين :

( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك ) .. إنه رآك ! إن قيامك وصلاتك أنت وطائفة من الذين معك قبلت في ميزان الله ..

إن ربك يعلم أنك وهم تجافت جنوبكم عن المضاجع ؛ وتركت دفء الفراش في القارسة ، ولم تسمع نداء المضاجع المغري وسمعت نداء الله .. إن ربك يعطف عليك ويريد أن يخفف عنك وعن أصحابك ..

( والله يقدر الليل والنهار ) .. فيطيل من هذا ويقصر من ذاك . فيطول الليل ويقصر . وأنت ومن معك ماضون تقومون أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه . وهو يعلم ضعفكم عن الموالاة . وهو لا يريد أن يعنتكم ولا أن يشق عليكم . إنما يريد لكم الزاد وقد تزودتم فخففوا عن أنفسكم ، وخذوا الأمر هينا :

( فاقرأوا ما تيسر من القرآن ) .. في قيام الليل بلا مشقة ولا عنت .. وهناك - في علم الله - أمور تنتظركم تستنفذ الجهد والطاقة ، ويشق معها القيام الطويل :

( علم أن سيكون منكم مرضى ) "يصعب عليهم هذا القيام" ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) .. في طلب الرزق والكد فيه ، وهو ضرورة من ضرورات الحياة . والله لا يريد أن تدعوا أمور حياتكم وتنقطعوا لعبادة الشعائر انقطاع الرهبان ! ( وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) .. فقد علم الله أن سيأذن لكم في الإنتصار من ظلمكم بالقتال ، ولإقامة راية للإسلام في الأرض يخشاها البغاة ! فخففوا إذن على أنفسكم ( فاقرأوا ما تيسر منه ) بلا عسر ولا مشقة إجهاد .. واستقيموا على فرائض الدين : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) .. وتصدقوا بعد ذلك قرضا لله يبقى لكم خيره .. ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ) .. واتجهوا إلى الله مستغفرين عن تقصيركم . فالإنسان يقصر ويخطئ مهما جد وتحرى الصواب : ( واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) ..

إنها لمسة الرحمة والود والتيسير والطمأنينة تجيء بعد عام من الدعوة إلى القيام ! ولقد خفف الله عن المسلمين ، فجعل قيام الليل لهم تطوعا لا فريضة . أما رسول الله فقد مضى على نهجه مع ربه ، لا يقل قيامه عن ثلث الليل ، يناجي ربه ، في خلوة من الليل وهدأة ، ويستمد من هذه الحضرة زاد الحياة وزاد المثابرة والاجتهاد . على أن قلبه ما كان ينام وإن نامت عيناه . فقد كان قلبه دائما مشغولا بذكر الله ، متبتلا لمولاه . وقد فرغ قلبه من كل شيء إلا من ربه . على ثقل ما يحمل على عاتقه ، وعلى مشقة ما يعاني من الأعباء الثقال ..

بعض ما ترشد إليه الآيات :

  1. بيان علم الله الشامل لكل أحوال الناس وأفعالهم .

  2. سعة رحمة الله بعباده المؤمنين .

  3. بيان أهمية قيام الليل وخصوصا لمن يمارسون الدعوة .

  4. الترغيب في التطوع من سائر العبادات .

  5. ملازمة الإستغفار آناء الليل وأطراف النهار .

  6. التيسير من معالم الشريعة الغراء .

التقويم :

  1. وضح الحكمة من التخفيف بعد التكليف

  2. وضح أسباب التخفيف

  3. قوِّم مدى تحقيقك لهذه التكاليف .

  4. هل تكثر من سائر العبادات والطاعات – وما أكثر الطاعات التى تحرص عليها وماذا تجد في نفسك من أثر لها ؟

  5. هل تلازم الإستغفار آناء الليل وأطراف النهار ؟

  6. لماذا كان قيام الليل فريضة علي المؤمنين في بداية الأمر ؟

  7. ما الذي تستفيده عمليا في حياتك من خلال دراستك لهذه السورة ؟

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

 

ثالثاً أسباب الشح :

وللشح أسباب توقع فيه وبواعث تدعو إليه ، وأهم هذه الأسباب وتلك البواعث :

1- الوسط الذي يعيش فيه المسلم :

فقد يعيش المسلم في وسط معروف بالشح ، ونعني بالوسط هنا القريب – وهو البيت – والبعيد وهو المجتمع – ولا تكون لدى هذا المسلم الحصانة الكافية ، وحينئذ يتأثر بهذا الوسط ، وتنتقل عدواه إليه ، فيبخل بكل بر أو معروف : مالاً أو غيره ، وفي يده أو في يد غيره .

ولهذا المعنى وغيره أكد الإسلام على ضرورة نظافة وطهارة واستقامة الوسط الذي يعيش فيه المسلم

2- حب الدنيا مع توهم الفقر :

وقد يكون حب الدنيا ببريقها وزخارفها ، وزينتها من الأسباب المؤدية إلى الشح حيث يتوهم من ابتلاه الله بحب الدنيا أنه إن أعطى فسيخلو جيبه ، وستضيع صحته وعافيته وسيريق ماء وجهه ، وتذهب مكانته ومنزلته بين الناس ، ويبدد أوقاته ، ويعرض نفسه لما لا تحمد عقباه من الأذى بكل صنوفه وأشكاله المادية والمعنوية . وخير له أن يمسك بره ومعروفه عن الناس كي تدوم له دنياه ، ناسياً أو متناسياً أن الله يخلف على عبده كما قال : وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سبأ : 39 ] ، ولعل هذا من بين الأسباب التي من أجلها ذم الله – عز وجل – حب الدنيا ، والمحبين لها ، إذ يقول سبحانه : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(2.) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21) [ القيامة : 2. ، 21 ] .

ويقول الماوردي : ( قوله كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَة فيه وجهان : أحدهما :تحبون ثواب الدنيا ، وتذرون ثواب الآخرة ، قاله مقاتل ، وثانيهما : تحبون عمل الدنيا ، وتذرون عمل الآخرة ) النكت والعيون

ويقول سبحانه : إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [ الإنسان : 27 ] .

 

3- إهمال النفس من المجاهدة :

وقد يكون إهمال النفس من المجاهدة من بين الأسباب التي توقع في الشح ؛ ذلك أن المرء مجبول بفطرته على الشح ، كما قال سبحانه وتعالى إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ(7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ(8) [ العاديات : 6 – 8 ] .

فقد فسر العلماء الخير هنا بالمال ، أو بالدنيا ، إذ يقول الماوردي : ( قوله : وإنه لحب الخير لشديد يعني الإنسان ، وفي الخير ها هنا وجهان : الأول : " المال " ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والثاني : الدنيا ، قاله بن زيد ، ويحتمل ثالثاً : أن الخير ها هنا : الاختيار ، ويكون معناه ، وإنه لحب اختياره لنفسه لشديد ) النكت والعيون " للماوردي.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا زال قلب الكبير شاباً في اثنتين : في حب الدنيا ، وطول الأمل " أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعاً بهذا اللفظ .

وفي رواية : " يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان : حب المال ، وطول العمر " هذه الرواية أخرجها البخاري من حديث أنس بن مالك مرفوعاً .

أجل ، إن المرء مجبول بفطرته على الشح – كما رأينا من هذه النصوص – وقد يستسلم هذا المرء إلى هذا الذي فطر عليه ، ولا يسوس نفسه ، ولا يجاهدها ، وتكون العاقبة تمكن هذا الشح من نفسه بصورة يصعب معها العلاج .

4- عدم اليقين بما عند الله :

وقد يكون عدم اليقين بما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة هو الباعث على الشح .

ذلك أن من لم يصدق تصديقاً لا يقبل الشك بحال أن الله يخلف على العبد أكثر مما يعطي هذا العبد ، بل هو المانح ابتداء من غير حول من الخلق ، ولا قوة ولا طول .

من لم يصدق بذلك يبخل بل يشح .

وقد لفت رب العزة النظر إلى هذا السبب حين قال : وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(1.) [ الليل : 8 – 1. ] .

يقول الماوردي : ( وفي قوله : وأما من بخل وجهان : أحدهما : بخل بماله الذي لا يبقى ، قاله ابن عباس والحسن ، والثاني : بخل بحق الله تعالى ، قاله قتادة ، واستغنى فيه وجهان : أحدهما : بماله ، قاله الحسن ، والثاني : عن ربه .

5- الحقـد :

وقد يكون الحقد من بين الأسباب التي توقع في الشح .

ذلك أن المرء إذا كان حاقداً على غيره فإنه سيسعى جاهداً ألا ينفعه بنافعة من نفس ، أومال ، أو هما معاً ، وهذا أمر بديهي ألمح إليه رب العزة وهو يتحدث عن موقف الأنصار من المهاجرين فقال : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(9) [ الحشر : 9 ] .

فقد بين سبحانه في هذه الآية أن الذي حمل هؤلاء الأنصار على التضحية التي وصلت إلى حد الإيثار ، إنما هو الإيمان النابع من سلامة الصدر من الأحقاد والذي أثمر المحبة والمودة والموالاة .

يقول الماوردي : ( قوله : يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا فيه وجهان : أحدهما : غيرة وحسداً على ما قدموا به من تفضيل وتقريب ، وهو محتمل ، والثاني : يعني حسداً على ما خصوا به من مال الفئ ، وغيره ، فلا يحسدونهم عليه ، قاله الحسن ) النكت والعيون " للماوردي

رابعاً آثار الشح :

وللشح آثار ضارة ، وعواقب مهلكة ، ، ودونك طرفاً من هذه الآثار ، وتلك العواقب :

1- حمل النفس على الوقوع في كل إثم ورذيلة :

وخلاصة وفحوى هذا الأثر : أن من ابتلاه الله بداء الشح فبخل بكل بر ومعروف في يده أو في يد غيره ، لابد له من عمل يشغل به نفسه ، وهذا العمل لا يخرج أن يكون توظيفاً للنفس في الإتيان بكل إثم ورذيلة ، من منطلق " أن نفسك التي بين جنبيك ، إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل " .

ولقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآثام والرذائل أتي بثمرها البخل كما ورد في الأحاديث التي ذكرت في تعريف الشح ( يمكن الرجوع إليها ) .

2- القلق والاضطراب النفسي :

وذلك أن الشحيح صار غارقاً بشحه في الآثام والرذائل : صغيرها وكبيرها ، ظاهرها وباطنها كما قدمنا ، ومثل هذا الصنف من الناس يعاقبه الله بأشد العقاب في الدنيا ، وهو القلق والاضطراب النفسي ، مصداقا لقوله سبحانه : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17) [ الجن : 17 ] ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [ طه : 124 ]

3- العذاب الشديد في الآخرة :

ولا يقف أثر الشح عند حد العقاب في الدنيا بالقلق والاضطراب النفسي ، بل يتعداه إلى عقاب الآخرة ، وهو العذاب الشديد في نار جهنم ، قال تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ(14) [ النساء : 14]

التقويم

    1. أكمل :- ثلاث مهلكات .....و....واعجاب المرء بنفسه.

    2. يمكن أن يتعرف العبد على عيوب نفسه عن طريق واحدة من أربع طرق هى ......و.......و......و......

    3. علل:- يجهل كثير من الناس بعيوبهم ؟

    4. كيف يتعرف العبد على عيوب نفسه ؟

    5. " قد يستفيد الإنسان من ألسنة أعدائه " ما رأيك فى هذه العبارة ؟

    6. للشح عدة معان فى اللغة اذكر اثنان منها ؟

    7. أكمل :- الشح بمعناه العرفى ......... وبمعناه الشرعى ..........

    8. اختر أدق الإجابات :- الشح بمعناه الشرعى هو :-

  1. إمساك المال وعدم بذله

  2. البخل بكل معروف مالاً وغيره

ج- الأنانية والأثرة

9- ما هى مظاهر الشح؟

1.- " الشح صفة من صفات المنافقين " ما رأيك فى هذه العبارة مدللاً على ما تقول ؟

11- لماذا كان سيدنا عبد الرحمن بن عوف يدعو وهو يطوف بالبيت " اللهم قنى شح نفسى ولا يزيد على ذلك " ؟ وما دلالة ذلك ؟

12- يقول أبو الحسن الماوردى فى قوله تعالى " أشحة عليكم " أربعة تأويلات هى ....... و....... و........ و........

13- ما هى أسباب الشح ؟

14- قال تعالى " والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلكم يحبون من هاجر إليهم ............."

أ- أكمل الآية الكريمة ب- فيمن نزلت الآية ؟ ج- ماذا تتعلم من هذه الآية ؟

15- كيف يؤدى الشح إلى الفرقة والتمزق ى الصف المسلم ؟

16- ما هى الآثار الضارة المترتبة على الشح ؟

 

 

 

استبانة

يمكن للدارس أن يلاحظ نفسه فى مظاهر الشح :

المظاهر

بدرجة ضعيفة

بدرجة متوسطة

بدرجة قوية

  1. هل يبخل بماله عن الإنفاق فى سبيل الله

  2. هل يضن على إخوانه بمشاعره وعواطفه ومشاركتهم وجدانياً ومادياً

  3. هل يبخل بوقته على دعوته

  4. هل يؤثر راحته على مساعدة الغير

  5. هل هو دائم لمز الآخرين

  6. هل يقابل السيئة بالسيئة

 

 

 

 

وجود أي من هذه المظاهر في نفسك تعني وجود شيء من الشح يجب أن تحذره وتجاهد نفسك للتخلص منه ، وحسب درجة وجود المظهر يكون العلاج المطلوب ، فاجتهد أن تطهر نفسك من أي من هذه المظاهر واستعن بالله على ذلك فهو خير معين .

 

 

الحلقة

العاشرة

 

 

الحلقة العاشرة

الدرس الأول :

 

سورة المدثر

مقدمة السورة :

ينطبق على هذه السورة من ناحية سبب نزولها ، ووقت نزولها ما سبق ذكره عن سورة "المزمل" .

وأيا ما كان السبب والمناسبة فقد تضمنت هذه السورة في مطلعها ذلك النداء العلوي بانتداب النبي لهذا الأمر الجلل ؛ وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى التعب والمشقة : ( يا أيها المدثر . قم فأنذر ) .. مع توجيهه إلى التهيؤ لهذا الأمر العظيم ، والاستعانة عليه بهذا الذي وجهه الله إليه : ( وربك فكبر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر . ولا تمنن تستكثر . ولربك فاصبر ).

وتضمنت السورة بعد هذا تهديدا ووعيدا للمكذبين بالآخرة ، وبحرب الله المباشرة ..

وتعين سورة المدثر أحد المكذبين بصفته ، وترسم مشهدا من مشاهد كيده .. وتذكر سبب حرب الله سبحانه وتعالى له.. ثم تذكر مصيره : ( سأصليه سقر . وما أدراك ما سقر ، لا تبقي ولا تذر . لواحة للبشر . عليها تسعة عشر ) ..

وبمناسبة مشهد سقر . والقائمين عليها التسعة عشر . وما أثاره هذا العدد من بلبلة وفتنة وتساؤل وشك واستهزاء في أوساط المشركين وضعاف الإيمان ، تتحدث السورة عن حكمة الله في ذكر هذا العدد ، ثم تفتح كوة على حقيقة غيب الله ، واختصاصه بهذا الغيب . وهي كوة تلقي ضوءا على جانب من التصور الإيماني لحقيقة غيب الله المكنون ..

ثم يصل أمر الآخرة وسقر ومن عليها بمشاهد كونية حاضرة ، ليجمع على القلوب إيحاء هذه وتلك في معرض الإيقاظ والتحذير ..

كما يعرض مقام المجرمين ومقام أصحاب اليمين ، حيث يعترف المكذبون اعترافا طويلا بأسباب استحقاقهم للارتهان والقيد في يوم الجزاء والحساب ، يعقب عليه بكلمة الفصل في أمرهم الذي لا تنفعهم فيه شفاعة شافع ..

وفي ظل هذا المشهد المخزي ، والاعتراف المهين ، يتساءل مستنكرا موقف المكذبين من الدعوة إلى التذكرة والنجاة من هذا المصير ، ويرسم لهم مشهدا ساخرا يثير الضحك والزراية من نفارهم الحيواني الشموس : ( فما لهم عن التذكرة معرضين ؟ كأنهم حمر مستنفرة . فرت من قسورة ! ) .

ويكشف عن حقيقة الغرور الذي يساورهم فيمنعهم من الاستجابة لصوت المذكر الناصح .. فهو الحسد للنبي والرغبة في أن يؤتى كل منهم الرسالة ! والسبب الدفين الآخر هو قلة التقوى : ( كلا ! بل لا يخافون الآخرة ) ..

وفي الختام يجيء التقرير الجازم الذي لا مجاملة فيه : ( كلا ! إنه تذكرة . فمن شاء ذكره ) ورد الأمر كله إلى مشيئة الله وقدره : ( وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ..

 

 

 

القيام بأعباء الدعوة

الآيات من ( 1 : 1. )

{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4 وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ 5 وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ 6 وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ 7 فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ 8 فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ 9 عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ 1. }

الأهداف الإجرائية السلوكية

  1. أن يوضح الدارس سبب نزول الآيات

  2. أن يوضح الدارس توجيهات الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

  3. أن يوضح الدارس أهوال اليوم الآخر وشدته علي الكافرين .

سبب النزول :

قال المفسرون : كان صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء فجاءه جبريل بالآيات الكريمة ( اقرأ باسم ربك الذي خلق .. ) الآيات وهى أول ما نزل عليه من القرآن ، فرجع يرجف فؤاده فقال لخديجة : زملوني ، زملونى فنزلت ( يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا ) الآيات ثم فتر الوحي فحزن صلى الله عليه وسلم فبينما هو يمشي سمع صوتا من السماء ، فرفع رأسه فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس علي كرسي بين الأرض والسماء ، فعراه من رؤيته الرعب والفزع ، فجاء إلي أهله فقال : دثرونى ، دثرونى فأنزل الله ( يأيها المدثر * قم فأنذر ) .

معاني المفردات :

-المدثر : المتغطي بثيابه وهو النبي صلى الله عليه وسلم .

قم فأنذر : خوف أهل مكة النار إن لم يؤمنوا ويوحدوا

والرجز فاهجر : اترك عبادة الأوثان ولا تقربها

ولا تمنن تستكثر : لا تمنن علي ربك ما تقوم به من أعمال لأجله طاعة له

فإذا نقر في الناقور : نفخ في الصور النفخة الثانية .

*******

( يا أيها المدثر . قم فأنذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر . ولا تمنن تستكثر . ولربك فاصبر ) ..

إنه النداء العلوي الجليل ، للأمر العظيم الثقيل .. نذارة هذه البشرية وإيقاظها ، وتخليصها من الشر في الدنيا ، ومن النار في الآخرة.. والإنذار هو أظهر ما في الرسالة ، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون .

ثم يوجه الله رسوله في خاصة نفسه بعد إذ كلفه نذارة غيره :

يوجهه إلى تكبير ربه : ( وربك فكبر ) .. ربك وحده .. فهو وحده الكبير ، الذي يستحق التكبير .. إن كل أحد ، وكل شيء ، وكل قيمة ، وكل حقيقة .. صغير .. والله وحده هو الكبير .. وهو توجيه للرسول ليواجه نذارة البشرية ، ومتاعبها وأهوالها وأثقالها ، بهذا التصور ، وبهذا الشعور ، فيستصغر كل كيد ، وكل قوة ، وكل عقبة ، وهو يستشعر أن ربه الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة هو الكبير

ويوجهه إلى التطهر : ( وثيابك فطهر ) .. وطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب والخلق والعمل .. طهارة الذات التي تحتويها الثياب ، وكل ما يلم بها أو يمسها .. والطهارة هي الحالة المناسبة للتلقي من الملأ الأعلى . كما أنها ألصق شيء بطبيعة هذه الرسالة

ويوجهه إلى هجران الشرك وموجبات العذاب : ( والرجز فاهجر ) .. والرسول كان هاجرا للشرك ولموجبات العذاب حتى قبل النبوة . .. فلم يعرف عنه أنه شارك في شيء من خوض الجاهلية . ولكن هذا التوجيه يعني المفاصلة وإعلان التميز الذي لا صلح فيه ولا هوادة .. كما يعني التحرز من دنس هذا الرجز - والرجز في الأصل هو العذاب ، ثم أصبح يطلق على موجبات العذاب - تحرز التطهر من مس هذا الدنس !

ويوجهه إلى إنكار ذاته وعدم المن بما يقدمه من الجهد ، أو استكثاره واستعظامه : ( ولا تمنن تستكثر ) .. وهذه الدعوة لا تستقيم في نفس تحس بما تبذل فيها . فالبذل فيها من الضخامة بحيث لا تحتمله النفس إلا حين تنساه . بل لا تستشعره من الأصل لأنها مستغرقة في الشعور بالله ؛ شاعرة بأن كل ما تقدمه هو من فضله ومن عطاياه ..

ويوجهه أخيرا إلى الصبر . الصبر لربه : ( ولربك فاصبر ) .. وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت . والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة . معركة الدعوة إلى الله . المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب ؛ ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء ! وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله ، ويتجه به إليه احتسابا عنده وحده .

فإذا انتهى هذا التوجيه الإلهي للنبي الكريم ، اتجه السياق إلى بيان ما ينذر به الآخرين :

( فإذا نقر في الناقور . فذلك يومئذ يوم عسير . على الكافرين غير يسير ) ..

والنقر في الناقور ، هو ما يعبر عنه في مواضع أخرى بالنفخ في الصور .. والصوت الذي ينقر الآذان أشد وقعا من الصوت الذي تسمعه الآذان .. ومن ثم يصف اليوم بأنه عسير على الكافرين ، ويؤكد هذا العسر بنفي كل الظل لليسر فيه : ( على الكافرين غير يسير ) .. فهو عسر كله . عسر لا يتخلله يسر .

بعض ما ترشد إليه الآيات :

  1. لزوم الجد في تبليغ الدعوة وعدم الكسل والخمول .

  2. وجوب تعظيم الرب وتعظيم شعائره.

  3. وجوب طهارة الظاهر والباطن .

  4. حرمة العجب فلا يعجب الداعية بعمله حتى لا يحبط عمله .

  5. وجوب الصبر علي طول الطريق وإيذاء الآخرين.

التقويم :

  1. وضح سبب نزول السورة .

  2. وضح توجيهات الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

  3. بين وقع اليوم الآخر علي المؤمن والكافر يوم القيامة .

  4. ماذا تستفيد من دراسة الآيات على مستواك الشخصي .

 

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

 

اتباع الهوى

الأهداف الإجرائية السلوكية :

1- أن يوضح الدارس مفهوم اتباع الهوى .

2- أن يحدد الدارس مظاهر اتباع الهوى .

3- أن يحدد الدارس أسباب اتباع الهوى .

  1. أن يحدد الدارس آثار اتباع الهوى .

  2. أن يقف الدارس على عيوب نفسه بناءً على مظاهر اتباع الهوى .

أولاً : مفهوم اتباع الهوى :

اتباع الهوى لغة : لا يمكن أن ينجلي أو يظهر المراد باتباع الهوى لغة ، إلاّ إذا فسر المراد بالهوى ، فماذا يراد بالهوى ؟ .. يطلق الهوى على عدة معان ، نذكر منها :

(أ) ميل النفس إلى ما تشتهي .

(ب) إرادة النفس ما تحب .

(ج) محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه .

(د) عشق الشيء وتمكنه من القلب . ( لسان العرب لابن منظور 15 / 372 )

وحقيقة الحال أن هذه المعاني جميعاً متقاربة المضمون ، وإن اختلفت العبارة أو اللفظ ، إذ المعنى الأول والثاني يصوران الهوى في بدايته على أنه مجرد ميل وإرادة قلبية دون تمكن واستقرار ، أمّا المعنى الثالث فيصوره في وسطه على أنه حب أو غلبة قلبية يمكن أن تزول ، بقليل من المجاهدة ، أمّا المعنى الرابع والأخير فيصوره في نهايته على أنه عشق وهيام يسيطران على القلب ، ويتمكنان منه ، ولا يمكن زوالهما بالمجاهدة إلاّ بعد جهد ، وزمن طويل .

ولمّا كان كل معنى من المعاني المذكورة آنفاً ، صالحاً لأن يكون في الخير ، وصالحاً لأن يكون في الشر ، فقد قال علماء اللغة : إن الهوى إذا أطلق انصرف إلى ما كان شراً أو إلى ما كان مذموماً ، فإذا أريد به ما كان خيراً أو ما كان محموداً ، فلابد من تقييد ذلك بوصف أو نحوه كأن يقال : هوى حسن ، وهوى موافق للصواب ( لسان العرب لابن منظور 15 / 372 )

وإذا انتهينا الآن من تحديد المراد بالهوى لغة فإننا نقول : إن اتباع الهوى في اللغة هو السير وراء ما تهوى النفس ، وما تشتهي ، بل ما تحب وتعشق .

اتباع الهوى اصطلاحاً : أما المراد باتباع الهوى في الاصطلاح الشرعي والدعوة ، فهو السير وراء ما تهوى النفس وتشتهى ، أو النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل ، أو رجوع إلى شرع ، أو تقدير لعاقبة .

- حقيقة اتباع الهوى في ميزان الإسلام :

واتباع الهوى ليس مذموماً كله في نظر الإسلام ، بل منه ما هو مذموم ، وهو المذكور في المعنى الاصطلاحي ، وهو الذي عناه القرآن الكريم في قول الله – عزّ وجلّ - :

فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [ النساء 135 ] ، وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ ص 26 ]

وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) [ النجم 3 ، 4 ] وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(4.) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41) [ النازعات 4. ] وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [ الأعراف 176 ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ [ القصص 5. ]

كما عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله :

الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني أخرجه الترمذي من حديث شداد بن أوس .

بل ائتمروا بالمعروف ، وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع العوام … [ جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود ]

( .. وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه ) [ جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ]

- ومنه ما هو محمود ، وهو الموافق لشرع الله ، ومنهجه وهديه ، وهو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله :

لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به [ الحديث أورده السيوطي في : الدر المنثور في التفسير المأثور من حديث عبد الله بن عمر ]

ثانياً : أسباب اتباع الهوى .

ولاتباع الهوى أسباب تؤدي إليه ، وبواعث توقع فيه ، نذكر منها :

1- عدم التعويد على ضبط الهوى منذ الصغر :

وذلك أن الإنسان قد يلقى من أبويه منذ الصغر حباً مفرطاً ، وحناناً فوق المطلوب ، بحيث يطغى هذا الحب ، وذلك الحنان على تنمية الضوابط الفطرية والشرعية التي لابد منها لتنظيم الرغائب أو الدوافع . وحينئذ يكبر هذا الإنسان ويكبر معه الانسياق وراء العواطف ، والرغائب ، حتى لو كانت مخالفة للمشروع ، إذ من شب على شيء شاب عليه ، إلا من رحم الله – عزّ وجلّ - .

جاء في منهج التربية الإسلامية للأستاذ محمد قطب :

والأم التي ترضع طفلها كلما بكى ، لكي يسكت ، أو لأنها لا تطيق أن تسمعه يبكي ، تضره بذلك ، لأنها لا تعينه على ضبط رغباته ، ولا تعوده على ذلك الضبط في صغره فلا يتعوده في كبره ، ومن منّا تتركه ظروف الحياة لرغباته يشبعها كما يشاء ؟ وذلك فضلاً عن أن المسلم بالذات ينبغي أن يتعلم الضبط ويتعوده منذ باكر عمره ، لأن القتال في سبيل الله لا يستقيم في النفس التي لا تستطيع ضبط رغباتها ، فتنساق معها ، وكيف يمكن القتال بغير ضبط للشهوات ، والرغبات ، حتى إن كانت في دائرة المباح الذي لا إثم فيه في ذاته ، ولكنه يصبح إثماً حين يشغل عن القتال في سبيل الله : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ التوبة 24 ] .

فكل ما ذكرته الآية ليس محرماً في ذاته ، ولكنه صار فسقاً وحراماً حين أصبح سبباً في القعود عن القتال في سبيل الله ، وحين رجحت كفته في ميزان القلب على حب الله ورسوله ، والقتال في سبيله .

فما الوسيلة للاستقامة على ميزان الله إلا ضبط هذه الرغبات ، والاستغناء عنها حين تحول بين الإنسان وبين سبيل الله .

والضبط مقدرة بتدريب الإنسان عليها ، وعادة يتعلمها ، وكلما تدرب عليها وهو صغير كان أقدر عليها ، وأكثر تمكناً منها ، فيجدها حاضرة في أعصابه حين تفجؤه الأحداث .

2- مجالسة أهل الأهواء ومصاحبتهم :

ذلك أن العواطف أو الدوافع تنمو بالمجالسة وطول الصحبة ، وعليه فمن لازم مجالسة أهل الأهواء ، وأدام صحبتهم ، فلابد من تأثره بما هم عليه ، لا سيما إذا كان ضعيف الشخصية ، عنده قابلية التأثر بغيره من أولئك الناس .

وقد وعى السلف – رضوان الله تعالى عليهم – هذا السبب ، فأكثروا من التحذير من مجالسة أهل الأهواء ، بل والتعامل معهم .

أُثر عن أبي قلابة قوله : لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم ، فإنّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم ، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون [ الأثر أخرجه الدارمي في : السنن ]

وأثر عن الحسن ، وابن سيرين قولهما : " ولا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ، ولا تسمعوا منهم "

[ الأثر أخرجه الدارمي في : السنن ]

3- ضعف المعرفة الحقّة بالله والدار الآخرة :

ذلك أن من ضعفت معرفته بالله ، وأنه وحده له الحكم ، وإليه المرجع والمآب ، وهو أسرع الحاسبين ، كما قال سبحانه عن نفسه أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [ الأنعام 62 ] ، من كان كذلك لا يُقَدّر ربّه حق قدره ، وبالتالي يفعل ما يفعل غير مبال بما إذا كان ذلك يرضي الله أو يغضبه ، ينجيه أو يهلكه .

وقد لفت الحق سبحانه وتعالى النظر إلى ذلك وهو يتحدث عن الضالين والمكذبين ، مبيناً أن السبب في ضلال هؤلاء وتكذيبهم إنما يعود إلى عدم معرفتهم بالله حق المعرفة ، وبالتالي عدم تقديرهم له حق قدره ، إذ يقول سبحانه وتعالى :

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام 91 ] ، يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(74) [ الحج 73 ، 74 ]

4- تقصير الآخرين في القيام بواجبهم نحو صاحب الهوى :

ذلك أن صاحب الهوى إذا رأى ممن حوله استحساناً لما هو عليه ، أو سكوتاً وعدم إنكار بأي من وسائل الإنكار ، فإنه يمضي ويتمادى فيما هو عليه ، حتى يتمكن الهوى من قلبه ، ويسيطر على كل سلوكياته وتصرفاته .

ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام على مقاومة المنكرات ، وعدم السكوت عنها ولكن بالأسلوب المناسب ، ومع التكرار ، نظراً لأن غالبها ناشئ عن اتباع الهوى ، إذ يقول الحق سبحانه : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [ آل عمرن 1.4] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل 125 ] ، وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا(63) [ النساء 63 ].

5- حب الدنيا والركون إليها مع نسيان الآخرة :

ذلك أن من أحب الدنيا ، وركن إليها ونسى الآخرة يتولد عنده سعي حثيث لتلبية كل ما يفرضه هذا الحب ، وذلك الركون ، حتى وإن كان مخالفاً لمنهج الله ، وذلك بعينه هو اتباع الهوى ، وقد لفت المولى النظر إلى هذا السبب في قوله : الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8) [ يونس 7 ، 8 ] .

كما لفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر في الحديث المذكور آنفاً : " الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله " [ أخرجه الترمذى من حديث شداد بن أوس ]

 

الحلقة

الحادية

عشر

 

 

الحلقة الحادية عشر

الدرس الأول :

 

قصة الشقي الفاجر " الوليد بن المغيرة " وعقابه

الآيات من (11 : 3. )

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا 11 وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا 12 وَبَنِينَ شُهُودًا 13 وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا 14 ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ 15 كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا 16 سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا 17 إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ 18 فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ 19 ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ 2. ثُمَّ نَظَرَ 21 ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ 22 ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ 23 فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ 24 إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ 25 سَأُصْلِيهِ سَقَرَ 26 وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ 27 لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ 28 لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ 29 عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ 30

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يبين الدارس سبب نزول الآيات .

  2. أن يوضح الدارس عوامل الطغيان عند الوليد بن المغيرة وغيره من الناس .

  3. أن يذكر الدارس العقاب الذي توعد الله به الوليد بن المغيرة وأمثاله من الطغاة المعاندين .

معاني المفردات :

-ومهدت له تمهيداً : بسطت له في العيش والعمر والولد والجاه

عنيدا : معانداً

سأرهقه صعوداً : سأكلفه يوم القيامة صعود جبل من النار كلما صعد فيه هوي في النار أبداً

إنه فكر وقدر : أي فيما يقوله في القرآن

عبس وبسر : قطب بين عينيه وبسر كلح وجهه وتغير لونه

سحر يؤثر : أي ينقل من السحرة

سقر : اسم من أسماء جهنم

عليها تسعة عشر : أي ملكا وهم خزنتها .

سبب النزول :

قال المفسرون : نزلت هذه الآيات في " الوليد بن المغيرة " كان من أكابر قريش ، ولذلك لقب الوحيد وريحانة قريش ، وقد أنعم الله عليه بنعم الدنيا من المال والبنين ، وأغدق عليه الرزق فكان ماله كالنهر الدافق ، وكان للوليد بستان في الطائف لا ينقطع ثمره صيفا ولا شتاء ، فكفر بأنعم الله وبدلها كفراً ، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها ، وفيه نزل " ذرني ومن خلقت وحيداً " وهذا أسلوب بليغ في التهديد ، كما نزلت فيه الآيات المتقدمة في سورة نون 29 " ولا تطع كل حلاف مهين ... إلي ... سنسمه علي الخرطوم " .

*****

وينتقل من هذا التهديد العام إلى مواجهة فرد بذاته من المكذبين ؛ يبدو أنه كان له دور رئيسي خاص في التكذيب والتبييت للدعوة :

( ذرني ومن خلقت وحيدا ، وجعلت له مالا ممدودا ، وبنين شهودا ، ومهدت له تمهيدا ، ثم يطمع أن أزيدا ! كلا ! إنه كان لآياتنا عنيدا . سأرهقه صعودا . إنه فكر وقدر . فقتل ! كيف قدر ؟ ثم قتل ! كيف قدر ؟ ثم نظر ، ثم عبس وبسر ، ثم أدبر واستكبر ، فقال : إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر . سأصليه سقر . وما أدراك ما سقر ؟ لا تبقي ولا تذر ، لواحة للبشر ، عليها تسعة عشر ... ) ..

وقد وردت روايات متعددة بأن المعني هنا هو الوليد بن المغيرة المخزومي ..

( ذرني ومن خلقت وحيدا ) ..

والخطاب للرسول ومعناه خل بيني وبين هذا الذي خلقته وحيدا مجردا من كل شيء .. خل بيني وبينه ولا تشغل بالك بمكره وكيده . فأنا سأتولى حربه .

ويطيل النص في وصف حال هذا المخلوق ، وما آتاه الله من نعمه وآلائه ، قبل أن يذكر إعراضه وعناده . فهو قد خلقه وحيدا مجردا من كل شيء حتى من ثيابه ! ثم جعل له مالا كثيرا ممدودا . ورزقه بنين من حوله حاضرين شهودا ، فهو منهم في أنس وعزوة . ومهد له الحياة تمهيدا ويسرها له تيسيرا .. ( ثم يطمع أن أزيد ) .. فهو لا يقنع بما أوتي ، ولا يشكر ويكتفي ..

وهنا يردعه ردعا عنيفا عن هذا الطمع الذي لم يقدم حسنة ولا طاعة ولا شكرا لله يرجو بسببه المزيد :

( كلا ! ) ، وهي كلمة ردع وتبكيت - ( إنه كان لآياتنا عنيدا ) .. فعاند دلائل الحق وموحيات الإيمان . ووقف في وجه الدعوة ، وحارب رسولها ، وصد عنها نفسه وغيره ، وأطلق حواليها الأضاليل .

ويعقب على الردع بالوعيد الذي يبذل اليسر عسرا ، والتمهيد مشقة ( سأرهقه صعودا ) ..

وهو تعبير مصور لحركة المشقة . فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقا . فإذا كان دفعا من غير إرادة من المصعد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقا .

ثم يرسم تلك الصورة المبدعة المثيرة للسخرية والرجل يكد ذهنه ! ويعصر أعصابه ! ويقبض جبينه ! وتكلح ملامحه وقسماته .. كل ذلك ليجد عيبا يعيب به هذا القرآن ، وليجد قولا يقوله فيه :

( إنه فكر وقدر . فقتل ! كيف قدر ؟ ثم قتل ! كيف قدر ؟ ثم نظر . ثم عبس وبسر . ثم أدبر واستكبر . فقال : إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر ) ..

لمحة لمحة . وخطرة خطرة . وحركة حركة . يرسمها التعبير ، كما لو كانت ريشة تصور ، لا كلمات تعبر ..

لقطة وهو يفكر ويدبر ومعها دعوة هي قضاء ( فقتل ! ) واستنكار كله استهزاء ( كيف قدر ؟ ) ثم تكرار الدعوة والاستنكار لزيادة الإيحاء بالتكرار ..ولقطة وهو ينظر هكذا وهكذا في جد مصطنع متكلف يوحي بالسخرية منه والاستهزاء ..ولقطة وهو يقطب حاجبيه عابسا ، ويقبض ملامح وجهه باسرا ، ليستجمع فكره في هيئة مضحكة .. وبعد هذا المخاض كله ؟ لا يفتح عليه بشيء .. إنما يدبر عن النور ويستكبر عن الحق .. فيقول : ( إن هذا إلا سحر يؤثر . إن هذا إلا قول البشر ) !

فإذا انتهى عرض هذه اللمحات الحية الشاخصة لهذا المخلوق المضحك ، عقب عليها بالوعيد المفزع :

( سأصليه سقر ) .. وزاد هذا الوعيد تهويلا بتجهيل سقر : ( وما أدراك ما سقر ؟ ) .. إنها شيء أعظم وأهول من الإدراك ! ثم عقب على التجهيل بشيء من صفتها أشد هولا : ( لا تبقي ولا تذر ) .. فهي تكنس كنسا ..وتمحو محوا ، فلا يقف لها شيء ، ولا يبقى وراءها شيء ، ولا يفضل منها شيء !

ثم هي تتعرض للبشر وتلوح : ( لواحة للبشر ) .. فهي تدل على نفسها ، وكأنما تقصد إثارة الفزع في النفوس ، بمنظرها المخيف !

ويقوم عليها حراس عدتهم : ( تسعة عشر ) .. لا ندري أهم أفراد من الملائكة الغلاظ الشداد ، أم صفوف أم أنواع من الملائكة وصنوف بعض ما ترشد إليه الآيات :

  1. المال والبنون والجاه من عوامل الطغيان إلا أن يسلم الله عبده من فتنتها .

  2. من أكفر الناس من يعاند في آيات الله يريد صرف الناس عنها وإبطال هدايتها .

  3. جزاء الطغاة والمعاندين لطريق الدعاة واحد وهو الهلاك والعذاب الأليم .

  4. واجب المؤمن نحو النعم الشكر وأداء حق الله فيها وأن تكون له معيناً علي طريق الدعوة .

التقويم :

  1. فيمن نزلت الآيات وبم توعده الله عز وجل ؟

  2. وضح عوامل الطغيان عند من نزلت فيه الآيات وغيره من الناس .

  3. أذكر العقاب الذي توعد الله به الوليد بن المغيرة وأمثاله من الطغاة المعاندين .

  4. ما هي أسباب طغيان الناس في هذه الحياة ؟

  5. ما هو واجب المؤمن نحو نعم الله عليه ؟

  6. ماذا تعلمت من هذه الآيات من عبر وعظات .

 

 

 

 

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

 

ثالثاً : آثار اتباع الهوى .

ولاتباع الهوى آثار ضارة ، وعواقب مهلكة ، ودونك هذه الآثار :

(1) نقصان بل تلاشي الطاعة من النفس :

ذلك أن صاحب الهوى ، أو المتبع لهواه يعز عليه ، بل ويكبر في نفسه أن يطيع غيره ، خالقاً كان هذا الغير أو مخلوقاً ، بسبب أن هذا الهوى قد تمكن من قلبه ، وملك عليه أقطار نفسه ، فصار أسيراً لديه ودافعاً له في نفس الوقت إلى الغرور ، والتكبر ، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، فإمّا أن يطيع ربه ، وإمّا أن يطيع نفسه وهواه ، وشيطانه ، وهو ليس بمطيع ربه ، فلم يبق إلا أن يكون مطيعاً لهواه .

(2) مرض القلب ثم قسوته وموته :

ذلك أن صاحب الهوى غارق من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه في المعاصي والسيئات ، وهذه بدورها لها آثار خطيرة على القلب ، وإذ أنها تنتهي به إلى المرض ثم القسوة أو الموت ، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء ، في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن زاد زادت ، حتى يعلو قلبه ذاك الرّان ، الذي ذكره الله – عزّ وجل – في القرآن : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14) أخرجه ابن ماجة في السنن ، وإذا مات القلب وهو لب الإنسان وجوهره ، فماذا بقى لهذا الإنسان ؟!! إنه لا يبقى له سوى الشحم واللحم أو بالأحرى الجانب الطيني، وهو جانب حقير لا قيمة له في ميزان الله، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول : " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " [ أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة ]

(3) الاستهانة بالذنوب والآثام :

وذلك أن المتبع لهواه قد قسا قلبه ومات على النحو الذي قدمنا ويوم تقسو القلوب وتموت تكون الاستهانة والاستهتار بالذنوب والآثام ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه ، فقال به هكذا …[ أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود ] والاستهانة بالذنوب والآثام هي عين الهلاك ، والبوار والخسران المبين .

(4) عدم جدوى النصح والإرشاد :

وذلك لأن المتبع لهواه قد ركب رأسه ، وصار عبداً لشهواته ، وأنَّى لهذا أن يستجيب لنصح ، أو ينفع فيه توجيه وإرشاد ؟!! ، ولا خير في قوم لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [ القصص 5. ]

(5) الابتداع في دين الله :

وذلك أن صاحب الهوى يميل كغيره من البشر إلى إثبات ذاته ووجوده ، وهو لا يرضى منهج الله طريقاً لتحقيق هذا الميل ، فلم يبق إلا أن يبتدع منهاجاً يوافق أهواءه وشهواته ، يقول حمّاد بن سلمة : (حدثني شيخ لَهُمْ تَاب – يعني الرافضة – قال : كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً ، جعلناه حديثاً ) والابتداع هو الضلال ، وكل ضلال في النار ، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم " … وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار [ جزء من حديث طويل أخرجه أبو داود ]

(6) التخبّط وعدم الهداية إلى الطريق المستقيم :

وذلك أن صاحب الهوى بعبوديته لشهواته وميوله ، قد أعرض عن مصدر الهداية والتوفيق ، فمن أين يأتيه التوفيق ، والهداية إلى الصراط المستقيم ؟ وصدق الله – سبحانه وتعالى – الذي يقول أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ سورة الجاثية : 23

(7) إضلال الآخرين وإبعادهم عن الطريق :

ولا تقتصر هذه الآثار الضارة على صاحب الهوى ، بل كثيراً ما تتعداه إلى الآخرين ، لا سيما والسقوط أو البعد عن الطريق سهل مرغوب فيه ، وقد لفت المولى – سبحانه وتعالى – النظر إلى ذلك في قوله :

وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام 119]

(8) تفريق أو تمزيق وحدة الصف :

وذلك أن صف العمل الإسلامي إذا اشتمل على أصحاب الأهواء ، فإنهم ينتهون به إلى التمزيق والفرقة ، نظراً لضعف أو تلاشي مبدأ الطاعة عندهم ، وحين تقع هذه الفرقة أو هذا التمزيق ، فقد صار العمل الإسلامي لقمة سائغة في فم الأعداء .

ولعمري هذا هو أهم ما يسعى إليه هؤلاء ، حتى يصير حقيقة وواقعا في هذه الأرض ، وحينئذ يتمكنون بواسطته من ضرب العمل الإسلامي أو على الأقل إجهاضه ، والرجوع إلى الوراء عشرات السنين .

(9) الحرمان من العون والتأييد الإلهي :

وذلك أن سنة الله في خلقه مضت أنه لا يمنحهم العون أو التأييد إلا إذا كانوا أهلاً لذلك ، حتَّى إذا مكن لهم يكونون كما قال سبحانه وتعالى : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ سورة الحج : 41 .

ولعمري فإن صاحب الهوى بمعصيته لربه ، ولرسوله ، ولإمارة المسلمين ، يكون سبباً في حجب هذا العون وذلك التأييد الإلهي للعمل الإسلامي .

وما زالت وصايا عمر لأمراء الجيوش الإسلامية وجندها ، إبان الفتوحات الإسلامية ترن في الآذان : إذ قال لسعد بن أبي وقَّاص حين أمَّره على العراق :

" يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ، ولكن يمحو السيء بالحسن ، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ، الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عند الله بالطاعة ، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه ، فإنه الأمر ، هذه عظتي إيّاك ، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك ، وكنت من الخاسرين [ أنظر البداية والنهاية للحافظ بن كثير 7 / 35 – 36 ]

كما كتب إليه ومن معه من الأجناد :

أما بعد … فإني آمرك ومن معك من الإجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن بنا لهم قوة ، لأن عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا ، لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا إن عدونا شر منّا ، فلن يسلط علينا ، فربّ قوم سلط عليهم شرّ منهم ، كما سلّط على بني إسرائيل – لما عملوا بمساخط الله – كفار المجوس فجاسوا خلال الديار ، وكان وعداً مفعولاً ، واسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم ، وأسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم [ أنظر البداية والنهاية للحافظ بن كثير : الوصايا ]

(1.) الصيرورة إلى الجحيم ، وبئس المصير :

وأخيراً فإن من عوقب بكل الآثار التي قدمنا ، فإنما مأواه الجحيم ، وصدق الله العظيم :

فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38) فإن الجحيم هى المأوى (39) سورة النازعات : 37 – 39 .

التقويم

1- صل من العمود أ ما يناسبه من العمود ب

أ

ب

  1. ميل النفس إلى ما تشتهى

الشح

  1. حرص النفس على ما تملك

الإيثار

  1. ترك ما هو محتاج إليه إلى غيره

العجب

 

اتباع الهوى

 

2- اكتب المصطلح العلمى :-

النزول على حكم العاطفة من غير تحكيم العقل أو رجوع إلى شرع أو تقدير أو لعاقبة

3- ما الفرق بين إتباع الهوى المذموم والمحمود ؟ مدللاً على ما تقول ؟

4- ما هى أسباب إتباع الهوى ؟

5- أكمل الآيات

أ- " فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما ............"

ب- " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ..........."

ج- " وأما من خاف مقام ربه........................"

6- ما رأيك فى مسلم ملتزم له صحبة من أهل الأهواء يكثر من مجالستهم بدعوى أنه يحاول إصلاحهم ؟ وبم تنصحه ؟

7- ما هى علاقة إتباع الهوى بتمزيق وحدة الصف المسلم ؟

8- لإتباع الهوى آثار وخيمة على الفرد والمجتمع وضح بعض تلك الآثار ؟

9- هل داهمك شىء من الهوى لعمل ما فدافعته واستعنت بالله عليه فذهب عنك شره ؟ بين الوسائل التى اتبعتها لمغالبة الهوى ؟ بماذا تنصح غيرك فى مثل هذه الحالات أو حالات مشابهة ؟

1.- عرف النبى صلى الله عليه وسلم الكيس والعاجز - اذكر الحديث الدال على ذلك؟

11- بيّن حقيقة اتباع الهوى في ميزان الإسلام .

12- عدد أسباب اتباع الهوى وبواعثه وما يوقع فيه .

 

الحلقة

الثانية

عشر

 

 

الحلقة الثانية عشر

ذكرى للبشر ..

الآيات من (31 : 37 )

وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ 31 كَلَّا وَالْقَمَرِ 32 وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ 33 وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ 34 إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ 35 نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ 36 لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ 37

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس سبب نزول الآيات .

  2. أن يبين الدارس موقف المؤمنين الصادقين وموقف الكافرين من أخبار القرآن .

  3. أن يوضح الدارس أن لله جنوداً لا يعلم عددها إلا الله .

  4. أن يوضح الدارس هول النار وسبب خلق الله لها .

معاني المفردات :

أصحاب النار : أي خزنتها مالك وثمانية عشر معه

ولا يرتاب : أي لا يشك – وما هي إلا ذكري للبشر : وما النار إلا ذكري للبشر يتذكرون بها

أدبر : ولى ومضي

أسفر : أضاء وظهر

إنها لأحدي الكبر : أي جهنم لأحدي البلايا العظام

- أن يتقدم أو يتأخر : يتقدم بالطاعة ويتأخر بالمعصية .

سبب النزول :

قال الألوسي : روي عن ابن عباس أنها لما نزلت ( عليها تسعة عشر ) قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ، أسمع أبن أبي كبشة – يعني محمداً – يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر ، وأنتم ألدهم – أي العدد – الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم ؟ فقال أبو الأشد الجمحي : وكان شديد البطش – أنا أكفيكم سبعة عشر فأكفوني أنتم أثنين 30 فأنزل الله ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ).

********

فأما المؤمنون فقد تلقوا كلمات الله بالتسليم اللائق بمن وثق بربه.. وأما المشركون فتلقفوا هذا العدد بقلوب خاوية من الإيمان .. وراحوا يتهكمون عليه ويسخرون منه ، ويتخذونه موضعا للتندر والمزاح ..عندئذ نزلت الآيات التالية تكشف عن حكمة الله في الكشف عن هذا الجانب من الغيب ، وذكر هذا العدد ، وترد علم الغيب إلى الله ، وتقرر ما وراء ذكر سقر وحراسها من غاية ينتهي الموقف إليها :

تبدأ الآية بتقرير حقيقة أولئك التسعة عشر الذين تمارى فيهم المشركون :

( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) ..

فهم من ذلك الخلق المغيب الذي لا يعلم طبيعته وقوته إلا الله .. فهم إذت مزودون بالقوة التي يقدرون بها على كل ما يكلفهم الله إياه . فإذا كان قد كلفهم القيام على سقر ، فهم مزودون من قبله سبحانه بالقوة المطلوبة لهذه المهمة ، كما يعلمها الله .

( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) ..

فهم الذين يثير ذكر العدد في قلوبهم رغبة الجدل ؛ ولا يعرفون مواضع التسليم ومواضع الجدل . فهذا الأمر الغيبي كله من شأن الله .. فإذا أخبر الله عنه خبرا فهو المصدر الوحيد لهذا الطرف من الحقيقة ، وشأن البشر هو تلقي هذا الخبر بالتسليم . أما لماذا كانوا تسعة عشر .. فهو أمر يعلمه الله الذي ينسق الوجود كله ، ويخلق كل شيء بقدر . ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، ويزداد الذين آمنوا إيمانا ، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) .. فهؤلاء وهؤلاء سيجدون في عدد حراس سقر ما يدعو بعضهم إلى اليقين ويدعو البعض إلى ازدياد الإيمان . فأما الذين أوتوا الكتاب فلا بد أن لديهم شيئا عن هذه الحقيقة ، فإذا سمعوها من القرآن استيقنوا أنه مصدق لما بين يديهم عنها . وأما الذين آمنوا فكل قول من ربهم يزيدهم إيمانا .. وتثبت هذه الحقيقة في قلوب هؤلاء وهؤلاء فلا يرتابون بعدها فيما يأتيهم من عند الله .

( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ ) .. فهم لا يدركون حكمة هذا الأمر الغريب . ولا يسلمون بحكمة الله المطلقة في تقدير كل خلق . ولا يطمئنون إلى صدق الخبر والخير الكامن في إخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ..

( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) ..

كذلك . بذكر الحقائق وعرض الآيات . فتتلقاها القلوب المختلفة تلقيا مختلفا . ويهتدي بها فريق وفق مشيئة الله ؛ ويضل بها فريق حسب مشيئة الله . فكل أمر مرجعه في النهاية إلى إرادة الله المطلقة التي ينتهي إليها كل شيء ..

( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) ..

فهي غيب . حقيقتها . ووظيفتها . وقدرتها .. وهو يكشف عما يريد الكشف عنه من أمرها ، وقوله هو الفصل في شأنها ..

( وما هي إلا ذكرى للبشر ) ..

( وهي ) إما أن تكون هي جنود ربك ، وإما أن تكون هي سقر ومن عليها . وهي من جنود ربك . وذكرها جاء لينبه ويحذر ؛ لا لتكون موضوعا للجدل والمماحكة .

ويعقب على..هذا بربط حقيقة الآخرة ، وحقيقة سقر ، وحقيقة جنود ربك ، بظواهر الوجود المشهودة في هذا العالم ، والتي يمر عليها البشر غافلين : ( كلا والقمر . والليل إذ أدبر . والصبح إذا أسفر . إنها لأحدى الكبر . نذيرا للبشر ) ..

ومشاهد القمر ، والليل حين يدبر ، والصبح حين يسفر .. مشاهد موحية بذاتها .. ويقسم الله سبحانه بهذه الحقائق الكونية الكبيرة لتنبيه الغافلين لأقدارها العظيمة ، ودلالاتها المثيرة . يقسم على أن ( سقر ) أو الجنود التي عليها ، أو الآخرة وما فيها ، هي إحدى الأمور الكبيرة العجيبة المنذرة للبشر بما وراءهم من خطر : ( إنها لأحدى الكبر ، نذيرا للبشر ).

وفي ظل هذه الإيقاعات المثيرة الخطيرة يعلن تبعة كل نفس لذاتها وعلى ذاتها ؛ ويدع للنفوس أن تختار طريقها ومصيرها ؛ ويعلن لها أنها مأخوذة بما تكسبه باختيارها ، مرهونة بأعمالها وأوزارها :

( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) ..

فكل فرد يحمل هم نفسه وتبعتها ، ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها ، يتقدم بها أو يتأخر ، ويكرمها أو يهينها . فهي رهينة بما تكسب ، مقيدة بما تفعل .

بعض ما ترشد إليه الآيات :

  1. جعل الله عذاب جهنم نذيراً للبشر حتى لا يقعوا في العصيان والكفر .

  2. ميزان التقدم والتأخر عند الله الطاعة والمعصية .

  3. فكاك كل نفس وتقدمها وتأخرها مرهون بكسبها من الإيمان والتقوى .

التقويم :

  1. وضح سبب نزول الآيات .

  2. بين الحكمة من جعل عدد الزبانية تسعة عشر والإخبار عنهم بذلك .

  3. ما هو ميزان التقدم والتأخر عند الله ؟

  4. ما هو موقف المؤمن الصادق من أخبار القرآن ؟

  5. وضح هول النار وسبب خلق الله لها .

  6. ماذا تعلمت شخصياً من دراستك لهذه الآيات .

 

 

الحلقة

الثالثة

عشر

 

 

الحلقة الثالثة عشر

الدرس الأول :

تساؤل المؤمنين عمّا سلك المجرمين في سقر

الآيات من (38 : 56 )

كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ 38 إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ 39 فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ 4. عَنِ الْمُجْرِمِينَ 41 مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ 42 قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ 43 وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ 44 وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ 45 وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ 46 حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ 47 فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ 48 فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ 49 كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ 5. فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ 51 بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً 52 كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ 53 كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ 54 فَمَن شَاء ذَكَرَهُ 55 وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ 56

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس أسباب دخول المجرمين جهنم .

  2. أن يصف الدارس حال المجرمين في جهنم .

  3. أن يوضح الدارس سبب إعراض المشركين عن الإيمان .

  4. أن يستخلص الدارس العبر والعظات من هذه الآيات .

  5. أن يلجأ الدارس دائماً إلى طلب الهداية من الله عز وجل .

معاني المفردات :

-رهينة : مرهونة مأخوذة بعملها في جهنم

وكنا نخوض : أي في الباطل وفيما يكره الله تعالي

اليقين : الموت

حمر مستنفرة : حمر وحشية نافرة وشاردة

قسورة : أسد

هو أهل التقوى : أهل لأن يتقى لعظمته وعذابه

وأهل المغفرة : أهل لأن يغفر للتائبين من عباده والموحدين .

***************************************************

( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ...

وعلى مشهد النفوس الرهينة بما كسبت ، المقيدة بما فعلت ، يعلن إطلاق أصحاب اليمين من العقال ، وإرسالهم من القيد ، وتخويلهم حق سؤال المجرمين عما انتهى بهم إلى هذا المصير :

( إلا أصحاب اليمين ، في جنات يتساءلون عن المجرمين : ما سلككم في سقر ؟ قالوا : لم نك من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين ، وكنا نكذب بيوم الدين ، حتى أتانا اليقين ) ..

وإعلان ذلك في هذا الموقف وعرضه يلمس القلوب لمسة مؤثرة . يلمس قلوب المجرمين المكذبين.. ويلمس قلوب المؤمنين .. والاعتراف الطويل المفصل يتناول الجرائر الكثيرة التي انتهت بالمجرمين إلى سقر ، يعترفون بها هم بألسنتهم في ذلة المستكين أمام المؤمنين :

( قالوا : لم نك من المصلين ) .. وهي كناية عن الإيمان كله ، وتشير إلى أهمية الصلاة في كيان هذه العقيدة ، وتجعلها رمز الإيمان ودليله .

( ولم نك نطعم المسكين ) .. وهذه تلي عدم الإيمان ، بوصفها عبادة الله في خلقه ، بعد عبادته - سبحانه - في ذاته .

( وكنا نخوض مع الخائضين ) .. وهي تصف حالة الاستهتار بأمر العقيدة ، وحقيقة الإيمان ، وأخذها مأخذ الهزل واللعب والخوض بلا مبالاة ولا احتفال .

( وكنا نكذب بيوم الدين ) وهذه أس البلايا . فالذي يكذب بيوم الدين تختل في يده جميع الموازين ، وتضطرب في تقديره جميع القيم.. ومن ثم تفسد مقاييسه كلها ويفسد في يده كل أمر من أمور الدنيا ، قبل أن يفسد عليه تقديره للآخرة ومصيره فيها .. وينتهي من ثم إلى شر مصير .

( حتى أتانا اليقين ) .. الموت الذي يقطع كل شك وينهي كل ريب ، ويفصل في الأمر بلا مرد .. ولا يترك مجالا لندم ولا توبة ولا عمل صالح .. بعد اليقين ..

ويعقب السياق على الموقف السيء المهين ، بقطع كل أمل في تعديل هذا المصير :

( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) .. فقد قضي الأمر .. وتقرر المصير ، الذي يليق بالمجرمين المعترفين ! وليس هنالك من يشفع للمجرمين أصلا . وحتى على فرض ما لا وجود له فما تنفعهم شفاعة الشافعين !

وأمام هذا الموقف المهين الميئوس منه في الآخرة ، يردهم إلى موقفهم في الفرصة المتاحة لهم في الأرض قبل مواجهة ذلك الموقف ؛ وهم يصدون عنها ويعرضون ، بل يفرون من الهدى والخير ووسائل النجاة المعروضة عليهم فيها ، ويرسم لهم صورة مضحكة تثير السخرية والعجب من أمرهم الغريب :

( فما لهم عن التذكرة معرضين ؟ كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة ؟ ) ..

ومشهد حمر الوحش وهي مستنفره تفر في كل اتجاه ، حين تسمع زئير الأسد وتخشاه .. مشهد يعرفه العرب . وهو مشهد عنيف الحركة . مضحك أشد الضحك حين يشبه به الآدميون ! حين يخافون ! فكيف إذا كانوا إنما ينفرون هذا النفار .. لا لأنهم خائفون مهددون بل لأن مذكرا يذكرهم بربهم وبمصيرهم ، ويمهد لهم الفرصة ليتقوا ذلك الموقف الزري المهين ، وذلك المصير العصيب الأليم ؟!

ثم لا يدعهم حتى يرسم نفوسهم من الداخل ، وما يعتلج فيها من المشاعر :

( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحف منشرة ) ..

فهو الحسد للنبي أن يختاره الله ويوحي إليه ؛ والرغبة الملحة أن ينال كل منهم هذه المنزلة ، وأن يؤتى صحفا تنشر على الناس وتعلن .

ثم يستمر في رسم صورة النفوس من داخلها .. ويذكر سببا آخر للإعراض والجحود:

( كلا ! بل لا يخافون الآخرة ) .. وعدم خوفهم من الآخرة هو الذي ينأى بهم عن التذكرة ، وينفرهم من الدعوة هذه النفرة . ولو استشعرت قلوبهم حقيقة الآخرة لكان لهم شأن غير هذا الشأن المريب !

ثم يردعهم مرة أخرى ، وهو يلقي إليهم بالكلمة الآخيرة ، ويدعهم لما يختارون لأنفسهم من طريق ومصير :

( كلا ! إنه تذكرة . فمن شاء ذكره ) .. إنه ، هذا القرآن الذي يعرضون عن سماعه ، وينفرون كالحمر ، وهم يضمرون في أنفسهم الحسد لمحمد ، والاستهتار بالآخرة .. إنه تذكرة تنبه وتذكر . فمن شاء فليذكر . ومن لم يشأ فهو وشأنه ، وهو ومصيره ، وهو وما يختار من جنة وكرامة ، أو من سقر ومهانة ..

وبعد أن يثبت مشيئتهم في اختيار الطريق يعقب بطلاقة المشيئة الإلهية ، وعودة الأمور إليها في النهاية :

( وما يذكرون إلا أن يشاء الله ، هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ..

فكل ما يقع في هذا الوجود ، مشدود إلى المشيئة الكبرى ، يمضي في اتجاهها وفي داخل مجالها.. والذكر توفيق من الله ييسره لمن يعلم من حقيقة نفسه أنه يستحق التوفيق . والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء .. فإذا علم من العبد صدق النية وجهه إلى الطاعات .

والعبد لا يعرف ماذا يشاء الله به . فهذا من الغيب المحجوب عنه . ولكنه يعرف ماذا يريد الله منه ، فهذا مما بينه له . فإذا صدقت نيته في النهوض بما كلف أعانه الله ووجهه وفق مشيئته الطليقة .

( وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) .. فهم لا يصادمون بمشيئتهم مشيئة الله ، ولا يتحركون في اتجاه ، إلا بإرادة من الله ، تقدرهم على الحركة والاتجاه .. والله ( هو أهل التقوى ) .. يستحقها من عباده . فهم مطالبون بها ..( وأهل المغفرة ) .. يتفضل بها على عباده وفق مشيئته .. والتقوى تستأهل المغفرة ، والله - سبحانه - أهل لهما جميعا .

بعض ما ترشد إليه الآيات :

  1. فكاك كل نفس مرهون بكسبها من الإيمان والتقوى .

  2. بيان أكبر الجرائم وهى ترك الصلاة ومنع الزكاة والخوض في الباطل وعدم الإيمان باليوم الآخر.

  3. مرد الانحراف في الإنسان إلي ضعف إيمانه بالبعث والجزاء .

  4. من طبيعة المؤمن سماع الموعظة والاستفادة منها أما العاصي فهو ينفر منها ولا يسمع لها .

التقويم :

  1. وضح أسباب دخول المجرمين جهنم ؟

  2. صف حال المجرمين في جهنم .

  3. اذكر السبب الرئيسي في انحراف كثير من الناس عن الإيمان في هذه الحياة .

  4. وضح موقف المطيع والعاصي من الموعظة والتذكرة .

  5. استخلص العبر والعظات من هذه الآيات .

  6. ما العظة التى تأثرت بها شخصياً من دراستك لهذه السورة الكريمة – عبر عن هذا التأثر .. كيف كان ؟

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

الإعجاب بالنفس ( العجب )

خطر داء العُجْب :

اعلم أن خطر العجب عظيم فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه فيتولد من العجب الكبر ، ومن الكبر آفات كثيرة لا تخفى .

هذا مع العباد ، وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى إهمال الذنوب ونسيانها ، فلا يحدث لها توبة ويستعظم أعماله وطاعاته ويمن على الله بفعلها ، والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان ولا يسمع نصح ناصح ولا واعظ ، ويمنعه عجبه عن سؤال أهل العلم فهذا وأمثاله من آفات العجب ، فلذلك كان من المهلكات ومن أعظم آفاته أن يفتر في السعي لظنه أنه قد فاز ، وأنه قد استغنى وهو الهلاك الصريح نسأل الله العظيم حسن التوفيق لطاعته .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس مفهوم الإعجاب بالنفس .

  2. أن يحدد الدارس مظاهر الإعجاب بالنفس .

  3. أن يحدد الدارس أسباب الإعجاب بالنفس .

  4. أن يحدد الدارس آثار الإعجاب بالنفس .

  5. أن يقوِّم الدارس نفسه بناءً على مظاهر الإعجاب بالنفس .

أولاً : مفهوم الإعجاب بالنفس :

  • معنى الإعجاب بالنفس :

  • لغة : يطلق الإعجاب في اللغة ويراد به :

( أ ) السرور والاستحسان ، تقول : أعجبه الأمر : سره ، أعجب به : سر به ( لسان العرب مادة " عجب " )

ومنه قوله تعالى : وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ سورة البقرة : 221

قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ سورة المائدة : 1.. .

كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا سورة الحديد : 2. .

( ب ) الزهو أو الإعظام والإكبار تقول : أعجبه الأمر أي زها به، وعظم عنده وكبر لديه ، ورجل معجب أي مزهو أو معظم ومكبر لما يكون منه حسناً أو قبيحاً ( لسان العرب 1/582 مادة " عجب " )

ومنه قوله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ) سورة التوبة : 25 .

واصطلاحاً :

أما في اصطلاح الدعاة ، فإن الإعجاب بالنفس هو : السرور أو الفرح بالنفس ، وبما يصدر عنها من أقوال أو أعمال من غير تعد أو تجاوز إلى الآخرين من الناس ، سواء أكانت هذه الأقوال ، وتلك الأعمال خيراً أم شراً ، محمودة أو غير محمودة . فإن كان هناك تعد أو تجاوز إلى الآخرين من الناس ، باحتقار واستصغار ما يصدر عنهم ، فهو الغرور أو شدة الإعجاب ، وإن كان هناك تعد أو تجاوز إلى الآخرين من الناس ، باحتقارهم في أشخاصهم ، وذواتهم ، والترفع عليهم ، فهو التكبر ، أو شدة الإعجاب . مختصر منهاج القاصدين ص 247 وما بعدها . بتصرف .

ومن الآيات الكريمة الواردة في العُجب معنىً :

 كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا(33)وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا(34)وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا(35)وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا ( الكهف 33-36 )

 قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا(1.3)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(1.4)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(1.5)ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ( الكهف 1.3 -1.6 )

 قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ(78)فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( القصص 78 – 79 )

ومن الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في ذمّ " الكبر والعُجب " :

1 ـ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احتجت النار والجنة فقالت هذه : يدخلني الجبارون والمتكبرون . وقالت هذه : يدخلني الضعفاء والمساكين . فقال الله عز وجل لهذه : ( أنت عذابي أُعذب بك من أشاء ) وقال لهذه : ( أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ) . ( ولكل واحدة منكما ملؤها ) رواه مسلم

2 ـ وعنه ـ رضي الله عنه أيضاً ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينما رجل يتبختر . يمشي في برديه قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض . فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " رواه مسلم

3 ـ وعنه - رضي الله عنه أيضاً ـ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " بينما رجل يمشى في حُلة تعجبه نفسه مرجل جمته (31) ، إذ خسف الله به ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة " رواه البخاري

من أقوال الصحابة والصالحين :

1 ـ قال المسيح عليه الصلاة والسلام : " إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت على الصفا . كذلك الحكمة تعمل في قلب المتواضع ولا تعمل في قلب المتكبر . ألا ترون أن من شمخ برأسه إلى السقف شجه ،ومن طأطأ أزله وأكنه " ( إحياء علوم الدين )

2 ـ عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه رأى رجلاً يختال في مشيته ويجر إزاره فقال : " إن للشيطان إخواناً " الاحياء : 3/359 .

3 ـ عن مسروق ـ رحمه الله ـ قال : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى بالمرء جهلاً أن يُعجب بعلمه " الدر المنثور : 7/2.

4ـ قال ابن عوف ـ رحمه الله ـ

عجبت من معجب بصورته
وفي غد بعد حسن صورته
وهو علـى تيهـه ونخوتـه

 

وكان بالأمس نطفة مذرة
يصير في اللحد جيفة قذرة
ما بين ثوبيه يحمل العذرة

 

 

الحلقة

الرابعة

عشر

 

 

الحلقة الرابعة عشر

الدرس الأول :

 

الحديث الثامن والعشرون

لزومُ السُّنَّة واجتنابُ البِدَع

عن أبي نَجيحٍ الْعِرْباضِ بنِ سارِيَةَ رضي اللهِ عنه قال: وَعَظَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنها الْقُلُوبُ، وذَرَفَتْ منها الْعُيُونُ، فَقُلْنا: يا رسول اللهِ، كأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فأَوْصِنا. قال: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، والسَّمْعِ والطَّاعَةِ، وإن تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَليْكُمْ بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ ومُحْدَثاتِ الأُمُورِ، فإنَّ كلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ" رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. ان يشرح الدارس صفات الموعظة المؤثرة .

  2. ان يشرح الدارس صفات الوعظ الناجح .

  3. أن يكون الدارس واعظاً ناجحاً .

  4. أن يقيس الدارس مدى نجاح موعظته فى الآخرين .

  5. أن يبين الدارس مفهوم التقوى .

  6. أن يبين الدارس وجوب السمع والطاعة ولمن تكون وفيم تكون .

  7. أن يبين الدارس وجوب التمسك بالسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين .

  8. أن يبين الدارس خطورة البدعة .

  9. أن يلزم الدارس نفسه بما جاء فى الحديث .

أهمية الحديث:

هذا الحديث اشتمل على وصية أوصاها الرسول صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه وللمسلمين عامة من بعده، وجمع فيها الوصية بالتقوى لله عز وجل، والسمع والطاعة للحكام المسلمين، وفي هذا تحصيل سعادة الدنيا والآخرة. كما أوصى الأمة بما يكفل لها النجاة والهدى إذا اعتصمت بالسنة ولزمت الجادة، وتباعدت عن الضلالات والبدع.

مفردات الحديث:

"موعظة": من الوعظ، وهو التذكير بالعواقب.

"وَجِلَتْ": بكسر الجيم: خافت.

"ذرفت": سالت.

"الراشدين": جمع راشد، وهو من عرف الحق واتبعه.

"النواجذ": جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس الذي يدل ظهوره على العقل، والأمر بالعض على السنة بالنواجذ كناية عن شدة التمسك بها.

"محدثات الأمور": الأمور المحدثة في الدين، وليس لها أصل في الشريعة.

"بدعة": البدعة لغة: ما كان مخترعاً على غير مثال سابق، وشرعاً: ما أُحدث على خلاف أمر الشرع ودليلِهِ.

"ضلالة": بُعْدٌ عن الحق.

المعنى العام:

صفات الموعظة المؤثرة: حتى تكون الموعظة مؤثرة، تدخل إلى القلوب، وتؤثر في النفوس، يجب أن تتوفر فيها شروط:

انتقاء الموضوع: فينبغي أن يعظ الناس، ويذكرهم ويخوفهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، بل ينتقي الموضوع بحكمة ودراية مما يحتاج إليه الناس في واقع حياتهم، ولا شك أن غالب خطب الجمع والأعياد أصبحت اليوم وظيفة تؤدي لا دعوة تُعْلَن وتُنْصَر، فتسهم من غير قصد في زيادة تنويم المسلمين، وإيجاد حاجز كثيف بين منهج الإسلام، وواقع الحياة ومشاكل العصر.

البلاغة في الموعظة: والبلاغة في التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأحلاها لدى الأسماع وأوقعها في القلوب.

عدم التطويل: لأن تطويل الموعظة يؤدي بالسامعين إلى الملل والضجر، وضياع الفائدة المرجوة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر خطبه ومواعظه ولا يطيلها، بل كان يُبَلِّغ ويُوجِز، ففي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال: "كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً، وخُطبته قصداً".

اختيار الفرصة المناسبة والوقت الملائم: ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يديم وعظهم، بل كان يتخولهم بها أحياناً.

قال عبد الله بن مسعود: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا".

صفات الواعظ الناجح:

أن يكون مؤمناً بكلامه، متأثراً به.

أن يكون ذا قلب ناصح سليم من الأدناس، يخرج كلامه من قلبه الصادق فيلامس القلوب.

أن يطابق قوله فعله، لأن السامعين لموعظته، المعجبين بفصاحته وبلاغته، سيرقبون أعماله وأفعاله، فإن طابقت أفعاله أقواله اتبعوه وقلدوه، وإن وجدوه مخالفاً أو مقصراً فيما يقول شَهَّروا به وأعرضوا عنه.

فضل الصحابة وصلاح قلوبهم: إن الخوف الذي اعترى قلوب الصحابة، والدموع التي سالت من عيونهم عند سماع موعظة النبي صلى الله عليه وسلم، دليل على فضل وصلاح، وعلو وازدياد في مراقي الفلاح ومراتب الإيمان.

الوصية بالتقوى : التقوى هي امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، من تكاليف الشرع، والوصية بها اعتناء كبير من النبي صلى الله عليه وسلم، لأن في التمسك بها سعادةَ الدنيا والآخرة، وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء : 131].

الوصية بالسمع والطاعة: والسمع والطاعة لولاة الأمور من المسلمين في المعروف واجب أوجبه الله تعالى في قرآنه حيث قال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] ولذلك أفرد النبي صلى الله عليه وسلم الوصية بذلك. [انظر الحديث 7 النصيحة لأئمة المسلمين]

لزوم التمسك بالسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين: والسنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال. وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم سُنَّة الخلفاء الراشدين بسنته، لعلمه أن طريقتهم التي يستخرجونها من الكتاب والسنة مأمونة من الخطأ. وقد أجمع المسلمون على إطلاق لقب الخلفاء الراشدين المهديين على الخلفاء الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين.

التحذير من البدع: وقد ورد مثل هذا التحذير في الحديث الخامس الخاص:" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ". فانظره.

ويرشد الحديث إلى سنة الوصية عند الوداع بما فيه المصلحة، وسعادة الدنيا والآخرة.

النهي عما أُحدث في الدين مما ليس له أصل يستمد منه.

التقويم :

  1. اشرح صفات الموعظة المؤثرة .

  2. اشرح صفات الوعظ الناجح .

  3. قس مدى نجاح موعظتك فى الآخرين .

  4. بين مفهوم التقوى .

  5. بين وجوب السمع والطاعة ولمن تكون وفيم تكون .

  6. بين وجوب التمسك بالسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين .

  7. بين خطورة البدعة .

  8. قوِّم مدى التزامك بما جاء فى الحديث . وما تنوى فعله بعد ذلك .

 

 

الدرس الثاني :

 

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

ثانياً : مظاهر الإعجاب بالنفس :

يمكن اكتشاف هذا الداء من خلال المظاهر التالية :

1 ـ تزكية المرء لنفسه :

أي أن المظهر الأول للإعجاب بالنفس ، إنما هو دوام تزكية المرء لنفسه ، والثناء عليها ، والرفع من قيمتها ، مع نسيان أو تناسي قول الله عز وجل : فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى ( النجم 32 )

2 ـ الاستعصاء على النصيحة :

والمظهر الثاني للإعجاب بالنفس ، إنما هو الاستعصاء على النصيحة ، بل والنفور منها ، مع أنه لا خير في قوم لا يتناصحون ولا يقبلون النصيحة .

3 ـ الفرح بسماع عيوب الآخرين لا سيما أقرانه :

والمظهر الثالث للإعجاب بالنفس ، إنما هو الفرح بسماع عيوب الآخرين لا سيما أقرانه ، حتى قال الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ " " إن علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه " العوائق للأستاذ / محمد أحمد الراشد ص 53

ثالثاً : أسباب الإعجاب بالنفس وبواعثه .

وللإعجاب بالنفس أسباب تؤدي إليه ، وبواعث توقع فيه نذكر منها :

1 ـ النشأة الأولى :

ذلك أن الإنسان قد ينشأ بين أبوين يلمس منهما أو من أحدهما : حب المحمدة ، ودوام تزكية النفس ، إن بالحق وإن بالباطل ، والاستعصاء على النصح والإرشاد ، ونحو ذلك من مظاهر الإعجاب بالنفس . فيحاكيهما ، وبمرور الزمن يتأثر بهما ، ويصبح الإعجاب بالنفس جزءاً من شخصيته ، إلا من رحم الله .

ولعل ذلك هو السر في تأكيد الإسلام على التزام الأبوين بمنهج الله حتى يكونا قدوة للأولاد .

 

2 ـ الإطراء والمدح في الوجه دون مراعاة للآداب الشرعية المتعلقة بذلك :

ذلك أن هناك فريقاً من الناس ، إذا أطرى أو مُدح في وجهه دون تقيد بالآداب الشرعية في هذا الإطراء ، وذلك المدح ، اعتراه أو ساوره ـ لجهله بمكائد الشيطان ـ خاطر : أنه ، ما مدح وما أطرىّ إلا لأنه يملك من المواهب ما ليس لغيره ، وما يزال هذا الخاطر يلاحقه ، ويلح عليه حتى يصاب ـ والعياذ بالله ـ بالإعجاب بالنفس ، ولعل ذلك هو السر في ذمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للثناء والمدح في الوجه ، بل وتأكيده على ضرورة مراعاة الآداب الشرعية إن كان ولابد من ذلك . ( المنهاج : شرح صحيح مسلم للإمام النووي )

وجاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، قال : مدح رجل ، رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ويحك ، قطعت عنق صاحبك ، قطعت عنق صاحبك ـ مراراً ـ إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة ، فليقل : أحسب فلاناً ، والله حسيبه ، لا أزكي على الله أحداً ، أحسبه ـ إن كان يعلم ذلك ـ كذا وكذا " رواه البخاري

3 ـ صحبة نفر من ذوي الإعجاب بأنفسهم :

ذلك إن الإنسان شديد المحاكاة والتأثر بصاحبه ، لا سيما إذا كان هذا الصاحب قوي الشخصية ، ذا خبرة ودراية بالحياة ، وكان المصحوب غافلاً على سجيته ، يتأثر بكل ما يلقى عليه ، فإذا كان الصاحب مصاباً بداء الإعجاب ، فإن عدواه تصل إلى قرينه فيصير مثله ، ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام على ضرورة انتقاء واختيار الصاحب لتكون الثمرة طيبة ، والعواقب حميدة .

4 ـ الوقوف عند النعمة ونسيان المنعم :

ذلك أن هناك صنفاً في الناس ، إذا حباه الله نعمة من مال أو علم أو قوة أو جاه أو نحوه ، وقف عند النعمة ، ونسى المنعم ، وتحت تأثير بريق النعمة وسلطانها ، تحدثه نفسه أنه ما أصابته هذه النعمة إلا لما لديه من مواهب وإمكانات ، على حد قول قارون : إنما أوتيته على علم عندي ( القصص 78 ) ولا يزال هذا الحديث يلح عليه حتى يرى أنه يبلغ الغاية أو المنتهى ، ويسر ويفرح بنفسه وبما يصدر عنها ، ولو كان باطلاً ، وذلك هو الإعجاب بالنفس .

ولعل هذا هو السر في تأكيد الإسلام ، على أن مصدر النعمة ـ أي نعمة ـ إنما هو الله عز وجل وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ النحل 53 ، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ النحل 78 ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لقمان 2. .

وعلى المسلم أن يناجى ربه كل صباح ومساء قائلاً ثلاث مرات : " اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك ، فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ، ولك الشكر " ( حديث أخرجه أبو داود في السنن )

5 ـ الغفلة أو الجهل بحقيقة النفس :

ذلك أن الإنسان إذا غفل أو جهل حقيقة نفسه ، وأنها من ماء مهين خرج من مخرج البول ، وأن النقص دائماً طبيعتها وسمتها ، وأن مرادها أن تلقى في التراب ، تصير جيفة منتنة ، تنفر من رائحتها جميع الكائنات ، إذا غفل الإنسان أو جهل ذلك كله ، ربما خطر بباله أنه شيء ، ويقوّي الشيطان فيه هذا الخاطر حتى يصير معجباً بنفسه .

ولعل ذلك هو السر في حديث القرآن والسنة المتكررة عن حقيقة النفس الإنسانية بدءاً ، ونهاية .

إذ يقول الحق سبحانه : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (السجدة 7-8 ) ، ألم نخلقكم من ماء مهين المرسلات 2.

6ـ عراقة النسب أو شرف الأصل :

ذلك أن الفرد قد يكون سليل بيت عريق النسب ، أو شريف الأصل ، وربما حمله ذلك على استحسان نفسه ، وما يصدر عنها ، ناسياً أو متناسياً ، أن النسب أو الأصل لا يقدم ولا يؤخر ، بل المعول عليه إنما هو العمل المقرون بالجهد والعرق ، وهكذا تنتهي به عراقة نسبه ، أو شرف أصله إلى الإعجاب بنفسه ، ولعل ذلك هو سر تأكيد الإسلام على العمل ، والعمل وحده .

إذا يقول الحق سبحانه : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ المؤمنون 1.1 ، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا(123)وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا النساء 123-124

وإذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه : وأنذر عشيرتك الأقربين : " يا معشر قريش : اشتروا أنفسكم من الله ، لا أغني عنكم من الله شيئاً ، يا بني عبد المطلب ،لا أغني عنكم من الله شيئاً ، يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغني عنك من الله شيئاً ، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أغني عنك من الله شيئاً ، يا فاطمة بنت رسول الله : سليني ما شئت ، لا أغني عنك من الله شيئاً " أخرجه البخاري ومسلم وكلاهما من حديث أبي هريرة

 

 

 

 

 

 

الحلقة

الخامسة

عشر

 

 

الحلقة الخامسة عشر

 

الدرس الأول :

الحديث التاسع والعشرون

أبوابُ الخَير ومسالك الهدى

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنَة ويُبَاعِدُني عن النار. قال: "لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يَسَّرَهُ اللهُ تعالى عليه : تَعْبُدُ الله لا تُشركُ به شيئاً، وتُقيمُ الصلاة،وتُؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتَحجُّ البيتَ".ثم قال: " ألا أَدُلُّكَ على أبْوَابِ الخير؟:الصومُ جُنَّةٌ، والصدقةُ تُطفىء الخطيئة كما يُطفىء الماءُ النارَ، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ} - حتى بلغ - {يَعْمَلُونَ} [ السجدة: 16-17].

ثم قال:" ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذِروة سَنَامِهِ؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: " رأس الأمر الإسلامُ، وعَمُوده الصلاةُ، وذِروة سَنَامه الجهاد".

ثم قال: " ألا أخبرك بِمِلاكَ كلِّهِ"؟ فقلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: " كفَّ عليك هذا" . قلت : يا نبي الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟! فقال: " ثَكِلتكَ أمُّكَ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: "على مناخِرِهم - إلا حصائد ألسنتهم" . [رواه الترمذي] وقال: حديث حسن صحيح.

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يحرص الدارس على ما يقربه من الجنة وما يبعده عن النار .

  2. أن يذكر الدارس الأعمال التى تقرب من الجنة وتباعد عن النار .

  3. أن يوضح الدارس أبواب الخير التى وردت فى الحديث .

  4. أن يكون للدارس زاد من أبواب الخير التى دل عليها الحديث .

  5. أن يوضح الدارس المقصود برأس الأمر وعموده وذروة سنامه .

  6. أن يذكر الدارس أفضل أعمال البر بعد الفرائض .

  7. أن يبين الدارس أهمية حفظ اللسان وخطورة الكلمة .

  8. أن يحفظ الدارس لسانه عن كل ما يغضب الله عز وجل .

مفردات الحديث:"الصوم جنة": الصوم وقاية من النار.

"الصدقة تطفىء الخطيئة": أي تطفىء أثر الخطيئة فلا يبقى لها أثر.

"جوف الليل": وسطه، أو أثناؤه.

" تتجافى": ترتفع وتبتعد.

"عن المضاجع": عن الفُرُشِ والمراقد."ذروة سَنَامه": السَّنَام: ما ارتفع من ظهر الجمل، والذروة: أعلى الشيء، وذروة سنام الأمر:كناية عن أعلاه."ثكلتك أمك": هذا دعاء بالموت على ظاهره، ولا يُراد وقوعه، بل هو تنبيه من الغفلة وتعجب للأمر.

"يَكُبُّ": يُلْقي في النار .

"حصائد ألسنتهم": ما تكلمت به ألسنتهم من الإثم.

المعنى العام:

شدة اعتناء معاذ بالأعمال الصالحة: إن سؤال معاذ رضي الله عنه يدل على شدة اعتنائه بالأعمال الصالحة ، واهتمامه بمعرفتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يدل على فصاحته وبلاغته، فإنه سأل سؤالاً وجيزاً وبليغاً، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله وعجب من فصاحته حيث قال: "لقد سألت عن عظيم".

الأعمال سبب لدخول الجنة وقد دل على ذلك قول معاذ " أخبرني بعمل يدخلني الجنة" . وفي كتاب الله عز وجل {تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [ الأعراف: 43] وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام "لن يَدخلَ الجنة أحدُكم بعمله" رواه البخاري: فمعناه أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، وإنما لا بد مع العمل من القبول، وهذا يكون بفضل ورحمةٍ من الله تعالى على عباده.

الإتيان بأركان الإسلام: أجاب النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً عن سؤاله، بأن توحيد الله

وأداء فرائض الإسلام : الصلاة والزكاة والصيام والحج، هي العمل الصالح الذي جعله بمنه وإحسانه ورحمته سبباً لدخول الجنة، وقد مر في شرح الحديث الثاني والثالث أن هذه الأركان الخمس هي دعائم الإسلام التي بني عليها فانظرهما.

أبواب الخير: وفي رواية ابن ماجه: "أبواب الجنة". وقد دلَّ النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً على أداء النوافل بعد استيفاء أداء الفرائض، ليظفر بمحبة الله، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ربه عز وجل أنه قال: " ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ " رواه البخاري. وأما أبواب الخير وأسبابه الموصلة إليه فهي:

أ-الصوم جُنَّة: والمراد به هنا صيام النفل لا صيام رمضان، وهو وقاية من النار في الآخرة؛ لأن المسلم يمتنع فيه عن الشهوات امتثالاً لأمر الله، وهذا الامتناع يُضْعِف تحكّم القوى الشهوانية في الإنسان، فلا تسيطر عليه، ويصبح بالصوم تقياً نقياً طاهراً من الذنوب.

ب-الصدقة: والمراد بالصدقة هنا غير الزكاة، والخطيئة التي تطفئها وتمحو أثرها إنما هي الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، لأن الكبائر لا يمحوها إلا التوبة، والخطايا المتعلقة بحق الآدمي لا يمحوها إلا رضا صاحبها.

ج- صلاة الليل: وهي صلاة التطوع في الليل بعد الاستيقاظ من النوم ليلاً، والمراد بـ: صلاة الرجل:صلاة الرجل والمرأة. قال الله تعالى :{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [ الذاريات: 15-18]. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل" رواه مسلم.

رأس الدين الإسلام وعموده وذروة سَنَامه : وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى في عيني صاحبه معاذ حُبَّ الاستزادة من علم النبوة، فزاده معرفة واضحة على طريقة التشبيه والتمثيل، ولم يُسْمِعْهُ هذه المعارف إلا بعد صيغة السؤال: ألا أُخْبِرُكَ؟" وهي طريقة تربوية ناجحة تزيد من انتباه المتعلم، وتجعله سائلاً متلهفاً لمعرفة الجواب، لا مجرد سامع ومتعلقٍّ . أما هذه المعارف النبوية فهي:

رأس الأمر الإسلام: وقد ورد تفسير هذا في حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله".

وعموده الصلاة: أي إن الصلاة عماد الدين، وقِوَامه الذي يقوم به، كما يقوم الفُسْطَاط

)الخيمة) على عموده. وكما أن العمود يرفع البيت ويهيئه للانتفاع، فكذلك الصلاة ترفع الدين وتظهره.

وذروة سنامه الجهاد: أي أعلى ما في الإسلام وأرفعه الجهاد؛ لأن به إعلاء كلمة الله، فيظهر الإسلام ويعلو على سائر الأديان، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو أعلاها بهذا الاعتبار.

ملاك الأمر كله حفظ اللسان: وقد بينَّا أهمية حفظ اللسان وضبطه في شرح حديث 15 "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت". والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرّم وعقوباته، فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيراً من قول وعمل حصد الكرامة، ومن زرع شراً من قول أو عمل حصد غداً الندامة.

روى الإمام أحمد والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكثر ما يُدْخِلُ النار الأجوفان: الفم والفرج". أفضل أعمال البر بعد الفرائض: ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن أفضل أعمال البر بعد الفرائض العلم ثم الجهاد. وذهب الشافعي إلى أن أفضل الأعمال الصلاة فرضاً ونفلاً. وقال الإمام أحمد : الجهاد في سبيل الله.

وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل ؟ فقال تارة: الصلاة لأول وقتها، وتارة: الجهاد، وتارة بِرّ الوالدين، وحُمِل ذلك على اختلاف أحوال السائلين، أو اختلاف الأزمان.

ما يستفاد من الحديث

ويفيد الحديث الشريف استرشاد الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم وعظته لهم، كما يرشد إلى أن أداء الفرائض الخمس أول ما يعمله العبد وأنها سبب لدخوله الجنة والبعد عن النار. فضل الجهاد في حفظ الإسلام، وإعلاء كلمة الله.خطر اللسان، والمؤاخذة على عمله، وأنه يورد النار بحصائده.

التقويم :

  1. كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصون على معرفة ما يقربهم من الجنة وما يبعدهم عن النار حتى يلتزمون به . وضح ذلك

  2. أذكر الأعمال التى تقرب من الجنة وتباعد عن النار .

  3. وضح أبواب الخير التى وردت فى الحديث .

  4. هل لك زاد من أبواب الخير التى دل عليها الحديث – وكيف تداوم عليها .

  5. وضح المقصود برأس الأمر وعموده وذروة سنامه .

  6. أذكر أفضل أعمال البر بعد الفرائض .

  7. بين أهمية حفظ اللسان وخطورة الكلمة .

  8. هل تحفظ لسانك عن كل ما يغضب الله عز وجل – وكيف تحقق ذلك ( إن كانت الإجابة بنعم ) ، (و إن كانت الإجابة بـ لا ) فبين أسباب ذلك وكيف تعالج ؟

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

 

7 ـ الإفراط أو المبالغة في التوقير والاحترام :

ذلك أن بعض الناس قد يحظى من الآخرين بتوقير واحترام فيهما مبالغة أو إفراط يتعارض مع هدى الإسلام ، ويأباها شرع الله الحنيف ، كدوام الوقوف طالماً أنه قائم أو قاعد ، وكتقبيل يده ، والانحناء له ، والسير خلفه .. إلخ .

وإزاء هذا السلوك قد تحدثه نفسه أنه ما حظى بهذا التوقير والاحترام إلا لأن لديه من المواهب والخصائص ما ليس لغيره ، ويظل هذا الحديث يقوى ويشتد إلى أن يكون الإعجاب بالنفس ـ والعياذ بالله ـ

ولعل هذا هو سر نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه : أن يقوموا له ، وأن يعظموه كما يعظم الأعاجم ملوكهم فيقول : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار " رواه أبو داود فى سننه

ويخرج صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوماً ، متوكئاً على عصا ، فيقومون له ، فيقول : " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ، يعظم بعضهم بعضاً " أخرجه أبو داود في السنن : باب قيام الرجل للرجل 4/358 رقم 523. من حديث أبي أمامة مرفوعاً .

رابعاً : آثار الإعجاب بالنفس .

هذا وللإعجاب بالنفس آثار سيئة ، وعواقب وخيمة ، ودونك طرفاً من هذه الآثار ، وتلك العواقب :

1 ـ الوقوع في شراك الغرور بل والتكبر :

ذلك أن المعجب بنفسه كثيراً ما يؤدي به الإعجاب إلى أن يهمل نفسه ، ويلغيها من التفتيش والمحاسبة ، وبمرور الزمن يستفحل الداء ، ويتحول إلى احتقار واستصغار ما يصدر عن الآخرين ، وذلك هو الغرور ، أو يتحول إلى الترفع على الآخرين ، واحتقارهم في ذواتهم وأشخاصهم ، وذلك هو التكبر .

2 ـ الحرمان من التوفيق الإلهي :

ذلك أن المعجب بنفسه كثيراً ما ينتهي به الإعجاب إلى أن يقف عند ذاته ، ويعتمد عليها في كل شيء ، ناسياً أو متناسياً خالقه ، وصانعه ، ومدبر أمره ، والمنعم عليه بسائر النعم الظاهرة والباطنة .

ومثل هذا يكون مآله الخذلان ، وعدم التوفيق في كل ما يأتي وفي كل ما يدع ، لأن الحق ـ سبحانه ـ مضت سنته في خلقه : أنه لا يمنح التوفيق إلا لمن تجردوا من ذواتهم ، واستخرجوا منها حظ الشيطان ، بل ولجأوا بكليتهم إليه ـ تبارك اسمه ، وتعاظمت آلاؤه ـ وقضوا حياتهم في طاعته وخدمته ، كما قال في كتابه والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين [ العنكبوت 69 ]

وكما قال في الحديث القدسي " .. .. وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا ؛ أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه " أخرجه البخاري ـ كتاب الرقائق 7/131

3 ـ النفور بل والكراهية من الآخرين :

ذلك أن المعجب بنفسه قد عرض نفسه بصنيعه هذا لبغض الله له ، ومن أبغضه الله أبغضه أهل السماوات ، وبالتالي يوضع له البغض في الأرض ، فترى الناس ينفرون منه ، ويكرهونه ، ولا يطيقون رؤيته ، بل ولا سماع صوته . جاء في الحديث : " إن الله إذا أحب عبداً ، دعا جبريل فقال : إني أحب فلاناً فأحبه ، قال فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، قال : ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبداً دعاً جبريل ، فيقول : إني أبغض فلاناً فأبغضه ، قال : فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه ، قال فيبغضونه ، ثم توضع له البغضاء في الأرض " ( رواه مسلم عن أبي هريرة )

4 ـ العقاب أو الانتقام الإلهي عاجلاً أو آجلاً :

ذلك أن المعجب بنفسه قد عرض نفسه بهذا الخلق إلى العقاب والانتقام الإلهي : عاجلاً ، بأن يخسف به كما كان في الأمم الماضية ، أو على الأقل يصاب بالقلق ، والتمزق ، والاضطراب النفسي ، كما في هذه الأمة ، أو آجلاً بأن يعذب في النار مع المعذبين ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول :

" بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه ، مرجل جمته ، إذ خسف الله به ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة " سبق تخريجه رواه البخاري .

- ومن مضار العجب أيضاً :

  1. العجب يؤدي إلى الكبر وكفى به آفة .

  2. العجب يؤدي إلى نسيان الذنوب وإرجاء التوبة .

  3. العجب يؤدي إلى التقليل من الطاعات والتقصير فيها .

  4. أكثر سعى المعجب بنفسه المدل بها سعي ضائع وغير مشكور .

  5. العجب يؤدي إلى الغرور والتعالي على الناس مما يجعلهم يكرهونه .

  6. العجب بالرأي يؤدي إلى الإصرار على الخطأ والبعد عن الإفادة من مشورة المخلصين والعلماء الناصحين .

  7. المعجب بنفسه يلقي بها إلى الهلاك ويحرمها من رضوان الله ومن ثم رضا الناس .

 

التقويم

  1. أكمل ما يأتى :

  1. فى الحديث " من أحب أن يمثل له الرجال قياماً ....."

  2. فى الحديث " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم.........."

  1. فى الحديث " بينما رجل يمشى فى حلة تعجبه نفسه ، مرجل جمته ......."

د- من مظاهر الإعجاب بالنفس ....و.....و......

  1. بين معنى العجب لغة واصطلاحاً .

  2. ما الفرق بين العجب والكبر ؟ وما علاقة كل منهما بالآخر ؟

  3. اذكر بعض الآيات والأحاديث وأقوال المفسرين المتعلقة بالإعجاب بالنفس .

  4. ما أسباب الإعجاب بالنفس ؟

  5. بين الآثار السيئة على الفرد والمجتمع والدعوة من داء الإعجاب بالنفس .

  6. ما مقترحاتك للتخلص من العُجب ؟

  7. راودتك نفسك فأعجبت بها يوماً ما – أذكر هذه الحالة إن وجدت – وماذا فعلت لعلاج هذا الداء . وهل ما زالت تراودك نفسك لتبدي إعجابك بها ؟ وبماذا تنصح غيرك حين تبدو عليهم أمارات العجب بنفسه للتخلص من هذا الداء .

  8. اكتب المصطلح العلمي :

حب المحمدة ودوام تزكية النفس إن بالحق وإن بالباطل والإستعصاء على النصح والإرشاد

  1. اختر أدق الإجابات :

علاقة العجب بالكبر ....... ( علاقة سبب ونتيجة – علاقة تضاد – أنهما ليس بينهما علاقة )

  1. إنسان دائم التزكية لنفسه ويستعصى على النصيحة ويحب سماع عيوب الآخرين . هل هذا الإنسان مصاب بالعجب أم لا ؟ ولماذا ؟

  2. لماذا ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدح الذى لا يتقيد بالآداب الشرعية ؟ وما هى الآداب الشرعية المتعلقة بالمدح فى الوجه ؟

  3. فعلت طاعة وفقك الله إليها ثم أحسست بنفسك بالعجب وأنك فى مصاف الصالحين هل حدث ذلك يوماً ما ؟ وهل فى هذا الشعور خطر عليك ؟ دلل على ما تقول ؟

 

استبانة يمكن للدارس بها أن يقوِّم نفسه في وجود مظاهر الإعجاب بالنفس لديه

المظاهر

بدرجة ضعيفة

بدرجة متوسطة

بدرجة كبيرة

  1. هل يضجر من النصيحة

  2. هل دائماً يذكر عيوب الآخرين ويرميهم بالتقصير

  3. هل يحب سماع عيوب غيره

  4. هل هو دائم التذكير لنفسه وكثير ما يتحدث عنها

  5. هل يكثر من لفظ " أنا "

  6. هل ينقطع عن العمل لله إذا وجه فى أمر ما بغير ما يرى .

 

 

 

 

وجود أي من هذه المظاهر ولو بنسبة ضعيفة يعتبر بمثابة إنذار أو تنبيه للدارس من الإصابة بداء الإعجاب بالنفس فيجب أن يحذر ذلك وأن ينتبه وأن يسارع بعلاج هذا العيب قبل أن يستفحل ويصعب علاجه فيكون الهلاك والخسران .

 

 

 

الحلقة

السادسة

عشر

 

 

الحلقة السادسة عشر

الدرس الأول :

 

حدود الله تعالى وحرماته

عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنيِّ جُرْثُومِ بن ناشِرٍ رضي اللهُ عنه، عن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُوداً فَلا تَعْتَدُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عَن أشيْاءَ - رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيانٍ - فلا تَبْحَثُوا عنها". حديث حسن رواه الدَّارَقُطْنِيّ وغيرُه .

حَسَّنَه النووي رحمه الله تعالى، ووافقه عليه الحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، و صححه ابن الصلاح.

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يوضح الدارس أهمية الحديث .

  2. أن يوضح الدارس وجوب المحافظة على الفرائض والواجبات .

  3. أن يعرف الدارس وجوب الوقوف عند حدود الله وعدم القرب من المحرمات أو ارتكابها .

  4. أن يبين الدارس كيف كانت رحمة الله بعباده التى دلّ عليها الحديث .

  5. أن يبين الدارس النهي عن كثرة البحث والسؤال فيما لا يؤدى إلى عمل .

  6. أن يوضح الدارس الدروس العملية التى تعلمها من الحديث ومدى التزامه بها .

أهمية الحديث :

هذا الحديث من جوامع الكلم التي اختص الله تعالى بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فهو وجيز

بليغ، ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسَّم أحكام الله إلى أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه. فمن عمل به فقد حاز الثواب وأمن العقاب، لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدين، لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث.

مفردات الحديث

" فرض الفرائض": أوجبها.

" فلا تضيعوها": فلا تتركوها أو تتهاونوا فيها حتى يخرج وقتها .

"حد حدودا": الحدود جمع حد، وهو لغة: الحاجز بين الشيئين، وشرعاً: عقوبة مُقَدَّرة من الشارع تَزْجُرُ عن المعصية.

"فلا تعتدوها": لا تزيدوا فيها عما أمر به الشرع، أو لا تتجاوزوها وقفوا عندها.

"فلا تنتهكوها": لاتقعوا فيها ولا تقربوها.

و "سكت عن أشياء": أي لم يحكم فيها بوجوب أو حرمة، فهي شرعاً على الإباحة الأصلية.

المعنى العام:

وجوب المحافظة على الفرائض والواجبات: والفرائض هي ما فرضه الله على عباده، وألزمهم بالقيام بها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج.

وتنقسم الفرائض إلى قسمين : فرائض أعيان، تجب على كل مكلف بعينه، كالصلوات الخمس والزكاة والصوم.

وفرائض كفاية إذا قام بها بعض المسلمين سقط الإثم عن الجميع، وإذا لم يقم بها أحد، أثم الجميع، كصلاة الجنازة، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. [ انظر الحديث 34] .

الوقوف عند حدود الله تعالى: وهي العقوبات المقَّدرة، الرادعة عن المحارم كحد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر ، فهذه الحدود عقوبات مقدرة من الله الخالق سبحانه وتعالى، يجب الوقوف عندها بلا زيادة ولا نقص. وأما الزيادة في حد الخمر من جلد أربعين إلى ثمانين فليست محظورة، وإن اقتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر على جلد أربعين، لأن الناس لما أكثروا من الشرب زمن عمر رضي الله عنه ما لم يكثروا قبله، استحقوا أن يزيد في جلدهم تنكيلاً وزجراً، فكانت الزيادة اجتهاداً منه بمعنى صحيح مُسَوِّغ لها، وقد أجمع الصحابة على هذه الزيادة . [ انظر الفقه: كتاب الحدود حد الزنا والسرقة وشرب الخمر] .

المنع من قربان المحرمات وارتكابها: وهي المحرمات المقطوع بحرمتها، المذكورة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد حماها الله تعالى ومنع من قربانها وارتكابها وانتهاكها {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151]. ومن يدقق النظر في المحرمات، ويبحث عن علة التحريم بعقل نَيِّر ومنصف، فإنه يجدها محدودة ومعدودة، وكلها خبائث، وكل ما عداها فهو باق على الحل، وهو من الطيبات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] .

رحمة الله تعالى بعباده: صرح النبي عليه الصلاة والسلام أن سكوت الله عن ذكر حكم أشياء، فلم ينص على وجوبها ولا حلها ولا تحريمها، إنما كان رحمة بعباده ورفقاً بهم، فجعلها عفواً، إن فعلوها فلا حرج عليهم، وإن تركوها فلا حرج عليهم أيضاً. ولم يكن هذا السكوت منه سبحانه وتعالى عن خطأ أو نسيان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى} [ طه: 52].

النهي عن كثرة البحث والسؤال: ويحتمل أن يكون النهي الوارد في الحديث عن كثرة البحث والسؤال خاصاً بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر قد يكون سبباً لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم، ويحتمل بقاء الحديث على عمومه، ويكون النهي فيه لما فيه من التعمق في الدين، قال صلى الله عليه وسلم:

" ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " وقال صلى الله عليه وسلم "هلك المتنطعون" والمتنطع: الباحث عما لا يعنيه، أو الذي يدقق نظره في الفروق البعيدة.

وقد كف الصحابة رضوان الله عليهم عن إكثار الأسئلة عليه صلى الله عليه وسلم حتى كان يعجبهم أن يأتي الأعراب يسألونه فيجيبهم، فيسمعون ويَعُونَ. ومن البحث عما لا يعني البحث عن أمور الغيب التي أُمرنا بالإيمان بها ولم تتبين كيفيتها، لأنه قد يوجب الحيرة والشك، وربما يصل إلى التكذيب.

وأخرج مسلم: "لا يزال الناس يسألون حتى يقال: هذا اللهُ خَلَقَ الخلقَ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله".

ما يستفاد من الحديث: الأمر باتباع الفرائض والتزام الحدود، واجتناب المناهي، وعدم الاستقصاء عما عدا ذلك رحمة بالناس.

التقويم :

  1. وضح أهمية الحديث .

  2. وضح وجوب المحافظة على الفرائض والواجبات كما دل عليها الحديث الشريف .

  3. وضح وجوب الوقوف عند حدود الله وعدم القرب من المحرمات أو ارتكابها .

  4. بين رحمة الله بعباده فيما دلّ عليه الحديث .

  5. بين النهي عن كثرة البحث والسؤال فيما لا يؤدى إلى عمل .

  6. وضح الدروس العملية التى تعلمتها من الحديث ومدى التزامك بها .

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

 

الهدف المرحلي الثاني : أن يجاهد الدارس نفسه للتخلص من هذه العيوب

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  • أن يوضح الدارس مفهوم مجاهدة النفس .

  • أن يبين الدارس كيفية مجاهدة النفس لعلاجها من العيوب .

  • أن يعالج الدارس عيوب نفسه ( يضع لنفسه خطة لعلاج عيوبها ) ورشة عمل

أولاً : مفهوم مجاهدة النفس :

مجاهدة النفس لغة :

هى فطام النفس عن الشهوات ونزع القلب عن الأماني الفاسدة والشهوات. لسان العرب لابن منظور

- مجاهدة النفس اصطلاحاً :

محاربة النفس الأمارة بالسوء بتحميلها ما يشق عليها بما هو مطلوب في الشرع ( التعريفات للجرجاني ) .

وقيل : هي بذل المستطاع في أمر المطاع ( أي المولى ـ عز وجل ) .

- من الآيات الواردة في " مجاهدة النفس " :

} لا اقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ { (القيامة : الآيات 4:1 ) .

} وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(4.)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ
الْمَأْوَى { (النازعات 41:4. ) .

} ونفس وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا { ( الشمس : 9:7 )

 

- من الأحاديث الواردة في " مجاهدة النفس " :

1 ـ عن فضالة بن عبيد يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله ، فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ،ويأمن من فتنة القبر " وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المجاهد من جاهد نفسه " رواه أحمد والترمذي

2 ـ عن سبرة بن أبي فاكه ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت النبي صلي يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه ، قعد في طريق الإسلام ، فقال : تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك ؟ فعصاه وأسلم ، وقعد له بطريق الهجرة ، فقال : تهاجر وتذر أرضك وسماءك ؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول ، فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد ، فقال : تجاهد ؟ فهو جهد النفس والمال ، فتقاتل فتقتل :
فتنكح المرأة ويقسم المال ؟ فعصاه فجاهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة ، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة ، أو وَقَصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة " رواه النسائي

3 ـ عن ربيعة بن كعب الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته . فقال لي : " سل " فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة . قال " أو غير ذلك ؟ " قلت : هو ذاك . قال : " فأعني على نفسك بكثرة السجود " رواه مسلم

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في " مجاهدة النفس " :

1 ـ قال عيسى عليه السلام ـ " طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غائب لم يره " إحياء علوم الدين

2 ـ قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ في وصيته لعمر حين استخلفه : " إن أول ما أحذرك: نفسك التي بين جنبيك " جامع العلوم والحكم .

3 ـ قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ،
وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتزينوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم } يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية { ( الحاقة : 18 ) مدارج السالكين

ثانياً : كيفية المجاهدة .

مجاهدة النفس على أربع مراتب كما قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ :

الأولى : مجاهدتها على تعلم الهدى ودين الحق .

الثانية : مجاهدتها على العمل به ( أي بالهدى ودين الحق ) بعد علمه .

الثالثة : مجاهدتها على الدعوة إلى الحق .

الرابعة: مجاهدتها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله ، وأذى الخلق ، ويتحمل ذلك
كله لله .

ثم قال ـ رحمه الله ـ عقب ذلك : فإذا استكمل ( المسلم ) هذه المراتب الأربع
صار من الربانيين ، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً
حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه ، فمن علم وعمل وعلّم فذلك يدعى عظيماً في
ملكوت السماوات ( زاد المعاد 1./3 )

وحتى تطهر تلك النفس بالمجاهدة فإن لذلك أسبابه ودواعيه : يقول الراغب : ( والذي يطهر النفس : العلم والعبادات والمواظبة التي هي سبب الحياة الأخروية ،
فقال تعالى } استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم { ( الأنفال : 24 ) . فسمي العلم والعبادة حياة من حيث إن النفس متى فقدتهما هلكت هلاك الأبد . )

وطهارة النفس تتحقق بإصلاح الفكر وبالتعلم حتى يميز بين الحق والباطل في الاعتقاد ، وبين الصدق والكذب في المقال ، وبين الجميل والقبيح في الفعال ، وإصلاح الشهوة بالعفة حتى تسلس بالجود ، والمواساة المحمودة بقدر الطاقة ، وإصلاح الحمية بإسلاسها حتى يحصل التحكم ، وهو كف النفس عن قضاء وطر الخوف وعن الحرص المذمومين ، وبإصلاح هذه القوى الثلاث يحصل للنفس العدالة والإحسان ( الزريعة للراغب 38-48 )

وقال القشيري : أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات ، وحملها على غير هواها . وللنفس صفتان : انهماك في الشهوات ، وامتناع عن الطاعات ، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك.

أى بمحاربة النفس وصراعها فى البعد عن الشهوات وأطر النفس وحملها على الطاعات حتى يصير هواها تبعاً لما جاء به المصطفي صلى الله عليه وسلم .

وقال بعض الأئمة : جهاد النفس داخل في جهاد العدو ، فإن الأعداء ثلاثة : الشيطان والنفس ثم العدو رأسهم الشيطان ، ثم النفس لأنها تدعوا إلى اللذات المفضية إلى الوقوع في الحرام الذي يسخط الرب ، والشيطان هو المعين لها على ذلك ويزينه لها . فمن خالف هوى نفسه قمع شيطانه ، فمجاهدة نفسه حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه . وإذا قوي العبد على ذلك سهل عليه جهاد أعداء الدين ، فالأول : الجهاد الباطن والثاني : الجهاد الظاهر .

وورد فى فتح الباري : وأقوى المعين على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقي إليه من الشبهة والشك ، ثم تحسين ما نهي عنه من المحرمات ، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات ، وتمام المجاهدة أن يكون متيقظاً لنفسه في جميع أحواله ، فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات .

وقال الغزالي ـ رحمه الله ـ : قد اتفق العلماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات . فالإيمان بهذا واجب . وأما علم تفصيل ما يُترك من الشهوات وما لا يترك فلا يدرك إلا بطريق الشرع . وطريق المجاهدة والرياضة لكل إنسان تختلف بحسب اختلاف أحواله . والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا ، فالذي يفرح بالمال ، أو بالجاه ، أو بالقبول في الوعظ ، أو بالعز في القضاء والولاية ، أو بكثرة الأتباع في التدريس والإفادة ، فينبغي أن يترك أولاً ما به فرحة ، فإنه إن منع عن شيء من ذلك وقيل له : ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع ، فكره ذلك وتألم به فهو ممن فرح بالحياة الدنيا واطمأن بها ، وذلك مهلك في حقه . فلينفرد بنفسه ، وليراقب قلبه ، حتى لا يشغل إلا بذكر الله تعالى والفكر فيه . وليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة ووسواس ، حتى يقمع مادته مهما ظهر ، فإن لكل وسوسة سبباً ، ولا تزول إلا بقطع ذلك السبب والعلاقة . وليلازم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخرُُ إلا الموت ( إحياء علوم الدين 67/3 )

وقال أيضا: جاهد نفسك بأسياف الرياضة . والرياضة على أربعة أوجه : القوت (32) من الطعام ، والغمض من المنام ، والحاجة من الكلام ، وحمل الأذى من جميع الأنام ، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ، ومن قلة المنام صفو الإرادات ، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات . وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء ، والصبر على الأذى .... فتصير ( النفس ) عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية ، فتجول في ميدان الخيرات ، وتسير في مسالك الطاعات . إحياء علوم الدين 3/66

 

الحلقة

السابعة

عشر

 

 

الحلقة السابعة عشر

 

الحديث الحادي والثلاثون

حقيقة الزُّهدِ وثمَراته

عن أبي العَبَّاسِ سَهْلِ بن سعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي اللهُ عنه قال: جاء رَجُلٌ إلى النَّبِّي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسوَل اللهِ، دُلَّني على عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّني اللهُ وأَحَبَّني النَّاسُ. فقال: "ازْهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّكَ اللهُ، وازْهَدْ فيما عِنْدَ النَّاس يُحِبَّكَ النَّاسُ". حديث حسن رواه ابن ماجه وغَيْرُهُ بأسانيدَ حَسَنة.

 

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس معنى الزهد وأقسامه .

  2. أن يبين الدارس العوامل التى تؤدى إلى الزهد .

  3. أن يبين الدارس كيفية الوصول إلى محبة الله عز وجل كما دل عليها الحديث .

  4. أن يبين الدارس كيفية الوصول إلى محبة الناس كما دل عليها الحديث .

  5. أن يضرب الدارس صوراً وأمثلة للزاهدين .

  6. أن يفرِّق الدارس بين الزهد المحمود والزهد المذموم .

مفردات الحديث:

"أحبني الله": أثابني وأحسن إليَّ "وأحبني الناس": مالوا إلي ميلاً طبيعياً ، لأن محبتهم تابعة لمحبة الله، فإذا أحبه الله ألقى محبته في قلوب خلقه.

"ازهد": من الزهد، وهو لغة: الإعراض عن الشيء احتقاراً له، وشرعاً: أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقَّن الحِلّ."يحبَّك الله": بفتح الباء المشددة، مجزوم في جواب الأمر.

المعنى العام:

معنى الزهد: تنوعت عبارات السلف والعلماء الذين جاؤوا بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما رواه الإمام أحمد عن أبي إدريس الخولاني رضي الله عنه أنه قال: "ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك وإذا أصبت مصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك"

وفي هذا القول تفسير الزهد بثلاث أمور كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح، وهذه الأمور الثلاثة هي:

أن يكون العبد واثقاً بأن ما عند الله تعالى أفضل مما في يده نفسه، وهذا ينشأ من صحة اليقين، والوثوق بما ضمنه الله تعالى من أرزاق عباده، قال الله تعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]. أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه، كذهاب مال أو ولد، أرغب في ثواب ذلك أكثر مما لو بقي له.

أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق، قال ابن مسعود رضي الله عنه: اليقين أن لا تُرضي الناس بسخط الله.

الزهد في الدنيا أن لا تأس على ما فات منها، ولا تفرح بما أتاك منها.

أقسام الزهد: قسَّم بعض السلف الزهد إلى ثلاثة أقسام:

الزهد في الشرك وفي عبادة ما عُبِد من دون الله ، الزهد في الحرام كله من المعاصي ، الزهد في الحلال.

والقسمان الأول والثاني من هذا الزهد كلاهما واجب، والقسم الثالث ليس بواجب.

 

الحامل على الزهد: والذي يحمل الإنسان على الزهد أمور منها:

استحضار الآخرة، ووقوفة بين يدي خالقه في يوم الحساب والجزاء، فحينئذ يغلب شيطانه وهواه، ويصرف نفسه عن لذائذ الدنيا الفانية.

استحضار أن لذات الدنيا شاغلة للقلوب عن الله تعالى.

كثرة التعب والذل في تحصيل الدنيا، وسرعة تقلبها وفنائها، ومزاحمة الأرذال في طلبها، وحقارتها عند الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: " لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء". رواه الترمذي.

استحضار أن الدنيا ملعونة، كما في الحديث الحسن الذي رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه: "الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه، أو عالم أو متعلم".

تحقير شأن الدنيا والتحذير من غرورها: والزاهد في الدنيا يزيد موقفه صلابة وقوة عندما يتلو آيات ربه عز وجل، فيجد فيها تحقير شأن الدنيا والتحذير من غرورها وخداعها، قال الله تعالى:{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16-17]. وقال سبحانه: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى} [النساء: 77] وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمِّ فلينظر بما يرجع".

الذم الوارد للدنيا ليس للزمان ولا للمكان: وهذا الذم الوارد في القرآن الكريم والسنة النبوية للدنيا، لا يرجع إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة.

ولا يرجع الذم للدنيا إلى مكانها الذي هو الأرض التي جعلها الله مهاداً ومسكناً، ولا إلى ما أنبته فيهامن الزرع والشجر، ولا إلى ما بث فيها من مخلوقات، فإن ذلك كله من نِعَم الله على عباده، ولهم في هذه النعم المنافع والفوائد، والاستدلال بها على قدرة الله عز وجل ووجوده.

بل الذم الوارد يرجع إلى أفعال الناس الواقعة في هذه الحياة الدنيا لأن غالبها مخالف لما جاء به الرسل، ومضر لا تنفع عاقبته، قال الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد: 2.].

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:

أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7-8]. وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت. والقسم الثاني: من يُقِرّ بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين. وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.

فالأول: وهم الأكثرون، الذين وقفوا مع زهرة الدنيا بأخذها من غير وجهها واستعمالها في غير وجهها، فصارت أكبر همهم، وهؤلاء هم أهل اللهو اللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكل هؤلاء لم يَعْرِفَ المقصودَ منها، ولا أنها منزل سفر يتزود منها إلى دار الإقامة.

والثاني : أخذها من وجهها، لكنه توسع في مباحاتها، وتلذذ بشهواتها المباحة، وهو وإن لم يعاقب عليها، ولكنه ينقص من درجاته في الآخرة بقدر توسعه في الدنيا، روى الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله إذا أحب عبداً حماه من الدنيا كما يَظَلُّ أحدكم يحمي سقيمه من الماء".

والثالث: هم الذين فهموا المراد من الدنيا، وأن الله سبحانه إنما أسكن عباده فيها وأظهر لهم لذاتها ونضرتها، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فمن فهم أن هذا هو مآلها واكتفى من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره، وتزود منها لدار القرار.

روى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدت به عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه".

كيف نكتسب محبة الله تعالى: نستطيع أن نكتسب محبة الله تعالى بالزهد في الدنيا والابتعاد عن محبتها الممنوعة أي عن إيثارها لنيل الشهوات واللذات وكل ما يشغل عن الله تعالى. أما محبتها لفعل الخير والتقرب به إلى الله فهو محمود، لحديث " نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحماً، ويصنع به معروفاً" رواه الإمام أحمد.

كيف نكتسب محبة الناس: ويعلمنا الحديث كيف ننال محبة الناس، وذلك بالزهد فيما في أيديهم، لأنهم إذا تركنا لهم ما أحبوه أحبونا، وقلوب أكثرهم مجبولة مطبوعة على حب الدنيا، ومن نازع إنساناً في محبوبه كرهه ومن لم يعارضه فيه أحبه واصطفاه. قال الأعرابي لأهل البصرة: من سيدكم ؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادكم ؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم. فقال: ما أحسنَ هذا .

وأحق الناس باكتساب هذه الصفة الحكام والعلماء، لأن الحكام إذا زهدوا أحبهم الناس واتبعوا نهجهم وزهدهم، وإذا زهد العلماء أحبهم الناس واحترموا أقوالهم وأطاعوا ما يعظون به وما يُرْشِدون إليه.

زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزهد أصحابه الكرام: وإذا كنا نبحث عن القدوة في حياة الزاهدين، فإننا نجد ذلك متمثلاً في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم عملاً وسلوكاً، لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وبعدها، وفي أيام الشِّدة والرخاء زاهداً في متاع الدنيا، طالباً للآخرة، جاداً في العبادة. وقد تأسى به أصحابه الكرام فكانوا سادة الزهاد وأسوة للزاهدين.

لقد جاءتهم الدنيا بالأموال الحلال فأمسكوها تقرباً لله تعالى وأنفقوها في خدمة دينه وإعلاء كلمته.

الزهد الأعجمي: إن الزهد بمعناه الإسلامي هو ما بيناه، أما الزهد الأعجمي فهو الإعراض الكامل عن نعم الله والتحقير لها، والحرمان من الاستمتاع بشيء منها، وقد تأثر بعض المسلمين بهذا المفهوم الأعجمي للزهد، فأصبحنا نجد أناساً في عصر ضعف الدولة العباسية وما بعده، يَلْبَسون المرقعات ويقعدون عن العمل والكسب، ويعيشون على الإحسان والصدقات، ويَدَّعون أنهم زاهدون.

مع أن روح الإسلام تأبى هذه السلبية القاتلة، وترفض هذا العجز المميت، وتنكر هذا الذل والتواكل.

والمسلمون اليوم أصحاء من مثل هذه العقلية المريضة، يندفعون إلى العمل والكسب الحلال، ويتنافسون في تحصيل الربح وإعمار الأرض، حتى أصبحنا نخاف على أنفسنا الغفلة عن الآخرة، ونبحث عن المهدئات التي تذكرنا بالله تعالى وتدعونا إلى الزهد في الدنيا.

التقويم :

  1. أذكر معنى الزهد وأقسامه .

  2. بين العوامل التى تؤدى إلى الزهد .

  3. بين كيفية الوصول إلى محبة الله عز وجل كما دل عليها الحديث .

  4. بين كيفية الوصول إلى محبة الناس كما دل عليها الحديث .

  5. أذكر صوراً وأمثلة للزاهدين .

  6. فرِّق بين الزهد المحمود والزهد المذموم .

 

 

 

الحلقة

الثامنة

عشر

 

 

الحلقة الثامنة عشر

الدرس الأول :

 

الحديث الثاني والثلاثون

نفي الضرر في الإسلام

عن أبي سَعِيدٍ سَعْدِ بن سِنَانٍ الخُدْرِي رضي اللهُ عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ ".

حديث حسن، رواه ابن ماجه والدَّارَقُطْنِيُّ وغيرُهما مسنَداً .

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يذكر الدارس المقصود بالضرر والضرار .

  2. أن يوضح الدارس أنه لا تكليف بما فيه ضرر ولا نهي عن ما فيه نفع .

  3. أن يذكر الدارس بعض مظاهر الضرر وأنواعه .

  4. أن يبين الدارس ما تعلمه شخصياً من الحديث

أهمية الحديث:

هذا الحديث حديث عظيم عليه مدار الإسلام إذ يحوي على تحريم سائر أنواع الضرر ما قل منها وما كثر بلفظ بليغ وجيز . وقد اعتبره الفقهاء قاعدة أصيلة من القواعد الفقهية .

مفردات الحديث :

الضرر : أن يُلْحِقَ الإنسان أذىً بمن لم يؤذه ( أى لا يضر أحدكم أحداً بغير حق ولا جناية سابقة )

والضرار : أن يلحق أذى بمن قد آذاه على وجه غير مشروع . ( لا تضر من ضرك ، بل تطلب حقك بوجه مشروع )

المعنى العام:

المراد بالضرر في الحديث هو ما كان بغير حق، أما إدخال الأذى على أحد يستحقه - كمن تعدى حدود الله تعالى فعوقب على جريمته، أو ظلم أحداً فعومل بالعدل وأوخذ على ظلمه - فهو غير مراد في الحديث لأنه قصاص شرعه الله عز وجل.

بل من نفي الضرر أن يُعَاقَبَ المجرم بِجُرمه ويؤخذ الجاني بجنايته، لأن في ذلك دفعاً لضرر خطير عن الأفراد والمجتمعات.

لا تكليف في الإسلام بما فيه ضرر، ولا نهي عما فيه نفع: إن الله تعالى لم يكلف عباده فعل ما يضرهم ألبتة، كما أنه سبحانه لم ينههم عن شيء فيه نفع لهم، ففيما أمرهم به عين صلاحهم في دينهم ودنياهم، وفيما نهاهم عنه عين فساد معاشهم ومعادهم. قال تعالى: {قلْ أمرَ ربِّي بالقِسْطِ} [ الأعراف: 29] وقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].

فمن نفي الضرر في الإسلام رفع الحرج عن المكلف، والتخفيف عنه عندما يوقعه ما كُلِّف به في مشقة غير معتادة، ولا غرابة في ذلك فإن هذا الدين دينُ التيسير، قال الله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [ البقرة: 286].

ومن أمثلة التخفيف عن المكلف عند حصول المشقة:

التيمم للمريض وعند عسر الحصول على الماء.

الفطر للمسافر والمريض [ انظر الفقه: باب التيمم والصيام ]

مظاهر الضرر: قد يتجلى قصد الضرر في نوعين من التصرفات:

تصرفات ليس للمكلف فيها غرض سوى إلحاق الضرر بغيره ، وهذا النوع لا ريب في قبحه وتحريمه.

تصرفات يكون للمكلف فيها غرض صحيح مشروع ، ولكن يرافق غرضه أو يترتب عليه إلحاق ضرر بغيره .

النوع الأول من التصرفات: لقد ورد الشرع في النهي عن كثير من التصرفات التي لا يقصد منها غالباً إلا إلحاق الضرر منها:

المضارة في البيع : ويتناول صوراً عِدَّة منها:

بيع المضطر: وهو أن يكون الرجل محتاجاً لسلعة ولا يجدها ، فيأخذها من بائعها بزيادة فاحشة عن ثمنها المعتاد، كأن يشتريها بعشرة وهي تساوي خمسة.

أخرج أبو داود من حديث علي رضي الله عنه: أنه خطب الناس فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر.

الغَبْنُ الفاحش: إذا كان المشتري لا يحسن المماكسة ( المفاصلة) فاشترى بغبن كثير، لم يجز للبائع ذلك. ومذهب مالك وأحمد رحمهما الله تعالى أنه يثبت له خيار الفسخ .

النوع الثاني من التصرفات: وهي التي يكون للمتصرف فيها غرض صحيح ومشروع، ولكن قد يرافقها أو يترتب عليها ضرر بغيره. وذلك: بأن يتصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه، فيتضرر الممنوع بذلك.

النوع الأول: وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره ، وهو على حالتين :

أن يتصرف على وجه غير معتاد ولا مألوف : فلا يسمح له به، وإن تصرف وتضرر غيره ضمن ما حصل من ضرر، وذلك كأن يؤجج ناراً في أرضه في يوم عاصف، فيحترق ما يليها، فإنه متعد بذلك وعليه الضمان.

أن يتصرف على الوجه المعتاد : أن يُحْدِث في ملكه ما يضر بجيرانه، من هدم أو دق أو نحوهما، أو يضع ما له رائحة خبيثة، فإنه يُمنع منه.

النوع الثاني: وهو منع غيره من التصرف في ملكه وتضرر غيره بهذا المنع .

أن يمنع جاره من الانتفاع بملكه والارتفاق به: فإن كان يضر بمن انتفع بملكه فله المنع، كمن له جدار واهٍ، لا يحمل أكثر مما هو عليه، فله أن يمنع جاره من وضع خشبة عليه. وإن كان لا يضر به: له المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه.

التقويم :

  1. أذكر المقصود بالضرر والضرار .

  2. وضح " أنه لا تكليف بما فيه ضرر ولا نهي عن ما فيه نفع " .

  3. أذكر بعض مظاهر الضرر وأنواعه .

  4. بين ما تعلمته شخصياً من الحديث .

 

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

- ومن أساليب مجاهدة الصالحين لأنفسهم :

كان الأحنف بن قيس لا يفارقه المصباح بالليل ، فكان يضع إصبعه عليه ويقول لنفسه ما حملك على أن صنعت يوم كذا وكذا .

وقد عاقب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدق بأرض كانت له ، قيمتها مائتا ألف درهم .

وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة . وأخّر ليلةً صلاة المغرب حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين .

ويحكى أن قوماً دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه ، وإذا فيهم شاب ناحل الجسم ، فقال عمر له : يا فتى ، ما الذي بلغك على ما أرى ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، أسقام وأمراض . فقال : سألتك بالله إلا صدقتني ! فقال : يا أمير المؤمنين ، ذقت حلاوة الدنيا فوجدتها مرة ، وصغر عندي زهرتها وحلاوتها ، واستوى عندي ذهبها وحجرها ، وكأني أنظر إلى عرش ربي والناس يساقون إلى الجنة والنار ، فـأظمأت نهاري ، وأسهرت ليلي ، وقليل حقير كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه .

وكان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة ويصوم في الحر حتى يخضر جسده ويصفر ، فكان علقمة بن قيس يقول له : لم تعذب نفسك ؟ فيقول : كرامتها أريد .

وأخيراً : اعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، وقد خلقت أمارة بالسوء ، ميالة إلى الشر ، فرارة من الخير ، وأمرت بتزكيتها وتقويمها ، وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها ، وفطامها عن لذاتها ، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك . وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة ، والعذل والملامة ، كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية .

فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها ، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولاً بوعظ نفسك . أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : يا ابن مريم عظ نفسك ، فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني

وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها ، وأنها أبداً تتعزز بفطنتها وهدايتها ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق ، فتقول لها : يا نفس ما أعظم جهلك ، تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقاً ‍! أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار ، وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب ؟ فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين بالهوى وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم ،وعساك اليوم تختطفين أو غداً فأراك ترين الموت بعيداً ويراه الله قريباً ؟ أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب ، وأن البعيد ما ليس بآت ؟ أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ، ومن غير مواعدة ومواطأة ، وأنه لا يأتي في شيء دون شيء ، ولا في شتاء دون صيف ، ولا في صيف دون شتاء ، ولا في نهار دون ليل ، ولا في ليل دون نهار ،و لا يأتي في الصبا دون الشباب ، ولا في الشباب دون الصبا ، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة ، فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة ثم يفضي إلى الموت . فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل
قريب ؟ أما تتدبرين قوله تعالى : } اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ(1)مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)لاهِيَةً قلوبهم { ( الأنبياء ( 1ـ3 ) .

ويحك يا نفس ، لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور . فانظري لنفسك فما أمرك بمهم لغيرك ، ولا تضيعي أوقاتك فالأنفاس معدودة ، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك ، فاغتنمي الصحة قبل السقم ، والفراغ قبل الشغل ، والغني قبل الفقر ، والشباب قبل الهرم ، والحياة قبل الموت ، واستعدى للآخرة على قدر بقائك فيها .

ويحك يا نفس ، أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة ، وإنما يتزود من السم وهو يدري ؟ أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ، ثم ذهبوا وخلوا ، وكيف أورق الله أرضهم وديارهم وأعداءهم . أم ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما لا يسكنون ، ويؤملون ما لا يدركون ، يبني كل واحد قصراً مرفوعاً إلى جهة السماء ، ومقره قبر محفور تحت الأرض . فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا ؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقيناً ، ويخرب آخرته وهو إليها قطعاً .

ويحك يا نفس ، أما تستحيين ؟ تزينين ظاهرك للخلق وتبارزين الله في السر بالعظائم . أفتستحيين من الخلق ولا تستحيين من الخالق ؟ ويحك أهو أهون الناظرين عليك ،
أتأمرين بالخير وأنت متلطخة بالرذائل ، تدعين إلى الله وأنت عنه فارة ، وتذكرين بالله وأنت له ناسية ؟

والعجب كل العجب منك يا نفس ، أنك مع هذا تدّعين البصيرة والفطنة ،ومن فطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك ولا تحزنين بنقصان عمرك ! وما نفع مال يزيد وعمر ينقص ؟ ويحك يا نفس ! تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك ، وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك ! فكم من مستقبل يوماً لا يستكمله ، وكم من مؤمل لغد لا يبلغه .

 

 

الحلقة

التاسعة

عشر

 

 

الحلقة التاسعة عشر

الدرس الأول :

 

الحديث الثالث والثلاثون

أُسُسُ القضاء في الإسلام

عن ابن عَبَّاسٍ رضي اللُه عنهما: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أموالَ قَوْمٍ ودِماءَهُمْ لَكِنْ البَيِّنَةُ على المُدَّعِى والْيَمينُ على من أَنْكَرَ". حديث حسَنٌ، رَوَاهُ الْبَيْهقي وغيرُهُ هكذا، وبَعْضُهُ في الصحِيحَين.

الأهداف الإجرائية السلوكية :

  1. أن يبين الدارس سمو التشريع الإسلامي كما يفهم من الحديث .

  2. أن يوضح الدارس المقصود بالبينة وما أنواعها .

  3. أن يشرح الدارس حجة المدعي وحجة المدعى عليه .

  4. أن يبين الدارس أن القضاء لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً .

  5. أن يوضح الدارس أجر القاضي العادل .

مفردات الحديث:

"لادَّعى رجال": أي لاستباح بعض الناس دماء غيرهم وأموالهم وطلبوها دون حق.

"البَيِّنَةُ": هي الشهود، مأخوذة من البيان وهو الكشف والإظهار، أو إقرار المدعَى عليه وتصديقه للمدعي.

"على المُدَّعِي": وهو من يدعي الحق على غيره يُطالبه به.

"الْيَمينُ" : الحَلِفُ على نفي ما ادعي به عليه.

"على من أَنْكَرَ": منكر الدعوى وهو المدعى عليه.

المعنى العام:

سموُّ التشريع الإسلامي: الإسلام منهج متكامل للحياة، فيه العقيدة الصافية، والعبادة الخالصة، والأخلاق الكريمة، والتشريع الرفيع، الذي يضمن لكل ذي حق حقه، ويصون لكل فرد دمه وماله وعرضه، ولما كان القضاء هو المرجع والأساس في فصل المنازعات وإنهاء الخصومات، والحكم الفصل في إظهار الحقوق وضمانها لأصحابها، وضع له الإسلام القواعد والضوابط التي تمنع ذوي النفوس المريضة من التطاول والتسلط، وتحفظ الأمة من العبث والظلم، وخير مثال على ذلك حديث الباب، الذي يشرط ظهور الحجج لصحة الدعوى ومضائها، ويقرر ما هي حجة كل من المتداعيين المناسبة له، والتي يعتمد عليها القاضي في تعرف الحق وإصدار الحكم على وفقه.

البينة وأنواعها: أجمع العلماء على أن المراد بالبينة الشهادة، لأنها تكشف الحق وتظهر صدق المدعي غالباً، والشهادة هي طريق هذا الكشف والإظهار، لأنها تعتمد على المعاينة والحضور.

البينة حجة المدعي واليمين حجة المدَّعى عليه: القاضي المسلم مأمور بالقضاء لمن قامت الحجة على صدقه، سواء أكان مدعياً أم مدعىً عليه، وقد جعل الشرع الحكيم البينة حجة المدعي إذا أقامها استحق بها ما ادعاه، كما جعل اليمين حجة المدعى عليه فإذا حلف برىء مما ادعي عليه.

وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمدعي:"شاهداك أو يمينه" رواه مسلم.

حجة المدعي مُقَدَّمة على حجة المدعى عليه: إذا توفرت شروط الدعوى لدى القضاء سمعها القاضي. ثم سأل المدعى عليه عنها: فإذا أقر بها قضي عليه، لأن الإقرار حجة يُلْزَم بها المُقِر. وإن أنكر، طلب القاضي من المدعي البينة، فإن أتى بها قضي له، ولم يلتفت إلى قول المدعى عليه أو إنكاره وإن غَلَّظ الأَيْمَان. فإن عَجَز المدعى عن إقامة البينة، وطلب يمين خصمه، استحلفه القاضي، فإن حلف برىء وانتهت الدعوى.

القضاء بالنُّكُول: إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فنكل عنها، أي رفض أن يحلف وامتنع عن اليمين، قضي عليه بالحق الذي ادعاه المدعي لدى الحنفية والحنابلة.

قال المالكية والشافعية: لا يقضى عليه بالنكول، إنما ترد اليمين على المدعي.

بم تكون اليمين: إذا توجهت اليمين على أحد من المتخاصمين حلَّفه القاضي بالله تعالى، ولا يجوز أن يحلِّفه بغير ذلك: سواء كان الحالف مسلماً أم غير مسلم. روى البخاري ومسلم وغيرهما: عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمُت".

ومن هذا: إحضار المصحف وتحليفه عليه إن كان الحالف مسلماً، مع مراعاة شروط مس القرآن وحمله وآدابه، وأن يحلف بالله تعالى الذي أنزل التوارة على موسى إن كان يهودياً، وبالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى إن كان نصرانياً، وبالله تعالى الذي خلقه وصوره إن كان وثنياً، ونحو ذلك.

قضاء القاضي بعلمه: إذا كان القاضي على علم بحقيقة الدعوى التي رفعت إليه، فليس له أن يحكم بمقتضى علمه، وإنما يحكم بناء على ما يتوفر له من الحجج الظاهرة للمدعي أو المدعى عليه، حتى ولو كانت هذه الحجج مخالفة لعلمه.

أجر القاضي العادل: إن واجب القاضي أن يبذل جهده للتعرف على جوانب الدعوى، ويقضي بحسب ما توصل إليه اجتهاده أنه الحق، وظن أنه الصواب، قال صلى الله عليه وسلم " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". [متفق عليه].

روى أبو داود وغيره: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار: فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار".

التقويم :

  1. بين سمو التشريع الإسلامي كما تفهم من الحديث .

  2. وضح المقصود بالبينة وما أنواعها .

  3. اشرح حجة المدعي وحجة المدعى عليه .

  4. بين كيف أن القضاء لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً .

  5. وضح أجر القاضي العادل .

  6. إذا كان القاضي على علم بحقيقة الدعوى التي رفعت إليه.. فهل له أن يحكم بعلمه ؟

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

ولعلاج عيوب النفس :

وما دمنا قد وقفنا على عيوب النفس ( الشح – اتباع الهوى – الإعجاب بالنفس ) مفهومها ، ومظاهرها ، وأسبابها وآثارها وعلمنا ضرورة مجاهدة النفس للتخلص من العيوب ، وكيفية مجاهدة النفس ، فقد أصبح من السهل علينا وصف الدواء ، للوقاية من هذه الآفات والعيوب ، وإليك السبيل :

- الاهتمام بتزكية النفوس : وذلك من خلال

- التعريف بالله – عزّ وجلّ – حقّ المعرفة ، فإنّ ذلك يولد في النفس حبه وإجلاله ، والنزول على حكمه في ما أمر به ، وفي كل ما نهي عنه ، بل ويربي فيها كذلك مراقبته وخشيته ، والطمع في جنته ، ورضوانه ، والخوف من ناره وعقابه .

- الاستعانة الكاملة بالله – عزّ وجلّ – فإنه سبحانه يعين من لجأ إليه ، ولاذ بحماه ، وطلب العون والتسديد منه ، وصدق الله إذ يقول في الحديث القدسي : " يا عبادي كلّكم ضال إلاّ مّنْ هديته ، فاستهدوني أهدكم " الجملة قطعة من حديث قدسي طويل أخرجه مسلم

- كثرة الدعاء والطاعة إلى الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض ، فإن هذا الدعاء وهذه الضراعة إن كانا صادقين أجاب الله ، وأعان على النفس ، ورزق التخلص من هذا الآفات ، وكيف لا يكون الأمر كذلك ، والله سبحانه يقول : ] وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(6.) [ [ غافر : 6. ]

- اليقين التام بما عند الله من الأجر والمثوبة ، والنعيم المقيم : ] وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ(6.) [ [ القصص : 6. ] ، ] وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(36) [ [ الشورى : 36 ] ، ] مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [ [ النحل : 96 ] ، ] وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39) [ [ سبأ : 39 ] .

- التذكير بأن السعادة والراحة والطمأنينة والفوز ، إنما هي في اتباع المشروع ، لا في اتباع ما تملي النفس ما تهوى ، وصدق الله إذ يقول : ] فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى[[ طه 123 ] ، ] فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[ [ البقرة 38 ] ، وفي هذا المعنى يقول القائل :

واعلم بأنّ الفضل في إيحائه لا في الذي يوحى إليه هواكا

- التذكير بنعم الله التي تغمر الإنسان ، وتحيط به من أعلى إلى أدنى ، كما قال سبحانه : } وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها { (33) ، } وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة { (34) ، فإن هذا التذكير من شأنه أن يشعر الإنسان بضعفه وفقره ، وحاجته إلى الله دائماً ، وأن هذه النعم التي أفاض الله علينا ليست ملكاً لنا حتى نمنعها عن عباده ، أو نتعالى بها على خلقه ، وإنما هي ملك لله ، ونحن أمناء أو خزنة فقط على هذه النعم ، ومن واجب الأمين أو الخازن أن يتصرف وفق مراد صاحب النعمة ، وقد دعا صاحب النعمة إلى إنفاقها على عبادة ، وفي مرضاته ، مع الوعد الحق بأنه سيخلف أضعافاً مضاعفة ، إذ يقول سبحانه :

] آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7) [ [ الحديد : 7 ] ، ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39) [ [ سبأ : 39]

ـ التذكير دائماً بحقيقة الدنيا والآخرة : وذلك بأن يعرف الإنسان أن الدنيا مزرعة للآخرة ، وأن مهما طال عمرها فإنها إلى زوال ، وأن الآخرة إنما هي الباقية ، وأنها هي دار القرار ، إذ إن مثل هذا التذكير يحمل الإنسان على أن يعدل من سلوكه ، أو يقوم عوج نفسه ، قبل أن تنتهي الحياة ، وقبل أن تضيع الفرصة ، ويفوت الأوان وليحذر من الركون إلى الدنيا والاطمئنان بها وليبتغ المسلم فيما آتاه الله : الدار الآخرة ، ولا ينسى نصيبه من الدنيا إن أمكن ، وإلا آثر الآخرة عن الأولى .

ـ الإطلاع على أحوال المرضى ، وأصحاب العاهات ، بل والموتى ، لاسيما في وقت غسلهم وتكفينهم ودفنهم ، ثم زيارة القبور بين الحين والحين والتفكر في أحوال أهلها ومصيرهم ، فإن ذلك يحرك الإنسان من داخله ، ويحمله على اقتلاع العجب ونحوه من كل العلل والأمراض النفسية أو القلبية .

ـ التفكر في الموت ، وما بعده من منازل ، وما سيكون في هذه المنازل من شدائد وأهوال ، فإن ذلك كفيل باقتلاع الإعجاب من النفس ، بل وتحصينها ضده ، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

- التذكير دائماً بحقيقة النفس الإنسانية : وذلك بأن يفهم المعجب بنفسه والمتبع لهواه : أن نفسه التي بين جنبيه لولا ما فيها من النفخة الإلهية ، ما كانت تساوي شيئاً ، فقد خلقت من تراب تدوسه الأقدام ، ثم من ماء مهين يأنف الناظر إليه من رؤيته ، وسترد إلى هذا التراب مرة أخرى ، فتصير جيفة منتنة ، يفر الخلق كلهم من رائحتها ، وهي بين البدء والإعادة تحمل في بطنها العذرة ، أي الفضلات ذات الروائح الكريهة ، ولا تستريح ولا تهدأ إلا إذا تخلصت من هذه الفضلات .

إن مثل هذا التذكير يساعد كثيراً في ردع النفس ، وردها عن غيها ، واقتلاع الداء منها ، بل وحمايتها من التورط فيه مرة أخرى .

وقد لفت أحد السلف النظر إلى هذه الوسيلة حين سمع معجباً بنفسه يخاطبه قائلاً :
"
أتعرف من أنا ؟ فرد عليه بقوله : " نعم : أعرف من أنت ، لقد كنت نطفة مذرة ، وستصير جيفة قذرة ، وأنت بين هذا وذلك تحمل العذرة " .

- العيش الطويل مع كتاب الله عز وجل للوقوف على خبر وعاقبة أهل الشح والبخل واتباع الهوى والعجب ، وكذلك خبر وثواب أهل العطاء والجود ، الأمر الذي ييسر علينا سبيل التخلص من الأخلاق الذميمة ، ويحملنا على التحلي بالأخلاق الحميدة .

- محاسبة النفس أولاً بأول ، فإن المحاسبة لها دور كبير في التخلص من هذه الآفات ، ولا سيما إذا كان مع المحاسبة تأديب للنفس ، واستئصال للداء عن طريق العقاب .

- تعريض النفس بين الحين والحين لبعض المواقف التي تقتل كبرياءها ، وتضعها في موضعها الصحيح ، وكأن يقوم صاحبها بخدمة إخوانه الذين هم أدنى منه في المرتبة ، أو يقوم بشراء طعامه من السوق ، وحمل أمتعته بنفسه ، على نحو ما أثر عن كثير من السلف .

فقد روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ " إنه لما قدم الشام عرضت له مخاضة ، فنزل عن بعيره ونزع خفيه ، وأمسكهما ، وخاض الماء ، ومعه بعيره فقال له أبو عبيدة عامر بين الجراح : لقد صنعت اليوم صنعاً عظيماً عند أهل الأرض ، فصك صدره وقال : أوه ، لو غيرك يقول هذا يا أبا عبيدة ! إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس ، فأعزكم الله برسوله ، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله"

وجاء في رواية أخرى : " أنه لما قدم الشام استقبله الناس ، وهو على بعيره ، فقيل له : لو ركبت برذوناً تلقى به عظماء الناس ووجوههم ؟ فقال عمر ـ رضي الله
عنه ـ : لا أراكم ههنا ، إنما الأمر من ههنا ـ وأشار بيده إلى السماء ـ خلوا
سبيل جملي " مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي

- إدراك العواقب والآثار المترتبة على عيوب النفس ، فإنها ذات أثر فعال في علاج هذه الآفات والتحصن ضدها .

- دوام حضور مجالس العلم : لا سيما تلك التي تدور حول علل النفس وطريق الخلاص منها ، فإن أمثال هذه المجالس كثيراً ما تعين على تطهير النفس ، بل وصيانتها من هذه الآفات .

 

 

الحلقة

العشرون

 

 

الحلقة العشرون

الدرس الاول :

 

السيرة النبوية الشريفة

 

من السنة الخامسة إلى السنة السابعة للهجرة

 

السنة الخامســـة

غزوة دومة الجندل

- أن يعلل الدارس سبب خروج النبي في غزوة دومة الجندل ونتيجتها .

في ربيع الأول من هذا العام بلغ النبي عليه السلام أن جمعاً من الأعراب بدومة الجندل يظلمون من مرّ بهم ، وأنهم يريدون الدنّو من المدينة فتجهز لغزوتهم ، وخرج في ألف من أصحابه بعد أن ولّى على المدينة سباع بن عُرْفُطة الغفاري .

ولم يزل يسير الليل ويكمن النهار حتى قرب منهم فلما بلغهم الخبر تفرقوا ، فهجم المسلمون على ماشيتهم ورعائهم فأصيب من أصيب وهرب من هرب ، ثم نزل بساحتهم فلم يلق أحداً ، وبث السرايا فلم يجد منهم أحداً فرجع عليه السلام غانماً ، وصالح وهو عائد عيينة بن حصن الفزاري وهو الذي كان يسميه عليه السلام الأحمق المطاع ، لأنه كان يتبعه ألف قناة ، وأقطعه عليه السلام أرضاً يرعى فيها بهمه ( صغار غنمه ) على بعد ستة وثلاثين ميلاً من المدينة ، لأن أرضه كانت قد أجدبت .

 

غزوة بني المصطلق

1- أن يعلل الدارس سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق .

2- أن يوضح الدارس حسن سياسة النبي مستشهداً بما حدث مع أسرى بني المصطلق .

3- أن يروي الدارس الأحداث التي قال ابن سلول فيها سمن كلبك يأكلك .

4- أن يوضح الدارس مدى حكمة النبي في التعامل مع الفتنة التي أثارها بن سلول .

5- أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من غزوة بني المصطلق .

في شعبان بلغه عليه السلام أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق الذين ساعدوا قريشاً على حرب المسلمين في أحد يجمع الجموع لحربة ، فخرج له عليه السلام في جمع كثير ، وولّى على المدينة زيد بن حارثة ، وخرج معه من نسائه عائشة وأم سلمة ،وخرج معه ناس من المنافقين لم يخرجوا قط في غزوة قبلها يرجون أن يصيبوا من عرض الدنيا

وفي أثناء مسيره عليه السلام التقى بعين بني المصطلق ، فسأله عن أحوال العدو فلم يجب ، فأمر بقتله .

ولما بلغ الحارث رئيس الجيش مجيء المسلمين لحربه وأنهم قتلوا جاسوسه خاف هو وجيشه خوفاً شديداً حتى تفرق عنه بعضهم ، ولما وصل المسلمون إلى المريسيع ( ماء لخزاعة ) تصاف الفريقان للقتال بعد أن عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوا فتراموا بالنبل ساعة ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالاً للهرب بل قتلوا عشرة منهم وأسروا باقيهم مع النساء والذرية واستاقوا الإبل والشياه ، وكانت الإبل ألفي بعير والشياه خمسة آلاف ، واستعمل الرسول على ضبطها مولاه شُقران وعلى الأسرى بُريدة .

وكان في نساء المشركين برة بنت الحارث سيد القوم وقد أخذ من قومها مئتا بنت أسرى وزعت على المسلمين .

وهنا يظهر حسن السياسة ومنتهى الكرم ، فإن بني المصطلق من أعز العرب داراً ، فأسر نسائهم بهذه الحال صعب جداً ، فأراد عليه السلام أن يجعل المسلمين يمنون على النساء بالحرية من تلقاء أنفسهم ، فتزوج برة بنت الحارث التي سماها جويرية ، فقال المسلمون : أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم في أيدينا ، فمنوا عليهم بالعتق .

فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها كما قالت عائشة رضي الله عنها .

وتسبب عن هذا الكرم العظيم وهذه المعاملة الجليلة أن أسلم بنو المصطلق عن بكرة أبيهم وكانوا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم .

وقد حصل في هذه الغزوة نادرتان لولا أن صاحبتهما حكمة رسول الله عليه السلام لعادتا بالتفريق على المسلمين .

فأولاهما : أن أجيراً لعمر بن الخطاب اختصم مع حليف للخزرج فضرب الأجير ، الحليف حتى سال دمه ، فاستصرخ بقومه الخزرج واستصرخ الأجير المهاجرين فأقبل الذعر من الفريقين وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله فقال : ما بال دعوى الجاهلية ؟ ( وهي ما يقال في الاستعانة يا لفلان ) فأخبر الخبر ، فقال : دعوا هذه الكلمة فإنها منتنة ثم كلم المضروب حتى أسقط حقه وبذلك سكنت الفتنة .

فلما بلغ عبد الله بن أبّي هذا الخصام غضب وكان عنده رهط من الخزرج فقال : ما رأيت كاليوم مذلة أوقد فعلوها ؟ نافرونا في ديارنا ، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأُوَلُ : " سمن كلبك يأكلك " أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل سورة المنافقون الآية 8 .

ثم التفت إلى من معه وقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ، وأما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضاً للمنايا دون محمد ، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا ، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عنده ، وكان في مجلسه شاب حديث السن قوي الإسلام اسمه زيد بن أرقم ، فأخبر رسول الله الخبر فتغير وجهه وقال : يا غلام لعلك غضبت عليه فقلت ما قلت ؟ فقال : والله يا رسول الله لقد سمعته . قال : لعله أخطأ سمعك فاستأذن عمر الرسول في قتل ابن أبي أو أن يأمر أحداً غيره بقتله ، فنهاه عن ذلك وقال : كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .

ثم أذن بالرحيل في وقت لم يكن يرتحل فيه حين اشتد الحر يقصد بذلك عليه السلام شغل الناس عن التكلم في هذا الموضوع ، فجاءه أسيد بن حضير وسأله عن سبب الارتحال في هذا الوقت ؟ فقال : أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، قال : أنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت ، هو والله الذليل وأنت العزيز .

ثم سار عليه السلام بالناس سيراً حثيثاً حتى آذتهم الشمس ، فنزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض حتى وقعوا نياماً ، وكلم رجال من الأنصار عبد الله ابن أبي في أن يطلب من الرسول الاستغفار فلوى رأسه واستكبر . وهنا نزل على الرسول سورة المنافقين التي فضحت عبد الله بن أبي وإخوانه وصدقت زيد بن أرقم .

ولما بلغ ذلك عبد الله بن عبد الله بن أبي استأذن رسول الله في قتل أبيه حذراً من أن يكلف بذلك غيره فيكون عنده من ذلك أضغان وأحقاد ، فأمره عليه السلام بالإحسان إلى أبيه .

 

التقويم :

1- علل : سبب خروج النبي في غزوة دومة الجندل .

2- أذكر أحداث غزوة دومة الجندل - وما نتيجتها ؟ .

3- علل : سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق .

4- وضح حسن سياسة النبي مستشهداً بما حدث مع أسرى بني المصطلق .

5- قص الأحداث التي قال ابن سلول فيها سمن كلبك يأكلك .

6- وضح مدى حكمة النبي في التعامل مع الفتنة التي أثارها بن سلول .

7- استخلص الدروس المستفادة من غزوة بني المصطلق .

الدرس الثاني :

التعرف على عيوب النفس ومجاهدتها وعلاجها

 

- الإطلاع فى كتب التزكية : فإن فيها زاد طيب يساعد فى تزكية النفوس وتربيتها ، وإليك مثال على ذلك ورد فى كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبوحامد الغزالي فى علاج العُجب :

أما علاج العجب فإن ذلك يختلف باختلاف ما يحدث به العُجبُ :

فإن كان ناشئاً عن حالة البدن وما يتمتع به صاحبه من الجمال والقوة
ونحوهما ، فعلاجه التفكير في أقذار باطنه ، وفي أول أمره وآخره ، وفي
الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة ، كيف تمرغت في التراب وأنتنت في القبور
حتى استقذرتها الطباع .

ـ وإن كان العجب ناشئاً عن البطش والقوة ، فعلاج ذلك أن يعرف أنه يوماً ما لابد أن تضعف قوته ، وأنها ربما سلبت منه بأدنى آفة يسلطها الله عليه .

- وإذا كان العجب بالعقل والكياسة ، فعلاجه شكر الله تعالى على ما رزق من
عقل ، والتفكر في أنه بأدنى مرض يصيب دماغه ، كيف يوسوس ويجن بحيث يُضحك منه .

ـ وإن كان العُجب بالنسب الشريف ، فعلاجه أن يعلم أنه إن خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم فقد جهل ، وإن اقتدى بهم فما كان العجب من أخلاقهم ، وأنهم شرفهم بالطاعة والعلم والخصال الحميدة .

ـ وإذا كان العٌجب بنسب السلاطين الظلمة وأعوانهم ، فعلاجه أن يتفكر في مخازيهم ، وأنهم ممقوتون عند الله تعالى ، وما بالك لو انكشف له ذلهم يوم القيامة .

ـ وإذا كان العٌجب بكثرة الأموال والأولاد والخدم والأقارب والأنصار ، فعلاجه أن يعلم ضعفه وضعفهم وأن للمال آفات كثيرة ، وأنه غادٍ ورائح ولا أصل له .

ـ أما إذا كان العُجب بالرأي الخطأ ، فعلاجه أن يتهم الإنسان رأيه وألا يغتر به الإحياء 3/374 وما بعدها .

- دوام النظر فى سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسير الصالحين :

- دوام النظر في سنة وسيرة وهدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع النعمة التي أنعم الله بها عليه من مال أو غيره، وكيف كان من أحرص الخلق على إنفاق هذه النعمة ، وتوظيفها في مرضاة الله عز وجل توظيفاً كاملاً دون شح أو بخل : إذ يقول ابن عباس رضي الله عنهما في صفته صلى الله عليه وسلم : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " أخرجه البخاري من حديث ابن عباس .

قال الجاحظ ابن حجر : " قوله : فيدارسه القرآن ، قيل الحكمة فيه : أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس ، والغنى سبب الجود ، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، وهو أعم من الصدقة " فتح الباري 1 / 31 .

ولقد ذكر بن القيم في كتابه مدارج السالكين مراتب عشرة للجود : مثل الجود بالنفس ، والجود بالرياسة ، والجود بالبشر وبسط الوجه ، والجود بالصبر ، والجود بالعفو والصفح ، والجود بكف الأذى، والجود بالمال والتعفف عما في أيدي الناس ..

وما من شك في أنه صلى الله عليه وسلم كان مصدر هذه المراتب تلقاها عن ربه وحياً ، ثم حولها إلى واقع عملي في دنيا الناس ، أجل أنه لابد من دوام النظر في سنة وسيرة وهدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من الجود بنعمة الله عليه ، وبذلها فيما فيه مرضاته ونفع عباده على النحو الذي بينا ، فلعل ذلك يحرك نفوس الأشحاء ، ويحملهم على التخلص من الشح ، ثم التحلي بالجود اقتداءً وتأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم .

- مطالعة أخبار الأجواد من البشر ، ولا سيما أبناء أمتنا المسلمة على نحو ما أثر عن قيس بن سعد بن عبادة ، وكان من الأجواد المعروفين : أنه مرض مرة ، فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم ، إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين ، فقال : أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة ، ثم أمر منادياً ينادي : من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل ، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه ، لكثرة من عاده .

وقالوا له يوماً هل رأيت أسخى منك ؟

قال : نعم ، نزلنا بالبادية على امرأة ، فحضر زوجها ، فقالت : إنه نزل بك ضيفان ، فجاء بناقة فنحرها ، وقال شأنكم صلى الله عليه وسلم

فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها ، فقلنا : ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير ، فقال لا أطعم ضيفاني البائت ، فبقينا عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر ، وهو يفعل ذلك ، فلما اردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته ، وقلنا للمرأة : اعتذري لنا إليه ، ومضينا ، فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا : قفوا أيها الركب اللئام ، أعطيتموني ثمن قراي ؟ ثم إنه لحقنا ، وقال لتأخذه أو لأطاعننكم برمحي ، فأخذناه وانصرف " مدارج السالكين.

- الوقوف على سير وأخبار من عرفوا بمجاهدة نفوسهم وأهوائهم ، وإلزاماً بحدود الله مثل عمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري ، ومحمد ابن سيرين ، والفضيل بن عياض ، وعبد الله بن مبارك ، وغيرهم وغيرهم ، فإن ذلك يحمل على معنى الاقتداء والتأسي ، أو على الأقل المحاكاة والمشابهة.

- الوسط والبيئة وأثره :

- وصية الأبوين أن يتحررا من داء الإعجاب بالنفس ونحوه ، وأن يكونا قدوة صالحة أمام الولد ، وأن يفهماه بأن ما وقع منهما كان خطأ ، وأنهما قد أقلعا عن هذا الخطأ ، وعليه أن يقلع عنه مثلهما ويتوب إلى الله عز وجل .

- الانسلاخ من الوسط المعروف بالشح والارتماء في الأوساط المعروفة بالجود والسخاء ، فإن مثل ذلك يحمل الشحيح على الاقتداء والتأسي ، أو على الأقل المحاكاة والتشبه .

والانقطاع عن مجالسة ومصاحبة أهل الأهواء ، مع الارتماء في أحضان أهل الصلاح والاستقامة ، فإن ذلك يعين على تحرير النفس من وقوعها أسيرة الأهواء والشهوات .

- الانقطاع عن صحبة المعجبين بأنفسهم ، مع الارتماء في أحضان المتواضعين العارفين أقدارهم ومكانتهم ، فإن ذلك يساعد في التخلص ، بل وفي التوقي ، من الإعجاب بالنفس .

- التوصية والتأكيد على ضرورة اتباع الآداب الشرعية في الثناء والمدح في التوقير والاحترام ، في الانقياد والطاعة ، مع الإعراض والزجر الشديد لكل من يخرجون على هذه الآداب ، فإن ذلك له دور كبير في مداواة النفس وتحريرها من الإعجاب .

التقويم

  1. ما معنى مجاهدة النفس لغة واصطلاحاً ؟

  2. اذكر الآيات والأحاديث الواردة في مجاهدة النفس .

  3. اذكر بعض ما قاله الصحابة أو الصالحون في وجوب مجاهدة النفس .

  4. بين منزلة مجاهدة النفس .

  5. حدد مراتب مجاهدة النفس مبيناً منزلة مجاهدة النفس .

  6. ما مراتب مجاهدة النفس ؟

  7. اذكر صور عملية عشتها مع بعض من جاهدوا نفوسهم .

  8. اذكر موقف عملي مارست خلاله مجاهدتك لنفسك وكيف تغلبت عليها ؟

  9. وضح كيفية علاج عيوب النفس ( الشح – اتباع الهوى – الإعجاب بالنفس ) .

  10. هل تذكر عيباً من عيوب نفسك تمكنت بفضل الله من علاجه والتخلص منه – وما خطتك فى ذلك ؟

 

المصادر :

1- إحياء علوم الدين الإمام / أبو حامد الغزالي .

2- مختصر منهاج القاصدين العلامة / ابن قدامة المقدسى .

3- آفات على الطريق الدكتور / السيد نوح .

4- خلق المسلم للشيخ / محمد الغزالى .

5- زاد المعاد للإمام / ابن القيم .

6- مدارج السالكين للإمام / ابن القيم .

 

1 متفق عليه رواه البخارى ومسلم وأورده الالبانى فى صحيح الحاكم فى 3193

2 الأنفال (2)

3 يونس ( 57 )

4 فصلت ( 44 )

5 ق ( 45 )

6 طه ( 1-3 )

7 المزمل ( 20 )

8 المزمل ( 4)

9 ص (29)

10 الحشر ( 21 )

11 آل عمران ( 144 )

12 الذاريات ( 22-23 )

13 الجامع لأحكام القرآن (1/30)

14 الجمعة ( 10 )

15 ) رواه الترمذى

16 ) رواه الترمذى

17 ) سورة طه

18 المزمل ( 1)

19 الإسراء ( 79 )

20 الذاريات ( 15-18 )

21 صحيح أخرجه والترمذى وأورده الألبانى فى صحيح الجامع ص 173

22 حسن أخرجه الخطيب البغدادى

23 صحيح البخارى ومسلم والترمذى وبن ماجه وأحمد 0

 

24 ) أخرجه أبو داود

25 ) رواه أحمد

26 ) إغاثة اللهفان .

27 " النور ( 36-37 )

28 ) رواه مسلم

29 صفوة التفاسير الجزء الثالث ـصـ475

30 تفسير الألوسي 29/136

31(  ) الجمه : هي مجتمع الشعر إذا تدلى من الرأس إلى المنكبين .

32(  ) ما يكفي من الطعام بلا زيادة وما يقيم أود الإنسان وفي الحديث : " اللهم اجعل طعام آل محمد قوتاً " أي ما يسد الرمق بلا زيادة .

33(  ) سورة إبراهيم : 34 .

34(  ) سورة لقمان : 20 .

Date de dernière mise à jour : 05/07/2021