- Accueil
- المستوى التكويني
- الكتاب الثاني
- الحلقة 21-40
الحلقة 21-40
الحلقة 21-40
الحلقة الحادية والعشرون
حديث الإفك
1- أن يحكي الدارس الموقف الذي رميت فيه عائشة الصديقة بالإفك .
2- أن يبين الدارس دور المنافقين في حادثة الإفك .
3- أن يصف الدارس حال النبي أثناء محنة الإفك .
4- أن يصف الدارس حال السيدة عائشة أثناء محنة الإفك .
5- أن يصف الدارس مدى الحزن الذي أصاب الصديق أبو بكر .
6- أن يرسم الدارس صورة لحال مجتمع المدينة أثناء محنة الإفك .
7- أن يبين الدارس كيف ظهرت براءة الصديقة عائشة .
8- أن يستخلص الدارس العبر والدروس المستفادة من حادثة الإفك .
( النادرة الثانية ) وهي أفظع من الأولى وأجلب منها للمصائب وهي رمي عائشة الصديقة زوج رسول الله بالإفك فاتهموها بصفوان بن المعطل السلمي ، وذلك أنهم لما دنوا من المدينة أذن عليه السلام ليلة بالرحيل وكانت السيدة قد مضت لقضاء حاجتها حتى جاوزت الجيش ، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فلمست صدرها فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع فرجعت تلتمس عقدها فحبسها ابتغاؤه .
فأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونها فاحتملوا هودجها ظانين أنها فيه لأن النساء كن إذ ذاك خفاف لم يغشهن اللحم فلن يستنكر القوم خفة الهودج وكانت عائشة جارية حديثة السن فجاءت منزل الجيش بعد أن وجدت عقدها وليس بالمنزل داع ولا مجيب فغلبتها عيناها فنامت.
وكان الذي يسير وراء الجيش يفتقد ضائعه صفوان بن المعطل فأصبح عند منزلها فعرفها لأنه كان رآها قبل الحجاب فاسترجع فاستيقظت باسترجاعه وسترت وجهها بجلبابها فأناخ راحلته واركبها من غير أن يتكلما بكلمة . ثم انطلق يقود بها الراحلة حتى وصل الجيش وهو نازل للراحة فقامت قيامة أهل الإفك وقالوا ما قالوا في عائشة وصفوان
والذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ولما قدموا المدينة مرضت عائشة شهراً والناس يفيضون في قول أهل الإفك وهي لا تشعر بشيء .
وكانت تعرف في رسول الله رقة إذا مرضت فلم يعطها نصيباً منها في هذا المرض بل كان يمر على باب الحجرة لا يزيد على قوله : كيف حالكم ؟ مما جعلها في ريب عظيم ، فلما نقهت خرجت هي وأم مسطح بن أثاثة أحد أهل الإفك للتبرز خارج البيوت فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح ! فقالت عائشة : بئس ما قلت !! أتسبين رجلاً شهد بدراً ؟ فقالت : يا هنتاه ( يا هذه ) أولم تسمعي ما قالوا ؟ فسألتها عائشة عن ذلك فأخبرتها الخبر فازدادت مرضاً على مرضها . ولما جاءها عليه السلام كعادته استأذنته أن تمرض في بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عمّا يقول الناس فقالت : يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها .
فقالت عائشة : سبحان الله أوقد تحدث الناس بهذا ! وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم . وفي خلال ذلك كان عليه السلام يستشير كبار أهل بيته فيما يفعل فقال له أسامة بن زيد لما يعلمه من براءة عائشة : أهلك أهلك ولانعلم عليهم إلا خيراً .
وقال علي بن أبي طالب : لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك . فدعا عليه السلام بريرة جارية عائشة وقال لها : هل رأيت من شئ يريبك ؟ فقالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمضه ( أعيبه عليها ) غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجينها فتأتي الداجن فتأكله .
فقام عليه السلام من يومه وصعد المنبر والمسلمون مجتمعون وقال : من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما يدخل على أهلي إلى معي .
فقال سعد بن معاذ : أنا يا رسول الله أعذرك منه فإن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة الخزرجي وقال كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أنه يقتل .
فقام أسيد بن حضير ، وقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين . وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج لولا أن رسول الله نزل من فوق المنبر وخفضهم حتى سكتوا .
أما عائشة فبقيت ليلتين لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم . وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه السلام فسلم ثم جلس فقال : أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري لله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف وتاب تاب الله عليه ، فتقلص دمع عائشة وقالت لأبويها : أجيبا رسول الله ، فقالا : والله ما ندري ما نقول ، فقالت : إني و الله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حيث قال فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون يوسف 18
ثم تحولت واضطجعت على فراشها ولم يزاول رسول الله مجلسه حتى نزلت عليه الآيات من سورة النور ببراءة السيدة المطهرة عائشة الصديقة .
إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين * لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون * ولوا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم * يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم ( النور الآيات من 11 – 21 ) . فسرى عن رسول الله وهو يضحك وبشّر عائشة بالبراءة فقالت لها أمها قومي واشكري رسول الله ، فقالت لا والله لا أشكر إلا الله الذي برأني . وبعد ذلك أمر عليه السلام بأن يجلد من صرح بالإفك ثمانين جلدة وهي حد القاذف ، وكانوا ثلاثة : حمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت .
وكان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه ، فلما تكلم بالإفك قطع عنه النفقة فأنزل الله ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ( النور آية 22 ) ؟ فقال أبو بكر بل نحب ذلك يا رسول الله ، وأعاد النفقة على مسطح .
فهذه مضار المنافقين الذين يدخلون بين الأمم مظهرين لهم المحبة وقلوبهم مملوءة حقداً يتربصون الفتن فمتى رأوا باباً لها ولجوه فنعوذ بالله منهم .
التقويم :
1- قص الموقف الذي رميت فيه عائشة الصديقة بالإفك .
2-بين دور المنافقين في حادثة الإفك .
3- صف حال النبي أثناء محنة الإفك .
4-صف حال السيدة عائشة أثناء محنة الإفك .
5-صف مدى الحزن الذي أصاب الصديق أبو بكر .
6- صوّر حال مجتمع المدينة أثناء محنة الإفك .
7- بين كيف ظهرت براءة الصديقة عائشة .
8- استخلص العبر والدروس المستفادة من حادثة الإفك .
الحلقة
الثانية
والعشرون
الحلقة الثانية والعشرون
غزوة الخندق
1- أن يبين الدارس دور يهود بني النضير في التحريض لغزوة الأحزاب .
2- أن يصور الدارس حجم الجيش الذي خرج لغزو المدينة في غزوة الأحزاب .
3- أن يبين الدارس كيف تعامل النبي مع الأخبار التي جاءته تحمل خبر تحزّب الأحزاب ضده .
4- أن يبرز الدارس دور سيدنا سلمان في غزوة الأحزاب .
5- أن يعلل الدارس لموقع الخندق الذي اختاره النبي .
6- أن يصور الدارس الحال الذي كان عليه المسلمون أثناء حصار المدينة .
7- أن يذكر الدارس رد الأنصار على اقتراح النبي لمصالحة عطفان على ثلث ثمار المدينة.
8-أن يبرز الدارس الدور الذي قام به سيدنا نعيم بن مسعود بعد لقاءه بالنبي .
9-أن يبين الدارس خطورة نقض بني قريظة لعهدهم مع النبي .
10- أن يستدل الدارس على براعة وذكاء سيدنا حذيفة بموقفه عند تكليفه باستطلاع أخبار الأحزاب
11- أن يوضح الدارس كيف كانت هزيمة الأحزاب وجلاءهم عن المدينة .
12- أن يذكر الدارس العبر والعظات التي تعلمها من غزوة الأحزاب ونصر الله للمؤمنين .
لم يقر لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم وإرث المسلمين لها بل كان في نفوسهم دائماً أن يأخذوا ثأرهم ويستردوا أملاكهم فذهب جمع منهم إلى مكة وقابلوا رؤساء قريش وحرضوهم على حرب رسول الله ومنوهم المساعدة فوجدوا منهم قبولاً لما طلبوه .
ثم جاءوا إلى قبيلة غطفان وحرضوا رجالها كذلك وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب فوجدوا منهم ارتياحاً .
فتجهزت قريش وأتباعها يرأسهم أبو سفيان ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري وعددهم أربعة آلاف معهم ثلاثمائة فرس وألف و خمسائة بعير .
وتجهزت غطفان يرأسهم عيينه بن حصن الذي جازى إحسان رسول الله كفراً فإنه كما قدمنا أقطعه أرضاً يرعى فيها سوائمه حتى إذا سمن خفه وحافره قام يقود الجيوش لحرب من أنعم عليه وكان معه ألف فارس .
وتجهزت بنو مرة يرأسهم الحارث بن عوف المري وهم أربعمائة ، وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود بن رُخيلة وتجهزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس وهم سبعمائة .
وتجهزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي ، وعدة الجميع عشرة آلاف محارب قائد هم العام أبو سفيان .
ولما بلغه عليه الصلاة و السلام أخبار هذه التجهيزات استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرار ؟
فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه فأمر عليه السلام المسلمين بعمله وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية ، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتي المدينة من قبلها .
أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل لا يتمكن العدو من الحرب جهتها . وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل ، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام فكان ينقل التراب متمثلاً بشعر ابن رواحه .
|
اللهم لولا أنت ما اهتدينا |
ولا تصدقنا ولا صلينا |
وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسنداً ظهره إلى سلع وهو جبل مطل على المدينة وعدتهم ثلاثة آلاف ، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة .
أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال ، وأما غطفان فنزلت جهة أحد وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل .
ولما طال المطال عليهم أكره جماعة منهم أفراسهم على اقتحام الخندق منهم عكرمة بن أبي جهل وعمرو بن ود وآخرون ، وقد برز علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمرو بن ود فقتله وهرب إخوانه وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله فاندقت عنقه . ورمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم قطع أكحله وهو شريان الذراع واستمرت المناوشة والمراماة بالنبل يوماً كاملاً حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد ، وجعل عليه السلام على الخندق حراساً حتى لا يقتحمه المشركون بالليل وكان يحرس بنفسه ثُلمة فيه مع شدة البرد ، وكان عليه السلام يبشر أصحابه بالنصر والظفر ويعدهم الخير . أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكنه ضمائرهم حتى قالوا ( ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ) (سورة الأحزاب 12 ) وانسحبوا قائلين إن بيوتنا عورة نخاف أن يغير عليها العدو ( وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً ) ( الأحزاب 13 ) .
واشتدت الحال بالمسلمين فإن هذا الحصار صاحبه ضيق على فقراء المدينة ، الذي زاد الشدة عليهم ما بلغهم من أن يهود بني قريظة الذين يساكنونهم في المدينة قد انتهزوا هذه الفرصة لنقض العهود ، وسبب ذلك أن حيي بن أخطب سيد بني النضير المجلين توجه إلى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة وكان له كالشيطان إذ قال للإنسان اكفر فحسن له نقض العهد ولم يزل به حتى أجابه لقتال المسلمين .
ولما بلغت هذه الأخبار رسول الله عليه السلام أرسل مسلمة بن أسلم في مائتين وزيد بن حارثة في ثلاثمائة لحراسة المدينة خوفاً على النساء والذراري أرسل الزبير بن العوام يستجلي له الخبر فلما وصلهم وجدهم حانقين يظهر على وجوههم الشر ونالوا من رسول الله والمسلمين أمامه ، فرجع وأخبر الرسول بذلك .
وهنالك اشتد وجل المسلمين وزلزلوا زلزالاً شديداً لأن العدو جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون وتكلم المنافقون بما بدا لهم . فاراد عليه السلام أن يرسل لعيينة بن حصن ويصالحه على ثلث ثمار المدينة لينسحب بغطفان فأبى الأنصار ذلك قائلين إنهم لم يكونوا ينالون منا قليلاً من ثمرنا ونحن كفار أفبعد الإسلام يشاركوننا فيها ؟! وإذا أراد الله العناية بقوم هيأ لهم أسباب الظفر من حيث لا يعلمون
الحرب خدعة :
فانظر إلى هذه العناية من الله بالمتمسكين بدينه القويم جاء نعيم بن مسعود الأشجعي وهو صديق قريش واليهود ومن غطفان فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت وقومي لا يعلمون بإسلامي فمرني بأمرك حتى أساعدك . فقالت أنت رجل واحد ماذا عسى أن تفعل ؟ ولكن خذل عنّا ما استطعت فإن الحرب خدعة .
فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهود المسلمين فلما رأوه أكرموه لصداقته معهم فقال : يا بنى قريظة تعرفون ودّي لكم وخوفي عليكم وإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني ، قالوا : نعم ، فقال : لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع والنضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم وإن قريشاً وغطفان ليسوا مثلكم فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم . وأما أنتم فتساكنون الرجل ( يريد الرسول ) ولا طاقة لكم بحربه وحدكم فأرى أن لا تدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم بأن تأخذوا منهم رهائن سبعين شريفاً منهم ، فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك .
ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال : أنتم تعرفون ودي لكم ومحبتي إياكم وإني محدثكم حديثاً فاكتموه عني قالوا : نفعل ، فقال لهم : إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه ، فقالوا له أيرضيك أن نأخذ جمعاً من أشرافهم ونعطيهم لك وترد جناحنا الذي كسرت ( يريد بني النضير ) فرضى بذلك منهم . وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفاً .
ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشاً فأرسل أبو سفيان وفداً لقريظة يدعوهم للقتال غداً فأجابوا إنا لا يمكننا أن نقاتل في السبت ( وكان إرساله لهم ليلة سبت ) ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدي فيه ، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم . فتحققت قريش وغطفان كلام نعيم بن مسعود وتفرقت القلوب فخاف بعضهم بعضاً .
وكان عليه السلام قد ابتهل إلى الله الذي لا ملجأ إلا إليه ودعاه بقوله ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم ) . وقد أجاب الله دعاءه عليه السلام فأرسل على الأعداء ريحاً باردة في ليلة مظلمة فخاف العرب أن تتفق اليهود مع المسلمين ويهجموا عليهم في الليلة المدلهمة . فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح .
ولما سمع عليه السلام الضوضاء في جيش العدو ، وقال لأصحابه : لا بد من حادث ، فمن منكم ينظر لنا خبر القوم ، فسكتوا حتى كرر ذلك ثلاثاً . وكان فيهم حذيفة بن اليمان ، فقال عليه السلام : تسمع صوتي منذ الليلة ولا تجيب ! فقال : يا رسول الله البرد شديد ، فقال : اذهب في حاجة رسول الله واكشف لنا خبر القوم فخاطر رضي الله عنه بنفسه في خدمة نبيه حتى اطلع على جلية الخبر ، وأن الأعداء عازمون على الرحلة .
هزيمة الأحزاب
وقد بلغ خوفهم أن كان رئيسهم أبو سفيان يقول لهم : ليتعرف كل منكم أخاه وليمسك بيده حذراً من أن يدخل بينكم عدو وقد حل عقال بعيره يريد أن يبدأ بالرحيل ، فقال له صفوان بن أمية : إنك رئيس القوم فلا تتركهم وتمضي فنزل أبو سفيان وأذن بالرحيل وترك خالد بن الوليد في جماعة ليحموا ظهور المرتحلين حتى لا يداهموا من ورائهم وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمة التي تحزّب فيها الأحزاب من عرب ويهود على المسلمين , ولولا لطف الله وعنايته بهذا الدين منة منه وفضلاً لساءت الحال .
وكان جلاء الأحزاب في ذي القعدة وكان حقاً على الله أن يسميه نعمة بقوله في سورة الأحزاب ( يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً * إذ جاءؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً ) (الأحزاب 9 – 13 )
من نتائج هذه الغزوة :
-
فشلت قريش فشلا ذريعاً في تحقيق النصر على المسلمين ، وعادت تجرر أذيال الخيبة والهزيمة .
-
تبين بعد هذه الغزوة ، أن اليهود أخطر على المسلمين من قريش ومن تابعها من الأحزاب ، وأنهم يستطيعون العودة إلى مثل ما فعلوا أو إلى شرٍّ مما فعلوا ، ولولا ارتحال الأحزاب بسبب الريح العاصف ، وما وقع في صفوفهم من الشقاق والانقسام ، لفتكوا بالمسلمين فتكاً ذريعاً .
-
الاستعداد للقضاء على رأس الفتنة في المدينة : بني قريظة ، من أجل استقرار الأمر فيها ، وتوطيد سلطة المسلمين ، والتفرغ للدعوة ونشر دين الله .
-
إن هذه الغزوة حلقة من حلقات الكفاح والمعاناة ، التي كشفت طوائف المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، والتي محصت المؤمنين الذين احتملوا في سبيل الله وطأة هذه الأهوال ، فزادتهم إيماناً وتسليماً .
من عبرها :
-
حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تبادل الرأي والمشورة في المواقف العصيبة .
-
ضرب الرسول القائد صلى الله عليه وسلم أروع الأمثال ،بمشاركة جنوده في العمل ، رفعاً لمعنوياتهم ، وليكون لهم قدوة صالحة .
-
ضرورة الحذر من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، خاصة وقت الشدائد والمحن.
-
إن الحرب خدعة ، وللحرب النفسية أثر فعال في المعارك .
-
إن الله يبتلي عباده المؤمنين ، ليمحص قلوبهم ، وهو مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
-
إن الصبر والمصابرة من أهم عناصر الظفر .
-
ليست الحرب قتالاً في الميدان وحده ، وإنما هي سياسة حكيمة ورأي سديد .
-
الاستفادة بالعلوم العصرية وتجارب الأمم الأخرى في مجال الحرب والسلام.
-
إن اجتماع قوى الشر على البغي والعدوان ينبغي ألا يُيْئس المجاهدين من نصر الله.
-
إن العقيدة قبل السلاح ، وهما جميعاً سبيل النصر .
-
على المؤمنين الإعداد بقدر ما يستطيعون ، وعلى الله بعد ذلك الإمدادُ.
التقويم
1- ضع كلمة مناسبة في كل فراغ مما يلي :
أ- زحفت قوات الأحزاب لقتال المسلمين ، وكان عددهم من قريش وحدها . . . . . . ومن غطفان ……….. ومن بني مرة …………… ومن بني أسد …………..
ب- أراد بعض فرسان المشركين . . . . . الخندق ، ومن هؤلاء . . . . و. . . . فقصدوا منه مكاناً . . . . . . فخرج إليهم البطل . . . . . . . في جماعة من المسلمين، وانقض على أحدهم فقتله و . . . . . . . . . . . . . خيل الأحزاب من حيث. . . . . . . . . وبذلك . . . . . . . . . . محاولات قريش لاجتياز هذا الخط المنيع .
2- اقرأ كل عبارة مما يأتي ثم ضع علامة () أمام العبارة التي تراها صحيحة ، وعلامة () أمام العبارة التي تراها خطأ مع تصحيح العبارات الخطأ :
أ-لقد كان لمشاركة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق أثر فعال في إنجازه ، وفي نفوس أجناده.
ب-كانت قريش تريد بهجوم الأحزاب نصراً سهلاً ، وقد تحقق لها ما أرادت .
ج-كانت غزوة الخندق امتحاناً عسيراً امتاز فيه المؤمنون من المنافقين.
د-إن لله جنوداً منها الليل والرعب والبرد والريح العاصف.
هـ-إن الخديعة في ميدان القتال أمر لا يرضاه الإسلام.
و-استطاع نعيم بن مسعود بحيلته ، أن يزن جيشاً كاملاً في قوته .
ز-لقد كانت بنو قريظة تتمنى أن تصنع بالمسلمين ، ما صنع المسلمون بهم.
ح-لقد أثبتت هذه الغزوة أن اليهود يحترمون معاهداتهم على الدوام .
3- اقرأ كل عبارة مما يأتي ، ثم ضع علامة () أمام الجملة الصحيحة من بين الجمل التي تليها :
أ-إن اقتراح سلمان بحفر الخندق :
-
يوجهنا إلى الاستفادة من الخبرة الأجنبية النافعة .
-
يعلمنا أن الخبرة الأجنبية لا خير فيها ولا فائدة .
-
يشير إلى أن ذلك أمر خاص بالعهد النبوي وحده.
ب-يسلط الله الكافرين على المؤمنين :
-
عندما يغضب عليهم لمعصيتهم .
-
ليبتلي بعضهم ببعض ، امتحاناً واختباراً
-
ليعاقبهم في الدنيا قبل عقاب الآخرة.
ج-يكتب النصر في الحرب :
-
للجيش الأكثر صبراً .
-
للجيش الأكثر عدداً
-
للجيش الأكثر سلاحاً .
د-إن الحروب في حقيقتها :
-
تقتصر على القتال في ميدان الحرب .
-
تتطلب الخبرة السياسية دون سواها .
-
تشمل العمل في مجال السياسة ، والقتال في ميدان الحرب.
4-ما دور زعماء بني النضير في إشعال غزوة الأحزاب ؟ وما الذي دفعهم إلى ذلك؟
5-ماذا اقترح سلمان الفارسي للدفاع عن المدينة ؟ وبماذا أجابه المسلمون ؟ وماذا تستنتج من هذا ؟
6-الحرب خدعة ... كيف طبق المسلمون هذا المبدأ في غزوة الخندق ؟ وما أثره في سير المعركة ؟
7-لقد كان لغزوة الخندق نتائج بالغة الأهمية في حياة المسلمين . اذكر اثنين منها .
8-قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الطُنونا هُنالك ابتُلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً . صورت الآيات الحالة النفسية العصيبة التي كان يمر بها المسلمين في غزوة الخندق - وضح ذلك .
9- وضح كيف كانت هزيمة الأحزاب وجلاؤهم عن المدينة .
1.- أذكر العبر والعظات التي تعلمتها من غزوة الأحزاب ونصر الله للمؤمنين .
الحلقة
الثالثة
والعشرون
الحلقة الثالثة والعشرون
غزوة بني قريظة
1- أن يظهر الدارس الحكمة الإلهية من أمر الله للنبي بتطهير المدينة من يهود بني قريظة.
2- أن يناقش الدارس صور تنفيذ الصحابة لأمر النبي لهم بصلاة العصر في بني قريظة
3- ان يصور الدارس الأثر الذي تركته سرعة النبي في حصار بني قريظة .
4- أن يحدد الدارس الطلبات التي طلبها بنو قريظة ورفضها النبي .
5- أن يروي الدارس ما كان من سيدنا أبي لبابة يوم بنى قريظة .
6- أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من موقف أبي لبابة يوم بني قريظة .
7- أن يظهر الدارس مدى حكمة النبي في اختيار سيدنا سعد بن معاذ للحكم في بني قريظة.
8- أن يعلل الدارس لمقولة سعد بن معاذ : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم : يوم بني قريظة .
9- أن يذكر الدارس حكم سيدنا سعد بن معاذ في بني قريظة .
10- أن يوضح الدارس مقولة النبي " لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد " .
11- إن يظهر الدارس حجم الغنائم التي فاز بها المسلمون يوم بني قريظة .
12- أن يذكر الدارس العبر والدروس لتي تعلمها من غزوة بني قريظة .
ولما رجع عليه السلام بأصحابه وأراد أن يخلع لباس الحرب أمره الله باللحوق ببني قريظة حتى يطهر أرضه من قوم لم تعد تنفع معهم العهود ولا تربطهم المواثيق ولا يأمن المسلمون جانبهم في شدة فقال لأصحابه : " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " فساروا مسرعين وتبعهم عليه السلام راكباً على حماره ولواءه بيد على بن أبي طالب وخليفته على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم ، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف .
وقد أدرك جماعة من الأصحاب صلاة العصر في الطريق فصلاها بعضهم حاملين أمر الرسول بعدم صلاتها على قصد السرعة ولم يصلّها الآخرون إلا في بني قريظة بعد مضي وقتها حاملين الأمر على حقيقته فلم يعنف فريقاً منهم . ولما رأى بنو قريظة جيش المسلمين ألقى الله الرعب في قلوبهم وأرادوا التنصل من فعلتهم القبيحة وهي الغدر بمن عاهدوهم وقت الشغل بعدو آخر ولكن أنى لهم ذلك وقد ثبت للمسلمين غدرهم .
فلما رأوا ذلك تحصنوا بحصونهم وحاصرهم المسلمون خمساً وعشرين ليلة ، فلما رأوا أن لا مناص من الحرب ، وأنهم إن استمروا على ذلك ماتوا جوعاً طلبوا من المسلمين أن ينزلوا على ما نزل عليه بنو النضير من الجلاء بالأموال وترك السلاح فلم يقبل الرسول عليه السلام فطلبوا أن يجلوا بأنفسهم من غير سلاح فلم يرض أيضا بل قال : لا بد من النزول والرضا بما يحكم عليهم خيراً كان أو شراً ، فقالوا له : أرسل لنا أبا لبابه نستشيره وكان أوسياً من حلفاء قريظة له بينهم أولاد وأموال ، فلما توجه إليهم استشاروه في النزول على حكم الرسول . فقال لهم : انزلوا وأومأ بيده إلى حلقه يريد أن الحكم الذبح يقول أبو لبابة : لم أبارح موقفي حتى علمت أني خنت الله ورسوله فنزل من عندهم قاصداً المدينة خجلاً من مقابلة رسول الله وربط نفسه في سارية من سواري المسجد حتى يقضي الله فيه أمره .
ولما سأل عنه عليه السلام أخبر بما فعل ، فقال : أما لو جاءني لاستغفرت له ، أما وقد فعل ما فعل فنتركه حتى يقضي الله فيه .
ثم إن بني قريظة لما لم يروا بداً من النزول على حكم رسول الله فعلوا ، فأمر برجالهم فكتفوا فجاءه رجال من الأوس وسألوه أن يعاملهم كما عامل قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج فقال لهم : ألا يرضيكم أن يحكم الله فيهم رجل منكم ؟ فقالوا نعم . واختاروا سيدهم سعد بن معاذ الذي كان جريحاً من السهم الذي أصيب به في الخندق ، وكان مقيماً بخيمة في المسجد معدة لمعاملة الجرحى فأرسل عليه السلام من يأتي به ، فحملوه على حماره والتف عليه جماعة من الأوس يقولون له : أحسن في مواليك ألا ترى ما فعل ابن أبي في مواليه ؟ فقال رضي الله عنه : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومه لائم .
ولما أقبل على الرسول وأصحابه وهم جلوس ، قال عليه السلام : قوموا إلى سيدكم فأنزلوه ، ففعلوا وقالوا له : إن رسول الله قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم وقال له الرسول : احكم فيهم يا سعد فالتفت سعد للناحية التي ليس فيها رسول الله وقال : علكيم عهد الله وميثاقه أن الحكم كما حكمت ؟ فقالوا : نعم فالتفت إلى الجهة التي فيها الرسول وقال : وعلى من هنا كذلك ؟ وهو غاض طرفه إجلالاً فقالوا : نعم ، قال : فإني أحكم أن تقتلوا الرجال وتسبوا النساء والذرية ، فقال عليه السلام ( لقد حكمت فيه بحكم الله يا سعد ) لأن هذا جزاء الخائن الغادر .
ثم أمر بتنفيذ الحكم فنفذ عليهم وجمعت غنائمهم ، فكانت ألفاً وخمسمائة سيف ، وثلاثمائة درع ، ألفي رمح ، وخمسمائة ترس وجحفة ووجد أثاثاً كثيراً وآنية وجمالا نواضح وشياهاً فخمس ذلك كله مع النخل والسبي للراجل ثلث الفارس ، وأعطى النساء اللاتي يمرضن الجرحى ووجد في الغنيمة جرار خمر فأريقت .
وبعد تمام هذا الأمر انفجر جرح سعد بن معاذ فمات رضي الله عنه وأرضاه ، وكان في الأنصار كأبي بكر في المهاجرين . وقد كان له العزم الثابت في جميع المشاهد التي تقدمت الخندق ، وكان عليه السلام يحبه كثيراً وبشره بالجنة على عظيم أعماله .
وعقب رجوع المسلمين إلى المدينة تاب الله على أبي لبابة بقوله : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) (التوبة 1.2 ) وقد عاهد الله أن يهجر ديار قريظة التي حصلت فيها الزلة .
وبتمام هذه الغزوة أراح المسلمين من شر مجاورة ليهود الذين تعودوا الغدر والخيانة ، ولم تبق إلا بقية من كبارهم بخيبر مع أهلها وهم الذين كانوا السبب في إثارة الأحزاب . وسيأتي للقارئ قريباً اليوم الذي يعاقبون فيه .
من نتائج هذه الغزوة :
-
بالقضاء على بني قريظة تخلص المسلمون في المدينة من آخر شوكة في ظهورهم ، وأصبحت المدينة موئل الإسلام ، وحصنه الحصين .
-
ضعفت حركة النفاق في المدينة ، فطأطأ المنافقون رؤوسهم ، وجبنوا عن كثير مما كانوا يفعلون ضد الإسلام
-
لم يعد المشركون يفكرون في غزو المسلمين ، بل أصبح المسلمون هم الذين يغزونهم.
-
صار العرب كلهم يتحدثون بقوة المسلمين ، وتأكد لهم أن المسلمين قادرون على إنزال الضربات القوية على كل غادر وخائن ، تسوِّلُ له نفسه النيل من الإسلام والمسلمين.
من عِبَرها :
-
الحذر من اليهود ، والعمل على القضاء على مؤامراتهم التي لم تتوقف ضد الإسلام والمسلمين .
-
التثبت من الأخبار قبل إصدار الأحكام على الناس .
-
الندم على الوقوع في المعاصي ، والمبادرة إلى التوبة منها ( موقف أبو لبابة ) .
-
الاستجابة لأوامر الله ، والإسراع في تنفيذها .
-
اجتناب الغدر والخيانة ، والتحلي بالوفاء بالعهود والمواثيق .
زواج زينب بن جحش
-
أن يظهر الدارس الحكمة الإلهية من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالزواج من السدة زينب بنت جحش .
-
أن يستدل الدارس على سفالة أعداء الإسلام بما قالوه في أمر زواج النبي من السيدة زينب بنت جحش .
وفي هذا العام تزوج عليه السلام زينب بنت جحش - وأمها أمية عمته - بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة ، وكان من أمر زواجها لزيد أن الرسول عليه السلام خطبها لزيد فتأفف أهلها من ذلك لمكانها في الشرف العظيم ، فإن العرب كانوا يكرهون تزويج بناتهم من الموالي ويعتقدون أن لا كفء من سواهم لبناتهم ، وزيد وإن كان الرسول تبناه ولكن هذا لا يلحقه بالأشراف ، فلما نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) ( الأحزاب 36 ) لم يروا بداً من القبول .
فلما دخل عليها زيد أرته من كبريائها وعظمتها ما لم يتحمله فاشتكاها لرسول الله فأمره باحتمالها والصبر عليها إلى أن ضاقت نفسه فأخبره بالعزم على طلاقها وكرر ذلك ، ولما كانت العشرة بين مثل هذين الزوجين ضرباً من العبث أمر الله نبيه أن يتزوج زينب بعد طلاقها حسماً لهذا الشقاق من جهة وحفظاً لشرفها أن يضيع بعد زواجها بمولى من جهة أخرى ، ولكن رسول الله خشي من لوم اليهود والعرب له في زواجه يزوج ابنه ، فقال لزيد أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفي في نفسه ما أبداه الله ، فبت الله حكمه بإبطال هذه القاعدة وهي تحريم زوج المتبني بقوله في سورة الأحزاب ( فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً ) ( الأحزاب 37 )
ثم إن الله حرم التبني على المسلمين لما فيه من الأضرار وأنزل فيه في سورة الأحزاب ( ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليماً ) ( الأحزاب 4. )
ومن هذا الحين صار اسم زيد ( زيد بن حارثه ) بدل ( زيد بن محمد ) , وأبدل بذلك أن ذكر اسمه في قرآن يتلى على مر الدهور والأعوام .
يقول المؤرخون وذوو المقاصد السافلة منهم في هذه القصة أقولاً لا تجوز إلا ممن ضاع رشده ولم يفقه حقيقة ما يقول ، فإنهم يذكرون أن الرسول توجه يوماً لزيارة زيد فرأى زوجه مصادفة لأن الريح رفعت الستر عنها فوقعت في قلبه ، فقال : سبحان الله فلما جاء زوجها ذكرت له ذلك فرأى من الواجب عليه فراقها فتوجه وأخبر الرسول بعزمه فنهاه عن ذلك .. إلخ
وهذا مما يكذبه أن نساء العرب لم تكن قبل ذلك تعرف ستر الوجوه وزينب بنت عمته وأسلمت قديماً ورسول الله بمكة فكيف لم يرها وقد مضى على إسلامها نحو عشر سنوات وهي بنت عمته إلا حينما رفعت الريح الستر مصادفة ورسول الله هو الذي زوجها زيداً فلو كان له فيها رغبة حب أو عشق لتزوجها هو ولا مانع يمنعه من ذلك .
ومن منا يتصور أن السيد الأكرم يقول لقومه إنه مرسل من ربه ويتلو عليهم صباح مساء أمر الله له بقوله في سورة الحجر المكية ( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ) ( الحجر 88 ) وفي سورة طه المكية أيضاً ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا ) ( طه 131 ) ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متبعيه وينظر إلى زوجه مصادفة ثم يشتهي زواجها ؟ إن هذا الأمر عظيم تشعر بذلك صدورنا .
ولو حدث أمر مماثل من أقل الناس لعيب عليه فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقاً وأبعدهم عن الدنايا وأشدهم ذكاء وفراسة ، حتى مدحه الله بقوله في سورة ن ( وإنك لعلى خلق عظيم )
لا شك أن هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم ، والحمد لله قد ناقضت النقل والعقل ، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولا ، وهو الذي يستفاد من القرآن الشريف ، قال تعالى في سورة الأحزاب : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً وكان أمر الله مفعولاً ) ( الأحزاب 37 )
والذي أبداه الله هو زواجه بها ولم يبد غير ذلك وهذا القرآن أعظم شاهد .
الحجاب
1- إن يلخص الدارس الأحداث التي واكبت نزول أمر الله بالحجاب
وفيه نزلت آية الحجاب وهو خاص بنساء رسول الله عليه السلام وكان عمر بن الخطاب قبل نزول آيته يحبه ويذكره كثيراً ويود أن ينزل فيه قرآن وكان يقول لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ، فنزل في سورة الأحزاب ( وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) ( الأحزاب 53 ) فقال بعضهم : أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن عائشة فنزل بعد الآية المقدمة ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً ) ( الأحزاب 53 )
أما غير أزواجه عليه السلام من المؤمنات فأمرن بغض الأبصار وحفظ الفروج كما أمر بذلك الرجال وأمرن أن لا يبدين زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها كالخاتم في الأصبع والخضاب في اليد والكحل في العين ، أما ما خفي منها فلا يحل إبداؤه كالسوار للذراع ، والدملج للعضد ، والخلخال للرجل ، والقلادة للعنق ، والإكليل للرأس ، والوشاح للصدر ، والقرط للأذن .
والمراد بالزينة الظاهرة والخفية موضعها وأمرن أيضاً بأن يضربن بخمرهن على الجيوب كيلا تبقى صدورهن مكشوفة فإن النساء إذ ذاك كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن ونهين عن أن يضربن بأرجلهن ليعلم أنهن ذوات خلخال . وإذا كان النهي عن إظهار صوت الحلي بعدما نهينا عن إظهار الحلي ، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ .
قال تعالى في سورة النور ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكن أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ) ( النور 31 )
وكان النساء في أول الإسلام كما كن في الجاهلية متبذلات تبرز المرأة في درع وخمار لا فرق بين الحرة والأمة وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون للإماء إذا خرجت بالليل إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان ، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة ، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليغطي الوجه والأعطاف ليتحشمن ويهبن فلا يطمع فيهن طامع ، قال تعالى في سورة الأحزاب ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً ) ( الأحزاب 59 ) .
أما حجب المرأة عمن يريد خطبتها فهو أمر لم يكن يفعل في عهد الرسول عليه السلام ولا عهد السلف الصالح ، فإن الشارع الحكيم سن ذلك ليكون الرجل على علم مما يقدم عليه حتى يتم الوفاق والوئام بين الزوجين في أمر أجمع عليه أئمة الدين .
قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء : ( وقد ندب الشرع على مراعاة أسباب الألفة ولذلك استحب النظر فقال إذا أوقع الله في نفس أحدكم من امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما - أي يؤلف بينهما - ( من وقوع الأدَمة على الأدَمة ، والأدمة : هي الجلدة الباطنة ، والبشرة : الجلدة الظاهرة ) ، وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الائتلاف . قال عليه السلام ( إن في أعين الأنصار شيئاً فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن ) قيل كان في أعينهن عمش وقيل صغر . أخرجه مسلم في النكاح .
وكان بعض الصالحين لا ينكحون كرائمهم إلا بعد النظر احترازاً من الغرور وقال الأعمش كل تزويج يقع على غير نظر فآخره هم وغم ، ولا يبعد أن يكون فساد الزمن والابتعاد عن التربية الدينية التي تسوق إلى مكارم الأخلاق قد حسنا عند عامة المسلمين في العصور الأولى حجب المرأة مطلقاً حسماً للمفاسد ودرءاً للفتنة .
فرض الحج
- أن يحدد الدارس متى فرض الحج على المسلمين .
وفي هذا العام – على ما عليه الأكثرون – فرض الله على الأمة الإسلامية حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ليجتمع المسلمون من جميع الأقطار فيتجهوا على الله ويبتهلوا إليه أن يؤيدهم بنصره ويعينهم على اتباع دينه القويم وفي ذلك من تقوية الرابطة واتحاد القلوب ما فيه للمسلمين الفائدة العظمى .
- التقويم :
1-متى وقعت غزوة بني قريظة ؟ وما سببها ؟
2-كيف تأكد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غدر بني قريظة ؟
3-لماذا ربط أبو لبابة نفسه في سارية المسجد ؟
4-لماذا لم يوافق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على معاملة بني قريظة معاملة بني النضير وبني قينقاع؟
5-ما أهم نتائج غزوة بني قريظة ؟
6- ضع علامة (ü) أمام ما تراه صحيحاً ، وعلامة (û) أمام ما تراه خطأ مما يأتي :
-
حاصر المسلمون يهود بني قريظة خمساً وعشرين ليلة .
-
كان عدد المسلمين في هذه الغزووة ستة آلاف
-
كانت الراية فيها لعلي بن أبي طالب
-
عند الذهاب لبني قريظة استخلف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المدينة ابن عباس .
7- أكمل ما يأتي بما يناسبه :
- أنزل الله في شأن بين قريظة قوله : . . . . . . . . . . . .. . . . . .. . .. . .
- حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بـ . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . .
8- ما الحكمة الإلهية من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالزواج من السدة زينب بنت جحش
9- دلل على سفالة أعداء الإسلام بما قالوه في أمر زواج النبي من السيدة زينب بنت جحش
10- لخص الأحداث التي واكبت نزول أمر الله بالحجاب
11- متى فُرِض الحج على المسلمين ؟
الحلقة
الرابعة
والعشرون
الحلقة الرابعة والعشرون
السنة السادســـة
سرية محمد بن مسلمة إلى بني بكر
- الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يروى الدارس قصة إسلام ثمامة بن أثال الحنفي .
-
أن يوضح الدارس كيف يقتدي بفعل ثمامة بن أثال مع قريش .
ولعشر خلون من محرم في السنة السادسة أرسل عليه السلام محمد بن مسلمة في ثلاثين راكباً لشن الغارة على بني بكر بن كلاب الذين كانوا نازلين بناحية ضرية1 ، فسار إليهم يكمن النهار ويسير الليل حتى دهمهم فقتل منهم عشرة وهرب باقيهم ، فاستاقت السرية النعم والشياه وعادوا راجعين إلى المدينة وقد التقوا وهم عائدون بثمامة بن أثال الحنفي من عظماء بني حنيفة فأسروه وهم لا يعرفونه ، فلما أتوا به رسول الله عرفه وعامله بمنتهى مكارم الأخلاق فإنه أطلق إساره بعد ثلاث أبى فيها الانقياد للإسلام بعد أن عرض عليه ، ولما رأى ثمامة هذه المعاملة وهذه المكارم رأى من العبث أن يتبع هواه ويترك ديناً عماده المحامد ، فرجع إلى رسول الله وأسلم غير مكره وخاطب الرسول بقوله : ( يا محمد والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ ، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إلىّ من دينك فقد أصبح أحب الدين كله إليّ ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فقد أصبح أحب البلاد إليّ ) فسر عليه السلام كثيراً بإسلامه لأن من ورائه قوماً يطيعونه .
ولما رجع ثمامة إلى بلاده مرّ بمكة معتمراً وأظهر فيها إسلامه فأرادت قريش إيذاءه ، فذكروا احتياجهم لجبوب اليمامة التي منها ثمامة فتركوه ، ومع ذلك فقد حلف هو أن لا يرسل إليهم من اليمامة حبوباً حتى يؤمنوا ، فجهدوا جداً ولم يروا بداً من الاستغاثة برسول الله ، فعاملهم عليه السلام بما جُبِل عليه من الشفقة والرحمة وأرسل لثمامة أن يعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات اليمامة ففعل .
وقد كان لهذا الرجل الكريم الأصل قدم راسخة في الإسلام عقب وفاة الرسول حينما ارتد أكثر أهل بلاده فكان ينهي قومه عن اتباع مسيلمة ويقول لهم إياكم وأمراً مظلماً لا نور فيه وإنه لشقاء كتبه الله على من اتبعه فثبت معه كثير من قومه رضي الله عنه .
غزوة بني لحيان
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس سبب غزوة بني لحيان وأحداثها .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس من غزوة بني لحيان
بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصم بن ثابت وإخوانه ولم يزل رسول الله حزيناً عليهم متشوقاً للقصاص من عدوهم حتى ربيع الأول من هذه السنة ، فأمر أصحابه بالتجهيز ولم يظهر لهم مقصده كما هي عادته عليه السلام في غالب الغزوات لتعمى الأخبار عن الأعداء ، وولّى على المدينة ابن أم مكتوم وسار في مائتي راكب معهم عشرون فرساً ولم يزل سائراً حتى مقتل أصحاب الرجيع فترحم عليهم ودعا لهم ، ولما سمع به بنو لحيان تفرقوا في الجبال ، فأقام عليه السلام بديارهم يومين يبعث السرايا فلا يجدون أحداً ، ثم أرسل بعضاً من أصحابه ليأتوا عسفان 2 حتى يعلم بهم أهل مكة فيُدَاخِلهم الرعب فذهبوا إلى كراع الغميم 3 ثم رجع عليه السلام إلى المدينة وهو يقول : ( آيبون تائبون لربنا حامدون أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال ) رواه مسلم .
غزوة الغابة
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس سبب غزوة الغابة وأحداثها .
-
أن يستخلص الدارس العبر والدروس من غزوة الغابة
كان للنبي عليه السلام عشرون لِقْحَة ( ذوات اللبن ) ترعى بالغابة 4 فأغار عليها عيينه بن حصن في أربعين راكباً واستلبها من راعيها فجاءت الأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام والذي بلّغه هو سلمة بن الأكوع أحد رماة الأنصار ، وكان عدّاءً فأمره الرسول بأن يخرج في أثر القوم ليشغلهم بالنبل حتى يدركهم المسلمون ، فخرج يشتد في أثرهم حتى لحقهم وجعل يرميهم بالنبل فإذا وجهت الخيل نحوه رجع هارباً فلا يلحق ، فإذا دخلت الخيل بعض المضايق علا الجبل فرمى عليها الحجارة حتى ألقوا كثيراً مما بأيديهم من الرماح والأبراد ( جمع بردة ) ليخففوا عن أنفسهم حتى لا يلحقهم الجيش ، ولم يزل سلمة على ذلك حتى تلاحق به الجيش ، فإن الرسول دعا أصحابه فأجابوه ، وأول من انتهى إليه المقداد بن الأسود فقال له : اخرج في طلب القوم حتى ألحقك وأعطاه اللواء ، فخرج وتبعته الفرسان حتى أدركوا أواخر العدو ، فحصلت بينهم مناوشات قتل فيها مسلم ومشركان ، واستنقذ المسلمون غالب اللقاح ، وهرب أوائل القوم بالبقية ، وطلب سلمة بن الأكوع من رسول الله أن يرسله مع جماعة في أثر القوم ليأخذهم على غرة وهم نازلون على أحد مياههم فقال له عليه السلام : ( ملكت فأسجح ) 5 ثم رجع بعد خمس ليال .
السرايا التي أرسلها الرسول في العام السادس من الهجرة
-
أن يعدد الدارس سرايا النبي عليه السلام التي أرسلها في العام السادسة من الهجرة وأسباب كل سرية .
-
أن يستخلص الدارس أهم الدروس المستفادة من سرايا النبي عليه السلام في العام السادسة من الهجرة .
سرية عكاشة بن محصن إلى بني أسد
كان بنو أسد الذين مر ذكرهم كثيراً ما يؤذون من يمر بهم من المسلمين فأرسل لهم عليه السلام عكاشة بن محصن في أربعين راكباً ليغير عليهم ، ولما قارب بلادهم
علموا به فهربوا وهناك وجدوا رجلاً نائماً فأمنوه ليدلهم على نعم القوم فدلهم عليها فاستاقوها وكانت مائة بعير ثم قدموا المدينة ولم يلقوا كيداً .
سرية محمد بن مسلمة إلى من بذى القصة
وفي ربيع الأول بلغه عليه السلام أن من بذى القصة6 يريدون الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء7 فأرسل لهم محمد بن مسلمة في عشرة من المسلمين فبلغ ديارهم ليلاً وقد كمن المشركون حينما علموا بهم فنام المسلمون ولم يشعروا إلا بالنبل قد خالطهم فتوثبوا على أسلحتهم ولكن تغلب عليهم الأعداء فقتلوهم غير محمد بن مسلمة تركوه لظنهم أنه قتل فعاد إلى المدينة وأخبر الرسول عليه السلام ، فأرسل أبا عبيدة عامر بن الجراح في ربيع الآخر ليقتص من الأعداء فلما وصل ديارهم وجدهم تشتتوا هاربين فاستاق نعمهم ورجع .
سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم في الجموم
عاكس بنو سليم الذين كانوا من المتحزبين في غزوة الخندق المسلمين في سيرهم ، فأرسل عليه السلام زيد بن حارثة في ربيع الآخر ليغير عليهم في الجموم8 فلما بلغوا ديارهم وجدوهم تفرقوا ووجدوا هناك امرأة من مزينة دلتهم على منازل بني سليم فأصابوا بها نعماً وشاءً ووجدوا رجالاً أسروهم وفيهم زوج تلك المرأة فرجعوا بذلك إلى المدينة فوهب الرسول لهذه المرأة نفسها وزوجها .
سرية زيد بن حارثة إلى عير قريش القادمة من الشام إلى مكة
بلغ الرسول أن عيراً لقريش أقبلت من الشام تريد مكة فأرسل لها زيد بن حارثة في مائة وسبعين راكباً ليعترضها ، فأخذها وما فيها وأسر من معها من الرجال وفيهم أبو العاص بن الربيع زوج بنت رسول الله وكان من رجال مكة المعدودين تجارة ومالاً وأمانة ، فاستجار بزوجه زينب ونادت بذلك في مجمع قريش فقال عليه السلام : ( المسلمون يد واحدة يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجرتِ ) .
وهذا أبلغ ما قيل في المساواة بين أفراد المسلمين ، ورد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ماله بأسره لا يفقد منه شيئاً ، فذهب إلى مكة فأدى لكل ذي حق حقه ورجع إلى المدينة مسلماً ، فرد عليه رسول الله زوجه .
سرية زيد بن حارثة إلى الطّرف للإغارة على بني ثعلبة
وفي جمادى الآخرة أرسل عليه السلام زيد بن حارثة في خمسة عشر رجلاً للإغارة على بني ثعلبة الذين قتلوا أصحاب محمد بن مسلمة وهم مقيمون بالطرف9 ، فتوجهت السرية لذلك ولما رآهم الأعداء ظنوهم طليعة لجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا وتركوا نعمهم وشاءهم ، فاستاقها المسلمون ورجعوا إلى المدينة بعد أربع ليال .
سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى للإغارة على بني فزارة
وفي رجب أرسل عليه السلام زيد بن حارثة ليغير على بني فزارة لأنهم تعرضوا لزيد وهو راجع بتجارة من الشام فسلبوا ما معه وكادوا يقتلوه ، فلما جاء المدينة وأخبر الرسول الخبر أرسله مع رجاله للقصاص من فزارة المقيمين في وادي القرى فساروا حتى دهموا العدو بهم وقتلوا منهم جمعاً كثيراً وأخذوا امرأة من كبارهم أسيرة ، فاستوهبها عليه السلام ممّن أسرها وفدى بها أسيراً كان بمكة .
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل لغزو بني كلب
وفي شعبان أرسل عليه السلام عبد الرحمن بن عوف مع سبعمائة من الصحابة لغزو بني كلب في دومة الجندل10 وقد وصّاهم عليه السلام قبل السفر بقوله ( اغزوا جميعاً في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله ، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً فهذا عهد الله وسيرة نبيِّه فيكم ) .
ثم أعطاه اللواء فساروا على بركة الله حتى حلوا بديار العدو ، فدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع أسلم رئيس القوم الأصبغ بن عمرو النصراني ، وأسلم معه جمع من قومه ، وبقي آخرون راضين بإعطاء الجزية ، فتزوج عبد الرحمن بنت رئيسهم ، كما أمره بذلك عليه السلام ، وهذه أقرب واسطة لتمكين صلات الود بين الأمراء بحيث يهم كلاً ما يهمّ الآخر فنعما هي سياسة السلم والمحبة .
سرية علي بن أبي طالب إلى فدك لغزو بني سعد بن بكر
وفي شعبان أرسل عليه السلام علي بن أبي طالب في مائة لغزو بني سعد ابن بكر بفدك11 لأنه بلغه أنهم يجمعون الجيوش لمساعدة يهود خيبر علي حرب المسلمين مقابل تمر يعطونه من ثمر خيبر ، فسارت السرية ، وبينما هم سائرون التقوا بجاسوس العدو ، وكانوا قد أرسلوه إلى خيبر ليعقد المعاهدة مع يهودها ، فطلبوا منه أن يدلهم على القوم وهو آمن ، فدلهم على موضعهم فاستاق منه المسلمون نعم القوم ، وهرب الرعاة فحذروا قومهم ، فداخلهم الرعب وتفرقوا ، فرجع المسلمون ومعهم خمسمائة بعير وألفا شاةٍ ورد الله كيد المشركين فلم يمدُّوا اليهود بشيء .
قتل أبي رافع
-
أن يحدد الدارس الأسباب التي دعت النبي عليه السلام لانتداب من يقتل اليهودي أبو رافع سلام بن الحقيق .
-
أن يبرز الدارس كيف نجح ابن عتيك في مهمة قتل ابن الحقيق .
وكان المحرك لأهل خيبر على حرب المسلمين سيدهم أبو رافع سلام بن أبي الحقيق الملقب بتاجر أهل الحجاز ، لما كان له من المهارة في التجارة وكان ذا ثروة طائلة يُقَلِّب بها قلوب اليهود كما يريد ، فانتدب له عليه السلام من يقتله ، فأجاب لذلك خمسة رجال من الخزرج رئيسهم عبد الله بن عتيك ليكون لهم مثل أجر إخوانهم من الأوس الذين قتلوا كعب بن الأشرف ، فإن من نِعَمِ الله على رسوله أنْ كان الأوس
والخزرج يتفاخرون بما يفعلونه من تنفيذ رغبات رسول الله ، فلا تعمل الأوس عملاً إلا اجتهد الخزرج في مثله فأمرهم الرسول بذلك بعد أن وصّاهم أن لا يقتلوا وليداً ولا امرأة .
فساروا حتى أتوا خيبر ، فقال عبد الله لأصحابه : مكانكم . فإني منطلق للبوَّاب ، ومتلطف له لعلى أدخل ، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوب كأنه يقضي حاجته ، وقد دخل الناس فهتف به البواب ، ادخل يا عبد الله إن كنت تريد الدخول فإني أريد أن أغلق الباب فدخل ، وكمن حتى نام البوَّاب ، فأخذ المفاتيح وفتح ليسهل له الهرب ، ثم توجه إلى بيت أبي رافع ، وصار يفتح الأبواب التي توصل إليه ، وكلما فتح باباً أغلقه من داخل حتى انتهى إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله ، فلم يمكنه تمييزه ، فنادى يا أبا رافع ، قال : من ؟ فأهوى بالسيف نحو الصوت ، فلم يغن شيئاً ، وعند ذلك قالت امرأته : هذا صوت ابن أبي عتيك ، فقال لها : ثكلتك أمك وأين ابن أبي عتيك الآن ؟ فعاد عبد الله للنداء مغيراً صوته قائلاً : ما هذا الصوت الذي نسمعه يا أبا رافع ؟ قال لأمك الويل إن رجلاً في البيت ضربني بالسيف ، فعمد إليه فضربه أخرى لم تغن شيئاً فتوارى ، ثم جاءه كالمغيث وغير صوته ، فوجده مستلقياً على ظهره ، فوضع السيف في بطنه وتحامل عليه حتى سمع صوت العظم ثم خرج من البيت وكان نظره ضعيفاً ، فوقع من فوق السلم ، فانكسرت رجله فعصبها بعمامته ثم انطلق إلى أصحابه ، وقال : النجاة قُتِل والله أبو رافع ، فانتهوا إلى الرسول ، فحدثوه ثم قال لعبد الله : ابسط رجلك ، فمسحها عليه السلام فكأنه لم يشتكها قط ، وعادت أحسن ما كانت .
فانظر رعاك الله إلى ما كان عليه المسلمون من استسهال المصاعب ما دامت في إرضاء رسول الله عليه السلام فرضي عنهم وأرضاهم .
سرية عبد الله بن رواحه إلى خيبر
ولما قتل أبو رافع ولّى اليهود مكانه أسير بن رِزام ، فأرسل عليه السلام من يستعلم له خبره ، فجاءته الأخبار بأنه قال لقومه : سأصنع بمحمد ما لم يصنعه أحد قبلي ، أسير إلى غطفان فأجمعهم لحربه وسعى في ذلك .
فأرسل عليه السلام عبد الله بن رواحه الخزرجي في ثلاثين من الأنصار لاستمالته ، فخرجوا حتى قدموا خيبر وقالوا لأسير : نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له ، قال : نعم ولي مثل ذلك ، فأجابوه ثم عرضوا عليه أن يقدم على رسول الله وترك ما عزم عليه من حرب فيوليه الرسول على خيبر فيعيش أهلها بسلام ، فأجاب إلى ذلك وخرج في ثلاثين يهودياً كل يهودي رديف لمسلم ، وبينما هم في الطرق ندم أسير على مجيئه وأراد التخلص مما فعل بالغدر بمن آمَّنوه فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن رواحه فقال له : أغدراً يا عدو الله ! ثم نزل وضربه بالسيف فأطاح عامّة فخذه ولم يلبث أن هلك ، فقام المسلمون على من معهم من اليهود فقتلوهم عن آخرهم وهذا عاقبة الغدر .
قصة عُكْل وعُرَيْنَة
قدم على رسول الله في شوال جماعة من عكل وعرينة ، فأظهروا الإسلام وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا سقاماً ، مصفرةً ألوانهم ، عظيمة بطونهم ، فلم يوافقهم هواء المدينة ، فأمر لهم عليه السلام بذود من الإبل معها راع ، وأمرهم باللحوق بها في مرعاها ليشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا ، ولما تم شفاؤهم جازوا الإحسان كفراً فقتلوا الراعي ومثّلوا به واستاقوا الإبل .
فلما بلغ ذلك رسول الله أرسل وراءهم كرز بن جابر الفهري في عشرين فارساً ، فلحقوا بهم وقبضوا على جميعهم ، ولما جاءوا إلى المدينة أمر عليه السلام أن يُمثّل بهم كما مثلوا بالراعي ، فقطعت أيديهم وأرجلهم ، وسمرت أعينهم وألقوا بالحرة حتى ماتوا ، فهكذا يكون جزاء الخائن الذي لا ينتظر منه صلاح وعمل هؤلاء الشريرين مما يدل على فساد الأصل ولؤم العشيرة ، وقد نهى رسول الله عليه السلام بعد ذلك عن المُثْلة
سرية عمرو بن أمية الضمري إلى مكة لقتل أبي سفيان
جلس أبو سفيان بن حرب يوماً في نادي فقال : ألا رجل يذهب لمحمد فيقتله غدراً فإنه يمشي بالأسواق لنستريح منه ؟ فتقدم له رجل وتعهد له بما أراد ، فأعطاه راحلة ونفقة وجهزه ، فخرج الرجل حتى وصل إلى المدينة صبح سادسةٍ من خروجه ، فسأل عن رسول الله فدل عليه وهو بمسجد بني عبد الأشهل فلما رآه عليه السلام قال : إن هذا الرجل ليريد غدراً وإن الله ما نعي منه ، فذهب لينحني على الرسول ، فجذبه أسيد بن حضير من إزاره ، وهنالك سقط الخنجر ، فندم الرجل على فعلته ثم سأله عليه السلام عن سبب عمله فصدقه بعد أن توثق من حفظ دمه فخلى عليه السلام سبيله ، فقال الرجل : والله يا محمد ما كنت أخاف الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي ، ثم إنك اطّلعت على ما هممت بما لم يعلمه أحد ، فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق ، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان ثم أسلم .
وعند ذلك أرسل عليه السلام عمرو بن أميه الضمري وكان رجلاً جريئاً فاتكاً في الجاهلية وأصحبه برفيق ليقتلا أبا سفيان غيلة جزاء اعتدائه ، فلما قدما مكة توجها ليطوفا بالبيت قبل أن يؤديا ما أرسلا له فعَرَف عمْراً أحد رجال مكة فقال : هذا عمرو بن أمية ما جاء إلا بشر ، فلما رآهم علموا به لم يجد مناصاً من الهرب ، فاصطحب معه رفيقه ورجعا إلى المدينة . وكأن الله سبحانه أراد أن يعيش أبو سفيان حتى يُسَلِّم بيده مفاتيح مكة للمسلمين ويعتنق الدين الحنيفي القويم .
- التقويم :
-
ارو قصة إسلام ثمامة بن أثال الحنفي .
-
وضح كيف تقتدي بفعل ثمامة بن أثال مع قريش .
-
ما أسباب كلاً من : غزوة الغابة – غزوة بني لحيان .
-
ما الدروس التي تعلمتها شخصياً من ( غزوة الغابة – غزوة بني لحيان )
-
حدد الأسباب التي دعت النبي عليه السلام لانتداب من يقتل اليهودي أبو رافع سلام بن الحقيق .
-
كيف نجح ابن عتيك في مهمة قتل ابن الحقيق .
-
عدد سرايا النبي عليه السلام التي أرسلها في العام السادسة من الهجرة وأسباب كل سرية .
-
ما أهم الدروس المستفادة من سرايا النبي عليه السلام في العام السادسة من الهجرة .
-
أذكر قصة عكل وعرينة – وماذا تعلمت منها ؟ .
الحلقة
الخامسة
والعشرون
الحلقة الخامسة والعشرون
السنة السادســـة
صُلح الحُـــديبية
-
أسبابه
-
أحداثه
-
شروط الصلح
-
نتائجه
-
عبره
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يبين الدارس سبب الخروج للحديبية .
-
أن يبين الدارس موقف قريش من خروج الرسول صلى الله عليه وسلم .
-
أن يذكر الدارس أسماء سفراء قريش إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف تعامل الرسول مع كل منهم .
-
أن يوضح الدارس ما تعلمه من عبر ودروس من تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع سفراء كل قريش .
-
أن يبدى الدارس انطباعاته تجاه رفض عثمان الطواف بالبيت و النبي عليه السلام ممنوع .
رأى عليه السلام في نومه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين حالقين رؤوسهم ومقصرين ، فأخبر المسلمين أنه يريد العمرة ، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة ليكونوا معه حذراً من أن تردهم قريش عن عمرتهم ، ولكن هؤلاء الأعراب أبطأوا عليه لأنهم ظنوا أن لا ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً ، وتخلصوا بأن قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا . فخرج عليه السلام بمن معه من المهاجرين والأنصار تبلغ عدتهم ألفاً وخمسمائة وولى على المدينة ابن أم مكتوم ، وأخرج معه زوجه أم سلمة ، وأخرج الهديَ ليعلم الناس أنه لم يأت محارباً ، ولم يكن مع أصحابه شئ من السلاح إلا السيوف في القرب ، لأن الرسول لم يرضى أن يحملوا السيوف مجردة وهم معتمرون ، ثم سار الجيش حتى وصل عسفان ، فجاءه عينه يخبره أن قريشاً أجمعت رأيها أن يصدوا المسلمين عن مكة وأن لا يدخلوها عليهم عنوة أبداً ، وتجهزوا للحرب وأعدوا خالد بن الوليد في مائتي فارس طليعة لهم ليصدوا المسلمين عن التقدم .
فقال عليه السلام : هل من رجل يأخذ بنا على غير طريقهم ؟ فقال رجل من أسلم : أنا يا رسول الله ، فسار بهم في طريق وعرة ثم خرج بهم إلى مستوٍ سهل يملك مكة من أسفلها ، فلما رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى قريش وأخبرهم الخبر ، ولما كان عليه السلام بثنية المرار12 بركت ناقته فزجروها فلم تقم فقالوا : خلأت القصواء 13 فقال عليه السلام : ما خلأت وما ذلك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ، والذي نفس محمد بيده لا تدعوني قريش لخصلة فيها تعظيم حرمات الله إلا أجبتهم إليها ، مع أن المسلمين لو قاتلوا أعداءهم في مثل هذا الوقت لظفروا بهم ، ولكن كف الله أيدي المسلمين عن قريش وكف أيدي قريش عن المسلمين ، كيلا تنتهك حرمات البيت الذي أراد الله أن يكون حرماً آمناً يوطِّدُ المسلمون من جميع الأقطار دعائم أخوتهم فيه ، ثم أمرهم عليه السلام بالنزول أقصى الحديبية.
وهناك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي رسولاً من قريش يسأل عن سبب مجيء المسلمين ، فأخبره عليه السلام بمقصده فلما رجع بديل إلى قريش وأخبرهم بذلك لم يثقوا به لأنه من خزاعة الموالية لرسول الله كانت كذلك لأجداده ، وقالوا : أيريد محمد أن يدخل علينا في جنوده معتمراً تسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة ، وبيننا وبينهم من الحرب ما بيننا ؟ والله لا كان هذا أبداً ومنا عين تطرف ، ثم أرسلوا حليس بن علقمة سيد الأحابيش ( وهم حلفاء قريش ) ، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال : هذا من قوم يعظِّمون الهدي ابعثوه في وجهه حتى يراه ، ففعلوا واستقبله الناس يلبُّون ، فلما رأى ذلك حليس رجع وقال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا أتحج لخم وجذام وحمير ، ويمنع عن البيت بن عبد المطلب ؟ هلكت قريش ورب البيت ، إن القوم أتوا معتمرين ّّ، فلما سمعت قريش ذلك قالوا له : اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد ، ثم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف فتوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا محمد قد جمعت أوباش الناس ثم جئت إلى أهلك وعشيرتك لتفضَّها بهم ، إنها قريش قد خرجت تعاهد الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبداً ، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك ، فنال منه أبو بكر وقال : نحن ننكشف عنه ؟ ويحك . وكان عروة يتكلم وهو يمسّ لحية رسول لله صلى الله عليه وسلم ، فكان المغيرة بن شعبة يقرع يده إذا أراد ذلك ، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول أصحابه ، لا يتوضأ وضوءاً إلا كادوا يقتتلون عليه يتمسحون بهم ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدّون النظر إليه ، فقال : والله يا معشر قريش جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته ، فما رأيت ملكاً في قومه مثل محمد في أصحابه ، وقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً ، فانظروا رأيكم ، فإنه عرض عليكم رشداً فاقبلوا ما عرض عليكم ، فإني لكم ناصح مع أني أخاف ألا تنصروا عليه . فقالت قريش : لا تتكلم بهذا ، ولكن نرده عامنا ويرجع إلى قابل .
ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختار عثمان بن عفان رسولاً من عنده إلى قريش حتى يعلمهم مقصده ، فتوجه وتوجه معه عشرة استأذنوا الرسول في زيارة أقاربهم ، وأمر عليه السلام عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكة ، فيبشرهم بقرب الفتح وأن الله مظهر دينه ، فدخل عثمان مكة في جوار أبان بن سعيد الأموي فبلّغ ما حمل ، فقالوا إن محمداً لا يدخلها علينا عنوة أبداً ، ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت فقال : لا أطوف ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممنوع ، ثم إنهم حبسوه ، فشاع عند المسلمين أن عثمان قُتِلَ ، فقال عليه الصلاة والسلام حينما سمع ذلك : " لا نبرح حتى نناجزهم الحرب " .
بيعة الرضوان
-
أن يحدد الدارس على أي شئ بايع الصحابة النبي عليه السلام يوم الحديبية .
-
أن يعدد الدارس شروط صلح الحديبية .
-
أن يبرهن الدارس على أن شروط الصلح كانت لصالح المسلمين .
-
أن يعدد الدارس نتائج صلح الحديبية .
-
أن يبين الدارس كيف كانت حادثة أبو بصير نصراً وفتحاً للمسلمين .
-
أن يبرز الدارس مدى احترامه عليه السلام لعهوده مستشهدا بالاحداث التى واكبت صلح الحدبيية .
-
أن يبين الدارس دور أم سلمة في هذه الغزوة .
-
أن يستنتج الدارس العظات والعبر المستفادة من هذه الغزوة .
ودعا الناس للبيعة على القتال فبايعوه تحت شجرة هناك ( سميت بعد بشجرة الرضوان ) على الموت ، فشاع أمر هذه البيعة في قريش ، فداخلهم منها رعب عظيم ، وكانوا قد أرسلوا خمسين رجلاً عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر المسلمين لعلهم يصيبون منهم غرة ، فأسرهم حارس الجيش محمد بن مسلمة وهرب رئيسهم ، ولما علمت بذلك قريش جاء جمع منهم وابتدأوا يناوشون المسلمين حتى أسر منهم اثنا عشر رجلاً وقتل من المسلمين واحد.
صلح الحديبية
وعند ذلك خافت قريش وأرسلت سهيل بن عمرو للمكالمة في الصلح ، فلما جاء قال : يا محمد إن الذي حصل ليس من رأي عقلائنا بل شيء قام به السفهاء منا ، فابعث إلينا بمن أسرت ، فقال حتى ترسلوا من عندكم .
وعندئذ أرسلوا عثمان والعشرة الذين معه ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها قريش.
شروط الصلح :
-
وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات .
-
من جاء المسلمين من قريش يردونه ، ومن جاء قريشاً من المسلمين لا يلزمون برده.
-
أن يرجع النبي من غير عمرة هذا العام ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش ، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من السلاح إلا السيف في القراب والقوس .
-
من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه ، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه .
فقبل عليه السلام كل هذه الشروط . أما المسلمون فداخلهم منها أمر عظيم وقالوا : سبحان الله ! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلماً ولا يردون من جاءهم مرتداً ؟ فقال عليه السلام " إنه من ذهب منا إليه فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً "
أما الأمر الثالث وهو صد المسلمين عن الطواف بالبيت فكان أشد تأثيراً في قلوبهم لأن الرسول أخبرهم أنه رأي في منامة أنهم دخلوا البيت آمنين . وقد سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال رضي الله عنه : وهل ذكر أنه في هذا العام ؟ ثم كتبت شروط الصلح بين الطرفين وكان الكاتب علي بن أبي طالب فأملاه عليه السلام : بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل : اكتب باسمك اللهم ، فأمره الرسول بذلك ، ثم قال : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ، فقال سهيل : لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك اكتب محمد بن عبد الله ، فأمر عليه السلام علياً بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله فامتنع ، فمحاها النبي بيده وكتبت نسختان نسخة لقريش ونسخة للمسلمين .
وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو جندل بن سهيل يحجل في قيوده وكان من المسلمين الممنوعين من الهجرة ، فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه ، فقال عليه السلام : اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ، إنا قد عقدنا بين القوم صلحاً وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهداً فلا نغدر بهم .
هذا وقد دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله ، ودخل بنو بكر في عهد قريش . ولما انتهى الأمر أمر عليه السلام أصحابه أن يحلقوا رءوسهم وينحروا الهدي ليتحللوا من عمرتهم فاحتمل المسلمون من ذلك هماً عظيماً حتى إنهم لم يبادروا . بالامتثال فدخل عليه السلام على أم المؤمنين أم سلمة وقال لها : هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا فقالت : يا رسول الله اعذرهم فقد حملت نفسك أمراً عظيماً في الصلح ، ورجع المسلمون من غير فتح ، فهم لذلك مكروبون ، ولكن اخرج يا رسول الله وابدأهم بما تريد فإذا رأوك فعلت تبعوك . فتقدم عليه السلام إلى هديه فنحره ودعا بالحلاق فحلق رأسه ، فلما رآه المسلمون توثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا ، ثم رجع المسلمون إلى المدينة قد أمن كل فريق الآخر .
ولما قرّ قرارهم جاءتهم مهاجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أخت عثمان لأمه ، فطلبها المشركون فقالت : يا رسول الله إني امرأة وإن رجعت إليهم فتنوني في ديني ، فأنزل الله في سورة الممتحة ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم ) سورة الممتحنة 1.
فكانت المرأة المهاجرة تستحلف أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض ولا من بغض زوج ولا لالتماس دنيا ولا لرجل من المسلمين وما خرجت إلا حباً لله ولرسوله ومتى حلفت لا ترد بل يعطي لزوجها المشرك ما أنفقه عليها ويجوز للمسلم تزوجها .
وفي الآية تحريم إمساك الزوجة الكافرة بل ترد إلى أهليها بعد أن يعطوا ما أنفقوا عليها .
وقد تمكن أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي رضي الله عنه من الفرار إلى رسول الله ، فأرسلت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه ، فأمره عليه السلام بالرجوع معهما ، فقال : يا رسول الله أتردني إلى الكفار يفتنونني في ديني بعد أن خلصني الله منهم ؟ فقال : إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجاً ، فلم يجد بداً من اتباعه فرجع مع صاحبيه ولما قارب ذا الحليفة عدا على أحدهما فقتله وهرب منه الآخر فرجع إلى المدينة وقال : يا رسول وفت ذمتك أما أنا فنجوت . فقال له : اذهب حيث شئت ولا تقم بالمدينة .
فذهب إلى محل بطريق الشام تمر به تجارة قريش فأقام به واجتمع معه جمع ممن كانوا مسلمين بمكة ونجوا ، وسار إليه أبو جندل بن سهيل واجتمع إليه جمع من الأعراب وقطعوا لطريق على تجارة قريش حتى قطعوا عنهم الأمداد ، فأرسل رجال قريش لرسول الله يستغيثون به في إبطال هذا الشرط ويعطونه الحق في إمساك من جاءه مسلماً ، فقبل منهم ذلك وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمة التي لم يتمكنوا من تحملها في الحديبية حينما أمرهم عليه السلام برد أبي جندل ، وعلموا أن رأي رسول الله أفضل وأحسن من رأيهم حيث كان فيه أمن تسبب عنه اختلاط الكفار بالمسلمين فخالطت بشاشة الإسلام قلوبهم ، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه : ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية ولكن الناس قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه ، والعباد يعجلون والله لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد .
وفي رجوعه عليه السلام من الحديبية نزلت عليه سورة الفتح وقال سبحانه في أولها ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) . وفي تسمية هذه الغزوة بالفتح المبين تصديق لما قدمنا لك عن الصدّيق .
نتائج صلح الحديبية :
-
اعتراف قريش رسمياً بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه أصبحوا أمة لها كيانها ، ومن حقهم زيارة البيت الحرام ، وللقبائل الأخرى الحرية في الانضمام إليهم ، كما فعلت قبيلة خزاعة .
-
تمكن المسلمون من دعوة الناس إلى الإسلام ، وأسلم في السنتين التاليتين للصلح أكثر من الذين أسلموا في الثمانية عشر عاماً الماضية .
-
كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يواجه جبهتين ، الأولى جبهة قريش في مكة ، والثانية جبهة اليهود في خيبر ، فلما عقد صلح الحديبية مع قريش تفرغ للقضاء على جبهة اليهود في خيبر.
-
كان هذا الصلح تمهيداً لفتح مكة ، وقد بشَّر الله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه بذلك ، وهم عائدون إلى المدينة ، بقوله تعالى : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويُتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزا (14).
عبر هذا الصلح :
-
التريث في فهم الأمور ، وتحليلها التحليل السليم طريق النجاح .
-
الثقة بالقيادة المسلمة الملتزمة بكتاب الله طريق إلى النصر .
-
حبُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإيمان بأنه لا ينطق عن الهوى .
4- الهدنة إلى أمد معلوم جائزة بين المسلمين وغيرهم ، إذا حققت مصلحة للمسلمين .
5- الحرص على أداء العمرة ، اقتداء بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومقاومة من يصدُ المسلمين عن زيارة البيت الحرام .
6- التحلي باليقظة والحذر ، والإحاطة التامة بما يدبر للإسلام والمسلمين ، والعمل على إحباطه بالوسائل المناسبة .
التقويم
1- متى خرج المسلمون في صلح الحديبية ؟ وكم كان عددهم ؟
2- رحلة الحديبية كانت رحلة سلام ... أيد ذلك .
3- علل لما يأتي :
-
قرار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعدم المضي في الطريق الذي عسكرت عليه قوات خالد بن الوليد.
-
إرسال قريش رُسُلها لمفاوضة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
4- أكمل ما يأتي :
-
الذين ذهبوا من قبل قريش لمفاوضة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هم : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . .
-
عاد رسل قريش ، وقد أخبرها كل واحد منهم بأن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . .
5- ضع علامة () أمام ما تراه صحيحاً ، وعلامة () أمام ما تراه خطأ مع تصحيح العبارات الخطأ :
-
قائد دوريات الحراسة للمسلمين في الحديبية هو أبو بكر الصديق.
-
الذي عقد صلح الحديبية مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو ( سُهيل بن عمرو ).
-
تفرغ المسلمون بعد صلح الحديبية لمواجهة يهود خيبر .
-
نزلت سورة الفتح قبل خروج المسلمين لصلح الحديبية .
6- وضح ما تعلمته من عبر ودروس من تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع سفراء كل قريش .
7- ما انطباعاتك تجاه رفض عثمان الطواف بالبيت و النبي عليه السلام ممنوع .
8- حدد على أي شئ بايع الصحابة النبي عليه السلام يوم الحديبية .
9- عدد شروط صلح الحديبية .
10- برهن على أن شروط الصلح كانت لصالح المسلمين .
11- عدد نتائج صلح الحديبية .
12- بين كيف كانت حادثة أبو بصير نصراً وفتحاً للمسلمين .
13- وضح مدى احترامه عليه السلام لعهوده مستشهدا بالأحداث التى واكبت صلح الحدبيية .
14- لأم سلمة زوجة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دور عظيم في صلح الحديبية – وضح ذلك .
15- ما العبر التي تعلمتها من أحداث صلح الحديبية .
الحلقة
السادسة
والعشرون
الحلقة السادسة والعشرون
الرسائل والفتوح
-
أن يدلل الدارس على أن رسالة الإسلام عالمية .
-
أن يوضح الدارس الدور الذي قام به الصحابة في الدعوة إلى الله تعالى .
-
أن يبين الدارس العبرة من إرسال الكتب إلى الملوك .
-
أن يستنبط الدارس العبر من حديث أبي سفيان مع قيصر .
-
أن يستنتج الدارس القيم المستفادة من خطاب المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
-
أن يعدد الدارس نتائج إرسال الكتب إلى الملوك .
7. أن يدلل الدارس على حسن تربية النبي عليه السلام لأصحابه مستدلاً بمواقفهم أمام ملوك الأرض .
الإسلام رسالة للناس كافة :
كان كل رسول يُرسل إلى قومه خاصة ، أما محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد أرسله الله للناس كافة ، وأكد ذلك في عدة مواضع من السور المكية منها قوله تعالى :
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً (15) .
وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً (16)
وأكده أيضاً في السور المدنية ، فقال : قل يا أيها الناس إنما أن لكم نذير مبين (17).
وقد شغل الرسول بعد الهجرة ، بتثبيت قواعد المجتمع الإسلامي ، وبناء دولة الإسلام في المدينة ، وتكوين قوة عسكرية تفرض هيبة الإسلام واحترامه على المجاورين له ، وإحباط مؤامرات اليهود ، والقضاء على نفوذهم في المدينة ، وصد عدوان قريش ، والقضاء على مؤامراتها ضد الإسلام ، فلما تم له ذلك ، وعقد صلح الحديبية سيَّر الدعاة إلى نواحي الجزيرة العربية ، يدعون الناس إلى الإسلام ، وشرع في إعطاء الإسلام دوره الدولي والعالمي ، فأرسل إلى ملوك العالم وأمرائه ، يدعوهم إلى الدخول في الإسلام ، وتمكين شعوبهم من الاهتداء به .
تهيئة الصحابة لهذا الدور :
لما عزم الرسول على توجيه الدعوة إلى الملوك ، والأمر خارج الجزيرة العربية ، خرج على أصحابه ذات يوم ، وقال لهم : " أيها الناس : إن الله قد بعثني رحمة وكافة ، فلا تختلفوا عليَّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم فقال أصحابه : وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله ؟
قال : " دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه ،، فأما من بعثه مبعثاً قريباً فرضي وسلَّم ، وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فكَرِه وجهه وتثاقل (18) . ثم ذكر أنه مُرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي وغيرهم يدعوهم إلى الإسلام .
فأجابه أصحابه لما أراد ، واستعدوا للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه ، مهما واجههم في سبيلها ، ومهما كانت النتائج .
مكاتبة الملوك
بعد رجوع المسلمين من الحديبية في أواخر سنة ست وأمن الطريق من قريش كاتب عليه السلام ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام واتخذ إذ ذاك خاتماً من فضة يختم به خطاباته وكان نقشه ( محمد رسول الله ) فوجه دحية الكلبي بكتاب إلى قيصر ملك الروم ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليوصله إلى الملك .
كتاب قيصر
وكان في الكتاب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى : أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسين19 ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) آل عمران 64 .
حديث أبي سفيان :
ولما وصل هذا الكتاب قيصر قال : انظروا لنا من قومه أحداً نسأله عنه وكان أبو سفيان بن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة فجاءت رسل قيصر لأبي سفيان ودعوه لمقابلة الملك فأجاب .
ولما قدموا عليه في القدس قال لترجمانه : سلهم أيهم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان : أنا لأنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره .
فقال قيصر : ادن مني ثم أمر بأصحابه فجعلوا خلف ظهره ثم قال لترجمانه : قل لأصحابه إنما قدّمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ، وقد جعلتكم خلفه كيلا تخجلوا من ردّ كذبه عليه إذا كذب
ثم سأله : كيف نسب هذا الرجل فيكم
قال : هو فينا ذو نسب .
قال : هل تكلم بهذا القول أحد منكم قبله ؟ قال : لا .
قال : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا .
قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قال : لا .
قال : فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم .
قال : فهل يزيدون أم ينقصون ؟ قال : بل يزيدون .
قال : هل يرتّد أحدُ منهم سخطة لدينه ؟ قال : لا .
قال هل يغدر إذا عاهد ؟ قال : لا . ونحن الآن منه في ذمة لا ندري ما هو فاعل فيها .
قال : فهل قاتلتموه ؟ قال : نعم .
قال : فكيف حربكم وحربه ؟ قال : الحرب بيننا وبينه سجال مرة لنا ومرة علينا .
قال : فيم يأمركم ؟ قال : يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً وينهى عما كان يعبد آباؤنا ويأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة .
فقال الملك : إني سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها .
وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فزعمت أن لا ، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتم بقول قيل قبله .
وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ، فزعمت أن لا ، فقلت ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله .
وسألتك هل كان من آبائه من ملك ؟ فقلت لا ، فلو كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه .
وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فقلت ضعفاؤهم ، وهم أتباع الرسل .
وسألتك : هل يزيدون أم ينقصون ؟ فقلت بل يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم .
وسألتك : هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه ؟ فقلت لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب .
وسألتك : هل قاتلتموه ؟ فقلت نعم ، وإن الحرب بينكم وبينه سجال ، وكذلك الرسل تبتلى ثم يكون لهم العاقبة
وسألتك : بماذا يأمر فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
وسألتك : هل يغدر ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الرسل لا تغدر .
فعلمت أنه نبي ، وقد علمت أنه مبعوث ، ولم أظن أنه فيكم ، وإن كان ما كلمتني به حقاً ، فسيملك موضع قدمي هاتين ، ولو أعلم أني أخلص إليه لتكلفت ذلك .
قال أبو سفيان : فعلت أصوات الذين عنده وكثر لغطه ، فلا أدري ما قالوا ، وأمر بنا فأخرجنا فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال : لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر !
ولما سار قيصر إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له ( قصر ) ثم أمر بأبوابها فأغلقت . ثم قال : يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها مغلقة فلما رأى قيصر نفرتهم قال : ردوهم علي فقال لهم : إني قلت مقالتي أختبر بها شدتكم على دينكم ، فسكتوا له ورضوا عنه ، فغلبه حب ملكه على الإسلام فذهب بأثمه وإثم رعيته كما قال عليه الصلاة والسلام ولكنه ردّ دحية ردّاً جميلاً .
كتاب أمير بُصرى
وأرسل عليه السلام الحارث بن عمير الأزدي إلى أمير بصرى ، فلما بلغ مؤتة وهي قرية من عمل البلقاء بالشام ، تعرض له شرحبيل بن عمر الغساني فقال له : أين تريد ؟ قال : الشام قال : لعلك من رسل محمد قال : نعم ، فأمر به فضربت عنقه . ولم يقتل لرسول الله عليه الصلاة والسلام رسول غيره وقد وجد لذلك وجداً شديداً .
كتاب الحارث بن أبي شمر
ووجه عليه السلام شجاع بن وهب إلى أمير دمشق من قبل هرقل : الحارث ابن أبي شمر وكان يقيم بغوطتها وفيه ( بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر ، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله وصدق ، وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده ولا شريك له يبق ملكك ) فلما قرأ الكتاب رمى به ، وقال : من ينزع ملكي مني واستعد ليرسل جيشاً لحرب المسلمين ، وقال لشجاع : أخبر صاحبك بما ترى ، ثم أرسل إلى قيصر يستأذنه في ذلك ، وصادف أن كان عنده دحية فكتب قيصر إليه يثنيه عن هذا العزم ويأمر أن يهيئ بإيليا ما يلزم لزيارته ، فإنه بعد أن قهر الفرس نذر زيارتها ، فلما رأى الحارث كتاب قيصر صرف شجاع بن وهب بالحسني ، ووصله بنفقة وكسوة .
كتاب المقوقس
ووجه عليه السلام حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى المقوقس أمير مصر من جهة قيصر ، وكان فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن توليت فإنما عليك إثم القبط ، ( يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة .. الآية ) آل عمران 64.
فأوصله له حاطب بإسكندرية ، فلما قرأه قال : ما منعه إن كان نبياً أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده ؟ فقال حاطب ألست تشهد أن عيسى ابن مريم رسول الله ، فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه ألا يكون دعا عليهم أن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه ؟ قال : أحسنت أنت حكيم جاء من عند حكيم . ثم قال : إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدت أنه لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه ، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكذاب ، ووجدت معه آلة إخراج الغائب المستور والإخبار بالنجوى وسأنظر .
ثم كتب رد الجواب يقول فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم : لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليك ، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبياً قد بقي ، وكنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط وبثياب وأهديت إليك بغلة تركبها والسلام ) .
وإحدى الجاريتين مارية التي تسرى بها عليه الصلاة والسلام وجاء منها ولده إبراهيم ، والأخرى أعطاها لحسان بن ثابت ولم يسلم المقوقس .
كتاب النجاشي
ووجه عليه السلام عمرو بن أمية الضمري بكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة وفيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة سلام عليك . أما بعد : فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتوقن بالذي جاءني فإني رسول الله ، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فأقبلوا نصيحتي والسلام على من اتبع الهدى ) .
ولما وصله الكتاب احترمه غاية الاحترام ، وقال لعمرو إني أعلم والله أن عيسى بشر ولكن أعواني بالحبشة قليل فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب . وقد عرض عمرو على من بقي من مهاجري الحبشة الرجوع إلى رسول الله بالمدينة وكان من المهاجرين أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج عبيد الله بن جحش الذي كان قد أسلم وهاجر بها ولكن قد غلبت عليه الشقاوة فتنصر فتزوج عليه السلام أم حبيبة وهي بالحبشة والذي زوجها له النجاشي بتوكيل منه عليه السلام .
كتاب كسرى
ووجه عليه السلام عبد الله بن حذافة الشهمي بكتاب إلى كسرى ملك الفرس وفيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، أدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ، أسلم تسلم فإن أبيت فإنما عليك إثم المجوس ) فلما وصله الكتاب مزقه استكباراً ، ولما بلغه عليه السلام ذلك قال : ( مزّق الله ملكه كل ممزّق ) وقد فعل فكانت مملكته أقرب الممالك سقوطاً وقد بدأ هذا الشقي بالعدوان فأرسل لعامله باليمن أن يوجه إلى الرسول من يأتي به إليه ، فعاجله الله بقيام ابنه شيرويه عليه وقَتْلِهِ له ثم أرسل لعامله باليمن ينهاه عمّا أمره به أبوه .
كتاب المنذر بن ساوى
ووجه عليه السلام العلاء بن الحضرمي بكتاب إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين يدعوه فيه إلى الإسلام وفيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم أسلم أنت ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد : فإن من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ذمة الله وذمة الرسول ، من أحب ذلك من المجوس فإنه آمن ، ومن أبى فإن عليه الجزية ) .
فأسلم وكتب في رد الجواب ( أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ، ومنهم من كرهه وبأرضي مجوس ويهود فأحدث إلىّ في ذلك أمرك ) .
فكتب إليه عليه السلام : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك لا إله إلا هو أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله . أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه ، وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني ، ومن نصح لهم فقد نصح لي ، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيراً ، وإني شفعتك في قومك فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه ، وعفوت عن أهل الذنوب فأقبل منهم ، وإنك مهما تصلح فلن نغيرك عن عملك ، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية )
كتاب ملكى عمان
ووجه عليه السلام عمرو بن العاص بكتاب إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ملكي عمان وفيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوكما بدعاية الإسلام ، أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّاً ويحق القول على الكافرين ، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما فإن ملككما زائل ، وخيلي تحلّ بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما ) .
فلما دخل بناديهما عمرو سأله عبد بن الجلندي عمّا يأمر به الرسول وينهى عنه ، فقال : يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته ، ويأمر بالبر وصلة الرحم ، وينهى عن الظلم والعدوان والزنا وشرب الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب فقال ما أحسن هذا الذي يدعو إليه ، ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن محمد ونصدق به ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ويصير تابعاً .
قال عمرو إن أسلم أخوك ملكه رسول الله على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم . فقال عبد : إن هذا الخلق حسن . وما الصدقة ؟ فأخبره بما فرض الله من الصدقات في الأموال ، ولما ذكر المواشي قال : يا عمرو يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد المياه ؟ قال : نعم ، فقال عبد : والله ما أرى قومي على بعد دارهم وكثرة عددهم يرضون بهذا . ثم إن عبداً أوصل عمراً لأخيه جيفر فتكلم معه عمرو بما ألان قلبه حتى أسلم هو وأخوه ومكّناه من الصدقات .
كتاب هوذة بن علي
ووجه عليه السلام بن عمرو العامري بكتاب إلى هوذة بن علي ملك اليمامة وفيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي . سلام على من اتبع الهدى واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر ، فأسلم تسلم ، وأجعل لك ما تحت يديك ) .
فلما جاء الكتاب كتب في رده ( ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتبعك ) .
ولما بلغ ذلك رسول الله قال : لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت ، باد وباد ما في يديه ، فلم يلبث أن مات مُنصَرَف الرسول عليه السلام من فتح مكة ، وكان عليه السلام يولي على كل قوم قبلوا الإسلام كبيرهم .
نتائج إرسال الرسل والكتب :
-
حققت هذه المكاتبات حملة إعلامية للإسلام ، على المستوى الدولي ، فدعت الناس جميعاً إليه ، ووضحت أنه ليس خاصاً بالجزيرة العربية وحدها ، بل هو دين للبشرية كلها .
-
أدت إلى انتشار الإسلام في بعض الجهات كما حدث في اليمن ، وإلى أصدقاء له كما حدث في مصر ، وإلى زيادة إيمان المسلمين بدينهم ، حينما وجدوا الملوك لم يتألبوا على رسول الله ، بل رد عليه أكثرهم برقة واحترام .
-
استبشر مشركو مكة أول الأمر ، حينما بلغهم تمزيق كسرى لرسالة الرسول ، وقال بعضهم لبعض : كُفيتم الرجل ، فقد نصب له كسرى ملك الملوك .
ولما انتقم الله من كسرى ، وانتشر الإسلام في اليمن وعُمان ، والبحرين ، ارتد استبشار المشركين خذلاناً ، وفكرت قبائل كثيرة في تغيير مواقفها من الإسلام.
-
عرف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ سياسة هؤلاء الملوك والرؤساء نحوه وموقفهم من الإسلام ، فبنى خططه نحوهم على أساس هذه المعرفة .
التقويم
-
دلل على أن رسالة الإسلام عالمية .
-
وضح الدور الذي قام به الصحابة في الدعوة إلى الله تعالى .
-
بين العبرة من إرسال الكتب إلى الملوك .
-
استنبط العبر من حديث أبي سفيان مع قيصر .
-
استنتج القيم المستفادة من خطاب المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
-
أذكر نتائج إرسال الكتب إلى الملوك .
-
دلل على حسن تربية النبي عليه السلام لأصحابه مستدلاً بمواقفهم أمام ملوك الأرض .
-
ما أهم عقبة وقفت في طريق إسلام الملوك الذين بعث إليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتبه ؟
-
ما الذي تستنتجه من خطاب ( المقوقس ) إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟
-
اقرأ كتب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحدد منها ما يدل على ما يأتي :
-
-
من أدرك من أهل الكتاب محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآمن به فله أجران .
-
على الدعاة أن يلينوا القول لمن يدعونهم إلى الإسلام .
-
-
ما العناصر الأساسية في الرسائل النبوية ، إلى ملوك الأرض ؟ دلل على ما تقول .
-
ضع المناسب من علامة () أو علامة () أمام ما يأتي :
-
عمرو بن أمية الضمري حمل خطاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى النجاشي .
-
دحية بن خليفة الكلبي حمل كتاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المقوقس .
-
لما وصل كتاب النبي إلى ( كسرى ) غضب ومزق الكتاب .
13- ما موقف مشركي مكة من كتب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الملوك ؟
الحلقة
السابعة
والعشرون
الحلقة السابعة والعشرون
السنة السابعة
غزوة خيبر
- الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس أسباب قيام النبي عليه السلام بغزو يهود خيبر .
-
أن يرسم الدارس صورة لمدى قوة ومناعة حصون خيبر .
-
أن يبرز الدارس مدى صعوبة القتال يوم خيبر و حسن بلاء الصحابه .
-
أن يبين الدارس كيف كانت خيبر فتحاً عظيماً للمسلمين من كل النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية .
-
أن يحدد الدارس المدة التي قضاها المسلمون مهاجرون في الحبشة .
-
أن يبرز الدارس جهود النبي عليه السلام فى تطهير جيوب اليهود الأخرى بعد فتح خيبر .
-
أن يروي الدارس الحوار الذي دار بين النبي عليه السلام وخالد بن الوليد عند إسلامه .
-
أن يبين الدارس ما الذي استفاده من قول النبي عليه السلام لأسامة بن زيد "فكيف بلا إله إلا الله " .
-
أن يستخلص الدارس الدروس المستفادة من عمرة القضاء .
وفي محرم السنة السابعة أمر عليه السلام بالتجهيز لغزو يهود خيبر الذين كانوا مهيِّجٍ للأحزاب ضد رسول الله في غزوة الخندق ، والذين لا يزالوا مجتهدين في محالفة الأعراب ضد رسول الله كما قدمنا ذلك في قصة كعب بن الأشرف ، وقد استنفر رسول الله لذلك من حوله من الأعراب الذين كانوا معه بالحديبية وجاء المخلفون عنها ليؤذن لهم فقال عليه السلام لا تخرجوا معي إلا رغبة في الجهاد أما الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئاً وأمر منادياً ينادي بذلك.
ثم خرج عليه السلام بعد أن ولى على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وكان معه من أزواجه أم سلمة ، ولما وصل جيش المسلمين إلى خيبر التي تبعد عن المدينة نحو مائة ميل من الشمال الغربي رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء ، فقال عليه السلام : ( ارفقوا بأنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم ) .
وكانت حصون خيبر ثلاثة منفصلاً بعضها عن بعض ، وهي : حصون النطاة وحصون الكثيبة وحصون الشق .
والأولى ثلاثة : حصن ناعم وحصن الصعب وحصن قلة .
والثانية حصنان : حصن أبي ، وحصن البر يء .
والثالثة ثلاث حصون : حصن القموص ، وحصن الوطيح ، وحصن السُلالم .
فبدأ عليه السلام بحصون النطاة وعسكر المسلمون شرقيها بعيداً عن مدى النبل ، وأمر عليه السلام أن يقطع نخلهم ليرهبهم حتى يسلموا ، فقطع المسلمون نحو أربعمائة نخلة .
ولما رأى عليه السلام تصميم اليهود على الحرب نهى عن القطع ، ثم ابتدأ القتال مع حصن ناعم بالمرماة ، وكان لواء المسلمين بيد أحد المهاجرين فلم يصنع في ذلك اليوم شيئاً ، وفيه مات محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة ، وصار عليه السلام يغدو كل يوم مع بعض الجيش للمناوشة ويخلّف على العسكر أحد المسلمين .
حتى إذا كانوا في الليلة السابعة ظفر حارس الجيش وهو عمر بن الخطاب بيهودي خارج في جوف الليل ، فأتى به رسول الله عليه السلام ، ولما أدرك الرجل الرعب قال : أن أمنتموني أدلكم على أمر فيه نجاحكم . فقالوا : دلّنا فقد أمناك . فقال : إن أهل هذا الحصن أدركهم الملال والتعب ، وقد تركتهم يبعثون بأولادهم إلى حصن الشق ، وسيخرجون لقتالكم غداً ، فإذا فتح عليكم هذا الحصن غداً فإني أدلكم على بيت فيه منجنيق ودبابات ، ودروع وسيوف يسهل عليكم بها فتح بقية الحصون فإنكم تنصبون ويدخل الرجال تحت الدبابات فينقبون الحصن فتفتحه من يومك ، فقال عليه السلام لمحمد بن مسلمة : سنعطي الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبّانه . فبات المهاجرون والأنصار كلهم يتمنونها حتى قال عمر بن الخطاب : ما تمنيت الإمارة إلا ليلتئذ . فلما كان الغد سأل عليه السلام عن علي بن أبي طالب فقيل له أنه أرمد فأرسل من يأتيه به ، ولما جاء تفل في عينيه فشفاهما الله كأن لم يكن بهما شئ ، ثم أعطاه الراية ، فتوجه مع المسلمين للقتال وهناك وجدوا اليهود متجهزين ، فخرج يهودي يطلب البراز فقتله علي ثم خرج مرحب وهو أشجع القوم ، فألحقه برفيقه ، فخرج أخوه ياسر فقتله الزبير بن العوام .
ثم حمل المسلمون على اليهود حتى كشفوهم عن مواقفهم وتبعوهم حتى دخلوا الحصن بالقوة وانهزم الأعداء إلى الحصن الذي يليه وهو حصن الصعب .
وغنم المسلمون من حصن ناعم كثيراً من الخبز والتمر ، ثم تتبعوا اليهود إلى حصن الصعب فقاتل عنه اليهود قتالاً شديداً حتى رد عنه المسلمون ، ولكن ثبت الحباب بن المنذر ومن معه وقاتلوا قتالاً شديداً حتى هزموا اليهود ، فتبعوهم حتى افتتحوا عليهم الحصن ، فوجدوا فيه غنائم كثيرة من الطعام فأمر عليه السلام منادياً يقول : كلوا واعلفوا بدوابكم ولا تأخذوا شيئاً .
ثم إن الذين انهزموا من هذا الحصن ساروا إلى حصن قلة ، فتبعهم المسلمون وحاصروهم ثلاثة أيام حتى استصعب عليهم فتحه ، وفي اليوم الرابع دلّهم يهودي على جداول الماء التي تستقي منها فمنعوها عنهم فخرجوا وقاتلوا قتالاً شديداً انتهى بهزيمتهم إلى حصون الشق .
فتبعهم المسلمون ، وبدأوا بحصن أبي فخرج أهله وقاتلوا قتالاً شديداً أبلى فيه أبو دجانة الأنصاري بلاء حسناً حتى تمكن من دخول الحصن عنوة ، ووجد المسلمون فيه أثاثاً كثيراً ومتاعاً وغنماً وطعاماً ، وهرب المنهزمون منه إلى حصن البرئ فتمنّعوا به أشد التمنّع . وكان أهله أشدّ اليهود رمياً بالنبل والحجارة حتى أصاب رسول الله بعض منه فنصب المسلمون عليه المنجنيق فوقع في قلب أهله الرعب ، وهربوا منه من غير عناء شديد . فوجد فيه المسلمون أواني لليهود من نحاس وفخار فقال عليه السلام : اغسلوها واطبخوا فيها .
ثم تبع المسلمون بقايا العدو إلى حصون الكتيبة وبدأوا بحصن القموص ، فحاصروه عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد علي بن أبي طالب ، ومنه سبيت صفية بنت حيي بن أخطب.
ثم سار المسلمون لحصار حصني الوطيح والسلالم ، فلم يقاوم أهلهما بل سلّموا طالبين حقن دمائهم ، وأن يخرجوا من أرض خيبر بذراريهم لا يصطحب الواحد منهم إلا ثوباً واحداً على ظهره فأجابهم رسول الله إلى ذلك .
وغنم المسلمون من هذين الحصنين مائة درع وأربعمائة سيف وألف رمح وخمسمائة قوس عربية ووجدوا صحفاً من التوراة فسلموها لطالبيها .
وقد أمر عليه السلام بقتل كنانة بن أبي الحقيق لأنه أنكر حلي حيي بن أخطب ، وقد عثر عليها المسلمون فوجدوا فيها أساور ودمالج وخلاخيل وقراطة وخواتيم الذهب وعقود الجواهر والزمرد وغير ذلك
هذا والذين استشهدوا من المسلمين بخيبر خمسة عشر رجلاً وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً .
وفي هذه الغزوة أهدت إحدى نساء اليهود كراع شاة مسمومة لرسول الله فأخذ منها مضغة ثم لفظها حيث أُعلم أنها مسمومة وأكل بشر بن البراء فمات لوقته ، واحتجم رسول الله عليه السلام وجئ له بالمرأة التي فعلت هذه الفعلة فسألها عن سبب ذلك فأجابت : قلت إن كان نبياً لن يضره وإن كان كاذباً أراحنا الله منه ، فعفا عنها عليه السلام .
زواج صفية
وبعد تمام الظفر والنصر تزوج عليه السلام صفية بنت حيي سيد بني النضير وأصدقها عتقها ، وقد أسلمت رضي الله عنها فشرفت بأمومة المؤمنين .
النهي عن نكاح المتعة
ونهى عليه السلام وهو بخيبر عن نكاح المتعة ، وهو النكاح لأجل وقد كان حلالاً في الجاهلية واستعمل في بدء الإسلام حتى حرمه الشرع في هذه السنة ، ونهى كذلك عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، فأكفأ المسلمون قدورها بعد أن نضجت ولم يطعموها .
فتح فدك
وبعد تمام الفتح أرسل عليه السلام من يطلب من يهود فدك الانقياد والطاعة فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم ويتركوا الأموال . وكانت أرض فدك هده لرسول الله خاصة ينفق منها على نفسه ويعول منها صغير بني هاشم ويزوج منها أيّمهم .
صلح تيماء
ولما بلغ يهود تيماء ما فعله المسلمون بيهود خيبر صالحوا على دفع الجزية ومكثوا في بلادهم آمنين مطمئنين
فتح وادي القرى
ثم دعا عليه السلام يهود وادي القرى إلى الاستسلام فأبوا وقاتلوا فقاتلهم المسلمون وأصابوا منهم أحد عشر رجلاً ، وغنموا منهم مغانم كثيرة ، خمسها عليه السلام ، وترك الأرض في أيدي أهلها يزرعونها بشرط ما يخرجون منها
كذلك صنع بأرض خيبر وكان يرسل إليهم عبد الله بن رواحة لتقدير الثمر وكان تقديره شديداً عليهم فأرادوا أن يرشوه فقال لهم : يا أعداء الله تعطوني السحت ! والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلىّ ولأنتم أبغض إلىّ من القردة والخنازير ، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل .
هذا وبانقياد جميع اليهود المجاورين للمدينة ارتاح المسلمون من شر عدو كان يتربص بهم الدوائر مهما كان بين الفريقين من العهود والمواثيق ، ورجع المسلمون مؤيدين ظافرين .
رجوع مهاجري الحبشة
وحين رجوع المسلمين من خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه الأشعريون أبو موسى وقومه بعد أن أقاموا فيها نحو من عشر سنين آمنين مطمئنين ، وفرح عليه السلام بمقدمهم فرحاً عظيماً ، وأعطى للأشعريين من مغانم الحصون المفتوحة صلحاً .
وكان مع جعفر أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين وقدم في هذا الوقت على النبي عليه السلام الدوسيون إخوان أبي هريرة رضي الله عنه وهو معهم فأعطاهم أيضاً رسول الله عليه السلام .
نتائج غزوة خيبر :
-
بعد عزل قريش بصلح الحديبية ، لم يبق في صف المنافقين إلا اليهود ، لهذا أخبرهم رأسُ المنافقين " عبد الله بن أُبي " بقدوم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم ولكنَّ خطَّته لم تُفلح فانتصر المسلمون على اليهود في خيبر ، ومن ثم انكسرت شوكة المنافقين ، وفقدوا كل حلفائهم مما زادهم ذلة ومهانة .
-
كانت قريش تترقب أنباء هذه الغزوة ، ومن شدة اهتمامها بها كان نفر منها يخرج إلى أطراف مكة ليستطلع أنباء هذه المعارك ، وتراهنوا على من سينتصر في هذه المعركة ، حتى وصل الرِّهان إلى مئة ناقة ،ولكن بعد أن علموا بانتصار المسلمين انقطع أملهُم بهذا الانتصار وسقطت مهابتُهم بين العرب ، في حين ارتفع ذكر المسلمين بين القبائل .
-
سقوط اليهود في خيبر يعتبر نهايتهم سياسياً في الجزيرة العربية ، فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك .
-
فتح خيبر كان خيراً على المسلمين لكثرة الغنائم التي غنموها ، وبشارة الغنائم مسبقاً في قوله تعالى : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه (20) .
قال المفسرون : يعني صلح الحديبية والمغانم الكثيرة " خيبر " .
-
بعد سقوط خيبر ، دب الذعر في نفوس يهود " تيماء " ، فدفعوا الجزية للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقابل بقائهم ، كما انهار يهودُ وادي القُرى بعد أن قاوموا ، وهكذا كان فتح خيبر مفتاحاً لتصفية بقية اليهود في الجزيرة العربية .
العبر والعظات المستفادة من غزوة خيبر :
-
التحلي بالصبر صفة من صفات المسلم .
-
المسلمون دائماً دعاة مبلغون لرسالة الإسلام سلماً قبل اللجوء إلى الحرب .
-
الثقة بالله تعالى حتى في المواقف الحرجة ، فإن الثقة بالله هي مصدرُ المعنويات لدى المسلم .
-
من الأدلة على صدق نبوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إخبارُ العَظمِ له بأنه مسموم .
-
اليهود قوم غدر وخيانة ، فيجب على المسلم ألا يأمن جانبهم أبداً ، ويكون حذراً من خبثهم ودهائهم .
-
يجب اللجوء إلى الله تعالى في جميع الأمور ، وعلى المسلم أن يدعو الله بالنصر بعد الأخذ بالأسباب .
إسلام خالد ورفيقيه
وأعقب هذه الغزوة وهذا الفتح المبين إسلام ثلاثة طالما كانت لهم اليد الطولي في قيادة الجيوش لحرب المسلمين وهم خالد بن الوليد المخزومي ، وعمرو ابن العاص السهمي ، وعثمان بن أبي طلحة العبدري ، فسر بهم عليه السلام سروراً عظيماً وقال لخالد : ( الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير ) : فقال يا رسول الله ادع الله أن يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك ، فقال عليه السلام : ( الإسلام يقطع ما قبله ) .
سرية عمر بن الخطاب إلى هوازن بتربة
وفي شعبان بلغه عليه السلام أن جمعاً من هوازن بتربة ( واد بالقرب من مكة على مسافة يومين ) يظهرون العداوة للمسلمين فأرسل لهم عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلاً فسار إليهم ولما بلغهم الخبر تفرقوا فلم يجد بها عمر أحداً فرجع .
سرية بشير بن سعد لقتال بني مرة
ثم أرسل بشير بن سعد الأنصاري لقتال بني مرة بناحية فدك ، فلما ورد بلادهم لم ير منهم أحداً فأخذ نعمهم . أما القوم فكانوا في الوادي فجاءهم الصريخ فأدركوا بشيراً ليلاً وهو راجع فتراموا بالنيل . ولما أصبح الصبح اقتتل الفريقان قتالاً شديداً حتى قتل غالب المسلمين وجرح بشير جرحاً شديداً حتى ظن أنه مات ، ولما انصرف عنه العدو تحامل حتى جاء إلى رسول الله وأخبره الخبر .
سرية غالب بن عبيد الله الليثي إلى أهل الميفعة
في رمضان أرسل عليه السلام غالب بن عبيد الله الليثي إلى أهل الميفعة في مائة وثلاثين رجلاً فساروا حتى هجموا على القوم ، ففتلوا بعضاً وأسروا آخرين ، وفي أثناء الحرب طارد أسامة بن زيد رجلاً من المشركين ، ولما رأى المشرك الموت في يد أسامة تشهد فظن أن عدوه إنما قال ذلك تخلصاً فقتله .
ولما رجع المسلمون إلى المدينة وأخبر عليه السلام بفعلة أسامة قال : أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ، فكيف تصنع بلا إله إلا الله . قال : يا رسول الله إنما قالها متعوذاً من القتل ، قال عليه السلام : فهلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب ؟ ! فقال يا رسول الله : استغفر لي . قال عليه السلام : فكيف بلا إله إلا الله !! فما زال يكررها حتى تمنى أسامة أنه لم يسلم قبل ذلك اليوم .
وأنزل الله في ذلك في سورة النساء ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ) . ثم أمر عليه السلام أسامة أن يعتق رقبة كفارة لأنه قتل خطأ .
سرية بشير بن سعد إلى يمن وجبار لقتال عيينة بن حصن ومن معه
وفي شوال بلغه عليه السلام أن عيينة بن حصن واعد جماعة من غطفان كانوا مقيمين قريباً من خيبر بأرض اسمها يمن وجَبَار للإغارة على المدينة ، فأرسل لهم بشير بن سعد في ثلاثمائة رجل ، فساروا إليهم يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى أتوا محلتهم ، فأصابوا نعماً كثيرة وتفرق الرعاء فأخبروا قومهم ففزعوا ولحقوا بعليا بلادهم ولم يظفر المسلمون إلا برجلين أسلما ، ثم رجعوا بالغنائم إلى المدينة .
عمرة القضاء
لما حال الحول على عمرة الحديبية خرج عليه السلام بمن صُدّ معه فيها ليقضي عمرته ، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري وساق معه الهدي ستين بدنه ، وأخرج معه السلاح حذراً من غدر قريش ، وكان معه مائة فرس عليها بشير بن سعد ، وأحرم عليه السلام من باب المسجد المدني ، ولما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه ، فقيل يا رسول الله : حملت السلاح وقد اشترطوا أن لا تحمله ؟ فقال عليه السلام لا ندخل الحرم به ولكن يكون قريباً منها فإن هاجنا هائج فزعنا له .
فلما كان بمر الظهران قابله نفر من قريش ففزعوا من هذه العدة وأسرعوا إلى قومهم فأخبروهم فجاء فتيان منهم وقالوا : والله يا محمد ما عرفت بالغدر صغيراً ولا كبيراً وإنا لم نحدث حدثاً !! فقال : إنا لا ندخل الحرم بالسلاح .
ولما حان وقت دخوله مكة خرج أهلوها كارهين رؤية المسلمين يطوفون بالبيت ، فدخل عليه السلام وأصحابه متوشحين سيوفهم من ثنية كداء وأمامه عبد الله بن رواحه يقول : لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده . وطاف عليه السلام بالبيت وهو على راحلته واستلم الحجر بمحجنه وأمر أصحابه أن يسرعوا ثلاثة أشواط إظهاراً للقوة لأن المشركين قالوا : سيطوف اليوم بالكعبة قوم نهكتهم حمى يثرب ، فقال عليه السلام : رحم الله امرءاً أراهم من نفسه اليوم قوة ، واضطبع عليه السلام بردائه ، وكشف عضده اليمنى شأن الفتوة وفعل مثله المسلمون ، وقد أتم المسلمون طوافهم بالبيت آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين كما رأى عليه السلام في منامه .
زواج ميمونة
وتزوج عليه السلام وهو بمكة ميمونة بنت الحارس الهلالية زوج عمه حمزة بن عبد المطلب شهيد أحد ، وخالة عبد الله بن عباس - وهي أخر نسائه زواجاً -لم يدخل بها إلا بعد الخروج من مكة حيث كان بسرف ( موضع قرب التنعيم ) ولما خرج عليه السلام أمر الذين كان تركهم لحراسة الخيل بالذهاب ليطوفوا ففعلوا ، ثم رجع عليه السلام إلى المدينة فرحاً مسروراً بما حباه الله من تصديق رؤياه .
التقوبم:
1-حدد من الغزوة ما يدل على الحقائق التالية :
-
كانت معنويات الصحابة عالية وهم في طريقهم إلى خيبر .
(ب) أخذ القائد المشورة الصائبة من الجندي لها أثر في إحراز النصر .
(ج) المسلمون دعاة إلى الله تعالى ، فكانوا يقدمون الدعوة إلى الله تعالى قبل الاقتحام.
( د ) قد يأتي الله بالفرج عن طريق أعداء المسلمين
(هـ) اليهود لا عهد لهم ولا ذمة .
( و) لم يسلم اليهود رغم رؤيتهم الدليل على نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
2-املأ الفراغ فيما يأتي :
-
وقعت غزوة خيبر في سنة . . . . . . ومن أسبابها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
القبيلة التي تحالفت مع اليهود هي قبيلة . . . . . . . .
( ج) فتح المسلمون حصن الصعب بن معاذ ، ووجدوا فيه . . . . . . . . . .
( د ) وضعت امرأة سلام بن مشكم السم في الشاة ، وقدمتها لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأكل منها الصحابي الجليل . . . . . . . . ومات من أثر السم . . . . . . . .
3-ضع علامة () أو علامة () أمام كل من العبارات الآتية :
-
من أسباب غزوة خيبر تحالف اليهود وقريش للهجوم على المسلمين .
-
أعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الراية لعلي ابن أبي طالب لفتح حصن الصعب بن معاذ
-
بعد فتح خيبر قام الصحابة بزراعتها
( د ) سُبيت صفية بنت حيي بن أخطب من حصن " القموص "
4- علل لما يأتي :
-
تحول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن موقعه بقرب حصن " النطاة " .
( ب ) سؤال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن " علي بن أبي طالب " رضي الله عنه .
( ج ) اضطرار اليهود للخروج من حصن " الزبير " .
( د ) رجوع رجال من بني أسلم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
(هـ) وضع المرأة " زوجة سلام بن مشكم " السُمَّ لرسول الله .
5- لغزوة خيبر نتائج . اذكر ثلاثاً منها .
6-هنالك عبر وعظات مستفادة من غزوة خيبر . اذكر ثلاث عِبَر تعلمتها شخصياً .
7- بين كيف كانت خيبر فتحاً عظيماً للمسلمين من كل النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية .
8- حدد المدة التي قضاها المسلمون مهاجرون في الحبشة .
9- ابرز جهود النبي عليه السلام فى تطهير جيوب اليهود الأخرى بعد فتح خيبر .
10- ارو الحوار الذي دار بين النبي عليه السلام وخالد بن الوليد عند إسلامه .
11- عدد السرايا التي وقعت في العام السابع للهجرة مبيناً نتائجها .
12- بين ما الذي استفاده من قول النبي عليه السلام لأسامة بن زيد "فكيف بلا إله إلا الله "
13- استخلص الدروس المستفادة من عمرة القضاء .
الحلقة
الثامنة
والعشرون
الحلقة الثامنة والعشرون
صور من حياة شهداء الصحابة
و صور من حياة التابعين
الشهيد الأسد
حمزة بن عبد المطلب
الأهداف الإجرائية السلوكية :
1- أن يصف الدارس حال حمزة بن عبد المطلب قبل إسلامه .
2- أن يسرد الدارس قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب .
3- أن يستخلص الدارس العبر من قصة إسلام حمزة .
4- أن يوضح الدارس أثر إسلام حمزة على الدعوة الإسلامية .
5- أن يصف الدارس ما كان من حمزة يوم بدر .
6- أن يصف الدارس ما كان من حمزة يوم أحد .
7- أن يصف الدارس مشهد استشهاد حمزة .
8- أن يبين الدارس كيف كان حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على استشهاد حمزة .
9- أن يصف الدارس مشاعره تجاه حمزة بن عبد المطلب .
1.- أن يوضح الدارس ما الذي استفاده من قراءة قصة حياة واستشهاد حمزة بن عبد المطلب .
11- أن يعبر الدارس عما ينوي عمله بعد دراسته لقصة حمزة بن عبد المطلب .
1- إيمان الأسد :
إن الشمس لتشرق كل يوم على مكة البلد الحرام .. وإن الأيام لتدور فيها وتدور .. وتنتابها الغير وتتوالى عليها الأحداث .. وحمزة بن عبد المطلب فى عالم بعيد كل البعد عن عالم مشاغلها وأزماتها .. إنه ليحيا لنفسه مقبلاً على لذائذ الحياة ومفاتنها ، بكل ماله وجاهه ، ومنعته وقوته ، وسطوته وشبابه .. فما الحياة عنده إلا نعيم الدنيا يأخذ منه بالنصيب الأوفى .. ما شغله يوماً هذا الكون وما فيه ومن فيه .. وما أبه يوما لشيء من الأشياء يحدث بين قومه .. فقد كانت كبرياؤه تحول بينه وبين ذلك كله .. حتى هذا الحدث الهائل الذي يهز قريشاً هزا ، ويشغلها عما سواه من أحداث .. حدث النبوة التى نزلت على قلب ابن أخيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وحياً من السماء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه .. إنه الصوت الإلهى الذى وقفت دونه قريش بأدرانها ومباذلها تصده عن نفسها .. وتنزل النكال بالمؤمنين به فى قسوة بالغة وعذاب أليم ..
وإن حمزة ليستمع إلى ذلك الصوت العلوى .. فيشغل فى نفسه ومضات غامضات لا يعرف لها كنهاً .. ولكن الحياة بلذائذها تطغى عليه ، فيعب منها ما أستطاع .. وكأنه إنما يحول بتلك اللذائذ دون نفسه أن تستجيب لداعى الحق فى فطرته .. واشتد النكال بالمسلمين .. وامتد الأذى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا أبو طالب عم النبى ، أخاه حمزة يوما ، وطلب منه منع ابن أخيه ، فثارت فى نفس حمزة دواعى العصبية فاستجاب لأخيه ، دون أن يستجيب لدعوة الحق .. ولكنه أخذ يسترجع ابن أخيه طهراً وأمانة ، وعفة نفس وكمال خلق .. فلقد نشأ معاً فى بيت واحد منذ طفولتهما ، وكانا فى سن واحدة قد استقبلا معها الحياة كل إلى وجهة هو موليها .. وجعل يمد بصره إلى ما لاقاه ويلقاه ابن أخيه وهو يدعو قومه إلى النجاة بالحكمة والموعظة الحسنة .. باذلاً نفسه قتالاً وصبراً ، فتتفتح نفس حمزة لضياء الحق ، وتتزلزل فى معارك هائلة بين فطرة الله فيه وبين هوى نفسه بطغيانه وشهواته ولذائذه .
حتى جاء ذلك اليوم الذى عاد فيه حمزة من قنصه وصيده فى البرية وقد توشح قوسه وسيفه .. متوجهاً إلى الكعبة كعادته ليطوف قبل رجوعه إلى أهله .. وحيث يمر بحلقات القبائل متندراً.. فقد كان شأنه أن يبدى عجبه وكبرياءه وقوته بين شباب قريش وسادتها .. وبينما هو فى طريقه ، إذ اقتربت منه مولاة لعبد الله بن جدعان وقالت :
_ واذلاه يا بنى عبد مناف .. يا أبا عمارة ، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد من أبى الحكم بن هشام .. وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد بكلمة ..!!.
وثارت نفس حمزة ، وسرت نار الغضب فى جسده كله .. وغلت رأسه بلهيب الحمى فصار يحدث نفسه .. ماذا فعل محمد حتى يلقى كل هذا .. أو ليس يدعوهم إلى خير ما فى هذه الدنيا وما بعدها .. ما لهم ينالون منه أشد النيل .. إلاّ أن هذا الأمر لحق .!!
وانطلق كالمجنون لا يقف لأحد ، حتى إذا ما ولج باب المسجد لم يكن همه إلا أن يلقى أبا الحكم بن هشام ، فأخذ يهرول بين الحلقات حتى وقف على رأسه وهو بين قومه من بنى مخزوم ، فرفع القوس وضربه بها فشجه شجة منكرة .. ثم صاح فيه قائلاً :
_ أتشتمه !؟ فأنا على دينه أقول ما يقول ، فرد ذلك على إن استطعت !!
فقام رجال من قومه لينصروه ، فبادرهم حمزة بسيفه ففروا أمامه ..!!.
ووقف رجال آخرون ليهدئوا من ثورته ، ويعتذروا إليه عما فعله أبو الحكم .. ثم بادروه فى رفق فقالوا :
_ ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت !
وأجابهم حمزة على الفور : ومن يمنعنى وقد استبان لى منه ما أشهد به أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الذى يقول حق .. فو الله لا أنزع ، فامنعونى إن كنتم صادقين ..!!.
وهنا وقف أبو جهل والدماء تنزف من رأسه وقال لقومه : دعوا أبا عمارة .. فإنى والله سببت ابن أخيه سباً قبيحاً .!!
وفي اليوم التالي.. وما أشرق نور الصباح حتى كان حمزة على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانطلق به إلى آفاق النور ، يحدثه حديث السماء من عليائه .. ويورده موارد الحق فى لألائه ، ويوقفه على الحقيقة الأبدية نعيماً مقيماً لمن آمن وعمل صالحاً ، وعذاباً أليماً لمن طغى وآثر الحياة الدنيا ..وحمزة من خلال آيات الله تتلى ، يزداد بكاء وخشية وندماً .. إن هذا القرآن لينزل على الكائنات فتخشع وتسجد .. وقد خشع الضيغم الهصور وآمن .. ولم يملك إلا أن يصيح فيقول : أشهد أنك الصادق شهادة الصدق .. فأظهر يا ابن أخى دينك ، فوالله ما أحب أن لى ما أظلته السماء وأنا على دينى الأول .. !! وشهدت السماء والأرض أن حمزة بن عبد المطلب قد أسلم وآمن ..
2- منعة الأسد :
أسلم حمزة .. وعرفت قريش أن رسول الله قد عز وامتنع ، وأن عمه حمزة سيمنعه ، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه .. وفكروا في عروض يعرضونها عليه .. فأرسلوا عتبة بن ربيعة إليه يمنونه بالسلطان والقوة ، ويعدونه بالمال والملك .. ولكن ما فتن ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوتى مفاتيح كل شىء ..
ولقد فنى حمزة فى سبيل الله فصارت قريش ترهبه وتخشاه ، وصار وهو يعلن إيمانه فى كل ناد ، كأنما يتحدى قومه فيشفى نفسه منهم إذا قام فى وجهه أحد .. أو نال غاشم منهم مسلما ً بسوء ..
وما كانت إلا أيام قلائل حتى كان عمر بن الخطاب أيضاً بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاشعاً يعلن إسلامه لله رب العالمين .. وبهما ازدادت دعوة الحق قوة ومنعة ..
3- أسد الله وأسد رسوله :
{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } سورة الحج : آية 39
لقد آن للمسلمين أن يردوا العدوان عنهم بالسيف .. ولم تكن حرب الأعداء جديدة على حمزة بن عبد المطلب قبل نزول آية القتال .. فقد غزا الرسول صلى الله عليه وسلم فى الأبواء ، وحين عاد منها بعث فارس قريش حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص فى ثلاثين راكباً من المهاجرين ليس منهم من الأنصار من أحد ، فلقى أبا جهل بن هشام بذلك الساحل فى ثلاثمائة راكب من أهل مكة .. ومع كثرة العدو فرح فارس قريش باللقاء ، فانقض على أعدائه يصيب منهم من يصيب ، لولا أن حجز بينهم عدى بن عمرو الجهنى وكان موادعاً للفريقين .. وكف فارس قريش عن أعدائه بشق النفس ، وقد كانوا يعدلون عشرة أمثال المهاجرين ..
ولقد سمعه أصحابه وهو عائد إلى المدينة يتغنى بأنه أول من رفع راية عقدها رسوا الله صلى الله عليه وسلم .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فى ثلاثمائة من أصحابه .. ليعترضوا عيراً لقريش يستردون بها بعض أموالهم ولم يأخذوا أهبة الحرب ، ولم يحملوا إلا سلاح المسافر .. السيوف فى القرب .. ولم يملكوا إلا سبعين بعيراً وفرسين .. يتعاقبونها ..
وسلكت قافلة قريش طريق البحر ، وأفلتت بما عليها .. لتعلن فى مكة النبأ المزعج .. وخرجت قريش كلها ، وخرجت معها قبائل مكة فى جيش رهيب تعداده ألف من المقاتلين يملكون من عدة الحرب ما لم يسبق لجيش من العرب أن دب بها فوق الأرض ، يمتطون مائتى فرس وستمائة بعير ، ويتترسون فى لباس الحديد حتى لا يرى من بعضهم غير أعينهم ..!!
ونزل المسلمون على ماء بدر ليمنعوا أعداءهم منها وبنوا عليها حوضاً ، وبدأت المناوشة ، وانتدب أعداء الله لها الأسود بن عبد الأسد المخزومى وكان رجلاً شرساً سيىء الخلق .. فأقسم عدو الله أن يشرب من الحوض أو ليهدمنه أو ليموتن دونه .. وانطلق إلى الحوض .. فانطلق إليه حمزة بن عبد المطلب بسيفه ، فضربه فقطع قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دماً غزيراً .. فثارت ثائرته وقام كالوحش يقتحم الحوض كى يبر بقسمه ، فعاجله حمزة بضربة قاتلة قضت عليه فى الحوض ..!!
وذهب القرشيون وقد نظر بعضهم إلى بعض .. وتقدم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد للمبارزة ونادوا :- يا محمد .. أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : - قم يا عبيدة بن الحارث .. قم يا حمزة .. قم يا على ..
وصاح عتبة بن ربيعة مرة أخرى يقول : من أنتم !؟ فأجابه حمزة : أنا حمزة أسد الله وأسد رسوله .. وأجاب عبيدة وعلى .. فقال عتبة : أكفاء كرام !! ولم تكن إلا جولة قتلهم حمزة وصاحباه .. وتزاحف الجمعان المتباينان ،
وثار النقع وحمى الوطيس ، وحمزة كالسيل العارم يهجم يميناً وشمالاً ، ويقفز من مكان إلى مكان إلى آخر .. فيفتك بالمشركين فتكاً ذريعاً .. فتنهار الكتائب ، ويفزع صناديد قريش ، ويختلط حابلهم بنابلهم ، ويولون أمامه الأدبار حرصاً على الحياة ..
وأسر عبد الله بن مسعود أمية بن خلف ، فبينما هما يسيران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له أمية :- يا عبد الله من الرجل منكم بريشة نعامة فى صدره !؟. فأجابه عبد الله : - ذلك حمزة بن عبد المطلب . فقال أمية : - ذلك الذى فعل بنا الأفاعيل !! وعادت قريش بالخزى والعار ، ومناديهم يهتف بهم :
لقد قتل حمزة بن عبد المطلب شرفكم ، ووضع من قدركم ، وجعلكم الأذلة المستعبدين فى الأرض .. مات بيديه صفوة رجالكم وأصحاب الصدارة فى منتدياتكم .. فيا لثأرت قريش ويا لأحقادها الكامنة ..
وفى تلك الآونة ، كان حمزة بن عبد المطلب عائداً إلى المدينة تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم خاشعاً مطرقاً ، يسبح بحمد الله على نصر أوليائه ودحر أعدائه ..
4 – صرعة الأسد :
ودار العام دورته ، وأخذت قريش أهبتها لغزو المسلمين بالمدينة انتقاماًُ لقتل أشرافها .. وقبل أن يسير المشركون إلى القتال دعا جبير بن مطعم غلاماً له حبشياً يقال له وحشى يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطىء بها ، فقال له :
أخرج مع الناس ، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق .. ثم خرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من كنانة وأهل تهامة ، وخرجت معهم النساء التماس الحفيظة وألا يفروا .. وخرج أبو سفيان ومعه امرأته هند بنت عتبة .. فكانت كلما مرت بوحشى فى الطريق أو مر بها حرضته على قتل حمزة بأبيها وأخيها وعمها .. وقالت له :
- ويها أبا دسمة ، أشف واشتف .. إن هنداً لتعرف كما تعرف قريش أن حمزة لا يمكن أن يقتل حرباً ، وإنما يقتل غيلة .. وإلا فلن ينالوا منه منالاً .. وبدأ القتال البئيس فى أحد ، بين فريقين متباينين عدداً وعدة المشركون فى ثلاثة آلاف ، والمسلمون لما يكتملوا ألفاً ..
وهجم حمزة أسد الله يفرى فريه بين الأعداء ، فلا يقوم أمامه أحد .. وفى اللحظات الأولى قتل من أشرافهم ارطأة بن شرحبيل بن هاشم وانبرى إلى عثمان بن أبى طلحة حامل لواء قريش فقتله فسقط اللواء ، فتصدى سباع بن عبد العزى لحمله فقتله حمزة على الفور .. ثم هاجم على قريش يفرق صفوفها ويقتل رجالها ..
كل ذلك ووحشى كامن خلف أكمنة ينظر إلى بلاء حمزة ليتحين منه فرصة غدر .. فلقد رآه وحشى – كما يقول – يهد بسيفه ثائر الرأس ما يليق شيئاً يمر به ، مثل الجمل الأورق وقد تقدمه إليه سباع بن عبد العزى .. فقال له حمزة قبل أن يقتله : هلم يا ابن مقطعة البظور .. أتحاد الله ورسوله ؟.وكانت أم سباع ختانة بمكة ..
لقد أرهبت وحشياً تلك الضربة الهائلة التى قضت على سباع فى لحظة واحدة .. ومن ثم انكمش خلف الأكمنة .. ليتحين منه فرصة غدر أخرى خلف صخرة فى ميدان القتال ، حيث لا يراه أحد ..
وجاءت اللحظة الرهيبة .. وقد توجه حمزة بسيفه إلى فريق من أعداء الله يفتك بهم ، فما استقام أمامه أحد ، فكانوا بين قتيل وفار .. ورأى وحشى فرصة سانحة ، فهز حربته حتى إذا رضى منها – وحمزة مشغول بمن أمامه من أعداء الله – قذفها نحوه فوقعت فى ثنته حتى خرجت من بين رجليه .. ورآه حمزة ، فهرول نحوه ، ولكن الحربة عاقت دون قتله فخر على الأرض صريعاً .. ( كان عدد من قتلهم حمزة فى أحد واحداً وثلاثين صنديداً ) واستمهله وحشى حتى صعدت روحه إلى السماء .. وأخذ حربته ..وتنحى إلى عسكره بعيداً عن الحرب ، فلم يكن له بشىء غير حمزة من حاجة ..
وانتهت موقعة أحد .. وأقبلت هند بنت عتبة على حمزة فبقرت على كبده ولاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ..
ووقف أبو سفيان يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ، ويقول : ذق عقق .. فبادره الحليس بن ريان سيد بنى كنانة بقوله : يا بنى كنانة ، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحماً ..!! واخذل أبو سفيان فقال للحليس : ويحك .. أكتمها عنى ، فإنها كانت زلة..مات حمزة بن عبد المطلب ..!! أحمزة ذلكم الرجل القتيل ..!؟
لقد حملت الملائكة إلى السماء أن حمزة سيد الشهداء .. ويسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه : " أاكلت هند شيئاً من كبده ؟ " وأجاب الأصحاب : لا .. ما كان الله ليدخل حمزة فى النار .. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمل حمزة إليه .. ونظره النبى صلى الله عليه وسلم وقد بقرت بطنه ومثل به فجزع أنفه وأذناه .. فقال صلى الله عليه وسلم : " لولا أن تحزن صفية ، وتكون سنة من بعدى ، لتركته حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير .. ولئن أظهرنى الله على قريش فى موطن من المواطن لأمثلهن بثلاثين رجلاً منهم ".. ثم أردف صلى الله عليه وسلم يقول : " جاءنى جبريل ، فأخبرنى أن حمزة مكتوب فى السموات السبع ، حمزة بن عبد المطلب أسد الله ورسوله " .. وصمت صلى الله عليه وسلم برهة . ثم رفع رأسه وهو يقول : " ما وقفت موقفاً أغلظ من هذا " .. وفى تلك اللحظة الرهيبة .. أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها الشهيد .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبنها الزبير بن العوام : " القها فأرجعها ، لا ترى ما بأخيها " .. وهرول الزبير إليها ، وقال : يا أمه .. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعى .. وأجابته فى صبر وقور : ولم !؟ وقد بلغنى أنه مثل بأخى .. وذلك فى الله ، فما أرضانا ما كان من ذلك .. لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله .. فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره ، قال له : " خل سبيلها " .. وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة .. وجيء برجل من الأنصار فصلى الرسول عليه مع حمزة .. وتوالت الصلوات على الشهداء وحمزة معهم فى كل مرة حتى صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم سبعين صلاة .. ثم دفن بساحة القتال مع ابن أخته عبد الله بن جحش فى لحد واحد .. ونزل الوحى فى أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله ..} سورة النحل : الآيتان 126 ، 127 . فعفا صلوات الله وسلامه عليه عن المثلة ..
وعاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأسواق النوائح يبكين قتلاهم .. فقال لبعض أصحابه ما هذا .. ؟ وأجابوه قائلين : هن نساء الأنصار يبكين قتلاهم .. فقال صلى الله عليه وسلم : " لكن حمزة لا بواكى له ".. وأكثر صلى الله عليه وسلم من الإستغفار لحمزة ..
وسمع ذلك سعد بن معاذ سيد الأنصار ، فمشى إلى دار بنى عبد الأشهل وأتى بنسائهم ، فوقف بهن على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : والله لاتبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكر أنه لا بواكى له .. وبكاه نساء الأنصار
ونام حمزة بن عبد المطلب فى رقدته الأبدية علماً على الشهداء .. وانتهت صولة الأسد .. وخفقت أصداء تلك الأصوات التى كان يلقيها مملوءة بآيات التوحيد ، فتفزع أمامه الجحاجح ، وتنهار أمام عينيه حجب الزمان والمكان ..
لقد استشهد وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبه .. وبكاه إمام المرسلين ، فبكته السماء مرددة قوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } سورة آل عمران : الآيتان 169 ، 17. .
سطور مضيئة :
-
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي .
-
كنيته : أبو عمارة ، ولقبه : سيد الشهداء ، وأسد الله وأسد رسوله .
-
ولد بمكة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين .
-
عم النبى صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة ، وأمه هامة بنت عمة آمنة أم النبى صلى الله عليه وسلم .
-
كان ممن خطب خديجة من أبيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بعثته .
-
علم بأن أبا جهل سب النبى صلى الله عليه وسلم فغدا إليه فضربه ضربة شجت رأسه ، وقال : أتشتمه وأنا على دينه ، أقول ما يقول ؟ ثم توجه بعدها ليسلم على يد النبى صلى الله عليه وسلم .
-
خرج من دار الأرقم عندما جهر المسلمون بدينهم ، وهو على رأس أحد صفين من المسلمين ليطوفوا بالكعبة وعمر بن الخطاب على رأس الصف الآخر .
-
آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة .
-
تزوج من الصحابية سلمة بنت عميس أخت الصحابية الشهيرة أسماء بنت عميس رضى الله عنهما ، وولدت له بنتا أسماها عمارة .
-
عقد له الرسول صلى الله عليه وسلم أول للواء فى الإسلام ، حيث أمره على ثلاثين راكبا من المهاجرين فى سرية ( سيف البحر ) .
-
كان يضع على صدره أثناء المعركة ريشة نعامة .
-
قاتل يوم بدر بسيفين وفعل الأفاعيل .
-
فى غزوة بدر قتل شيبة بن ربيعة بطل قريش ، وطعيمة بن عدى ، وغيرهما .
-
استشهد على يد وحشى بن حرب ، غلام جبير بن مطعم ، وجاءت هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان فشقت بطنه ولاكت كبده ، وقطع المشركون أنفه وأذنيه ، ومثلوا به ، فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه حزناً شديداً ، صلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم اثنتين وسبعين صلاة ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يضع الشهيد بجوار حمزة فيصلى عليهما ، ثم يرفع الشهيد ويؤتى بغيره ولا يرفع حمزة – رواه الطبرانى فى الكبير عن ابن عباس .
التقويم :
1- صف حال حمزة بن عبد المطلب قبل إسلامه .
2- أذكر قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب .
3- استخلص العبر من قصة إسلام حمزة .
4- وضح أثر إسلام حمزة على الدعوة الإسلامية .
5- صف ما كان من حمزة يوم بدر .
6- صف ما كان من حمزة يوم أحد .
7- صف مشهد استشهاد حمزة .
8- بين كيف كان حزن الرسول صلى الله عليه وسلم على استشهاد حمزة .
9- صف مشاعرك تجاه حمزة بن عبد المطلب .
1.- وضح ما الذي تعلمته من قراءة قصة حياة واستشهاد حمزة بن عبد المطلب .
11- عبر عما تنوي عمله بعد دراستك لقصة حمزة بن عبد المطلب .
الحلقة
التاسعة
والعشرون
الحلقة التاسعة والعشرون
عبد الله بن جحش
" أول من دُعي بأمير المؤمنين "
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس نسب عبد الله بن جحش .
-
أن يبين الدارس كيف كان عبد الله بن جحش واحد من أصحاب الأوليات في الإسلام .
-
أن يوضح الدارس هجرة عبد الله بن جحش .
-
أن يروي الدارس قصة استيلاء أبي جهل على دار عبد الله بن جحش بعد هجرته إلى المدينة .
-
أن يوضح الدارس أحداث سرية نخلة .
-
أن يروي الدارس ما دار بين عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص في غزوة أحد .
-
أن يصف الدارس قصة استشهاد عبد الله بن جحش .
-
أن يذكر الدارس العبر والعظات من مواقف عبد الله بن جحش المتعددة .
-
أن يعبر الدارس عن مشاعره عن أكثر المواقف التي تأثر بها من دراسة شخصية عبد الله بن جحش .
الصحابي الذي نسُوق عنه الحديث ـ الآن ـ وثيق الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وواحد من أصحاب الأوليات في الإسلام . فهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك لأن أُمَّهُ أُميمة بنت عبد المطلب كانت عمَّة النبي عليه الصلاة والسلام .
وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ذلك لأن أُخته زينب بنت جحش كانت زوجة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، وإحدى أُمهات المؤمنين .
وهو أول من عُقد له لواء في الإسلام . . . وهو بعد ذلك أول من دُعي أمير المؤمنين .
إنه عبد الله بن جحش الأسدي . أسلم عبد الله بن جحش ، قبل أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام دار " الأرقم " ، فكان من السابقين إلى الإسلام .
ولما أذِن النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى المدينة ، فراراً بدينهم من أذى قريش ، كان عبد الله بن جحش ثاني المهاجرين إذ لم يسبقه إلى هذا الفضل إلا أبو سلمه .
على أن الهجرة إلى الله ، ومُفارقة الأهل والوطن في سبيله ، لم تكن أمراً جديداً على عبد الله بن جحش ، فقد هاجر هو وبعض ذويه قبل ذلك إلى " الحبشة " .
لكن هجرته هذه المرة كانت أشمل وأوسع ، فقد هاجر معه أهله وذووه ، وسائر بني أبيه رجالاً ونساء وشيباً وشُبَّاناً ، وصبية وصبيات ، فقد كان بيته بيت إسلام ، وقبيلُه قبيل إيمان .
فما إن فصلوا عن مكة حتى بدت ديارهم حزينة كئيبة ، وغدت خواء خلاء كأن لم يكن فيها أنيس من قبل ، ولم يسمُر في رُبُوعها سامر.
ولم يمض غير قليل على هجرة عبد الله ومن معه حتى خرج زُعماء قريش يطوفون في أحياء مكة ؛ لمعرفة من رحل عنها من المسلمين ومن بقي منهم ، وكان فيهم أبو جهل وعُتبةُ بن ربيعة .
فنظر عُتبةُ إلى منازل بن جحش تتناوح فيها الرياح السافيات (21) وتخفق أبوابها خفقاً وقال : أصبحت ديار بني جحش خلاء تبكي أهلها . . .
فقال أبو جهل : ومن هؤلاء حتى تبكيهم الديار ؟ !!
ثم وضع أبو جهل يده على دار عبد الله بن جحش ، فقد كانت أجمل هذه الدُور وأغناها ، وجعل يتصرف فيها وفي متاعها كما يتصرف المالك في مُلكه .فلما بلغ عبد الله بن جحش ما صنع أبو جهل بداره ، ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ( ألا ترضى يا عبد الله ، أن يُعطيك الله بها داراً في الجنة ؟ ) . قال : بلى يا رسول الله . قال : ( فذلك لك ) .
فطابت نفس عبد الله وقرت عينُهُ .
ما كاد عبد الله بن جحش يستقر في المدينة بعد ما تكبده من نصب في هجرتيه الأولى والثانية . .
وما كاد يذوق شيئاً من طعم الراحة في كنف الأنصار ؛ بعد ما ناله من أذى على يد قريش ، حتى شاء الله أن يتعرض لأقسى امتحان عرفهُ في حياته ، وأن يُعاني أعنف تجربة لقيها منذ أسلم .
فلنُرهِفِ السمع لقصة تلك التجربة القاسية المُرة . . .
انتدب الرسول صلوات الله عليه ثمانية من أصحابه للقيام بأول عمل عسكري في الإسلام ، فيهم عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص وقال : ( لأُؤَمِرَنَّ عليكم أصبركُم على الجُوع والعطش ) ، ثم عقد لواءهم لعبد الله بن جحش ؛ فكان أول أمير أُمِّرَ على طائفة من المؤمنين.
حدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جحش وجهته وأعطاه كتاباً ، وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين فلما انقضى على مسيرة السرية يومان نظر عبد الله في الكتاب فإذا فيه :
( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل " نخلَةَ " بين الطائف ومكة ، فترصَّد بها قريشاً وقِف لنا على أخبارهم . .. ) . وما إن أتمَّ عبد الله الكتاب حتى قال : سمعاً وطاعة لنبي الله .
ثم قال لأصحابه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أمضي إلى " نخلَةَ " لأَرصد قريشاً حتى آتيه بأخبارهم ، وقد نهاني عن أن أستكره أحداً منكم على المضي معي ، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فليصحبني ، ومن كره ذلك فليرجع غير مذموم .
فقال القوم : سمعاً وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما نمضي معك حيث أمرك نبي الله .
ثم سار القوم حتى بلغوا " نَخْلَةَ " وطفقُوا يجوسون خلال الدُّرُوب ليترصدوا أخبار قريش .
وفيما هم كذلك ، أبصروا عن بُعد قافة لقريش فيها أربعة رجال هم عمرُو ابن الحضرمي ، والحكم بن كيسان ، وعُثمان بن عبد الله ، وأخوه المُغيرة ، ومعهم تجارة لقريش فيها جُلُود وزبيب ونحوها مما كانت تتجر به قريش .
عند ذلك أخذ الصحابة يتشاورون فيما بينهم ، وكان اليوم آخر يوم من الأشهر الحُرُم (22) فقالوا : إن قتلناهم فإنما نقتلهم في الشهر الحرام ، وفي ذلك ما فيه من إهدار حُرمة هذا الشهر والتعرض لِسُخطِ العرب جميعاً . . . وإن أمهلناهم حتى ينقضي هذا اليوم دخلوا في أرض الحَرَمِ (23). وأصبحوا في مأمن منا .
وما زالوا يتشاورون حتى أجمعوا رأيهم على الوُثُوُب عليهم وقتلهم وأخذ ما في أيديهم غنيمة . . . وفي لحظات قتلوا واحداً منهم (24) وأسروا اثنين (25) وفَرَّ الرابع من أيديهم .
استاق عبد الله بن جحش وصحبُه الأسيرين والعير متوجهين إلى المدينة فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف على مافعلوه استنكره أشد الاستنكار ، وقال لهم : والله ما أمرتُكم بقتال ، وإنما أمرتكم أن تقفوا على أخبار قريش ، وأن ترصدوا حركتها . .
وأوقف الأسيرين حتى ينظر في أمرهما . . . وأعرض عن العير فلم يأخذ منها شيئاً.
عند ذلك سُقِطَ في أيدي عبد الله بن جحش وأصحابه ، وأيقنوا أنهم هلكوا بمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وزاد عليهم الأمر ضيقاً أن إخوانهم من المسلمين طفقوا يُكثرون عليهم من اللوم ويزورُّون (26) عنهم كُلما مرُّوا بهم ويقولون : خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد ازدادوا حرجاً على حرج حين علموا أن قريشاً اتخذت من هذه الحادثة ذريعة للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتشهير به بين القبائل ؛ فكانت تقول : إن محمداً قد استحل الشهر الحرام ؛ فسفك فيه الدم ، وأخذ المال ، وأَسَرَ الرجال . .
فلا تسل عن مبلغ حُزن عبد الله بن جحش وأصحابه على ما فرط منهم ، ولا عن خجلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوقعوه فيه من الحرج .
ولما اشتد عليهم الكرب ، وثقل عليهم البلاء ، جاءهم البشير يبشرهم بأن الله سبحانه قد رضي عن صنيعهم ، وأنه أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك قُرآناً . . .
فلا تسل عن مدى فرحتهم ، وقد طفق الناس يُقبلُون عليهم معانقين مبشرين مهنئين ؛ وهم يتلون ما نزل في عملهم من قُرآن مجيد .
فلقد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله علت كلمتُهُ .
} يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ، والفتنة أكبر من القتل{(27).
فلما نزلت الآيات الكريمات طابت نفس الرسول الكريم صلوات الله عليه فأخذ العير وفدى الأسيرين ، ورضي عن صنيع عبد الله بن جحش وأصحابه ؛ إذ كانت غزوتهم هذه حدثاً كبيراً في حياة المسلمين .
فغنيمتُها أوَّلُ غنيمة أُخِذَت في الإسلام . . وقتيلُها أول مُشرك أراق المسلمون دمهُ . . وأسيراها أول أسيرين وقعا في أيدي المسلمين . . ورايتُها أوَّل راية عقدتها يدُ رسول الله صلوات الله عليه . . وأميرها عبد الله بنُ جحش أول من دُعي بأمير المؤمنين .
ثم كانت " بدر " فأبلى فيها عبد الله بن جحش من كريم البلاء ما يليق بإيمانه .
ثم جاءت " أُحُد " فكان لعبد الله بن جحش وصاحبه سعد بن أبي وقاص معها قصة لا تُنسى ، فلنترك الكلام لسعد ليروي لنا قصته وقصة صاحبه .
قال سعد بن أبي وقاص : لما كانت " أُحُد " لقيني عبد الله بن جحش وقال : ألا تدعو الله ؟ فقلت : بلى
فخلونا في ناحية فدعوت الله فقلت : يا رب إذا لقيت العدُوَّ فلَقِّني رَجُلاً شديدا بأسُهُ ، شديداً حَرَدُهُ (28) أُقَاتِلُهُ ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتُله وآخُذ سَلَبَه (29) ، فأمَّن عبد الله بن جحش على دُعائي ثم قال : اللهم ارزقني رجُلاً شديداً حرده ، شديداً بأسُهُ ، أُقاتله فيك ويُقاتلُني ، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأُذُني ، فإذا لقيتُك غدا قُلت : فيم جُدع أنفُك وأُذُنُكَ ؟ . فأقول : فيك وفي رسولك ، فتقول : صدقت .
قال سعد بن أبي وقاص : لقد كانت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي ، فلقد رأيته آخِرَ النهار ، وقد قُتِلَ ومُثِّلَ به ، وإن أنفه وأُذُنهُ لمُعلَّقان على شجرة بخيط .
استجاب الله دعوة عبد الله بن جحش ، فأكرمه بالشهادة كما أكرم بها خاله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب فواراهما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم معاً في قبر واحد ، ودُمُوعُهُ الطاهرة تُرَوِّي ثَرَاهُما المُضَمَّخَ بطُيُوب الشهادة .
سطور مضيئة :
-
-
عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر الأسدي . كنيته أبو محمد . صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم . أخته السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين .
-
أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم ، خاله حمزة بن عبد المطلب .
-
أسلم مبكراً قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم .
-
هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية ثم كان ثاني من هاجر إلى المدينة .
-
أمره الرسول صلى الله عليه وسلم على سرية نخلة وفيها سمي أمير المؤمنين فكان أول من دعي بذلك .
-
استشهد عبد الله بن جحش في غزوة أحد سنة 3 هجرية وعنده بضع وأربعون سنة .
-
التقويم :
-
أذكر نسب عبد الله بن جحش .
-
بين كيف كان عبد الله بن جحش واحد من أصحاب الأوليات في الإسلام .
-
وضح - هجرة عبد الله بن جحش .
-
أروي قصة استيلاء أبي جهل على دار عبد الله بن جحش بعد هجرته إلى المدينة .
-
وضح أحداث سرية نخلة – وما فيها من عبر وعظات .
-
قص ما دار بين عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص في غزوة أحد .
-
صف قصة استشهاد عبد الله بن جحش – وما تعلمته منها .
-
أذكر العبر والعظات من مواقف عبد الله بن جحش المتعددة .
عبر عن مشاعرك عن أكثر المواقف التي تأثرت بها من دراسة شخصية عبد الله بن جحش .
الحلقة
الثلاثون
الحلقة الثلاثون
عطاءُ بن أبي رباح
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يُعرِّف التابعي عطاء بن رباح .
-
أن يعدد جهود عطاء بن رباح في خدمة الإسلام .
-
أن يوضح الجوانب المؤثرة في حياة التابعي الجليل .
-
أن يوضح الآثار الجليلة التي خلفها عطاء بن رباح في بيئته .
-
أن يذكر الدارس العبر والعظات من مواقف عطاء بن أبي رباح المتعددة.
-
أن يعبر الدارس عن مشاعره عن أكثر المواقف التي تأثر بها من دراسة شخصية عطاء بن أبي رباح .
ها نحن أُولاء في العشر الأخير من شهر " ذي الحجة " سنة سبع وتسعين للهجرة . . . وهذا البيت العتيق يموج بالوافدين على الله من كل فج . مشاة ورُكباناً . وشيوخاً وشُباناً ، ورجالاً ونساء . فيهم الأسود والأبيض . والعربي والعجمي . والسيد والمسود . . .
لقد قدموا جميعاً على ملك الناس مخبتين مُلبين ، راجين مؤملين .
وهذا سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين ، وأعظم ملوك الأرض يطوف بالبيت العتيق حاسر الرأس حافي القدمين ليس عليه إلا إزارٌ ورداءٌ. شأنه في ذلك كشأن بقية رعاياه من إخوته في الله . وكان من خلفه ولداه . وهما غُلامان كطلعة البدر بهاءً ورُواءً ، وكأَكمام (30) الورد نضارة وطيباً . وما إن انتهى من طوافه حتى مال على رجُلٍ من خاصته وقال : أين صاحبُكم ؟. فقال : إنه هناك قائم يُصلي . . . وأشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام .
فاتجه الخليفة ومن ورائه ولداه إلى حيث أُشير إليه . . وطفق الفتيان " القُرشيان " يتأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين ، وجلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته . فإذا هو شيخ " حبشي " ، أسود البشرة ، مفلفلُ (31) الشعر ، أفطس الأنف ، إذا جلس بدا كالغُراب الأسود ولما انتهى الرجل من صلاته ؛ مال بشقه على الجهة التي فيها الخليفة فحياه سليمان بن عبد الملك فرد التحية بمثلها .
وهُنا أقبل عليه الخليفة ، وجعل يسأله عن مناسك الحج منسكاً منسكاً وهو يفيض بالإجابة عن كُلِّ مسألة . ويفصل القول فيها تفصيلاُ لا يدع سبيلاً لمُستزيد . ويُسند كل قول يقوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما انتهى الخليفة من مُساءلته جزاهُ خيراً ، وقال لولديه : قوماً ، فقاما . . ومضى الثلاثة نحو المسعى . وفيما هم في طريقهم إلى السعي بين الصفا والمروة ؛ سمع الفتيان المنادين ينادون : يا معشر المسلمين . . لا يُفتى الناس في هذا المقام إلا عطاءُ بن أبي رباح . . فإن لم يوجد فعبد الله بن أبي نجيح .
فالتفت أحد الغلامين إلى أبيه وقال : كيف يأمُرُ عاملُ أمير المؤمنين الناس بألا يستفتوا أحداً غير عطاء بن أبي رباح وصاحبه . .
ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه للخليفة ، ولم يُوفه حقَّهُ من التعظيم !! .
فقال سليمان لولده : هذا الذي رأيته يا بُني ـ ورأيت ذلَّنا بين يديه هو عطاءُ بن أبي رباح صاحب الفُتيا في المسجد الحرام . . ووارث " عبد الله بن عباس " في هذا المنصب الكبير .
ثم أردف يقول : يا بَنيَّ . .. تعلموا العلم ، فبالعلم يشرف الوضيع ، وينبُهُ الخاملُ ، ويعلُوا الأرقاءُ على مراتب الملوك .
لم يكن سليمان بن عبد الملك مبالغاً فيما قاله لابنه في شأن العلم .
فقد كان عطاء بن أبي رباح في صغره عبداً مملوكاً لامرأة من أهل مكة .
غير أن الله جل وعز أكرم الغُلام " الحبشي " بأن وضع قدميه مُنذُ نُعُومة أظفاره في طريق العلم ، فقسم وقته أقساماً ثلاثة : قِسمُ جعله لسيدته ؛ يخدمُها فيه أحسن ما تكون الخدمة ، ويؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدي الحقوق . وقسم جعله لربه ؛ يفرُغُ فيه لعبادته أصفى ما تكون العبادة وأخلصها لله عز وجل . وقسم جعله لطلب العلم حيث أقبل على من بقي حياً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطفق ينهل من مناهلهم الثَّرَّة(32) الصافية . فأخذ عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله ابن الزبير ، وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، حتى امتلأ صدره علماً وفقهاً ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما رأت السيدة المكية أن غُلامها قد باع نفسه لله . . . ووقف حياته على طلب العلم . تخلت عن حقها فيه ، وأعتقت رقبته تقرباً لله عز وجل ؛ لعل الله ينفع به الإسلام والمسلمين .
ومُنذُ ذلك اليوم اتخذ عطاء بنُ أبي رباح البيت الحرام مقاماً له . فجعله داره التي يأوي إليها . ومدرسته التي يتعلم فيها . ومُصلاه الذي يتقرب فيه إلى الله بالتقوى والطاعة .
حتى قال المؤرخون : كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح نحواً من عشرين عاماً . . .
وقد بلغ التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح منزلة في العلم ؛ فاقت كل تقدير . وسما إلى مرتبة لم ينلها إلا نفر قليل من معاصريه . فقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه ، أمَّ " مكة " مُعتمراً . .
فأقبل الناس عليه يسألونه ويستفتونه ، فقال : إني لأعجب لكم يا أهل " مكة " . أتجمعون لي المسائل لتسألون عنها وفيكم عطاءُ بن أبي رباح ؟ ! .
وقد وصل عطاء بن أبي رباح إلى ما وصل إليه من درجة في الدين والعلم بخصلتين اثنتين :
أولاهما : أنه أحكم سُلطانه على نفسه ؛ فلم يدع لها سبيلاً لترتع فيما لا ينفع . ..
وثانيتهما : أنه أحكم سلطانه على وقته ؛ فلم يهدره في فُضول الكلام والعمل . ..
حدَّث محمدُ بن سُوقة جماعة من زُواره قال : ألا أُسمعُكُم حديثاً لعله ينفعكم كما نفعني ؟ . قالوا : بلى .
قال : نصحني عطاء بن أبي رباح ذات يوم فقال : يابن أخي إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام . فقلت : وما فُضول الكلام عندهم . فقال : كانوا يَعُدون كُلَّ كلام فُضُولاً ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ ويُفهم . وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُروى ويُدرى . أو أمراً بمعروف ونهياً عن منكر . أو علماً يتقرب به إلى الله تعالى . أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لا بُد لك منها . ثم حدَّق إلى وجهي وقال :
أتنكرون إن عليكم لحافظين كراماً كاتبين (33). وأن مع كل منكم ملكين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (34).
ثم قال : أما يستحي أحدُنا لو نُشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره ؛ فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ، ولا أمر دُنياه . . .
ولقد نفع الله عز وجل بعلم عطاء بن أبي رباح طوائف كثيرة من الناس : منهم أهل العلم المتخصصون .
ومنهم أرباب الصناعات المحترفون . ومنهم غير ذلك . ..
حدَّث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسه قال : أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حَجَّامُ . .. وذلك أني أردت أن أحلِقَ لأخرُج من الإحرام ، فأتيت حلاقاً ، وقُلتُ : بكم تحلقُ لي رأسي ؟
فقال : هداك الله . النُّسُكُ لا يُشارط فيه ، اجلس واعط ما يتيسر لك . فخجلتُ وجلستُ . غير أني جلست منحرفاً عن القبلة . فأومأ إليَّ بأن استقبل القبلة ؛ ففعلت ، وازددت خجلاً على خجلي . ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقه ، فقال : أدِرْ شِقَّك الأيمن ؛ فأدرتُهُ . وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت أنظر إليه وأُعجب منه ، فقال لي : ما لي أراك ساكتاً ؟ . . كَبِّرْ . . . فجعلت أُكبِّرُ حتى قُمتُ لأذهب . فقال : أين تُريد ؟.
فقُلتُ : أُريدُ أن أمضي إلى رحلي . فقال : صلِّ ركعتين ، ثم امض إلى حيث تشاء . فصليتُ ركعتين ، وقُلتُ في نفسي : ما ينبغي أن يقع مثل هذا من حجام إلا إذا كان ذا علم . فقُلتُ له : من أين لك ما أمرتني به من المناسك ؟. فقال : لله أنت . . لقد رأيتُ عطاء بن أبي رباح يفعله ، فأخذته عنه ، ووجهت إليه الناس
ولقد أقبلت الدُّنيا على عطاء بن أبي رباح فأعرض عنها أشدَّ الإعراض ، وأباها أعظم الإباء . .. وعاش عُمُرهُ كُلَّه يلبس قميصاً لا يزيد ثمنه على خمسة دراهم .
ولقد دعاه الخلفاء إلى مصاحبتهم . . . فلم يُجب دعوتهم ؛ لخشيته على دينه من دنياهم ، لكنه ـ مع ذلك ـ كان يفد عليهم ؛ إذا وجد في ذلك فائدة للمسلمين ، أو خيراً للإسلام .
من ذلك ما حدَّث به عُثمان بن عطاء الخُراساني قال : انطلقت مع أبي نُريدُ هشام بن عبد الملك ، فلما غدونا قريباً من " دمشق " إذا نحن بشيخ على حمار أسود عليه قميص صفيق (35) وجبَّةُُ باليةُُ ، وقَلَنْسُوَةُُ لازقةُُ برأسه، وركاباه من خشب فضحكتُ منه ، وقُلتُ لأبي : من هذا ؟ . فقال : اسكُتْ ، هذا سيِّدُ فُقَهَاءِ الحجاز عطاءُ بن أبي رباح . . .
فلما قرُب منَّا نزل أبي عن بغلته ، ونزل هو عن حماره ، فاعتنقا وتساءلا ، ثم عادا فركبا ، وانطلقا حتى وقفا على باب قصر هشام بن عبد الملك . فما إن استقر بهما الجُلُوس حتى أذن لهما ، فلما خرج أبي قُلتُ له : حدثني بما كان منكما ، فقال : لما علم هشام أن عطاء بن أبي رباح بالباب ؛ بادر فأذن له ـ ووالله ما دخلت إلا بسببه ـ فلما رآه هشام قال : مرحباً مرحباً . . ههُنا ههُنا . . ولا زال يقول له . ههُنا ههُنا . حتى أجلسه معه على سريره ، ومسَّ برُكبته رُكبتَهُ . . وكان في المجلس أشراف الناس ، وكانوا يتحدثون فسكتوا . ثم أقبل عليه هشام وقال : ما حاجتُك يا أبا محمد؟ .
قال : يا أمير المؤمنين ، أهل الحرمين . .. أهل الله وجيران رسوله ؛ تُقسِّمُ عليهم أرزاقهُم وأُعطياتِهم . . .
فقال : نعم . . . . يا غُلام اكتُب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة .
ثم قال : هل من حاجة غيرها يا أبا مُحمد ؟ .
فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهل الحجاز وأهل " نجد " أصلُ العرب ، وقادة الإسلام ؛ تَرُدُّ فيهم فُضُولَ صدقاتهم . . فقال : نعم . . . يا غلام اكتب بأن تُرَدَّ فيهم فُضُولُ صدقاتهم .
هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمد ؟ . قال : نعم يا أمير المؤمنين .
أهل الثغور يقفون في وُجُوه عدوكم ويقتُلُون من رام (36) المسلمين بشرٍّ ؛ تُجري عليهم أرزاقاً تُدِرُّهَا عليهم . . فإنهم إن هلكوا ضاعت الثغور . . فقال : نعم . . . يا غُلام اكتب بحمل أرزاقهم إليهم . ..
هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ .
قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أهلُ ذمَّتِكُم لا يُكلَّفون ما لا يطيقون ، فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم . فقال : يا غلام اكتب لأهل الذمَّة بألا يُكلفوا ما لا يطيقون .
هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟
قال : نعم . . . اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين . . واعلم أنك خُلقت وحدك . . وتموت وحدك . . وتُحشر وحدك . . وتُحاسب وحدك . . . ولا والله ما معك ممن ترى أحد .
فأكَبَّ هِشام ينكُثُ في الأرض وهو يبكي . . فقام عطاء ، فقُمتُ معه . فلما صِرنا عند الباب ، إذا رجُلٌ قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه وقال له : إن أمير المؤمنين بعث لك بهذا . . فقال : هيهات (37). . .
وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (38). فو الله إنه دخل على الخليفة . . . وخرج من عنده . .. ولم يشرب قطرة ماء . . .
وبعدُ ، فقد عُمِّرَ عطاء بن أبي رباح حتى بلغ مئة عام . . ملأها بالعلم والعمل ، وأترعها (39) بالبر والتقوى ، وزكاها بالزهادة بما في أيدي الناس ، والرغبة بما عند الله . فلما أتاه اليقين وجده خفيف الحِملِ من أثقال الدنيا .. كثير الزاد من عمل الآخرة .. ومعه فوق ذلك سبعون حجة . . .
وقف خلالها سبعين مرة على " عرفات " وهو يسأل الله تعالى رضاه والجنة ويستعيذ به من سخطه والنار .
التقويم :
-
ماذا تعرف عن التابعي عطاء بن رباح .
-
( قال سليمان بن عبد الملك : يا بَنيَّ . .. تعلموا العلم ، فبالعلم يشرف الوضيع ، وينبُهُ الخاملُ ، ويعلُوا الأرقاءُ على مراتب الملوك ) دلل على هذا المعنى من خلال شخصية التابعي الجليل عطاء بن رباح .
-
عدد جهود عطاء بن رباح في خدمة الإسلام .
-
وضح الجوانب المؤثرة في حياة التابعي الجليل . وأى الجوانب تأثرت بها شخصياً .
-
وضح الآثار الجليلة التي خلفها عطاء بن رباح في بيئته .
-
" وقد وصل عطاء بن أبي رباح إلى ما وصل إليه من درجة في الدين والعلم بخصلتين اثنتين " أذكرهما . وماذا تتعلم من ذلك .
الحلقة
الحادية
والثلاثون
الحلقة الحادية والثلاثون
الهدف العام : أن يوقن بأن الله هو غاية المسلم
الأهداف المرحلية :
-
أن يوضح مفهوم الغاية .
-
أن يوضح سمات وخصائص غاية المسلم .
-
أن يوضح آثار الانحراف عن الغاية .
-
أن يوضح وسائل تحقيق الغاية .
الهدف المرحلى الأول : أن يوضح الدارس مفهوم الغاية :
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر الدارس معنى الغاية .
-
أن يوضح الدارس غايات الناس فى الحياة .
- معنى الغاية :
لغة : تعني مدي الشيء وهي النهاية والآخر والجمع غاي وغايات.
غاية السباق : نهايته ، وغاية الأمر : الفائدة المقصودة منه
*سأل رسول الله صلي الله عليه وسلم القعقاع بن عمرو : ماذا أعددت للجهاد ؟
قال : طاعة الله ورسوله والخيل.
فقال صلي الله عليه وسلم : " فتلك الغاية ".
شرعاً : الوصول إلي رضا الله عز وجل .
ب- غايات الناس فى هذه الحياة :
- حيرة وضلال :
لم يهتم كثير من الناس لفهم غاياتهم الحقيقية في الحياة ومن ثم كانت الحيرة والضلال.
قال الشاعر :
لعمري ما أدري وقد أزلف البلي بعاجل ترحالي إلي أين ترحالي
وأين محل الروح بعد خروجها عن الهيكل المنحل والجسد البالي
وقال آخر :
جئت لا أدري من أين ولكني أتيت فوجدت قدامي طريقاً فمشيت
* لذا حفل العصر الذي نعيش فيه بمذاهب وفلسفات تقوم علي هذا التخبط والضلال كالوجودية والعدمية وأثمرت ثمارها المرة في حياة الشباب التافه.
* وعاش الناس حياة الضياع والعدم وانتشرت المخدرات والجنس والعنف والشذوذ وسيطر ذلك علي أذواق الناس ومشاعرهم فكانت فنون وكتابات حتى قال قائلهم وهو أسبورن ( الكاتب الإنجليزي ) في مسرحية المسافر : ( نحن موتي مكدودون ضائعون ، نحن سكيرون مجانين ، نحن حمقي تافهون )
وتمني آخر ( أود أن أكون نهراً صغيراً ملئ بالأقذار والأوساخ )
ولما كانت هذه النظرة إلى الحياة انتشر الانتحار واعتزال الحياة وظهور جماعات العنف والشذوذ وعبدة الشيطان .
- غايات قاصرة ومنحرفة :
اختلفت غايات الناس في الحياة باختلاف درجاتهم في الفكر والنظر وكذلك الهمة والطموح.
( 1 ) نظروا للحياة نظرة مادية سطحية :
قال الأعرابي : ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا غير الدهر كما عبرت عنه الآية الكريمة
: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين 40
* غاية عرفجة :
سمع رجل رجلاً يقول : اللهم ارزقني ميتة كميتة عرفجة . فسأله من عرفجة وكيف مات ؟ فقال : لقد أكل حملاً مشوياً وشرب ماءً كثيراً ونام في الشمس فمات شبعان ريّان دفئان. فما أحسنها من ميتة .
- فهؤلاء شر الناس همّ أحدهم شهوة بطنه وفرجه ، وهم من أهل النار.
* سئل مطرف بن عبد الله : أو يكون هذا ؟ قال : نعم والله لقد ادركتهم في الجاهلية وإن الرجل ليرعي علي الحي ما له إلا وليدتهم يطؤها .
- كان المسلمين طوال عهدهم يسمو أحدهم بهمته أن تنحصر بين مطالب المعدة وشهوات البدن.
- قال الشاعر:
أنا إن عشت لست أعدم قوتاً وإن مت لست أعدم قبراً
همتي هـمة الملــوك ونفسي نفس حر تري المذلة كفراً
*و قد تكالبت على المسلمين خطط الأعداء ومؤامراتهم حتى حسرت غايتهم في مطعم حسن وملبس لين وقصر مشيد ونومة هنيئة وذلك من أجل إماتة الهمة وإخماد الحمية في النفوس المسلمة.
(2) الشهوات قبل فوات الأوان :
- زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث 41
- والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم 42
هذه حياة هذا الصنف من الناس وهذا نصيبهم من الحياة " متاع " وهو تصوير يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره ، والمتاع الحيواني الغليظ بلا تذوق وبلا تعفف. ] لهذا شبههم رسول الله صلي الله عليه وسلم بآكلة الخضرة التي أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وباتت ثم عادت وأكلت. [
كان الرومان قديماً ... يعدون أحواضاً للتقيؤ ، يتقيئون فيها ما أكلوه وما شربوه ثم يعودون للطعام والشراب.
في فارس ... كان مذهب مزدك الإباحي الملعون الذي أحل النساء وأباح الأموال وجل الناس في كل هذا شركاء كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ.
في الهند ... دخلت الشهوات في صميم الدين وصارت المعابد طقوساً من الفسق والفاحشة وأصبح الكهنة في المعابد أشد الناس عربدة وفحشاً، وأصبحت المعابد مواخير يترصد كل داعر بغيته حتى أنهم عبدوا الأجساد العارية وآلات التناسل واجتمعوا عليها وصنعوا لها التماثيل وقدسوها.
- وفي العصر الحديث ليس الحال بأفضل من سابقه حيث مستنقعات العري والزنا الشذوذ وإباحة المحارم ومن ثم كان السيلان والزهري والإيدز وغيرها وممارسة الجنس من سن الرابعة عشر.
- ولما سأل أحد الباحثين واحدة من القائمات علي التربية في أمريكا أجابت : إن العمر قصير جداً ويكفي ضياع أربعة عشر عام بدون متعة ولذة.
(3) الإفساد في الأرض :
لقد بين القرآن الكريم مقاصد بعض الناس شأنهم فى الحياة إيقاد الفتن وإحياء الشرور و المفاسد أولئك الذين قال الله فيهم :
ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام ، وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد 43
فمن الناس من تحركت همته فى اتجاه آخر .. فصارت غايته هي العلو و التمكين في الأرض و السيطرة على رقاب العباد .. و لو أدى ذلك للدمار و الخراب و الفساد و هذه هي آفة الزعماء و القادة و الملوك و الحكام .. و أصحاب النفوذ في كل زمان و مكان و ما قاسته البشرية على أيدي هؤلاء عبر تاريخها الطويل خير شاهد .
فكلما استولى هذا الشعور على فرد أو جماعة .. و أحس بأنه ليس على وجة الأرض من هو أقوى منه .. و أنه سيل جارف لا يمنعه شيء .. و قضاء الله الذي لا راد له ، و أن الشعوب كلها و الإنسانية برمتها عالة عليه و تحت رحمته و رهن إشارته .. و كلما أصبح شعار : القوة هي الحق .. هو مقياس الحق و الباطل .
هنالك ينقلب هذا الفرد أو تلك الجماعة قوة مدمرة عمياء أو بركاناً نارياً هائلاً يتفجر على الإنسانية و لا يقف في وجه زحفه و تدميره شيء .
و حكى القرآن على لسان النبي هود عليه السلام الذي بعث في قوم عاد هؤلاء .. فقال :
( أتبنون بكل ريع آية تعبثون . و تتخذون مصانع لعلكم تخلدون . و إذا بطشتم بطشتم جبارين ) ( الشعراء : 128 – 13. ) .
و يضرب القرآن نموذجاً من الحكام .. تمثلت فيه تلك السمات ، فيحكي عن فرعون فيقول :
( إن فرعون علا في الأرض و جعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم و يستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) ( القصص 4 ) .
التقويم
-
أذكر معنى الغاية .
-
عدد غايات الناس القاصرة والمنحرفة فى الحياة
-
وضح غايات الناس فى الحياة .
-
وضح إلى أى مدى تقترب أو تبتعد من غايات الناس القاصرة وما تنوي لعلاج ذلك إن وجدت فيك أى من هذه المثالب .
الحلقة
الثانية
والثلاثون
الحلقة الثانية والثلاثون
الهدف المرحلي الثاني : أن يوضح الدارس سمات غاية المسلم وخصائصها
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يذكر غاية الإنسان المسلم .
-
أن يوضح شرعية غاية المسلم .
-
أن يذكر مواقف من سيرة الصحابة تؤكد هذه الغاية .
-
أن يوضح سمات وخصائص هذه الغاية .
أ- غاية الإنسان المسلم :
يقول الله تبارك وتعالي : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات 56
ويقول أيضاً على لسان سيدنا موسي عليه السلام : و عجلت إليك ربي لترضى طه 84 .
كما يصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه بقوله سبحانه وتعالى : محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله رضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود .. الفتح 29 .
كل هذه الآيات وغيرها فى القرآن الكريم الكثير تؤكد أن غاية أنبياء الله ورسله والمؤمنون برسالاتهم هى تحقيق مرضاة الله عز وجل وابتغاء فضله سبحانه وتعالى .
ب- شرعية غاية المسلم :
الآيات القرآنية الكريمة الدالة على ذلك والتى تؤكد غاية المسلم كثيرة ونورد هنا بعضاً منها مما اختتمت به سورة الأنعام نقتطف بعضاً مما جاء فى معناها فى كتاب " فتح الرحمن فى تفسير القرآن " للأستاذ الدكتور عبد المنعم تعيلب . يقول الله تعالى : قل إننى هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين أمر مولانا الحكيم نبيه عليه الصلاة والسلام أن ينادي فى الناس : إن خالقى ومصلحي ومعبودي ومليكي سلك بي مسلكاً لا يعوج .. وبيّن وشرّع لى منها ما لا غيّ فيه ولا زيغ ، وارتضى أن نتبع طريقة وسنناً اصطفاه لخليله إبراهيم عليه السلام مقبلاً على التوحيد متجافياً عن الشرك .
ويقول جل وعلا : قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له دعوة إلى توحيد المولى القدوس ، وإفراده بالعبادة والتقرب ، وابتغاء رضاه دون سواه ، فإنه جل وعلا لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه ، روى عن مسلم فى صحيحه عن على بن أبي طالب رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال : " وجهت وجهي للذى فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لى ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، لبيك وسعديك والخير كله فى يديك والشر ليس إليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك " ( وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) آخرها إذعاناً لأمر الله وانقياداً لدينه ، ومسارعة إلى الاستمساك بحبله والوفاء بأمانات شرعه.
ونورد هنا أيضاً ما جاء فى ظلال خواتيم نفس السورة " سورة الأنعام " يقول صاحب الظلال : ( وفى ختام سورة الأنعام تجيء التسبيحة الندية الرخية فى إيقاع حبيب إلى النفس قريب وفى تقرير كذلك حاسم فاصل ... ويتكرر الإيقاع الموحي فى كل آية " قل " ... " قل " .... " قل " .. ويلمس فى كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة فى مكان التوحيد .. توحيد الصراط والملة توحيد المتجه والحركة ، توحيد الإله والرب ، توحيد العبودية والعبادة مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته .
" قل : إننى هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين "
إنه الإعلان الذى يوحي بالشكر ، ويشي بالثقة ، ويفيض باليقين ... اليقين فى بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية ، والثقة بالصلة الهادية ... صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية .. والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم ، الذى لا التواء فيه ولا عوج : " ديناً قيماً " ... وهو دين الله القويم منذ إبراهيم أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب : " ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين " .
" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له . وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين "
إنه التجرد الكامل لله بكل خالجة فى القلب وبكل حركة فى الحياة . بالصلاة والاعتكاف وبالمحيا والممات ، بالشعائر التعبدية ، والحياة الواقعية ، والممات وما وراءه .
إنها تسبيحة " التوحيد " المطلق ، والعبودية الكاملة تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات وتخلصها لله وحده " لله رب العالمين " القوّام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين ... فى " إسلام " كامل لا يستبقي فى النفس ولا فى الحياة بقية لا يعبّدها لله ، ولا يحتجز دونه شيئاً فى الضمير ولا فى الواقع ... " وبذلك أمرت " ... فسمعت وأطعت : " وأنا أول المسلمين " .
" قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " ..
كلمة تتخطى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن وتشمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل وتجمع كل حادث وكل كائن فى السر والعلانية ثم تظلها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن فى هذا الكون الهائل وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة.
ثم تعجب فى استنكار " أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء " ؟! أغير الله أبغي رباً يحكمني ويصرّف أمري ويهيمن علىّ ويقومني ويوجهني وأنا مأخوذ بنيتي وعملي محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية ؟ أغير الله أبغي رباً وهذا الكون كله فى قبضته ؛ وأنا وأنتم فى ربوبيته ؟!
أغير الله أبغي رباً وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره ؟ " ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى " .
أغير الله أبغي رباً وإليه مرجعكم جميعاً محاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه ؟ أغير الله أبغي رباً وهو الذى استخلف الناس فى الأرض ورفع بعضهم فوق بعض درجات فى العقل والجسم والرزق ؛ ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون ؟ أغير الله أبغي رباً وهو سريع العقاب غفور رحيم لمن تاب ؟ أغير الله أبغي رباً فأجعل شرعه شرعاً وأمره أمراً ، وحكمه حكماً ، وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة ؛ وكلها شاهدة ؛ وكلها هادية إلى أن الله وحده هو الرب الواحد المتفرد ؟؟؟ ..
إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية ، يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع . مشهد الحقيقة الإيمانية ، كما هي فى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد ..
وفى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ما يؤكد أيضاً هذه الغاية : فمن دعاء الرسول صلي الله علي وسلم بعد عودته من الطائف : " إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضي ولا حول ولا قوة إلا بالله . "
" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله . والله رؤوف بالعباد " ( البقرة 2.7)
ويشري هنا معناها يبيع .. فهو يبيع نفسه كلها لله ، ويسلمها كلها لا يستبقي منها بقية ، ولا يرجو من وراء أدائها وبيعها غاية إلا مرضاة الله . ليس له فيها شئ .. ببيعة كاملة لا تردد فيها ولا تلفت ولا تحصيل ثمن ، ولا استبقاء بقية لغير الله فهو يشتري نفسه بكل أعراض الحياة الدينا ليعتقها ويقدمها خالصة لله ، لا يتعلق بها حق آخر إلا حق مولاه . فهو يضحي بكل أغراض الحياة الدنيا ويخلص بنفسه مجردة لله .
وها هو سيدنا صهيب الرومي نموذج رائع من وضوح الغاية ففيه نزلت تلك الآية " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله . والله رؤوف بالعباد " ( البقرة 2.7) . ويحكي صهيب قائلا " لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلي الله عليه وسلم قالت لي قريش : يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك ؟ والله لا يكون ذلك أبدا فقلت لهم : أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني ؟ قالوا : نعم ! فدفعت إليهم مالي ، فخلوا عني ، فخرجت حتى قدمت المدينة ، فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فقال . ربح صهيب.. ربح صهيب "
نعم هذا هو الهدف .. أن تعيش فى هذا الكون وهدفك إرضاء الله عز وجل .
.. دعونا نضع فى حياتنا غاية كبري اسمها إرضاء الله عز وجل يتفرع منها أشياء أخري كثيرة ، ولكن غايتي فى الحياة هي إرضاء الله تعالي .
و من الأمور التى توصل إلى مرضاة الله عز وجل :
-
هداية البشر إلى الحق ، و إرشاد الناس جميعاً إلى الخير و إنارة العالم بشمس الإسلام : فذلك قوله تبارك و تعالى " يا آيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون * و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الذين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم و تكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و اعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى و نعم المصير " الحج 77 : 78 .
فبربك يا عزيزي هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذا المعنى ؟ فسمت نفوسهم و رقت أرواحهم و تحرروا من رق المادة و تطهروا من لذة الشهوات و الأهواء ، و ترفعوا عن سفا سف الأمور و دنايا المقاصد و وجهوا وجههم لله الذي فطر السموات و الأرض حنفاء يعلون كلمة الله و يجاهدون في سبيله و ينشرون دينه و يزورون عن حياض شريعته أم هؤلاء أسرى الشهوات و عبيد الأهواء و المطامع كل همهم لقمة لينة و مركب فاره و حلة جميلة و نومة مريحة و امرأة وضيئة و مظهر كاذب و لقب أجوف ؟ رضوا بالأماني و ابتلوا بحظوظهم و خاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا .
و صدق رسول الله صلى الله علية و سلم " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة " ( رسالة إلى أي شيء ندعو الناس )
فغايتنا عبادة الخالق تبارك و تعالى بهداية البشر إلى الحق و إرشاد الناس جميعاً إلى الخير و إنارة العالم بنور الإسلام .
-
و يوقن المسلم بأن منتهى الحياة مصيران لا ثالث لهما ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ... أما أنه ليس بعد الموت من مستعتب وليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار "
* ومن ثم كان غاية المسلم أن يفوز في أخراه بالجنة وينجو من الخسران.
- إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير 44
- قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم 45
- كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور 46
** كان من دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم " اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار "
** روي أبو داود وابن ماجة وأحمد عن جابر أن رسول الله قال لرجل : كيف تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهد ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ . قال النبي صلي الله علي وسلم : وحولهما ندندن .
وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم 47
و في الحديث عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالي يقول لأهل الجنة ، يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك . فيقول : أفلا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون يا رب وأي شئ أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ." رواه البخاري
الحلقة
الثالثة
والثلاثون
الحلقة الثالثة والثلاثون
- سمات غاية المسلم وخصائصها :
( 1) غاية الأنبياء والمرسلين :
كان الأنبياء جميعاً يعلنون لأقوامهم غاية واحدة هى الله سبحانه وتعالى وابتغاء رضوانه
* قال نوح علي السلام : لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا علي الله 48
* قال هود عليه السلام لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا علي الذي فطرني 49
* قال موسى عليه السلام وعجلت إليك رب لترضي 50
* النبي صلي الله عليه وسلم في الطائف بعد مالاقاه من أهل الطائف وصبيانهم وأدموا قدماه رفع يديه إلى السماء يناجي ربه ويدعوه فكان مما قاله عليه الصلاة والسلام : " إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي "
* وفى دعاء النبي صلي الله عليه وسلم " اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من سخطك والنار" تحديد للغاية
* وفى وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار ( وضوح للطريق ) .
( 2) غاية طريقها شرعي ومحدد :
لا تقبل الوسائل المنحرفة والملتوية ، فالغاية عندنا لا تبرر الوسيلة ، فالغاية المشروعة لا تقبل إلا الوسائل المشروعة ، لذا لابد للوسيلة أن توافق شرع الله.
* فمن كان يرجو لقاء ربه فيعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا الكهف 11..
* إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً.
- والعمل الخالص : هو ما ابتغي به وجه الله تعالي.
- والعمل الصواب : هو ما وافق شرع الله وهدي رسول الله.
* عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إن الله تعالي طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم " وقال : " يا أيها الناس كلوا من طيبات ما رزقناكم " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب لذلك " رواه مسلم
* بلغ رسول الله صلي الله عليه وسلم أن امرأة تتصدق من ثمن زناها فقال " ليتها لم تزن ولم تتصدق ".
إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل غمرته الربانية ولا يمكن له أن يستخدم وسيلة خسيسة غير مشروعة لتحقيق الغايات النبيلة فالوسيلة الخسيسة تدنس أرواح من يستخدمونها.
لذلك فإن المسلم الرباني الذي غايته الله ومرضاته يتحرى الوسائل الطيبة الطاهرة لتحقيق هذه الغاية
أما الماديون فلأن غاياتهم مادية وتدور حول منافع شخصية ، فإنهم لا يتورعون عن سلوك واستخدام أية وسيلة تبلغهم أهدافهم ، وإن كانت خسيسة حقيرة غير مشروعة .
( 3 ) غاية غالية وطريقها صعب :
يقول الحق سبحانه وتعالى إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة 51
ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين – على عهد رسول الله – صلي الله عليه وسلم – فتتحول من فورها فى القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم ، ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم ، أو يحسونها مجردة فى مشاعرهم . كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها . لتحويلها إلى حركة منظورة ، لا إلى صورة متأملة .. هكذا أدركها عبد الله بن رواحه – رضي الله عنه – فى بيعة العقبة الثانية . قال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد الله بن رواحه رضي الله عنه ، لرسول الله – صلي الله عليه وسلم – ( يعني ليلة العقبة ) - : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قال : فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ؟ قال " الجنة " . قالوا : ربح البيع ، ولا نقيل ولا نستقيل !
هكذا .. " ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل " .. لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين ، انتهي أمرها ، وأمضي عقدها ، ولم يعد إلى مرد من سبيل : " لا نقيل ولا نستقيل " فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار ، والجنة : ثمن مقبوض لا موعود ! أليس الوعد من الله ؟ أليس هو المشتري ؟ أليس هو الذي وعد الثمن . وعداً قديما فى كل كتبه : " وعداً عليه حقاً فى التوراة والإنجيل والقرآن " .
ليست أمراً هيناً ولا غنيمة باردة بل هي مطلب غالٍ وشريف ، لا ينالها إلا من بذل الجهد ودفع الثمن من جد في سبيلها وبذل نفسه وماله وحياته من أجلها ، ومن طلب عظيماً خاطر بعظيمته " نفسه ".
وقال تعالى أيضاًَ : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين 52
وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة . " رواه الترمذى . وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " رواه مسلم
وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لبشير ابن الخصاصية الذي جاء ليبايع علي كل شيء عدا الجهاد والصدقة : " لا جهاد ولا صدقة فَبِمَ تدخل الجنة إذن " رواه أحمد .
ومن أقوال العلماء : قال الإمام ابن القيم : يا ضعيف العزم أما تعلم أنك تسير في طريق ناح فيه نوح وألقي في النار إبراهيم ، وذبح السيد الحصور يحيي ، ولبث يوسف في السجن بضع سنين ، ولاقي الأذى والعنت محمد صلي الله عليه وسلم.
كما قال أحد الصالحين : يا مغرور تريد أن تسكن الجنان وتجاور النبيين وتتمتع بالحسان بأي شهوة تركتها ؟ بأي غضب كظمته ؟
وقال الدكتور / يوسف القرضاوي
يا سيد الرسل طب نفساً بطائفة باعوا إلي الله أرواحاً وأبداناً
أعطوا ضريبتهم للدين من دمهم والناس تزعم نصر الدين مجاناً
أعطـوا ضريبتهم صبراً علي محن صاغت بلالاً وعماراً وسلمانا
و قال يوسف العظم
إنهـا الجنـة تبغي ثمنــاً عز إلا من شرايين الشهيد
( 4 ) غاية مضمونة التحقيق :
إن غايتنا تتحقق بمجرد السعي ودون ارتباط بنتيجة تقع أو هدف يتحقق طالما كان العمل خالصا صوابا. أي أن هذه الغاية تتحقق بمجرد السعي لها .. دون ارتباط لذلك بتحقيق أي أهداف ظاهرة فى الدنيا .. فيكفي العامل لهذه الغاية أن يكون عمله خالصا لله ، ويبغي به رضاه سبحانه وحده ، وأن يكون هذا العمل موافقا للشرع ومحددا بحدوده .. وإن لم يتحقق منه ، أو يكون له أثر ونتيجة .
ومن أبرز الأمثلة على ذلك : أن بعض الأنبياء الكرام لم يستجب لدعوتهم أحد ، وبعضهم استجاب له رجل واحد أو رجلان أو رهط قليل من الضعفاء والمساكين ... فتحققت غايتهم دون نصر فى الأرض وتمكين .
وهؤلاء المؤمنون الصادقون ، أصحاب الأخدود الذين ماتوا فى مشهد رهيب دون نصر وتمكين .. ورغم ذلك كان قول الحق سبحانه وتعالي فيهم :
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير 53.
وهؤلاء صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم الذين استشهدوا على رمال مكة .. تحت سياط التعذيب ولم يشهدوا فتوح الإسلام وقيام دولته كالسيدة سمية وزوجها ياسر أول شهداء الإسلام.
وهؤلاء الشهداء الكرام كان يمر عليهم الرسول صلي الله عليه وسلم وهم يكتوون بنيران المحنة البشعة .. قائلا : " صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة " .
وهذا هو ما يميز غاية المسلم عن غايات الأرضيين والماديين على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم ، فقد يعمل أحدهم لغاية ما .. وعندما لا تتحقق هذه الغاية يكون قد خسر كل شئ .. كمن يسعي للرئاسة والصدارة مثلا كرئاسة دولة ، أو نيل وزارة ، أو فوز فى انتخابات ، أو الحصول على مال ، وثروة أو جاه ونفوذ .. فإن لم يصل إلى هدفه ذلك .. فهو الخسران المبين .. رغم ما بذله من جهد وما أنفقه من وقت ومال وما قدمه من تعب وعرق وجهد .
( 5 ) غاية ثابتة ووحيدة :
فهذه الغاية بالنسبة للمسلم هي غايته الوحيدة والواحدة التى لا تتغير بتغير الظروف والأحوال ، فهي غايته فتي وشابا ورجلا وكهلا وشيخا .
وهي غايته طالبا وعاملا وصانعا وفقيرا أو غنيا وصحيحا أو مريضا .
فهي غايته على كل حال وفى كل حين .. لا يهدأ له بال حتى يصل إليها ويفوز بها .
سئل الإمام أحمد : متي يجد العبد طعم الراحة ؟
قال : عند أول قدم يضعها في الجنة.
وقد تكون للإنسان فى هذه الدنيا طموحات وأهداف .. ولكن يبقي ذلك كله صغيرا وضئيلا بجانب ذلك الأمر العظيم .. الوصول للغاية والفوز بها .
فإن كان مباحا .. وجب ألا يزاحم الغاية فى قلب المؤمن ، وألا يستعبد قلبه ويسيطر على نفسه حتى لا يكون بمثابة غاية فاسدة .. تفسد القلب وتهلك صاحبه .
ولذا حذر الرسول الكريم من ذلك بقوله : " تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ، تعس عبد المرأة .. "
ويتحدث عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قائلا : " إن لي نفسا تواقة .. ما تاقت إلى شئ إلا وصلت إليه .. لقد تاقت إلى الإمارة فنالتها .. ثم تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فنالتها .. ثم تاقت إلى الخلافة فنالتها .. ثم هي تتوق إلى الجنة .. وأرجو أن تنالها " وإن صار هذا الطموح منافيا للغاية .. ومفسدا للنية .. وجب طرحه ونفيه .. فإن غايتنا لا تقبل شريكا لها فى قلب المؤمن .. ولا يقبل الله عملا أشرك معه فيه غيره فيقول سبحانه فى الحديث القدسي : " أنا أغني الشركاء عن الشرك .. فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته لشركه "
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك فى سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله " متفق عليه .
( 6 ) غاية تتفق مع نواميس الكون كله :
الكون كله خاضع لله ، مسلم له ، مسبح بحمده ومتوجه إليه فعندما يعمل المسلم لتلك الغاية ينضم لهذا الكون الخاضع لله ومن يقرأ هذه الآيات الكريمة يتضح له ذلك .
- وله أسلم من في السموات والأرض 54
- سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم 55.
- يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته 56
- وإن من شيء إلا يسبح بحمده 57
- " وله أسلم من فى السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون " آل عمران 83
فهيا أسرع وانضم إلى الكون كله ومخلوقات الله كلها تسبح الله وتحمده وتخشع له .
ونختم بما أورده صاحب الظلال فى وصف من وافق نظام الكون فى تسبيح الله وتحميده ومن صادمه فيقول : ( إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام . صورة كونية تأخذ بالمشاعر .. صورة الناموس القاهر الحاكم الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحدة وشرعة واحدة ومصير واحد " وإليه يرجعون " .
ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله ، من الرجوع إلى منهج الله فى ذات نفسه ، وفى نظام حياته ، وفى منهج مجتمعه ليتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه ، فى حين أنه مضطر أن يعيش فى إطار هذا الكون . وهو حين يصطدم مع النظام الكوني يتمزق وينسحق أو لا يؤدي وظيفة الخلافة فى الأرض كما وهبها الله له . وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التى تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه يملك معرفة أسرارها ، وتسخيرها والانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر والفطرة البشرية فى أصلها متناسقة مع ناموس الكون مسلمة لربها إسلام كل شئ وكل حي . فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب ، إنما يصطدم بفطرته التى بين جنبيه فيشقي ويتمزق ويحتار ويقلق ويحيا كما تحيا البشرية الضالة النكدة اليوم فى عذاب من هذا الجانب على الرغم من الانتصارات العلمية ، وجميع التسهيلات الحضارية المادية . إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيدا عن ذلك الظل الوارف الندي . ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدا عن الخط القويم والطريق المأنوس المطروق !
ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب ، وتحس الخواء والجوع والحرمان ، وتهرب من واقعها هذا بالأفيون والحشيش والمسكرات ، وبالسرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء ، والشذوذ فى الحركة واللبس والطعام ، وذلك على الرغم من الرخاء المادي والانتاج الوفير والحياة الميسورة والفراغ الكثير .. لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتزايد كلما تزايد الرخاء المادي والانتاج الحضاري واليسر فى وسائل الحياة ومرافقها .
إن هذا الخواء المرير ليطارد البشرية كالشبح المخيف . يطاردها فتهرب منه . ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير !
وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية فى الأرض يواجه الانطباع الأول فى حسه أن هؤلاء قوم هاربون ! هاربون من أشباح تطاردهم . هاربون من ذوات أنفسهم .. وسرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع الحسي الذي يصل إلى حد التمرغ فى الوحل ، عن الأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والقلق والمرض والجنون والمسكرات والمخدرات والجريمة . وفراغ الحياة من كل تصور كريم !
إنهم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الحقيقية .. إنهم لا يجدون سعادتهم لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون ، وبين نظامهم وناموس الوجود ..إنهم لا يجدون طمأنينتهم لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون ..
التقويم
-
-
أذكر غاية الإنسان المسلم .
-
وضح شرعية غاية المسلم .
-
أذكر مواقف من سيرة الصحابة تؤكد هذه الغاية .
-
وضح إلى أى مدى تتفق غايتك فى الحياة مع غاية المسلم الحق كما وضح القرآن الكريم وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
-
وضح سمات وخصائص غاية المسلم .
-
وضح إلى أى مدى تستشعر فى نفسك سمات وخصائص غاية المسلم الحق .
-
أذكر أحد المواقف العملية التى مررت بها شخصياً واستشعرت خلالها أهمية وضوح غايتك كمسلم وكان لذ لك أعظم الأثر على سلوكك فى هذا الموقف .
-
الحلقة
الرابعة
والثلاثون
الحلقة الرابعة والثلاثون
الهدف المرحلي الثالث : أن يوضح الدارس آثار الانحراف عن الغاية
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
-
أن يبين الدارس المقصود بالانحراف عن الغاية .
-
أن يوضح الدارس مظاهر الانحراف عن الغاية .
-
أن يذكر الدارس آثار غياب الغاية .
-
أن يقوّم الدارس نفسه في مدى وضوح الغاية أو غيابها لديه .
-
نقصد بالانحراف عن الغاية :
ضعف الإحساس بخطورتها وعدم استشعار أهميتها ومزاحمة المطامع الدنيوية على اختلافها لها . فتتعكر النفس و يتغير القلب وتتسلل إليه الآفات فتفسد النوايا والمقاصد وتحبط الأعمال والأفعال .
إن الرياء و الغرور و الكبر و التعالي و حب الزعامة و التطلع لأعراض الدنيا من مناصب أو جاه أو سلطان إلى غير ذلك من اهتمامات الدنيا الهابطة كل ذلك من أمراض القلوب التي تنحرف بصاحبها عن الغاية و هي أشد خطرا من أمراض الأجساد لأن أمراض الأجساد أثرها على الجسد الفاني فترة الحياة الدنيا أما أمراض القلوب فأثرها ممتد مع الروح الباقية فترة الدنيا و الآخرة ، إن أمراض القلوب تفسد النية و تحبط الأعمال و ليس بالضرورة أن يكون الانحراف عن الغاية يعني التوجه الكامل إلى الأغراض الدنيوية و التحول الكامل عن الله و لكن مجرد وجود أي قدر من تلك الأغراض في النية و استقرارها في القلب فهو كافي لإحباط العمل و إخراجه من دائرة الإخلاص و البعد به عن مرضاة الله عز وجل .
* من مظاهر الانحراف عن الغاية :
1- النشاط فى العمل علانية والكسل عنه خالياً :
- و في ذلك قال أبو أمامة الباهلى عندما رأى رجلاً فى المسجد يبكى فى سجوده أنت أنت لو كان هذا فى بيتك؟.
* وقال على بن أبى طالب : للمرائي علامات : يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان فى الناس.
* و قال أحد الصالحين التمس نفسك فى ثلاث : الصلاة والذكر والخلوة ، وإلا فاعلم أن الباب مغلق.
2- حب المدح والسرور به وخوف الذم والانقباض له :
-قال خالد بن صفوان : غرهم ستر الله ، فتنهم حسن الثناء ، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك.
- قال أحد الصالحين : رب مغتر بثناء الناس عليه وهو لا يعلم ، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم.
- قال ابن تيميه - عن مثل هذا المنحرف - ترضيه الكلمة وتغضبه الكلمةس، ويستعبده من أثنى عليه ولو بالباطل ويعادى من يذمه ولو بالحق.
3- التطلع للصدارة والحرص على الإمارة :
الصدارة و الرئاسة من أشد الأمراض على القلب
- قال سفيان الثوري : ما رأيت الزاهد في شيء أقل منه في الرئاسة و هذه الشهوة الغلابة تفسد القلب فلا يسهل إصلاحه .
-و قال الفضيل بن عياض من عشق الرئاسة فقد تودع من صلاته
- قال إبراهيم ابن أدهم ما صدق الله من أحب الشهرة .
- قال بشر : ما أعرف رجلاً أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح .
- قال رسول الله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه فى سبيل الله إن كان فى الحراسة فهو فى الحراسة وإن كان فى الساقة فهو فى الساقة) .
4- انتقاص الآخرين وتصيد الأخطاء وتلمس العيوب :
و هي من علامات الاستدراج للعبد كما يقول السري السطقي " من علامات الاستدراج للعبد عماه عن عيوبه و إطلاعه على عيوب الناس "
و قال الفضيل : المؤمن يلتمس الأعذار والمنافق يطلب العثرات.
كما أنه من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد إخوانه.
5- كثرة الكلام والجدل وقلة العمل :
-و قد عده الفضيل بن عياض فاصلا بين المؤمن و المنافق فقال : إن المؤمن قليل الكلام كثير العمل و إن المنافق كثير الكلام قليل العمل
- قال عمر : رحم الله إمرا أمسك فضول القول وقدم فضول العمل.
- قال بلال بن سعد : إذا رأيت رجلاً لجوجاً ممارياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته.
6- كثرة الأعذار والتردد :
فالانسان يتردد بين جذبين شديدين ، جذب غايته و هي رضا الله و رضوانه و جذب الدنيا و شهواتها و كلما ضعف أحدهما قوي الآخر و اشتد .
) يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلى قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما و يستبدل قوما غيركم و لا تضروه شيئا ( 58.
7- التعثر والتساقط و حرمان الثواب :
قال بن الجوزى : إنما يتعثر من لم يخلص و فساد الانتهاء يتوقف على فساد الابتداء .
و طالما ردد الصالحون ليس الطريق لمن سبق ولكن الطريق لمن صدق.
قال الحسن : أن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها ، وكل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
ولنا فى المنافقين آية وعبرة ) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ( المنافقون 3
- كما أن للانحراف عن الغاية آثار فإن لغيابها آثار أخطر وأعظم فمن آثار غياب الغاية :
تعثر العمل وعدم استقامته و استمراره ( فما كان لله دام واتصل : وما كان لغير الله قطع وانفصل ) .
كما قال أحد الصالحين : " كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل " .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته .. يوصيه فقال " أما بعد .. فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين " .
فإذا كان أمر الله هو النافذ فى هذه الحياة .. وقد كتب الله على نفسه أنه لا يصلح عمل المفسدين فلم خداع النفس ؟
ولم تمنياتها بانتصار مبني على أوليات ومقدمات فاسدة بينة العوار ، صاحبها أدري الناس باعوجاجها ؟
ولذلك أوصى الإمام البنا إخوانه قائلا :
" إن الإخلاص أساس النجاح ، وإن الله بيده الأمر كله ، وإن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم .. وإزكاء نفوسهم وإخلاص قلوبهم .. وعملهم عن عقيدة واقتناع جعلوا كل شئ وقفا عليها حتى اختلطت نفوسهم بعقيدتهم وعقيدتهم بنفوسهم .. فكانوا هم الفكرة وكانت الفكرة إياهم .
فإن كنتم كذلك ففكروا والله يلهمكم الرشد والسداد واعملوا ، والله يؤيدكم بالمقدرة والنجاح . وإن كان فيكم مريض القلب .. معلول الغاية .. مستور المطامع مجروح الماضي .. فأخرجوه من بينكم ، فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق " .
- و من آثار غياب الغاية :
يقول الأستاذ عمرو خالد موضحاً آثار غياب الغاية على الشباب خاصة : أنني أري أن مجتمعاتنا تعاني من شباب بلا أهداف ، فكل يوم ينشأ مقهى جديدا ، وتعد المقاهي أكثر المشاريع رواجا ، لماذا ؟ لأن الشباب يجلس عليها بالساعات – ونجد على بعض المقاهي شبابا فى عمر الزهور ولكن للأسف إما جالس يلعب " دومنة " أو " يشرب الشيشة " أو شارد فى لا شئ .
وهل يعقل أن يكون هناك شاب كل غايته أن يعجب بفلانة ؟
رأيت هذه النماذج للأسف .. شباب بلا طموح
.. يعتمد على أهله فى مأكله ومشربه ولا يحاول أن يصنع لنفسه مستقبلا .. لا يمكن أن نعيش فى هذا الفراغ أيها الشباب ، لا يمكن بذلك أن نبني مجتمعا .
هل تعلم .. أن علماء الاجتماع يستطيعون أن يقيسوا قدرة المجتمعات على الاستمرار والنمو ويمكن أن يحددوا شكل المجتمع بعد عدد من السنين وبعد كم سنة يمكن أن ينهار هذا المجتمع – فماذا يفعل هؤلاء العلماء ؟!
... إنهم يدرسون أحوال الشباب واهتماماتهم ، فإذا وجدوا شبابا بلا هوية وبلا أهداف فيعلمون أن هذا المجتمع سوف يسقط بعد كذا سنة وتكون حساباتهم دقيقة .
وسأحكي لكم قصة طريفة في هذا المعني :
ظل المسلمون في الأندلس ثمانية قرون ، ملأوا خلالها الأرض حضارة وعلما ودينا ، ولم يكن البرتغاليون راضين عن وجود المسلمين فى الأندلس ويريدون طردهم إلى المغرب العربي ، فماذا يفعلون ؟ بدأ البرتغاليون فى دراسة اهتمامات الشباب المسلم فى الأندلس وبدأوا يرسلون الجواسيس داخل الأندلس لهذا الغرض ، وذات يوم دخل بعض هؤلاء الجواسيس على مجموع من الشباب فوجدوا مشادة بين شابين ، ففرحوا وذهبوا ليتحققوا من الأمر ، فوجدوهما يختلفان حول ترتيب حديث فى صحيح البخاري ، فرجعوا وقالوا .. لا تسقط هذه الأمة الآن ، ومرت سنتان وعاد الجواسيس مرة أخري فوجدوا الشباب مازال يتكلم فى قضايا العلم والدين ، فعادوا خائبين مرة أخري – وبعد سنتين عادوا مرة ثالثة فوجدوا شابا جالسا يبكي فسألوه ماذا يبكيك ؟
قال لقد تركتني رفيقتي – فعاد الجواسيس وقالوا .. الآن يمكنكم أن تنتصروا على المسلمين وبالفعل سقط المسلمون وطردوا من الأندلس بمنتهى البساطة وبعدها بخمسة وعشرين سنة كان كل شيء قد انتهي تماما ولم يعد للأندلس ذكر ....... القضية أيها الشباب هي الغاية والهدف – هل لك هدف فى الحياة أم لا ؟؟
ما الأسباب التى تجعل الشباب لا يحس بالمسئولية أو لا يريد أن يتحملها ؟!
لدينا مجموعة نقاط محددة ترونها سببا لعدم وجود أهداف فى الحياة :
... ضعف الهمة ، وفقدان الثقة فى النفس ، وغياب القدوة ، وفقدان الطموح .......
ولكن فى الحقيقة كل هذه الأسباب لا يصح أن تكون مبررات تريح ضمير أي شاب من الشباب يبرر بها حياته دون أهداف أو طموح .
انظر إلى شخص مثل إبراهيم ابن أدهم وكان من كبار الزهاد وقد كان فى بداية حياته شابا مدللا مرفها يقول فى أحد الأيام كنت أركب فرسي وأطارد غزالا فى الطريق فإذا برجل عجوز يأخذ بلجام فرسي وينظر إلى ويقول : يا إبراهيم .. ألهذا خلقت ؟ أم بهذا أمرت ؟! .. أي خلقت للعب والمرح ؟! وكان هذا هو مفتاح طريقه إلى الزهد وأصبح من كبار الزهاد . ( الغاية لعمرو خالد )
التقويم
-
بيّن المقصود بالانحراف عن الغاية .
-
وضح مظاهر الانحراف عن الغاية .
-
أذكر آثار غياب الغاية .
-
أذكر موقف عملي شاهدته ظهر خلاله أثراً لغياب أو نسيان الغاية عند صاحبك – وماذا تعلمت شخصياً من هذا الموقف .
الحلقة
الخامسة
والثلاثون
الحلقة الخامسة والثلاثون
الهدف المرحلي الرابع : أن يوضح الدارس وسائل تعميق الغاية
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس وسائل تعميق الغاية .
-
أن يوضح الدارس وسائل تعميق الغاية .
-
أن يقوِّم الدارس مدى التزامه بوسائل تعميق الغاية .
عرفنا خطورة الانحراف عن الغاية أو نسيانها وما قد يؤدى إليه ذلك من سخط الله وغضبه وخسران الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، وهذا يتطلب من المسلم الحذر كل الحذر ، واليقظة كل اليقظة ، والجد والاجتهاد فى أن يحدد ويعرف ويعمل بالوسائل التى تعينه على تحقيق غايته والفوز بمرضاة ربه ومن هذه الوسائل :
1- الإخلاص :
ولأهمية الإخلاص وما يترتب عليه وردت آيات وأحاديث نبوية كثيرة نورد بعضها على سبيل المثال : فمن الآيات : " قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين . وأمرت لأن أكون أول المسلمين " " قل الله أعبد مخلصا له ديني " " قل إن صلاتي و نسكي و محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " 162-163 الأنعام " ألا لله الدين الخالص " " هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين "
ومن الأحاديث النبوية حديث " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىءٍِ ما نوى ... " وهو حديث يوضح أثر النية على الجزاء . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم " رواه مسلم . وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك فى سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله " متفق عليه .
ومن نماذج الإخلاص فى الغاية ذلك الأعرابي الذي جاء النبي صلي الله عليه وسلم فآمن به وأسلم ، ثم قال : يا رسول الله ، أهاجر معك .. فأوصي به الرسول بعض صحابته .. فلما كانت غزوة خيبر غنم المسلمون غنائم فجعل الرسول يقسمها بين أصحابه .. وقسم له سهمه ، فلما دفع إليه قال : يا رسول الله ، ما هذا الذي أرسلت إلى ؟ قال الرسول صلي الله عليه وسلم " قسم قسمته لك " فقال الأعرابي : بأبي أنت وأمي يا رسول الله .. ما علي هذا اتبعتك .. ولكن اتبعتك على أن أرمي بسهم هاهنا – وأشار إلى حلقه – فأموت فأدخل الجنة فقال الرسول صلي الله عليه وسلم : " إن تصدق الله .. يصدقك "
ثم قاموا للقتال .. حتى إذا انجلت المعركة أتي بالأعرابي قد نفد سهم من حلقه فأرداه شهيدا فقال صلي الله عليه وسلم " أهو هو " قيل : بلي يا رسول الله قال " صدق الله فصدقه ".
فإن إخلاصه لغايته يوجب عليه أن يكون ارتباطه بالله سبحانه وتعالي وبمنهجه ودعوته .. ومن ثم تكون صلته بالأسماء والأشخاص تبعا لارتباطهم بالله سبحانه وتعالي ومنهجه ودعوته .. فيعرفهم بالحق .. ولا يعرف الحق بهم .. ويرتبط بهم ما داموا على الحق .. فإذا تخلوا عنه فلا قدر لهم عنده .. ولا رباط بينه وبينهم .. مهما كان لهم من بريق وحولهم من أضواء ، لهم من سابق فضل وتأثير .
وهذا هو ما وجه إليه الحق سبحانه فى كتابه الكريم حين قعد بعض الصحابة عن القتال ، بعد إشاعة مقتل الرسول صلي الله عليه وسلم فى غزوة أحد فنزلت الآيات :
" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " آل عمران 144
وهكذا كان موقف أنس بن النضر رضي الله عنه ، فقد قال لأصحابه فى تلك الغزوة حين أخبروه بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ظنوا " قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم " وما زال يقاتل حتى استشهد .
وكان حسم الصديق رضي الله عنه بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم وأداً لفتنة كادت تطل برأسها حين نادي وقال : أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .
2 – تجديد النية دائماً ومراجعة هدفك فى الحياة :
-
تجد هدف البعض في هذه الحياة هو جمع المال .... هذا المال ليس هدفاً في حد ذاته إنما هو وسيلة نحقق بها أهدافاً أعلى .. ألا نرى كثيرين معهم المال و لكنهم محطمون من داخلهم دعونا نأخذ المال وسيلة لغاية أكبر دعونا نربطه بالله تعالى .. و كيف يكون المال مرتبطاً بالله تعالى نعم أريد أن أكسب المال حتى أعيش حياة كريمة و حتى أربي أولادي تربية كريمة أصلهم فيها بالله .. تخيل لو كانت هذه نيتك و أنت تجمع المال فتكون في طاعة الله في دقيقة تجمع فيها هذا المال و يمكنك أن تتخيل أي هدف في حياتك في ضوء هذا الإطار.
-
شاب يريد أن يتزوج ... لتجعل الله هو الغاية ، فتكون نيتك من الزواج أن تعف نفسك عن ما يغضب الله و أن تأخذ بيد زوجتك إلى طاعة الله لتكوِّنا بيتاً مسلماً يرضى عنه الله و تلهو و تخرج و تسافر و لكن يكون الله فوق هذه الغاية دائماً .
فاسأل نفسك ما هو هدفي فى هذه الحياة ؟
هناك حكمة تقول كن رجلاً بألف رجل فإن لم تستطع فكن رجلاً و لا تكون نصف رجل
و كم حولنا من أناس أخذوا على عاتقهم غايات كبيرة فهناك فلان بألف رجل و فلان بمائة رجل و هناك أنصاف رجال و أرباع و هناك أصفار ... فانظر ماذا تريد أن تكون ؟!
و عندما جاء الاستعمار إلى بلدنا في أواخر القران الثامن عشر و أوائل القرن التاسع عشر وجدوا في المسلمين معادن الرجولة و وجدوا الشباب المسلم – رغم ضعفه – إلا أنه مازالت له أهداف كبيرة فوجدوا أنه لا سبيل للسيطرة على العالمين العربي و الإسلامي إلا بخطة ذات اتجاهين الأول : تميع هذا الشاب و الثاني : محو حضارة أجداده من ذاكرته .
لذلك نجد بعض الشباب يمشي في الشوارع حالقاً شعره و يستمع إلى موسيقى غربية لا يفهمها و يغازل البنات بأسلوب غير لائق .. و نسوا أن أجدادهم عمر بن الخطاب و خالد بن الوليد و عثمان وعلي بن أبي طالب .. نسوا كل هذا فبدأت عوامل الانهيار.
من الواجبات العملية :
-
أمسك بورقة و قلم و اكتب أهدافك في الحياة فمن العيب أن تعيش و تموت و أنت لا تعرف ماذا تريد في الحياة .
-
اصطحب النية معك في كل عمل تقوم به .
التقويم
-
-
وضح وسائل تحقيق الغاية .
-
وضح الوسائل العملية التى أخذت بها شخصياً وكان لها أعظم الأثر فى استحضار غايتك دائماً .
-
وضح إلى أى مدى تلتزم بالوسائل العملية لتحقيق الغاية .
-
المصادر :
- رسالة المؤتمر الخامس أ/ حسن البنا .
- الغاية أ/ عمرو خالد .
- طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف أ/ مصطفى مشهور .
- غايتنا أ/ عبد الحليم الكناني .
الحلقة
السادسة
والثلاثون
الحلقة السادسة والثلاثون
الهدف العام : أن يؤمن بوجوب الدعوة إلى الله
الأهداف المرحلية :
الأول : أن يوضح مفهوم الدعوة إلى الله .
الثاني : أن يوضح شرعية الدعوة إلى الله .
الثالث : أن يوضح أهمية الدعوة إلى الله وضرورتها .
الرابع : أن يوضح الشبهات التي تثار حول الدعوة إلى الله و يفندها .
الخامس : أن يوضح أهم صفات الداعي إلى الله .
الهدف المرحلى الأول : أن يوضح الدارس مفهوم الدعوة إلى الله .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس مفهوم الدعوة لغة واصطلاحاً .
-
أن يوضح الدارس ما تهدف إليه الدعوة إلى الله .
-
أن يوضح الدارس أن الدعوة إلى الله واجب ثقيل .
أ- مفهوم الدعوة لغة واصطلاحا :
-
من معاني الدعوة لغة :
-
الدعوة الى قضية يراد إثباتها أو الدفاع عنها سواء كانت حقا أو باطلا كما يفهم من قوله تعالي : " ويا قوم مالي أدعوكم الى النجاة وتدعونني الى النار " ( آية 41 غافر ) فاستبان أن هناك دعوة الى الجنة ودعوة الى النار .
-
المحاولة القولية أو الفعلية والعملية لإمالة الناس الى مذهب أو ملة " المصباح المنير مادة دعا " .
-
جاء فى لسان العرب لابن منظور يقول ربنا عز وجل : " والله يدعو الى دار السلام " يونس 25 قال فى اللسان : "ودعاء الله خلقه إليها كما يدعو الرجل الناس إلى مدْعاةٍ ، أي إلى مأْدبة يتخذها أو طعام يدعو الناس إليه " والمراد بدعوته سبحانه الى دار السلام - وهي الجنة – دعوته عباده إلى ما يكون سببا فى دخولهم الجنة وهو الالتزام بدينه ، والذين يستجيبون لهذه الدعوة هم حزب الله " ألا إن حزب الله هم المفلحون " (آية 22 المجادلة) لأنهم أجابوا داعي الله وآمنوا به ، والشيطان له حزب وهو يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ، وحزب الشيطان هم الخاسرون وسيأتون يوم القيامة نادمين لعدم إجابتهم لداعي الله يقولون : " ربنا أخرنا الى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل .. " ( آية 44 إبراهيم ) . فهناك إذن من يدعو إلى الطاعة والمعروف ومن يدعو إلى المعصية والمنكر ولهذا سمي الرسول صلي الله عليه وسلم – داعيا إلى الله " وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " (آية 46 الأحزاب) . وقالت الجن لما سمعت الذكر : " يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به " (أية 31 الأحقاف) . قال فى اللسان : والدعاة يدعون الناس إلى بيعة هدي أو ضلالة وأحدهم داع أو رجل داعية : إذا كان يدعو إلى بدعة أو دين ، وأدخلت التاء المربوطة للمبالغة والنبي صلي الله عليه وسلم – داعي الله تعالي وكذلك المؤذن وفى التهذيب المؤذن داعي الله ، والنبي صلي الله عليه وسلم – داعي الأمة الى توحيد الله وطاعته "
-
الدعوة اصطلاحا :
-
يقول الإمام بن القيم " الدعاة جمع داع ، كقاض و قضاة ، و رام و رماة ، و إضافتهم إلى الله للاختصاص، أي الدعاة المخصوصون به الذين يدعون إلى دينه و عبادته و معرفته و محبته ، و هؤلاء هم خواص خلق الله و أفضلهم عند الله منزلة و أعلاهم قدرا "59
فالداعي إلى الله هو الذي يحاول دعوة الناس بالقول و العمل إلى الإسلام و إلى تطبيق منهجه و اعتناق عقيدته و تنفيذ شريعته .
والدعوة الى الله هي وظيفة المرسلين الذين اختارهم الله – عز وجل – لحمل رسالته وتبليغها الى الناس ، ولهذا فهي من أشرف الوظائف وأهمها لأن الرسل هم أشرف خلق الله وأحبهم إليه " ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين " آية 33 فصلت .
، كما حملها أتباعهم الصادقون الذين اقتفوا أثرهم من بعدهم و اقتدوا بهم في منهجهم و سلكوا سبلهم . "60
والدعوة الى الله : هي الدعوة الى الرسالة الخاتمة التي نزلت على النبي صلي الله عليه وسلم وحيا من عند الله فى كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بكلامه المعجز المكتوب بالمصاحف المنقول عن النبي صلي الله عليه وسلم بالتواتر والمتعبد بتلاوته وقد تكفل الله بحفظه " إنا نحن نزلنا الذكر وإناله لحافظون " آية 9 الحجر فأكمل الله به الملة وأتم به النعمة ورضيه لنا دينا " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين " آيه 85 آل عمران " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " آية 3 المائدة .
ب- والدعوة الى الله التي نعنيها يجب على المسلمين القيام بها هي التي تهدف الى :-
-
تأسيس مجتمع إسلامي : كدعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام .
-
دعوة الإصلاح فى المجتمعات المسلمة : التي أصيبت بشيء من الانحراف وظهر فيها بعض المنكرات وضيع فيها بعض الواجبات .
-
استمرار الدعوة فى المجتمعات القائمة بالحق للحفاظ على سلامتها بالموعظة الدائمة والتذكير والتزكية والتعليم .
والدعوة إلى الله واجب ثقيل :
إن الدعاة الى الله يعلمون أن مصائر البشرية كلها من الدنيا والآخرة منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم وعلى أساس تبليغ هذا الأمر للبشر تقوم سعادتهم أو شقوتهم ويترتب عليه ثوابهم وعقابهم فى الدنيا والآخرة ومن ثم كان الرسل عليهم الصلاة والسلام يحسون بضخامة ما يكلفون به وكان الله يبصرهم بحقيقة العبء المنوط بهم " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " ( آية 5 المزمل ) وهذا القول الثقيل يحتاج الى تهيئة واستعداد وزاد للطريق يزود به الداعي ليواصل المسير فى معية الله سبحانه وتعالي ولذا قال لرسوله صلي الله عليه وسلم : " قم الليل إلا قليلا نصفه أو نقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا " [ الآيات من ( 2 : 4 ) المزمل ] . والرسل عليهم الصلاة والسلام قد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ومضوا الى ربهم خالصين من هذا الواجب الثقيل وبقي هذا الواجب الثقيل على أتباع رسول الله صلي الله عليه وسلم – لافكاك لهم من التبعة الثقيلة : تبعة إقامة حجة الله على الناس وتبعة استنقاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا إلا بالتبليغ والأداء على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله صلي الله عليه وسلم – وأدي " قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا " ( الآيات 22 ، 23 الجن ) ( من كتاب الدعوة قواعد وأصول صـ 13 – 14 بتصرف )
التقويم
أسئلة التذكر :
-
اذكر مفهوم الدعوة لغة ؟
-
اذكر مفهوم الدعوة اصطلاحاً؟
-
اذكر أهداف الدعوة إلى الله ؟
-
من يقوم بوظيفة الدعوة إلى الله ؟
-
اذكر الآية الدالة على مكانة وشرف الدعوة إلى الله ؟
أسئلة الفهم :
-
وضح الفرق بين مفهوم الدعوة لغة واصطلاحاً ؟
-
وضح الترابط بين أهداف الدعوة إلى الله ؟
-
قال تعالى " إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلا " ماذا تفهم من هذه الآية ؟ ومن المخاطب فى الآية؟ وهل هو المقصود وحده ؟
-
قال تعالى " قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا " ثم قال تعالى بعدها مباشرة " إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلا " وضح المقصود من هذا الترتيب ؟
-
ما المقصود بالعبارة التالية " الدعوة إلى الله واجب ثقيل " ؟
اختر الإجابة الصحيحة :
-
مادة " دعا " فى اللغة تعنى :
أ- المحاولة القولية ب- المحاولة الفعلية ج- المحاولة العملية د- كل ما سبق
-
من معانى الدعوة " لغة " الدعوة إلى قضية يراد إثباتها أو الدفاع عنها إذا كانت :
أ- القضية حقاً ب- القضية باطلاً ج- القضية حقاً أو باطلاً
-
كلمة " داعية " تطلق على :
أ- الرجل فقط ب- المرأة فقط ج- الرجل والمرأة
-
الدعوة إلى الله وظيفة :
أ- الرسل فقط ب- أتباع الرسل ج- وظيفة أ ، ب
-
من أهداف الدعوة إلى الله :
أ- تأسيس وإقامة المجتمع الإسلامى ب- إصلاح المفاسد فى المجتمع
ج- الحفاظ على سلامة المجتمع د- كل ما سبق
أكمل ما يأتى :
-
يفهم من قوله تعالى : " ويا قوم مالى أدعوكم إلى النجاة وتدعوننى إلى النار" أن هناك دعوة إلى ..... ودعوة إلى .....
-
أن حزب الله هم المفلحون لأنهم ..... داعى الله .
-
إن حزب الشيطان هم الخاسرون لأنهم ...... داعى الله .
-
الدعاة يدعون الناس إلى بيعة ..... أو ......
-
وظيفة ...... من أشرف الوظائف وأسماها لأن الذى يقوم بها أولاً هم .......
أسئلة تطبيقية :
-
ما الشعور الذي سيطر عليك بعد دراستك لمفهوم الدعوة إلى الله ؟ وإلى ماذا دفعك هذا الشهور ؟
-
ماذا نويت أن تقوم به لتطبيق مفهوم الدعوة إلى الله ؟
-
هل قمت بدعوة أحد أو آخرين بدين الله فى جانب من جوانبه فواجهتك صعوبة أو عقبة فاحتملتها صابراً محتسباً ؟ أذكرها .
الحلقة
السابعة
والثلاثون
الحلقة السابعة والثلاثون
الهدف المرحلي الثاني : أن يوضح شرعية الدعوة إلى الله
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس أن الدعوة إلى الله فريضة شرعية
( من نصوص القرآن الكريم – من نصوص السنة الشريفة ) .
-
أن يوضح الدارس أن الدعوة إلى الله ضرورة بشرية .
أ- أن يوضح الدارس أن الدعوة إلى الله فريضة شرعية :
اعلم رحمك الله أن الدعوة إلى الإسلام أصبحت في هذا العصر فريضة شرعية ، وضرورة حتمية على كل من انتسب إلى أمة الإسلام : شيباً وشباباً ، رجالاً ونساءً ، صغاراً وكباراً ، حكاماً ومحكومين ، خاصة وعامة . . . كل يقوم بهذه المهمة على حسب حاله ، وحسب طاقته ، وحسب إيمانه ، وحسب تحسسه بواقع المسلمين ، وأحوال المجتمعات البشرية .
والأصل في هذه الوظيفة الدعوية العامة قوله تبارك وتعالى :
{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}61 .
والقاعدة في هذه المهمة التبليغية الشاملة قوله جل جلاله : {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ..}62 .
وعبارة {كنتم خير أمة ..} في الآية تشمل المسلمين جميعاً على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومستوياتهم .
وعبارة {أخرجت للناس ..} في الآية نفسها تعبير يلفت النظر ، حيث يشير إلى اليد الخالقة المدبرة التي أخرجت أمة الإسلام من ستار الغيب إخراجاً ، ودفعتها إلى الظهور وإثبات الذات دفعاً لتبلغ دعوة الله في العالمين
ولا شك أن هناك نصوصاً كثيرة من القرآن والسنة ، تدل دلالة قطعية على حتمية التبليغ ، وفرضية الدعوة نقتطف باقة منها وبالله التوفيق :
# فمن نصوص القرآن الكريم :
أ- قال تعالى : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}63 .
فاللام في قوله تعالى : {ولتكن} للأمر ، والأمر يقتضي الوجوب . {وأمة} في الآية يقصد منها -كما يدل عليه السياق- طائفة من العلماء والدعاة موظفة لمهمة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وساهرة على حراسة الرأي العام في كل بقعة من المجتمع الإسلامي وإن كل ذلك واجباً -في الأصل- على كل فرد من الأمة ، كل على حسب طاقته واستعداده وإيمانه .. يقول "ابن كثير" رحمه الله في تفسير هذه الآية : (والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة : كل بحسبه : كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان" ، وفي رواية : "..وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل .." )64 .
فالذي تدل عليه الآية : أن تبليغ الدعوة ، وحراسة الرأي العام .. . واجب على طائفة من العلماء والدعاة الموظفين من قبل الإمام على أعمال الحسبة65 ، وإن كان ذلك واجباً في الأصل على كل فرد من أفراد الأمة .
ب-قال تعالى : {والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر .}66 .
أقسم الله سبحانه في هذه السورة بالعصر الذي بعث الله فيه نبيه لشرفه على كل العصور ، أقسم وأكد : أن جنس الإنسان لفي ضياع وخسران إلا من تحقق :
بالإيمان بالله .
والعمل الصالح .
والتواصي بالحق .
والتواصي بالصبر .
فالذي تدل عليه السورة : أن أي إنسان في هذه الحياة إذا لم يكن مؤمناً بالله الواحد الأحد ، وإذا لم يكن سالكاً سبيل العمل الصالح ، وإذا لم يكن متواصياً مع المؤمنين بالتمسك بالحق والمجاهرة به ، وإذا لم يكن صابراً على المحنة والبلاء ، راضياً بما قدر الله عليه ؛ فإنه يكون لا محالة خاسراً ضالاً ضائعاً !! فالدعوة إلى الله إذن من أوجب الواجبات في نظر الإسلام ، بل هي واجبة على كل إنسان بحسبه .
ج-قال تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..}67 ، وقال سبحانه وتعالى في السورة نفسها :{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف}68 .
ومما يستفاد من النصين : أن الله سبحانه ميز بين المؤمنين والمنافقين في مسألة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر
قال القرطبي في تفسيره : (فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين ، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ورأسها : الدعاء إلى الإسلام)69 . ودل على أن أخص أوصاف المنافقين : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، ورأسها : الدعاء إلى الكفر !!.. فهذا التمييز بين المؤمنين والمنافقين في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر !
كما يبدو من الآيات -دليل قاطع على أن تبليغ الدعوة على سبيل الوجوب ، لسمة هذه الأمة بالإيمان والخيرية والتبليغ .. فإذا تخلت عن سمتها وخصيصتها فإنها تتسم بصفات المنافقين ، وتنحدر إلى أخلاق اهل الكتاب .
د-وقال تعالى : {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين}70 .
وقد سرد الإمام الغزالي هذه الآيات وعقب عليها وقال : (فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر ، حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ..)71 وقد نزلت هذه الآية كما -ذكر ابن كثير- فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب : كعبد الله بن سلام ، وأسد بن عبيد ، وثعلبة بن شعبة ، وغيرهم ، وأصبح معنى الآية : لا يستوي من تقدم ذكرهم من أهل الكتاب بالذم والإجرام ، وبين من أسلم منهم وأقروا بالإيمان ، بل الذين أسلموا منهم كانوا مستقيمين يتلون كتاب الله ، ويقيمون الصلاة ، ويؤمنون باليوم الآخر ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويسارعون في الخيرات ، وأولئك من الصالحين ..
ومما نستفيده من هذا النص : أن من انتظم في أمة الإسلام عليه أن يعمل على مقتضى المنهج الذي رسمه الله لأبناء هذه الأمة ، وأن من مفردات هذا المنهج : تبليغ دعوة الله المتمثلة بالأمر المعروف ، والنهي عن المنكر . وأن من قصر في هذا الحق يكون آثماً .
هـ-وقال تعالى : {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون .كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}72 يخبر الله سبحانه في هاتين الآيتين أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم بسبب عصيانهم لله ، واعتدائهم على خلقه ، وكانوا أيضاً لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم ، بل كانوا يخالطون أهل المعاصي ، ويجلسون معهم ، ويرضون بمنكرهم !! وهذا ما بينه الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا ، فجالسوهم في مجالسهم ، وواكلوهم وشاربوهم ، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم .." .
ومما يدل عليه هذا النص القرآني أن أمة الإسلام إذا لم تقم بوظيفة حراسة الرأي العام ، ولم تنصح الناس إلى ما فيه خيرهم ، ولم تبلغ دعوة الله عز وجل ، ولم تأمر بالمعروف ، ولم تنه عن المنكر ؛ فإن الله سبحانه يضرب قلوب بعضها ببعض ، ويلعنها كما لعن الذين كفروا من بني إسرائيل بسبب إهمالها لواجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وبسبب تساهلها في حق دعوة الله سبحانه ، وحراسة الرأي العام المسلم .
و- قال تعالى : {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}73 يؤكد الله سبحانه في هاتين الآيتين أنه ينصر من ينصره ، وذلك في اتباع هداه ، وإعزاز دينه ، والجهاد في سبيله . وهؤلاء الذين ينصرون الله عز وجل ، لهم في الحياة الدنيا مهمة ، وفي مجال العمل التبليغي رسالة ؛ فمهمتهم الأولى حين يمكن الله لهم في الأرض أن يعبدوا الله ويوحدوه ، ورسالتهم الأساسية في إطار هذا التمكين أن يأمروا بالمعروف ، وينهوا عن المنكر ، ويدعوا الناس إلى الخير . فهذه هي مهمتهم ، وتلك هي رسالتهم ، فلا يجوز أن يتساهلوا فيها ، ويتخلوا عنها حتى يستأهلوا نصر الله عز وجل ، وحتى يزيدهم الله في الأرض عزة وقوة وتمكيناً . وإذا حادوا عن تحقيق هذه المهمة ، وتقاعسوا عن أداء هذه الرسالة ؛ فإن الله سبحانه يجعل بأسهم بينهم شديداً ، ويسلط عليهم عدوهم فيستنفد بعض ما في أيديهم ، ويزيدهم في الحياة ذلة ووهناً وتمزيقاً .
ومما يوجه إليه هذا النص القرآني : أن هذه الأمة إذا لم تقم بمسؤوليتها في التزام منهج الله عز وجل ، وإذا لم تؤد رسالتها في التبليغ والدعوة ؛ فإن الله سبحانه يعرض عنها ، ويتخلى عن نصرتها ، ويذيقها وبال أمرها ، ويبدلها من بعد أمن خوفاً ، ومن بعد عزة ذلاً . وسوف تبقى على هذه الحالة المتردية حتى تعود إلى هدي ربها ، وأصالة دينها ، ولينصرن الله من ينصره . إلى غير ذلك من هذه النصوص القرآنية المستفيضة التي تدل على وجوب تبليغ الدعوة في أرض الله .
ومن نصوص السنة الشريفة :
أ- روى الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا (أي الإيثار) ، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ، وعلى أن نقول الحق أينما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم) .
أليس يدل هذا الحديث : على التزام جماعة المسلمين ووجوب النصح العام ، وحتمية التبليغ والدعوة أينما كانت هذه الجماعة ، وحيثما حلت ووجدت ؟
ب-روى البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "مثل القائم على حدود الله ، والواقع فيها كمثل قوم استهموا (اقترعوا) على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً" .
مثل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث حال رقابة المجتمع للفرد ، ورقابة الفرد للمجتمع بحال جماعة ركبت في سفينة ، فأرادت طائفة منها أن تعبث بأمن السفينة وركابها ، فكل من في السفينة إذا تركوا هذه الطائفة العابثة تفعل ما تشاء هلك كل من في السفينة ، وإذا منعوها ، وأخذوا على يديها نجا كل من في السفينة !! .
أليس يدل هذا التمثيل النبوي : على أن كل مسلم في هذا الوجود له وظيفة اجتماعية في الأخذ على يد العابثين المفسدين ، والوقوف في وجه المارقين الظالمين .. حتى تسلم لأمة الإسلام عقيدتها وأخلاقها ، ويتحقق لها كيانها وعزتها ؛ وأنها إذا تساهلت في ذلك أصابها الله بالذل والهوان والتمزق ؟ .
ج- روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل ، فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله (أي المنكر) ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ؛ فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم قال : {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل … الآية …}74 ثم قال عليه الصلاة والسلام : "كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه (لتردنه) على الحق أطراً .." .
هذا الحديث يدل دلالة واضحة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل فرد في الأمة .
ووجه الاستدلال :
استحقاق الأمة جميعاً لعنة الله إذا تقاعست في واجب التغيير والتبليغ والدعوة ..
صيغ الردع ، والزجر ، ولام الوجوب ، في قوله عليه الصلاة والسلام : "كلا والله لتأمرن بالمعروف …" ، فهذه الصيغ كلها -كما هو معلوم- تدل على الوجوب .
تنافر القلوب وتمزقها بضرب بعضها ببعض بسبب التخلي عن الوظيفة الاجتماعية المتمثلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
د- روى الشيخان عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل علينا فزعاً يقول : "لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر إذا اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" ، وحلق بين أصبعيه : الإبهام والتي تليها ، فقلت : يا رسول الله : أنهلك وفينا الصالحون ، قال : "نعم إذا كثر الخبث" .
مما يدل عليه هذا الحديث : أن الأمة بأسرها : صلحاءها وفجارها يعمها الدمار والهلاك لكونها لم تقم بمهمة التبليغ، ومسؤولية التغيير ، وواجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فالصالحون منها يشملهم الهلاك لكونهم سكتوا عن استشراء الفساد والمنكر ، ورضوا بواقع الذل والمهانة !!.
هـ- روى مسلم والترمذي وابن ماجة .. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان" .
"فمن" في قوله عليه الصلاة والسلام : "من رأى منكم منكراً .." لفظ من ألفاظ العموم ، ويشمل هذا اللفظ كل من استطاع تغيير المنكر باليد أو اللسان أو القلب ، سواء أكان المنكر من العامة أو الخاصة ؛ إذا فقهوا الخطر الذي يترتب عليه تفشي المنكر في المجتمع الإسلامي .
ومما يدل عليه الحديث : أن تغيير المنكر واجب على حسب الاستطاعة ، فيبدأ المسلم بالتغيير باليد إن استطاع ، فإن لم يستطع فباللسان ، وإن لم يستطع فبالقلب75 وذلك أضعف الإيمان .
ووجه الاستدلال الذي يدل على الوجوب :
أن تغيير المنكر أمر واجب على كل الأحوال وعلى حسب الاستطاعة : اليد أولاً ، ثم اللسان ثانياً ، ثم القلب ثالثاً ؛ فإذا لم يتم التغيير بأي مرحلة من هذه المراحل الثلاثة ..فالإثم واقع .
وهذا ما تدل عليه الرواية الثانية التي رواها مسلم : "..فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" .
إلى غير ذلك من نصوص السنة المستفيضة التي تدلل على وجوب تبليغ الدعوة في أرض الله.
ب- الدعوة إلى الله ضرورة بشرية :
ومما يدل على وجوب تبليغ الدعوة القاعدة الأصولية التي تقول :( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب )
وأمتنا اليوم قد تكالب عليها الأعداء و رموها بسهام الانحلال فأثرت فيها . و أشاعوا الفواحش و المنكرات فراجت بينها . فأنت ترى الشباب و الفتيات من حولك قد انتشر بينهم تيار الانحلال فتكاد لا تميز بين الفتى و الفتاة . و ترى التقليد الأعمى لكل ما هو غريب عن تقاليدنا و معتقداتنا . بل و وجد من يعبد الشيطان، و يا للحسرة كلهم من الشباب و كأن سهام الأعداء لا توجه إلا للشباب القلب النابض لأي أمة . و محنة المسلمين اليوم إنما هي نتاج تربية سخرت المناهج الدراسية و كراسي الجامعات و الصحف و الإذاعات و..... لمسخ الأفكار و القيم . و إن عصاة المسلمين اليوم ضحية تربية أخلدتهم إلى الأرض أرادت لهم الفسوق ابتداء ليستخف بهم الطواغيت انتهاء . و إنها خطة قديمة يتوارثها أهل الباطل حتى تصل أصولها إلى فرعون "فاستخف قومه فأطاعوه . انهم كانوا قوما فاسقين "76. و هكذا عرفوا المقتل الذي عرفه فرعون فتواصوا بالإفساد " و أخذوا يحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس و الفاحشة و الفجور . و مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والجهد كي لا يفيق بعد لقمة العيش و الجنس ليستمع إلى هدى أو يفيء إلى دين "77.
و صارت تلك سياستهم " محاربة المساجد بالمراقص , محاربة الزوجات بالغانيات , محاربة العقائد بأساتذة الفكر ومحاربة فنون القوة بفنون اللذة "
فأمتنا على خطر عظيم تحتاج من يوقظها و يقدم لها طوق النجاة و يأخذ بيدها إلى بر الأمان . و لا نجاة و لا أمان إلا في الإسلام و القيام بفرائض الإسلام و على رأسها فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
خلاصة القول مما تقدم أننا فى زماننا هذا الذي بعد فيه الناس عن الدين وكثرت فيه الفتن وظهر فيه الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدي الناس يتبين لنا أن كل مسلم ومسلمة بالغ عاقل مكلف بواجب الدعوة الى الله وليس هذا التبليغ مقصورا على العلماء كما يفهم العامة من المسلمين فإن كل مسلم مطالب أن يبلغ ما فهمه وعلمه أما العلماء فهم يختصون بجانب التبليغ التفصيلي والأحكام الشرعية " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " (آية 122 التوبة) .
والدعوة الى الله وهي واجب على كل مسلم ومسلمة قد تؤدي بصورة فردية وقد تؤدي بصورة جماعية وبتعبير أدق إن هذا الواجب يؤدي على نحويين
الأول : فردي - يقوم به المسلم بصفته فردا مسلما .
الثاني : جماعي - يؤدي هذا الواجب أو جانبا منه بصفته فردا فى جماعة تدعو الى الله.
تطبيق عملي
1- وضح مفهوم الدعوة إلى الله وهدفها لثلاثة من زملائك.
2- إحفظ ثلاث آيات وثلاثة أحاديث تشير إلى وجوب الدعوة إلى الله تعالي واشرحها لزملائك.
3- من خلال وردك القرآني قم بجمع الآيات التي تشير إلى وجوب الدعوة إلى الله واكتبها في لوحه بخط جميل وعلقها بحيث يقرؤها زملاؤك أو جيرانك.
التقويم
أسئلة التذكر :-
-
ما حكم الدعوة إلى الله فى هذا العصر ؟
-
اذكر بعض الآيات القرآنية التى تدل على وجوب الدعوة إلى الله ؟
-
اذكر بعض الأحاديث النبوية التى تدل على وجوب الدعوة إلى الله ؟
-
اذكر القاعدة الأصولية التى تدل على وجوب الدعوة إلى الله ؟
-
على من تجب الدعوة إلى الله ؟
-
اذكر الشكلين اللذين تؤدى بهما الدعوة إلى الله ؟
-
قال تعالى" ولينصرن الله من ينصره ...................... ولله عاقبة الأمور "
-
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة ...... اكتب الحديث إلى آخره.
أسئلة الفهم :-
-
قال تعالى " ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وألئك هم المفلحون "
ماذا تعنى اللام فى قوله " ولتكن " وما المقصود بكلمة " أمة " وما الذى تدل عليه الآية الكريمة ؟
-
قال تعالى " لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " لماذا لعن الله الكافرين من بنى إسرائيل ؟ وضح كيف تدل الآية على وجوب الدعوة إلى الله ؟
-
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكراً ........ ...... وذلك أضعف الإيمان " ماذا تعنى كلمة " من " وضح كيف يدل الحديث على وجوب تغيير المنكر ؟
-
وضح كيف تكون الدعوة إلى الله ضرورة بشرية ؟
-
قال تعالى " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ......... " من فهمك للآية وضح السمات التى جعلت الأمة الإسلامية خير أمة ؟
أكمل ما يأتى : -
-
الحسبة هى القيام بمهمة ....... وسميت حسبة لأن صاحبها ....... الأجر من الله وحده.
-
الدعوة إلى الله .... شرعية و..... بشرية.
-
إن الدعوة إلى الله ....على الطائفة من الأمة التى يحددها الإمام كما هى .....على فرد من أفراد الأمة .
-
إن الإنسان فى خسران إلا من تحقق بـ ..... و ...... و...... و........
-
من سمات الخيرية فى الأمة الإسلامية ......و........و........
-
المؤمنون يأمرون .... وينهون عن .... أما المنافقون فيأمرون .... وينهون عن ....
ضع علامة ( أو × ) مع تصحيح العبارة الخاطئة
-
إذا تقاعست الأمة عن واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر استحقت اللعنة وتنافرت القلوب وتمزقت .
-
إن الأمة بأسرها صلحاءها وفجارها يعمها الدمار والهلاك لكونها لم تقم بواجب التبليغ ومسئولية تغيير الفساد والمنكر .
-
من الأدلة الشرعية على وجوب تبليغ الدعوة " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "
أسئلة تطبيقية :-
1- أذكر ثلاثة مواقف عايشتها للدعاة إلى الله قاموا فيها بواجب الدعوة - وموقفًا واحدًا مارست فيه الدعوة إلى الله قمت أنت به وحدك أو كنت مشتركا فيه مع غيرك .
الحلقة
الثامنة
والثلاثون
الحلقة الثامنة والثلاثون
الهدف المرحلي الثالث : أهمية الدعوة إلى الله
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يوضح الدارس ضرورة الدعوة إلى الله .
-
أن يوضح الدارس فوائد الدعوة الى الله وثمراتها .
-
المكارم التي خص الله بها الدعاة إلى الله .
أ- ضرورة الدعوة إلى الله :
وذلك للأسباب التالية :-
-
الدعوة الى الله هي طريق الخلاص للبشرية كلها مما حل بها من فساد وانحلال وشقاء وضنك فى جميع المجالات والإسلام هو الحل لجميع مشاكلها " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " قال الشافعي لو فكر الناس فى سورة العصر لكفتهم .
-
الناس فى حاجة إلى من يبين لهم ما أمر الله به ليقيم الحجة عليهم وهذه من مهمات رسل الله عليهم الصلاة والسلام " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " فكان لابد من دعوة الناس ليحيى من حيّ عن بينة ويهلك من هلك عن بينة .
-
دنيانا التي نعيش فيها من نوازع الشر والمطامع والأهواء وأصحابها يودون إشاعة فسادهم فى المجتمع " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون " (آية 19 النور) " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " (أية89 النساء) " والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسو الله فنسيهم " آية 67 التوبة . فكان لابد أن يتعاون أهل الإيمان على الخير لينتشر حتى لا تكون فتنة إذ لابد من مواجهة المفسدين فى الأرض حتى لا يخر عليهم السقف من فوقهم ويصبحون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا وهذا لا يتم إلا بوجود القائمين بالدعوة الى الله وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا سوف يخرق هؤلاء السفينة التي نركبها جميعا وحينئذ لا ينجو أحد ممن على ظهرها " واتقوا فتنة لا تصبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب " ( آية 25الأنفال ) .
-
لاشك إن نهاية الأمة وهلاكها بفسوق مترفيها وكثرة الخبث بين أرجائها فلا تجد من يأمرها بالمعروف ولا ينهاها عن منكر فلا يسمع الظالم كلمة حق فيسود الظلم وتشيع الفاحشة إذا أن قوة الأمة فى تمسكها بالحق وإقامتها للعدل وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يقول " إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فقد تودع منها " مسند الإمام أحمد 2-163 .
-
الخوف من لعنة الله أن تحل بالمجتمع الذي لا يأمر بالمعروف ولاينهي عن المنكر كما حلت ببني إسرائيل . قال تعالي : " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون … إلى قوله فاسقون " الآيات 78-81 المائدة .
ب- فوائد الدعوة الى الله وثمراتها :
وللدعوة الى الله فوائد وثمرات فى الدنيا والآخرة نجملها فيما يأتى :
1- استمطار العون و المدد الربانى فى معركتنا مع الباطل أو مع الجاهلية ، وذلك أننا بحولنا وقوتنا أمام جحافله وجيوشه ودعاته ضعفاء ، ولكن بحول الله وقوته أقوياء ، وقد جعل الله للإمداد بهذا العون ، وذلك المدد سنناً ونواميس لا تتخلف ، وكان من بين هذه السنن وتلك النواميس الطاعة والاستقامة :{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ( محمد 7 ) ، { ولينصرن الله من ينصره } ( الحج 41 ) .
والدعوة هى رأس الطاعة والاستقامة ، لأنها تتعدى النفس الى الغير وذلك دليل كمال الإيمان :( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
إذن فالحاجة إلى الدعوة ماسة وملحة ، حتى تظفر بتأييد الله وعونه ونصره .
2- وتنبيه الغافلين وانتشال الغارقين من الناس ، ولاسيما المسلمين ، فإن الإنسان خلق - يوم خلق - فطرة بيضاء نقية ، لديها استعداد للخير واستعداد للشر :{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } ( الشمس 7 ،8 ) والبيئة التى ينشأ فيها الإنسان أو التى تحيط به ، هى التى تساعد فى صنعه على شاكلته ، فإن كانت خيِّرة كان خيراً ، وإن كانت شريرة كان شريراً :( المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) ، والناس اليوم - ولا سيما المسلمون - يعيشون فى أجواء ساد فيها العفن ، وسيطر عليها الشر ، وساد فيها الفساد وانتشر ، الأمر الذى أدى الى غفلة وسقوط كثيرين ، وهؤلاء لهم علينا حق التذكير و العناية و الرعاية ، لعلهم يتوبون أو يذكرون سيما ، وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ، وما ندرى ؟ فلعله يكون من بين هؤلاء من يكون سبباً فى فتح ونصر قريبين للمسلمين ، لقد كانوا يقولون عن عمر بن الخطاب : لايسلم حتى يسلم حمار الخطاب ، وهداه الله وأسلم ، وكان إسلامه فتحاً وبركة ويمناً ونصراً للمسلمين ، بل كان باب حماية لهم لم يكسر ، ولم يلج منه العدو إلا بعد موته .
3- وإقامة الحجة على المصرِّين و المعاندين ، فإنَّ نفراً من الناس فى فطرتهم عوج و التواء ، وإصرار وعناد ،وأمثال هؤلاء لايفيقون إلا فى وقت الشدائد و المحن وواجبنا نحوهم التذكير والإنذار و التخويف ، حتى إذا نزلت الشدائد وكان العقاب لايقولون : لو وجدنا من أرشدنا ودلنا على الطريق لكنا أهدى الناس وأقومهم قيلاً ، ومن ثم يتوجهون إلينا بالتأنيب و التوبيخ و العتاب ، ويحاجون الله وله سبحانه الحجة البالغة ، ولذا قال عن حكمة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل الكتاب :{ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شىء قدير } المائدة 19 .
وقال عن حكمة إرسال الرسل :{ رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } النساء 165 ، والى هذه الفائدة الثانية و الثالثة أشار رب العزة فى كتابه قائلاً :{ وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } الأعراف 164 .
4- وتكوين الرأى العام السليم الحر الذى له دور كبير فى حراسة وحماية آداب الأمة وفضائلها وأخلاقها وحقوقها ، وبناء شخصية وسلطان لها ، وهو أقوى من القوة ، وأنفذ من القانون ، بل و الضغط على هذه الجاهلية ، أ على هذا الباطل حتى يسلم أو يزول ، أو على الأقل يحجّم دواعى الشر والإثم فيه ، فيعمل لهذا الرأى - قبل أن يقدم على أى خطوة تطاول أو هدم - ألف حساب وحساب :{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً } الحج 4. .
5- وإننا بالدعوة يحسن سلوكنا ، وتستقيم أخلاقنا ، فنؤثر فى عامة الناس من ناحية ونستمطر عون إخواننا العاملين معنا على الطريق من ناحية أخرى ، فإن تأثير السلوك الحسن و الخلق القويم ، أوقع وأفعل فى النفس من تأثير آلاف الخطب و المواعظ ... ولعل هذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى :{ ولا تستوى الحسنة ولا السيئة إدفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } فصلت 34 .
6- وإننا بالدعوة نفوز غداً بالجنة و الرضوان :{ والمؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم * وعد الله المؤمنين و المؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ( التوبة 71-72 ) .
7- وإننا بالدعوة ننجو من العقاب فى الدنيا والآخرة ، أو فى الآخرة فقط ، فإن التقصير فى القيام بواجب الدعوة يؤدى الى انتشار الشر و الفساد الذى يأتى على الأخضر و اليابس ، ولا يسلم منه أحد ، ويكون سبباً فى العقاب ، والنهوض بهذا الواجب يكون سبباً فى النجاة على حد قوله تعالى :{ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون } الأعراف 165 .
8- وأن الدعوة هى أساس بناء الشخصية المسلمة الجامعة لكل خصال الخير ، و المتأبية على كل خصال الشر ، والمستأهلة لعون الله وتأييده ونصره ، وبمعنى آخر : الشخصية المسلمة التى يساوى فيها الواحد أمة من البشر ، أو الشخصية المسلمة القرآنية التى شعارها فى هذه الحياة :{ قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } الأنعام 162 ، والتى هى ستار لتنفيذ قدر الله فى الأرض ، إذ بالدعوة يكون التبصير بالعيوب فيسهل العلاج ، ويكون الانتشال من الوهدة و القاع لذوى الهمم الفاترة و العزائم الضعيفة والإرادات النازلة ، وتكون الخبرات و التجارب ، ويكون القضاء على الفراغ ، ومقاومة الفتور و اليأس و القنوط ، ويكون تفجير الطاقات ، وبعث القوى والإمكانات ، والصبر و التحمل .... الخ .
9- وإن الدعوة هى طريق الوحدة بين المسلمين ، لأنها تثير فى النفس الإحساس بمعانى الأخوة و التكامل و التعاون على البر و التقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض ، وكلها معان تؤدى الى الترابط و الوحدة بين المسلمين ، وبالجملة فإننا لا يمكن أن نمكن لمنهج الله فى الأرض من جديد إلا بالدعوة ، إذ هى تساعد على إيجاد من يأتى بالنصر ، بل من يحرس ويحافظ على هذا النصر ، والإتيان بالنصر شاق ، وحماية وحراسة هذا النصر أشق ، على أن لنا فى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين مكن لدين الله فى الأرض أول مرة - الأسوة و القدوة :{ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر وذكر الله كثيراً } الأحزاب 21 . حيث بدأ يجاهد بالدعوة و التربية ، وأطال النفس فى ذلك ، حتى إذا استقامت النفوس وطهرت القلوب ، لم يحتج الى أى لون من المجاهدة ، وفى ذلك يقول الأستاذ / أبو الحسن الندوى جزاه الله خيراً :( مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشر سنة حجة يدعو الى الله وحده والإيمان برسالته و اليوم الآخر فى كل صراحة لايكنى ولا يلوح ولا يلين ولا يستكين ولا يحابى ولا يداهن ويرى فى ذلك دواء لكل داء ، وقامت قريش وصاحوا به من كل جانب ، ورموه عن قوس واحدة ، وأضرموا البلاد عليه ناراً ليحولوا بينه وبين أبنائهم وإخوانهم فتقدم فتية من قريش لا يستخفهم طيش الشباب ، ولا يستهويهم مطمع من مطامع الدنيا ، إنما همهم الآخرة وبغيتهم الجنة ... فما كان من قريش إلا ما توقعوه ، فقد نثرت كنانتها وأطلقت عليهم كل سهم من سهامها ، فما زادهم كل هذا إلا ثقة وتجلداً ، وقالوا :{ هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً } الأحزاب 22، ولم يزدهم هذا البلاء والاضطهاد فى الدين إلا متانة فى عقيدتهم وحمية لدينهم ومقتاً للكفر وأهله ، وإشعالاً لعاطفتهم ، وتمحيصاً لنفوسهم ، فأصبحوا كالتبر المسبوك واللجين الصافى ، وخرجوا من كل محنة خروج السيف بعد الجلاء ، هذا و الرسول صلى الله عليه وسلم يغذى أرواحهم بالقرآن ، ويربى نفوسهم بالإيمان ، ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات فى اليوم عن طهارة بدن ، وخشوع قلب ، وخضوع جسم ، وحضور عقل ، فيزدادون فى كل يوم سمو روح ، ونقاء قلب ، ونظافة خلق ، وتحريراً من سلطان الماديات ، ومقاومة الشهوات ، ونزعاً الى رب الأرض و السموات .... ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يربيهم تربية دقيقة عميقة ، ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ، ويزكى جمرة قلوبهم ، ولم تزل مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تزيدهم رسوخاً فى الدين ، وعزوفاً عن الشهوات ، وتفانياً فى سبيل المرضاة ، وحنيناً الى الجنة ، وحرصاً على العلم ، وفقهاً فى الدين ، ومحاسبة للنفس .... وانحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك و الكفر - فانحلت العقد كلها وجاهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم جهاده الأول ، فلم يحتج الى جهاد مستأنف لكل أمر ونهى ، وانتصر الإسلام على الجاهلية فى المعركة الأولى ، فكان النصر حليفه فى كل معركة .... حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم ، بل حظ نفوسهم من نفوسهم ، وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم ، وأصبحوا فى الدنيا رجال الآخرة ، وفى اليوم رجال الغد ، لاتجزعهم مصيبة ، ولا تبطرهم نعمة الله ، ولا يشغلهم فقر ، ولا يطغيهم غنىً ، ولا تلهيهم تجارة ، ولا تستخفهم قوة ، ولا يريدون علوا فى الأرض ولا فساداً ، أصبحوا للناس القسطاس المستقيم ، قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين ، وطافوا أكناف الأرض ، وأصبحوا عصمة للبشرية ، ووقاية للعالم ، ودعاة الى دين الله ، واستخلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عمله ، ولحق بالرفيق الأعلى قرير العين من أمته ورسالته )
ج- ما المكارم التي خص الله بها الدعاة إلى الله ؟
لو استعرضنا نصوص القرآن والسنة في تكريمها للدعاة ، وفي الرفع من منزلتهم ، وفي الإشادة بفضلهم … لوجدناها أكثر من أن تحصى .
وها نحن أولاً نقتطف باقة من آيات القرآن الكريم ، ومن أحاديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في فضل الدعاة ، ليعلم من يريد أن يعلم كيف كرم الله من يسير في طريق الدعوة إلى الله ؟ وكيف أولاهم بالمنزلة ؟ وكيف رفع مقامهم في الدرجات العلى ؟
1-الدعاة هم خير الناس :
لقوله تبارك وتعالى :{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }78
يقول صاحب "الظلال" في تفسير هذه الآية : (إن التعبير بكلمة "أخرجت" المبني لغير الفاعل تعبير يلفت النظر ، وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة التي تخرج هذه الأمة إخراجاً ، وتدفعها إلى الظهور دفعاً من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعرف ما وراءه إلا الله .. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة الدبيب ، حركة تخرج على مسرح الوجود أمة ، أمة ذات دور خاص ، لها مقام خاص ، ولها حساب خاص : {كنتم خير أمة أخرجت للناس ..} .
وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ، لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة الأمم ، ولتكون لها القيادة ، بما أنها خير أمة ، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض ، ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية ؛ إنما ينبغي أن تعطي هذه الأمم مما لديها : من الاعتقاد الصحيح ، والتصور الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخلق الصحيح ، والعلم الصحيح . فواجبها أن تكون دائماً في الطليعة ، وفي مركز القيادة .
ومن أول مقتضيات هذا العطاء أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد ، وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهي خير أمة أخرجت للناس ، لا عن مجاملة أو محاباة ، ولا عن مصادفة أو جواف … -تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً- إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر ، وإقامتها على المعروف .
فهو النهوض إذن بتكاليف الأمة الخيرة (الداعية) بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، وبكل ما في طريقها من أشواك ..) .
2- الدعاة هم الشهداء على الناس :
لقوله تبارك وتعالى : {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}79 .
فأمة الإسلام هي الأمة الداعية الوسط التي تشهد يوم القيامة على أنها بلغت الأمم رسالة الإسلام ، وأقامت بينها موازين العدل والقسط ، ووضعت لها التصورات الصحيحة المستمدة من الرسالة الخالدة ، في كل ما يتصل ببناء الفرد والأسرة والمجتمع ، وفي كل ما يرتبط بهداية الأمم والشعوب والإنسانية . وبهذا يتضح فضل هذه الأمة ، وتتحدد مسؤوليتها ووظيفتها في التبليغ والدعوة والتغيير .
وكانت هذه الأمة وسطاً ، لكونها في أوسط بقاع الأرض ، فهي الأمة التي تتوسط أقطار الدنيا كلها .. فموقعها -كما هو معلوم- وسط بين شرق وغرب ، وشمال وجنوب . وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعاً ، وتشهد على الناس جميعاً ، وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة .
وكذلك فهي الأمة الوسط في الاعتقاد والتصور والمبادىء ، لا تغلو في التجرد الروحي حتى العزلة والرهبانية ، ولا تنطلق في الحياة المادية انطلاقة البهائم ؛ بل تسير في الحياة على أساس الوسطية والقصد والاعتدال بلا إفراط ولا تفريط .
وأيضاً فهي الأمة الوسط في التجربة والمعرفة والأخذ بأسباب الحضارة .. لا تجمد على ما عندها من علم وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ، ولا تتبع كل ناعق ، وتقلد تقليد القردة المضحك .. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ، وشعارها الدائم : "الحقيقة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها" في تثبت ويقين .
فإذا كانت هذه الأمة شهيدة على الأمم في أداء رسالتها وتبليغها . وقيمة على البشرية في إنقاذها وهدايتها ، ومتميزة على الدنيا في تصور مبادئها ، وتصور تشريعها ؛ فهي خليقة بهذه المزايا والخصائص أن تكون خير الأمم ، وأشرف الشعوب عل الإطلاق !!.
3- الدعاة هم المفلحون في الدنيا والآخرة :
لقوله جل جلاله : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}80 .
هذه الأمة الداعية إلى الخير ، والآمرة بالمعروف ، والناهية عن المنكر هي الأمة المفلحة الفائزة : في الدنيا والآخرة .
المفلحة في الدنيا لكونها نفذت منهج الله عز وجل في الدعوة والجهاد ، والعمل في سبيل الإسلام ، فنالت أعلى مراتب العز والمجد والسؤدد والشرف العظيم .
والمفلحة في الآخرة لكونها بلغت في الدنيا الرسالة ، وأدت الأمانة ، ونصحت الأمة ، وجاهدت في الله حق جهاده .. فاستأهلت النعيم الخالد المقيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وهل تنال أمة في الدنيا من الفلاح والفوز والنجاح والشرف .. ما نالته أمة الإسلام ؟
فهنيئاً للدعاة الهداة ما أعد الله لهم من منزلة رفيعة ، ومقام كريم .. في الدنيا والآخرة . وهنيئاً لهم في دنياهم حين يحكمون الدنيا بالإسلام ، وهنيئاً لهم في أخراهم حين يتميزون على سائر الأمم ، وهم في جنات الخلد تحت راية سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .
4- الدعاة أحسن الناس حديثاً :
لقوله تبارك وتعالى : {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}81 .
مما تدل عليه الآية الكريمة : الدعاة إلى الله هم أحسن الناس قولاً ، وأقومهم هدياً ، وأعظمهم منزلة ، وأسعدهم حالاً ؛ ذلك لأنهم لا يخرجون في دعوتهم عن الإطار المرسوم في شريعة الله ، ولا يحيدون عن المنهج الذي رسمه الإسلام . بل الدعوة إلى الله هي مقصدهم الأسمى ، وهداية البشرية إلى الدين الأقوم هي غايتهم العظمى ، وحمل الرسالة الإسلامية إلى الدنيا هو هدفهم الأكبر ؛ فهم من أجل هذا يواصلون ليلهم بنهارهم ، وراحتهم بتعبهم .. حتى يروا في نهاية المطاف أمة الإسلام قد ثابت للحق ، وأبناء الإنسانية قد قبلوا هدى الله ، وأجناس الأمم قد استجابت للإسلام .
ألا فليكثر الدعاة من أحاديث الإسلام ، وليسيروا في طريق الدعوة إلى الله ، وليبلغوا دعوة الحق والقوة والحرية ، فإنهم في المقام الأرفع ، والمنزل الأكرم .
5- الدعاة ورثة الأنبياء :
لما روى الخمسة وصححه ابن حبان والحاكم … أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "العلماء ورثة الأنبياء" .
وهل هناك شرف أعظم ممن يداني الأنبياء في المنزلة والكرامة ؟
وما العلماء والدعاة إلى الله عز وجل إلا ممن اقتفوا أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة الأمم إلى الخير ، وهداية البشرية إلى الصراط السوي ، فهم ورثة النبوة ، وهم الواقفون على ثغرة الإسلام ، وهم المجاهدون لإعلاء دين الله ، وهم يحيون بكتاب الله الموتى ، ويفتحون بالإسلام قلوباً غلفاً ، وأعيناً عمياً ، وآذاناً صماً ، وهم الذين يعيدون مجد المسلمين إلى الدنيا بعد أن غاب هذا الإسلام عن الشهود والوجود .
فهل أدرك الدعاة إلى الله فضلهم ، وعرفوا في هذه الحياة منزلتهم ؟
6- أهل السماء والأرض يستغفرون للدعاة :
لما روى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعاً … "… إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها ، والحيتان في البحر .. يصلون على معلم الناس الخير" .
والصلاة -كما هو معلوم - من الله رحمة ، ومن الملائكة استغفار ، ومن العبد دعاء . وهذه منزلة قلما يدركها أحد إلا من تصدى للدعوة ، وسار في طريق الهداية والإصلاح والتبليغ . ألا فليعلم الدعاة مقامهم ، ويدركوا في هذا الوجود منزلتهم ؟ فهنيئاً لهم ، ولمن يسير على دربهم كم ينالهم من شرف ؟ وكم يسطر لهم في صحائفهم من أجر ومثوبة ؟
7- الدعاة لا تنقطع أجورهم :
روى مسلم وأصحاب السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" .
لماذا نالوا هذه المنزلة ؟
لما أحدثوا من التغيير في تربية العقول والنفوس ، ولما أفاضوا في الحياة من ينابيع الهداية في إصلاح الأمم والشعوب ، ولما تركوا في تاريخ الإنسانية من أثر طيب خالد في تقويم الاعوجاج والعيوب . ففضلهم ليس قاصراً على أشخاصهم في تبليغ مبادىء الدعوة ، وإنما تعدى إلى من كانوا سبباً في إصلاحهم وهدايتهم . فهؤلاء المهتدون ، وهؤلاء السائرون في طريق الصلاح والتقوى إذا كان لهم ثمة أجر ، وميزة فضل . فالذين سيروهم في هذا الطريق ، وحولوهم إلى هذا المصير ، كان لهم من الأجر والفضل مثل أجورهم ، ومثل فضلهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً .
فهنيئاً للدعاة على هذا الثواب والأجر ، وهنيئاً لهم على هذه المكانة والفضل .
فهل أدرك الدعاة أجرهم عند الله ، ومنزلتهم في مقامات الصالحين الأبرار ؟
8- الدعاة في هديهم خير لهم من الدنيا وما فيها :
روى البخاري عن علي كرم الله وجهه عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن تكون لك حمر النعم" 82 ، وفي رواية : " خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت " .
انظروا إلى هذه المكرمة التي أكرم الله بها الدعاة ، فلأن يهدي الله به رجلاً واحداً خير له من الدنيا وما فيها ، فكيف إذا كان سبباً في هداية جماعة برمتها ، أو أمة بأسرها ؟ ، وكيف إذا أحدث تغييراً جذرياً في المجتمعات والشعوب ؟ فلا شك أن أجره عند الله أكبر ، وأن كرامته عند الناس أعظم .
لماذا تميز الهداة والدعاة بهذا الفضل ؟
تميزوا لكونهم ساروا على بركة الله ، وباسم الله ، مبلغين داعين صادقين : فلم يحجموا عن التبليغ لضر أصابهم ، ولم يتقاعسوا عن الدعوة لعقبة اعترضتهم ، ولم يقعدوا عن المثابرة والعمل لمحنة ألمت بهم ؛ وإنما مضوا في طريق الدعوة إلى الله صابرين عازمين متفائلين ، حتى يروا في نهاية المطاف راية الإسلام قد ارتفعت على كل الرايات ، وجيل الإسلام قد وصل إلى أقدس الغايات ، وكيان المسلمين قد امتد في أنحاء المعمورة .
ومعنى هذا أنهم قد أحدثوا في الوجود تبديلاً وتغييراً ، وأقاموا في أرض الله الواسعة كيانات للمجد ، ومنارات للنصر ، وبوارق للعزة ..
فهنيئاً للدعاة الهداة كرامتهم وفضلهم ، وهنيئاً لرجال الدعوة والإصلاح جهادهم وأثرهم .. فإنهم الأحبة الكرام ، والمرموقون العظام . ( فضل الدعوة والداعية أ/ عبد الله ناصح علوان )
التقويم
أسئلة التذكر : -
-
اذكر بإيجاز الأسباب التى تجعل الدعوة إلى الله ضرورة كبيرة ؟
-
اذكر بإيجاز فوائد وثمرات الدعوة إلى الله فى الدنيا والآخرة ؟
-
اذكر بإيجاز المكارم التى خص بها الله الدعاة على الله ؟
أسئلة الفهم
أكمل ما يأتى :-
-
الدعوة إلى الله ضرورة لأنها طريق ...... للبشرية مما حل بها من .....
-
الدعوة إلى الله ضرورة لإقامة .... على الناس ليحى من حى عن ..... ويهلك من هلك عن ....
-
لا يمكن مواجهة المفسدين وتحجيم إشاعة الفساد إلا بوجود .... بالدعوة إلى الله الذين يتعاونون على نشر ..... وحتى لا تكون ....
-
الدعوة إلى الله ضرورة خوفاً من أن تحل .... الله فى المجتمع الذى يأمر .... ولا ينهى عن ... كما حلت بـ ......
-
الحاجة إلى الدعوة ماسة وملحة حتى تظفر بـ ..... الله
-
من ثمرات الدعوة إلى الله ..... الغافلين وإخراجهم من .... إلى ....
-
من ثمرات الدعوة إلى الله ..... الرأى العام السليم الذى يكون له دور فى .... آداب الأمة وفضائلها.
-
النهوض بواجب الدعوة إلى الله يكون سبباً فى ....الدنيا وسبب فى .... بـ .... فى ....
-
إن الدعوة إلى الله أساس بناء ..... المسلمة ..... الجامعة لكل خصال ..... والمتأبية على كل خصال ....
-
الدعاة هم .... الناس وهم ... على الناس وهم .... الأنبياء .
-
يستغفر أهل .... و.... حتى .... فى جحرها و .... فى البحر للدعاة إلى الله .
-
الدعاة لا تنقطع .... لأن من دعى إلى ... . كان له من .... مثل .... من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.
أسئلة تطبيقية :-
-
ما شعورك عند تلاوتك وسماعك لقوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب " ولقوله تعالى " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " - اذكر ما قمت به من عمل نتيجة هذا الشعور ؟
-
اذكر مظاهر هذا التحسن في سلوكك بعد التزامك في طريق الدعوة ؟
-
عند دراستك للمكارم التى خص بها الله الدعاة .. اذكر الآية أو الحديث الذى دفعك للرقى بنفسك لتؤهلها لهذه المكانة العالية ؟ ماذا وضعت لنفسك من خطة لتنال هذا الشرف ؟
الحلقة
التاسعة
والثلاثون
الحلقة التاسعة والثلاثون
الهدف المرحلي الرابع : أن يوضح الشبهات التي تثار حول الدعوة إلى الله و يفندها .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس الشبهات التى تثار حول وجوب الدعوة إلى الله .
-
أن يفند الدارس الشبهات التى تثار حول وجوب الدعوة إلى الله .
الشبهة الأولى : اختصاص بعض المسلمين بأمر الدعوة .
مستشهدين بقول الله تعالى ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ آل عمران 1.4 يقولون (منكم) أي بعضكم .
الرد : يقول الإمام الرازي في قوله تعالى " منكم " أن من هنا ليست للتبعيض وذلك للأدلة الاتية :
الأول : أن الله أوجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على كل الأمة في قوله تعالى : "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر .........."
الثاني : أنه لا مكلف إلا وجب عليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بيده أو بلسانه أو بقلبه كما في الحديث (من رأي منكم منكرا فليغيره...).
الثالث : كلمة " من " هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " الحج 3. ، فهل يفهم اجتناب"بعض" الأوثان ؟!
وجاء فى تفسير هذه الآية الكريمة ، كما نقلناه عن ابن كثير " أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه " .
الشبهة الثانية :الخطأ في فهم معنى الفرض الكفائي .
يتوهم الكثيرون أنهم قد أُذن لهم بالقعود حين قرر الفقهاء أن الدعوة إلى الله فرض على الكفاية، ويختارون أنفسهم في الطائفة المتخارسة ,اغترارا بأن الدعوة إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين , و ليس الأمر كما فهموه .
الرد : فالمقصود بالأمر الكفائي أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين و لكن بشرط تحقيق المقصود بقيام البعض دون البعض فإذا زال المنكر بقيام البعض بالتصدي له سقط الأمر عن الباقين و إذا لم يزل ظل الأمر معلقا في رقبة الجميع .
- و من معاني الفرض الكفائي أيضا أنه موجه إلى المسلمين جميعا بأن يعملوا لتحقيق هذا الفرض , و على القادر فعلا أن يقوم بهذا الفرض مباشرة فيكون معنى الآية " و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر " : أن يقوم المسلمون بإعداد هذه الأمة أي الجماعة المتصدية للدعوة إلى الله و أن يعاونوهم بكل الوسائل لكي يتحقق المقصود من قيامهم و هو إقامة دين الله و نشر دعوته فإن لم يفعل المسلمون ذلك أثم الجميع , المتأهل للدعوة و غيره .
الشبهة الثالثة : اختصاص العلماء بالدعوة .
فمن الشبهات : الفهم الخاطئ لقول العلماء بأن التكليف بالدعوة مختص بالعلماء إذ أن العلم شرط ذكره الفقهاء من جملة شروط الآمر و الناهي .
الرد : و لا شك أن الدعوة إلى الخير , و أعلاها الدعوة إلى الله مشروط له العلم , و لكن العلم ليس شيئا واحدا لا يتجزأ و لا يتبعض , و إنما هو بطبيعته يتجزأ و يتبعض , فمن علم مسألة و جهل بأخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية , و معنى ذلك أنه يعد من جملة العلماء بالمسألة الأولى , و بالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل , و لا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئا أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه ، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة . و على هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه سواء كان من عامة المسلمين أو ممن نال حظا كبيرا من العلم دون سواهم وقد يسمونهم برجال الدين ولأن هذه التسمية تصدق على كل مسلم , فهو من رجال الاسلام و ليست مقصورة على فئة منهم "
الشبهة الرابعة : الفهم الخاطئ للآية الكريمة " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " المائدة 1.5.
الرد : يقول ابن تيميه رحمه الله : قوله تعالى " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " لا يقتضي ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لا نهيا و لا إذنا , كما في الحديث المشهور في السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية و تضعونها في غير موضعها , و إني سمعت رسول الله صلى اله عليه و سلم يقول " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه ".
ويلاحظ أن فى الآية نفسها ما يؤكد وجوب الدعوة الى الله تعالي على كل مسلم ، وينفي الوهم الذي يتشبث به القاعدون ، ذلك أن الله سبحانه وتعالي قال فى الآية " إذا اهتديتم " والاهتداء كما قال شيخ الإسلام ابن تيميه " إنما يتم بأداء الواجب . فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضّالين " .
الشبهة الخامسة : وقد يتشبث البعض بشبهة أخري ، وهي أن الباطل انتشر فى الأرض ولم تعد الدعوة الى الله تنفع شيئا ، وعلى المسلم أن يهتم بنفسه ويدع أمر الخلق :
والجواب على هذه الشبهة ، أن الواجب على المسلم هو القيام بواجب الدعوة الى الله ، سواء حصل المقصود واستجاب الناس أولم يستجيبوا ، وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قص الله لنا من أخبارهم . وكيف أن الدعاة الى الله ردوا عليهم شبهتهم ، قال تعالي : " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ؟ قالوا معذرة الى ربكم ولعلهم يتقون . فلما نسوا ما ذكروا به انجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " ( الأعراف 164،165 ) . والآية الكريمة تشير الى أهل قرية صاروا ثلاث فرق : فرقة ارتكبت المعاصي ، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم ، وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنكر ، ولكنها قالت للمنكرة : " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا " أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة فى نهيكم إياهم ، فقالت الفرقة المنكرة ، بالجواب الصحيح " معذرة الى ربكم " أي : فيما أخذ علينا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنحن نعتذر الى ربنا لا نملك إلا أن ندعو هؤلاء العصاة للإقلاع عن معصيتهم والإنابة الى ربهم " ولعلهم يتقون " فلابد من استمرار الوعظ والإرشاد والدعوة الى الله تعالي ليحيى من حيّ عن بينه ويهلك من هلك على بينة .
الشبهة السادسة : وقد يتشبث البعض بشبهة أخري تقوم على فهم سقيم للآية " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " ( البقرة 286 ) فيتعلل بأن الدعوة الى الله تسبب له ما لا يستطيع تحمله ، والواقع أن هذه حجة ضعاف الإيمان رقيقي الدين المزعوم ينالهم فى سعيهم للظفر بمآرب الدنيا التافهة كالحصول على ربح مادي أو أدبي مثلا ، فأولي بهم أن يتحملوا شيئا من التعب فى الدعوة الى الله وفى هذا التعب أجر عظيم لهم . والحقيقة أن التعب المزعوم يسير وبسيط ، ألا ينظر إلى رجال الكنيسة الذين يذهبون ويقضون السنين هناك حيث لا يعلم الناس لهم إله ولا دين . إن المسلم أولي منهم بالتبشير ونشر الدعوة الى الله بين أولئك الوثنيين ، وإن عليه إذا وسوس له الشيطان بالتعب والإرهاق أن يتذكر قول الله تعالي : " إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " ( النساء 1.4 ) . وعليه أن يتذكر أن أصحاب رسول الله تحملوا كثيرا فى الدعوة الى الله والجهاد فى سبيله ، ونذكر على سبيل المثال شيئا من أخبارهم وجهادهم فى سبيل الله ، فقد جاء فى كتب السيرة ، أن النبي صلي الله عليه وسلم بعد أن رجع الى المدينة ومعه المسلمون بعد معركة أحد جاءه الخبر – أن أبى سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الرجوع إلى المدينة – لاستئصال من بقي من المسلمين . فلما صلي الرسول صلي الله عليه وسلم الصبح ، أمر بلالا فنادي : إن رسول الله صلي الله عليه وسلم يأمركم لطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس . فخرج سعد بن معاذ الى داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جريح فقال : إن رسول الله يأمركم أن تطلبوا عدوكم . فقال اسيد بن حضير – وبه سبع جراحات يريد أن يداويها- سمعا وطاعة لله ولرسوله ، وأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء ، ولحق برسول الله صلي الله عليه وسلم . وجاء سعد بن عبادة قومه ، وجاء أبو قتادة الى طائفة فبادروا جميعا ، وخرج من بني سلمة أربعون جريحا – بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا ، وبالحارث بن الصمة عشر جراحات – حنى وافوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لما رآهم : " اللهم بني سلمة " . وهكذا كان صحابة رسول الله وهذا نموذج من جهادهم فى سبيل إعلاء كلمة الله ، فهل يستكثر المسلم إذا أتعب نفسه قليلا فى الدعوة الى الله ونشر محاسن الإسلام وتعليم الناس مكارم الأخلاق ، ألا يستحي من نفسه إذا استكثر الجهد البسيط الذي يبذله فى الدعوة إلى الله ، وصحابة رسول الله يخرجون جرحي للقتال وهم يقولون : سمعا وطاعة لله ولرسوله . ( أصول الدعوة أ/ عبد الكريم زيدان )
التقويم
أسئلة التذكر :
-
اذكر الشبهات التى تثار حول وجوب الدعوة إلى الله ؟
-
اذكر الآيات القرآنية التى تفهم خطأ وتثار حول وجوب الدعوة إلى الله ؟
أسئـلـة الفـهـم:-
-
قال تعالى " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير " وضح الرد على من قال أن " منكم " بمعنى " بعضكم " .
-
وضح المقصود بالفرض الكفائى ؟
-
كيف ترد على من يقول أن واجب الدعوة إلى الله على العلماء فقط ؟
-
قال تعالى " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " وضح كيف ترد على الشبهة المثارة نحو هذه الآية الكريمة ؟
-
قال تعالى " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون " تشير الآية الكريمة إلى شبهة حول وجوب الدعوة إلى الله . وضح هذه الشبهة وكيف ترد عليها من خلال فهمك للآية ؟
-
قال تعالى " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " يفهم البعض هذه الآية فهماً خاطئاً وضح هذا الفهم الخاطىء وكيف تصححه عند هؤلاء ؟
ضع علامة ( أو × ) مع تصحيح العبارة الخاطئة :-
-
كلمة " من " فى قوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " للتبعيض.
-
كلمة " من " فى قوله تعالى" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير " ليست للتبعيض عند البعض .
-
المقصود بالفرض الكفائى أنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين دون قيد أو شرط .
-
الواجب على المسلم هو القيام بواجب الدعوة إلى الله سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا .
-
يتم الإهتداء فى قوله تعالى " إذا اهتديتم " بالبعد عن الحرام .
صل من ( أ ) ما يتناسب مع ( ب )
( أ ) ( ب)
|
1- يظنها البعض على أنها تدل على اختصاص بعض المسلمين بأمر الدعوة 2- يظن البعض أن الدعوة إلى الله تسبب للداعي ما لا يستطيع تحمله 3- أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها فى غير موضعها
|
- " عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " - " لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً - " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " - " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير " |
أسئلة تطبيقية : -
-
اذكر الشبهات التي واجهتك عند إقناع الآخرين وبوجوب الدعوة .
الحلقة
الاربعون
الحلقة الاربعون
الهدف المرحلي الخامس : أن يوضح الدارس أهم صفات الداعي إلى الله .
الأهداف الإجرائية السلوكية :
-
أن يحدد الدارس أهم صفات الداعي إلى الله .
-
أن يوضح الدارس أوجب صفات الداعي إلى الله .
إن تكوين الأمم و تربية الشعوب و تحقيق الآمال و مناصرة المبادئ يحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعوا إليه على الأقل إلى قوة نفسية هائلة تتمثل في عدة أمور :إرادة قوية لا يتطرق إليها وهن أو ضعف و وفاء ثابت لا يعدوا عليه تلون أو غدر و تضحية عزيزة لا يحول دونها طمع أو بخل و معرفة بالمبدأ و إيمان به و تقدير له يعصم من الخطأ فيه و الانحراف عنه و المساومة عليه و الخديعة بغيره . على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها . و على هذه القوة الروحية الهائلة تبنى المبادئ و تربى الأمم الناهضة و تتكون الشعوب الفتية و تتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنا طويلا . و كل شعب فقد هذه الصفات الأربع . أو على الأقل فقدها قواده و دعاة الإصلاح فيه . فهو شعب عابث مستكين لا يصل إلى خير و لا يحقق أملا . و حسبه أن يعيش في جو من الأحلام و الظنون و الأوهام "
من هذا يتضح أهمية إتصاف الدعاة بالصفات اللازمة لإحداث التغيير في أنفسهم أولا إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ 83 وفي مجتمعاتهم ثانيا.
ومن أوجب صفات الداعي الناجح إلى الله تعالي :
1- حسن الصلة بالله تعالي والتوكل عليه وحده :
إنما يقوى القلب على العبادة والدعوة إذا قهر شهوته وهواه، وإلا ... فقلب قهرته الشهوة وأسره الهوي ووجد الشيطان فيه مقعده كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ فضلا عن أن يضطلع بأعمال الدعوة إلى الله.
يقول الإمام البنا: (إني لا أخشى عليكم الدنيا مجتمعة ولكن أخشى عليكم أمرين اثنين: أن تنسوا ربكم فيكلكم إلى أنفسكم أو أن تنسوا أخوتكم فيصير بأسكم بينكم شديدا)
2- الإخلاص :
يقول الرسول عليه السلام "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر .. قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرياء .. يقول الله عز وجل إذا جزي العباد بأعمالهم: أذهبوا غلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم أجرا؟!"
يقول الإمام الشهيد: (وأريد بالإخلاص أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله وابتغاء مرضاته، وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر ..)
3- القدوة :
في الصدق والأمانة - الرحمة والشفقة - الصبر والمصابرة - الحرص على الدعوة - الثقة بنصر الله والوعي والفقه.
قال تعالي: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ البقرة 44
قال تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ( الصف 2، 3 )
وقال عمر رضي الله عنه : (إن لله رجالا أحيوا الحق بذكره وأماتوا الباطل بهجرة).
ويقول بعض السلف :من لم ينفعك حاله لن ينفعك مقاله
و لا نستطيع أن نفصل بين الدعوة و الداعية لأن المسلم الذي يفهم دعوته فهما صحيحا لكنه يسيء تقديمها إلى الناس لا يقل خطرا عن المسلم الذي لا يفهم إسلامه الفهم الصحيح " .
يقول د . السباعي "مصيبة هذا الدين في جميع عصوره بفئتين . فئة أساءت فهمه و فئة أتقنت استغلاله . تلك ضللت المؤمنين به وهذه أعطت الحاقدين حجة عليه".
(... إن الكلمة لتبعث ميته وتصل هامدة مهما كانت طنانة متحمسة .. إذا هي لم تنبع من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقوله حقا إلا أن يتحول هو ترجمة حية لما يقول وتجسيما واقعيا لما ينطق به ...).
4- العلم :
أولا: بما يدعو إليه وهو الإسلام وعظمته وأحقيته بقيادة البشرية لسعادة الدنيا والآخرة .
ثانيا: والعلم بالمدعو وظروفه وإمكانياته.
ثالثا: العلم بفنون الدعوة ووسائلها وفقهها.
رابعا: العلم بظروف العالم الإسلامي ماضيه و حاضره و أعداء الإسلام و أساليبهم و متابعة ما يدور على رقعة العالم من أحداث تؤثر من قريب أو بعيد على الاسلام و المسلمين .
خامسا: العلم بأحد التخصصات المختلفة المتصلة بشئون الحياة كالطب و الهندسة و الزراعة والتجارة و الصناعة و غير ذلك. فلابد للداعي من إتقان تخصصه ليأخذ مكانه في المجتمع و ليسد الثغرة عند بناء الكيان الإسلامي.
5- الحلم :
والدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يكون بالمعروف لا غلظة فيه و لا شدة . لا تعال و لا توبيخ أو تقريع . و على الداعي أن يقول الحق و لو كان مرا و لكن في أسلوب يدعو إلى قبوله كما لا يجوز للداعي أن يداهن أو ينافق بقصد ترغيب الناس و كسب مودتهم حتى يعرفوا الحق فإن هذا الأسلوب لا يتفق و جلال ما يدعو إليه و قد حذر الله تعالي رسوله عليه السلام منه فقال " ودّوا لو تدهن فيدهنون " (القلم 9 ).
و كان الرفق من أخلاق الصالحين و كان اسلوبهم الأول في الدعوة إلى الله . قال محمد بن زكريا الغلام : شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة ليلة و قد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله و إذا في طريقه غلام من قريش سكران و قد قبض على امرأة فجذبها فاستغاثت فاجتمع الناس عليه يضربونه . فنظر إليه بن عائشة فعرفه . فقال للناس تنحوا عن ابن أخي ثم قال إلى يا ابن أخي . فاستحيى الغلام فجاء إليه فضمه إلى نفسه ثم قال له امض معي . فمضى معه حتى صار إلى منزله فأدخله الدار و قال لأحد غلمانه بيته عندك فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان منه و لا تدعه ينصرف حتى تأتيني به . فلما أفاق ذكر له ما جرى فاستحيا منه و بكى و هم بالانصراف . فقال الغلام قد أمر أن تأتيه . فأدخل عليه فقال له أما استحييت لنفسك ؟ أما استحييت لشرفك ؟ فاتق الله و انزع ما أنت فيه . فبكى الغلام منكسا رأسه . ثم رفع رأسه و قال عاهدت الله تعالى عهدا يسألني عنه يوم القيامة أني لا أعود إلى شرب الخمر أبدا و لا لشيء كنت فيه . و أنا تائب .فقال ادن مني فقبل رأسه و قال أحسنت يا بني . فكان الغلام بعد ذلك يلزمه و يكتب عنه الحديث و كان ذلك ببركة رفقه و صلاحه .ثم قال إن الناس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يكون معروفهم منكرا . فعليكم بالرفق في جميع أموركم تنالون ما تطلبون ".
6- المخالطة للناس :
يقول الرسول عليه السلام "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" لذلك خالط الناس وكن شامة يشار إليها بالبنان .
وقول الأستاذ البنا :
(كونوا بين الناس كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم بأطيب الثمر)
7- الصفات الشخصية :
وهي الصفات المؤثرة في الناس على اختلاف أنواعهم.
أ- العناية بالمظهر (مظهرك عنوان لشخصيتك) :
ليس المقصود بالمظهر هو ارتداء الملابس الفاخرة والثمينة وإنما المقصود بالملبس المهندم النظيف. ولقد قال أحد الباحثين"الرجل الذي تشيع الفوضى في هندامه من الأرجح أن تشيع الفوضى في تفكيره كذلك".
ب- اللياقة أو الذوق :
* لا تكن شخصا مزعجا فتسلب من الناس أوقات راحتهم (الزيارة أو التليقون).
* تجنب إحراج الآخرين سواء - بالسخرية من ملبسه - تسفيه رأيه - توجيه أسئلة خاصة ..
* امتدح أقل إجادة من الآخرين وغض الطرف عن إساءتهم.
ج- تفتح الذهن :
أن يكون ذهنك من الاتساع .. بحيث يدرك أن الآخرين لهم آراء مخالفة لرأيك وقد تكون أفضل من رأيك. فمن الظواهر السلبية الموجودة بيننا التعامل مع الآخرين على أننا أصحاب الحق والسلوك القويم ومن سوانا لا شيء على الإطلاق في الدين. وطبعا لا يقول أحد منا هذا ولكن أفعالنا تنبئ عن ذلك فيجب ألا نصم آذاننا عن انتقادات واقتراحات الآخرين. واعلم أن تفتح الذهن يقتضي.
(1) ألا تسوق النقد جزافا: فلا تنتقد فعلا لا تدرك أبعاده وظروفه.
(2) ألا تصدر أحكاما عامة: فعبارات مثل : "هؤلاء الناس لا يعلمون شيئا"، "كل هذه المجموعة فاسدة" ، "هذا الشخص لن يقبل منك شيئا مطلقا"، لا مكان لها بيننا.
(3) فتح الطريق أمام المتحدثين للتراجع: إذا شعرت أنك قد حاصرت محاورك فاسمح له بالتراجع وافتح الطريق لعودته فأنت بذلك تحفظ ماء وجهه ولا تبادر إلى تجريحه فإن فعلت ذلك فسوف يشكر لك هذا الصنيع في أعماق نفسه وقد يتبني وجهة نظرك فيما بعد.
(4) الآخرون لهم عقل كما لك عقل. فاسمح لهم بالتعبير عن رؤاهم وآرائهم وطرق تفكيرهم. فبذلك تفسح الطريق لمعرفتهم حق المعرفة.
د- المرح :
إن النفس تفضل أن تصاحب الشخص المتبسم خفيف الظل مرح الروح وليس المتجهم الثقيل الصلب التعامل، بالطبع نحن لا نقصد أن يكون أحدنا تافها ينسي الجدية لكن ندعو إلى روح مرحة تخفف من ضغط الحياة واجعل همومك الدعوية محلها قلبك فقط واجعلها وقودا لحركتك فإن المؤمن حزنه في قلبه وبشره في وجهه والمنافق حزنه في وجهه وبشره في قلبه.
هـ- البساطة :
- تجنب التحدث بلغة صعبة مليئة بالمصطلحات فيشعر المدعو بأنه صغير وضعيف أمامك.
- تجنب الإكثار من التحدث عن علاقاتك الشخصية التي تشعر المدعو بضخامتك فإن الإنسان لا يحب أن يرى أحدا أكبر منه.
و- التطبيق العملي للأفكار :
من أكبر الأسباب التي تؤدي إلى كسب احترام الآخرين هو إحساسهم بأن لك قيمة وهدف تحيا من أجله وتخلص وتتفاني في سبيله.
ز- الاعتماد على النفس :
إن اعتماد الإنسان على نفسه ثروة حيث أن بعض الأشخاص يستسهل طلب المساعدة من الآخرين والإكثار من ذلك السلوك أمر مذموم فلابد لكل إنسان أن يسعى في حاجته ما دام يستطيع ذلك ففي الحديث"أزهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس"
واعلم أن الاعتماد على المدعو في تيسير بعض الأمور الشخصية للداعية طعن في مروءة الداعية وسبيل لإشعار المدعو باستغلال الآخر له.
ح- روح المساعدة :
إن الداعية اليقظ هو الذي يتفقد أحوال من حوله ويبادر إليهم وهو مستحضر قول الحبيب عليه السلام "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" وبقدر سرور الناس باعتمادك على نفسك وعدم سؤالك مساعدتهم فإن سرورهم يزداد كلما أسديت إليهم معروفا.
ط- الثقافة البيئية :
لا شك أن حركة الداعي يجب أن تكون واسعة وانتشاره كبيرا وبالتالي لابد أن يلم بثقافات متنوعة سواء كانت دينية أو سياسية أو رياضية أو اجتماعية حتى يستطيع أن يتعامل مع الأنواع المختلفة من البشر. لذلك فلابد من أن يعرف شيئا عن كل شيء ويلم بالجديد ويساير العصر ومجرياته وبالتالي تقوي حجته ويجذب الناس إلى دعوته.
ى- .......
أضف صفة أخري من عندك أنت تراها ضرورية للداعية الناجح .
التقويم
أسئلة التذكر :-
-
اذكر أهم صفات الداعي – إلى الله - الناجح ؟
-
اذكر أوجب صفات الداعي – إلى الله - الناجح ؟
-
اذكر الصفات الشخصية للداعي الناجح ؟
أسئلة الفهم :-
أكمل ما يأتى :
-
القوة النفسية الهائلة التى يتمتع بها الداعى تتمثل فى صفات أربع هى ....و....و....و....
-
الشعب الذى يفقد قوّاده هذه القوة النفسية الهائلة شعب .... لا يصل إلى .... ولا يحقق ....
-
يخشى على الدعاة من أمرين أن ينسوا ... فيكلهم إلى أنفسهم أو أن ينسوا ... فيصير بأسهم بينهم شديداً.
-
من أوجب صفات الداعى " العلم " ويتضمن العلم ....و...و....و.... وإتقان التخصص فى مجال عمله
-
الرجل الذى تشيع الفوضى فى ..... من الأرجح أن تشيع الفوضى فى .....
س – وضح المقصود بكل من الصفات الآتية كصفات للداعية الناجح :
القدوة – اللياقة أو الذوق – تفتح الذهن – البساطة – الإلمام بالثقافة البيئية .
- صل من (أ ) ما يناسب ( ب )
( أ ) ( ب )
1- الإخلاص - من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته
2- الحلم - ازهد فى الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس
3- المخالطة للناس - إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله
4- روح المساعدة - إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر
5- الإعتماد على النفس - " يآيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون "
- المؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذى لا
يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.
سؤال تطبيقي - أذكر صفات الداعي التى تأثرت بها شخصياً والتى ترى أهميتها للداعية إلى الله .
استبانة يمكن أن يستخدمها الدارس لقياس مدى توفر صفات الداعي عنده لمجاهدة نفسه للتحقق بها :
|
بيان |
دائماً |
غالباً |
أحياناً |
نادراً |
|
1- أعقد نيتى عند ذهابى لأعمال البر |
|
|
|
|
|
2- أعقد نيتى عند الإعداد لموعظة أو خطبة |
|
|
|
|
|
3- أصحح نيتى إذا خالطها شىء أثناء العمل |
|
|
|
|
|
4- لا أدعو إلى شىء إلا إذا عملته أولاً |
|
|
|
|
|
5- أعاتب نفسى بشدة إذا قلت كلاماً لا أطبقه |
|
|
|
|
|
6-أحرص على قراءة مفيدة كل يوم |
|
|
|
|
|
7-أحرص على مقابلة السيئة بالحسنة |
|
|
|
|
|
8-أحرص على الكلمة الطيبة حتى مع المتحاملين |
|
|
|
|
|
9- عند الحديث مع الآخرين أفسح صدرى لهم وأشعرهم باستعدادى لقبول الرأى الصواب |
|
|
|
|
|
1.- أحرص على بشاشة الوجه عند مقابلة الناس والتعامل معهم |
|
|
|
|
|
11- أتجنب التكلف فى كل شىء |
|
|
|
|
|
12- أحرص على مساعدة الآخرين وقضاء حاجاتهم
|
|
|
|
|
|
13- اعتمد على نفسى ولا أحرص على أى نفع مادى مقابل الدعوة |
|
|
|
|
|
14- أشارك أهل الحى فى جميع المناسبات الإجتماعية وغيرها من المصالح العامة . |
|
|
|
|
المصادر
1- الدعوة قواعد وأصول أ / جمعة أمين .
2- أصول الدعوة د / عبد الكريم زيدان .
3- هذه الدعوة ما طبيعتها للشيخ / عبد الله ناصح علوان .
4- وجوب تبليغ الدعوة للشيخ / عبد الله ناصح علوان .
5- الدعوة إلى الله ( الرسالة – الوسيلة – الهدف ) د/ توفيق الواعي
6- كيف ندعو الناس للشيخ / عبد البديع صقر
7- أسس الدعوة وآداب الدعاة د / محمد السيد الوكيل
1 موضع على سبع ليال من المدينة إلى طريق البصرة .
2 موضع قرب مكة .
3 جبل جنوب عسفان بثمانية أميال
4 موضع على بريد من المدينة جهة غطفان .
5 أسجع : سهل ورفق يقال " ملكت فاسجح " أي أحسن العفو وتكرم ، وإذا سألت فأسجح : سهل ألفاظك وارفق .
6 موضع على أربعة وعشرين ميلاً من المدينة عن طريق الربذة .
7 موضع قرب المدينة .
8 ناحية من بطن نخل من المدينة .
9 ماء على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة في طريق العراق .
10 موضع شمالي المدينة .
11 قرية بينها وبين المدينة ستة ليال من جهة خيبر .
12 مهبط الحديبية
13 أي حزنت وبركت من غير علة ، والقصواء : اسم ناقته صلى الله عليه وسلم .
14() سورة الفتح الآيات 1-3
15() الأعراف : 158
16() سبأ : 28
17() الحج : 49
18() فتح الباري ج 9 ص 192 ، والسيرة ا لنبوية لابن كثير ج 3 ص 507.
19 الفلاحين أو الأتباع
20() سورة الفتح : الآية 20
21() السافيات : التي تثير التراب .
22() الأشهر الحُرُم : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرمُ ، ورجب ، وكانت العرب تحرِّم فيها القتال .
23() دخلوا في أرض الحَرَم : أي أصبح قتالهم محرماً علينا بسبب دخولهم في أرض الحرم المكي.
24() هو عمرو بن الحضرمي .
25() أحدهما الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة والد أبي جهل ، أسلم وحسن إسلامه واستشهد في بئر معونه.
26() يزوَرُّون : ينحرفون عن طريقهم لئلا يكلموهم .
27() سورة البقرة : آية 217 .
28() حَرَدُه : غضبُه وثورته .
29() سَلَب القتيل : ما يؤخذ منه من سلاح ومتاع .
30() أكمام الورد : ما يُغلف الورد من أوراق خضر أول تفتحه .
31() مفلفل الشعر : شديد تجعيد الشعر .
32() الثرَّة : الغزيرة .
33() سورة الانفطار : من الآية 10-11 .
34() سورة ق : من الآية 17 - 18 .
35() قميص صفيق : قميص خشن كثيف النسج .
36() رام المسلمين بشر : قصدهم بشر .
37() هيهات : اسم فعل بمعنى بَعُدَ [ أي إن قبول ذلك بعيد ] .
38() سورة الشعراء : 109 .
39() أترعها : ملأها .
40 سورة المؤمنون 37
41 آل عمران
42 محمد
43 البقرة 20-4-205
44 البروج 11
45 المائدة 119
46 آل عمران 185
47 التوبة 72
48 هود 29
49 هود 51
50 طه 84
51 التوبة 110
52 آل عمران 142
53 البروج 11
54 آل عمران 83
55 الحديد 10
56 الرعد 13
57 الإسراء 44
58 التوبة 38
59 - مفتاح دار السعادة بن القيم
60 - الدعوة قواعد و أصول أ/جمعة أمين
61 سورة التوبة : 71 .
62 سورة آل عمران :110 .
63 سورة آل عمران :104 .
64 ارجع إلى مختصر "ابن كثير" للشيخ الصابوني ج1 ص :306 .
65 الحسبة : هي القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسميت هذه المهمة حسبة لكون صاحبها يحتسب الأجر والثواب من الله وحده .
66 سورة العصر .
67 سورة التوبة : 71 .
68 سورة التوبة : 67 .
69 تفسير القرطبي ج ع -ص : 47 .
70 سورة آل عمران :113-114 .
71 إحياء علوم الدين ج2 -ص :307 .
72 سورة المائدة : 78-79 .
73 سورة الحج : 40-41 .
74 سورة المائدة : 78 .
75 وتغيير المنكر بالقلب معناه أن ينكر بقلبه على أهل الفسوق والعصيان إذا رآهم متلبسين بالفسق والمعصية ؛ وذلك بمقاطعتهم ، والانسحاب من مجالسهم ، وتمعر وجهه من أفعالهم .
76 - الزخرف:
77 - في ظلال القرآن تفسير سورة الزخرف
78 سورة آل عمران : 110 .
79 سورة البقرة : 143 .
80 سورة آل عمران : 104 .
81 سورة فصلت : 33 .
82 حمر النعم : هي الأبل الحمراء ، وكان العرب يتفاخرون بها لعظمها ونفاستها ..
83 - [الرعد: 11]
Date de dernière mise à jour : 05/07/2021